مدونة تدون فيها خطب عصرية عامة تفيد الخطباء وتنشر محتوى في الشبكة يستفيد منه الجميع ، وعلى مذهب أهل السنة والجماعة وبكل فخر . أعدها للخطباء : فاعل خير عفا الله عنه ، ويطلب من المتصفحين والقراء الدعاء له ولوالديه وذريته
السبت، 16 سبتمبر 2023
خطبة عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع أمره
فاتقوا الله - عباد الله - فبالتقوى واتباع الكتاب والسنة تَسودوا الأمم وترقُوا القمم ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكُم رقيبا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : عندما نتحدث عن محبة أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم لنبيها نتحدث عن تاريخٍ حافلٍ بالعطاء والمشاعر الفيّاضة من الجيل الأول جيل الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا وعندما نتحدث عن ما يجب علينا وفاءً لحقه عليه الصلاة والسلام يغمر النفس الحزن عندما يرى المسلم حال الأمة اليوم من تقصيرها بحق نبيها عليه الصلاة والسلام .
عباد الله : محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثوابت الحتمية على كل مسلم وإن لها أصلاً وكمالاً ، فالأصل أن يأتي بأصل المحبة دون كمالها فيكون للنبي صلى الله عليه وسلم مُحبّاً وإلا لم يكن مسلماً ، فإن أصل المحبة فرض ودليل ذلك قول الله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين ) وكذلك قول عمر رضي الله عنه : " يارسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا ، والذي نفسي بيده ، حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك " فقال له عمر : " فإنه الآن ، والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الآن ياعمر " فدلّ هذا الحديث إن محبة النبي إذا كانت أقل من محبة النفس فإن الإنسان يصح إسلامُه ولكن لايبلغ درجة الإيمان الكامل حتى تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من محبة النفس كما ورد ذلك في الحديث الصحيح : " لايؤمن أحدُكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده ووالده والناس أجمعين " أخرجه الشيخان وأحمد والنسائي .
عباد الله : قد فصل ابن رجب رحمه الله وإيانا أجمعين في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري وهو غيرَ كتاب ابن حجر رحم الله الجميع ، يقول ابن رجب رحمه الله : " محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان ، وهي مُقارنة لمحبة الله عز وجل ، وقد قرنَها الله بها ، وتوعّد من قدّم عليها شيئاً من الأمور المحبوبة طبعاً ، من الأقارب والأموال والأوطان وغيرِ ذلك . . فإن قدّم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي : كان دليلاً على صحة محبته للرسول وتقدِيمها على كل شيء ، وإن قدّم على طاعته وامتثال أوامره شيئاً من هذه الأشياء المحبوبة طبعاً ، دلّ ذلك على عدم إتيانه بالأيمان التام الواجب عليه . وكذلك القول القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس ، فإن محبة الرسول تبعٌ لمحبة مُرسله عز وجل . هذا كلُّه في امتثال الواجبات واجتناب المحرّمات ، فإن تعارَض داعي النفس ومندوبات الشريعة ، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس : كان ذلك علامة كمال الإيمان ، وبلوغه درجة المقرّبين والمحبوبين المتقرّبين بالنوافل بعد الفرائض ، وإن لم تبلُغ هذه المحبة إلى الدرجة : فهي درجة المقتصدين ، أصحاب اليمين الذي كمُلت محبتهم ولم يزيدوا عليها " أي لم يستطيعوا الزيادة لأن مابقلبهم من الإيمان لايؤهلهم إلى درجة السابقين المقربين .
عباد الله : هناك نماذج من السيرة تدل على محبة أول هذه الأمة لنبيها فمن ذلك اهتمامهم بأمره وتسابقهم لطاعته ومن شدّة محبتهم له مارواه البخاري في صحيحه من حديث عُروة بن مسعود رضي الله عنه في حديث طويل كان فيه أنه قال لقريش : " أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، ووفدت على قصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكاً قط يُعظّمه أصحابُه مايُعظّم أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمداً ، والله إن تنخّم نُخامة إلا وقعت في كف رجل ٍمنهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يُحدّون إليه النظر تعظيماً له " .
عباد الله : كان حتى لمحبة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم نصيب ، فمن ذلك أن امرأة من الأنصار من بني دينار قد أُصيب زوجُها وأخوها يوم أحد ، فلّما نُعوا إليها قال : " مافعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيراً يأمّ فلان ، فقالت : أرونيه حتى أنظرَ إليه ، فأشاروا لها إليه ، حتى إذا رأته قال : " كل مصيبةٍ بعدك جلل "
ومن تلك القصص التي وقعت لبعض صحابة رسول الله في شدة محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ماورد في قول الله تعالى : ( ومن يُطع الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) حيث ذكر البغوي في تفسيره عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه تى النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وقد تغيّر لونه ، ويُعرف الحُزن في وجهه ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " ماغيّرَ لونك ؟ "
فقال : " يارسول الله مابي مرضٌ ولا وجَع ، غيرَ أنّي إذا لم أرك استوحشت وحشة شديد حتى ألقاك ، ثمّ ذكرتُ الآخرة فأخاف أني لاأراك ، لأنك تُرفع مع النبيين ، وإني إن دخلتُ الجنّة كنت في منزلة دون منزلتك ، وإن لم أدخل الجنة لاأراك أبداً " فنزلت هذه الآية ، وهكذا كان أولئك الرعيل الصالح يحبون ويعظمون سيد البشر عليه الصلاة والسلام وذلك كمال الإيمان وتمامه كما دلت على ذلك السنّة المطهرة ، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الكتاب والحكمة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .
=========== الخطبة الثانية ============
الحمدلله الواحد المجيد والصلاة والسلام على سيد البشر والعبيد نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والسلام والتمجيد ومن تبعه بإحسان إلى يوم المزيد أما بعد :
عباد الله : هذه الأمة المحمدية فيها خيرٌ عظيم ومحبة لنبيها الذي أخرجها من الظلمات إلى النور بعون من الله ، عرفنا \لك أو بلغنا أو لم نعرفه ، علمنا أولئك المحبين أو جهلناهم ، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أشد أمتي حبَّاً لي ناسٌ يكونون بعدي يود أحدُهم لو رآني بأهله وماله " أي لو جعل أهله وماله فداءاً من أجل رؤيته عليه الصلاة والسلام وهذا من أعظم المحبة وأشدها على النفس ، وقد جاء في سنن الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثلُ أمتي مثلُ المطر لايُدرى أوله خيرٌ أم آخره " وقد حسّن الحديث جمعٌ من أهل العلم ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى شرحاً لهذا الحديث : " فمعناه في المتأخرين من يُشبه المتقدمين ويقاربُهم ، حتى يبقى لقوة المشابهة والمُقارنة لايدري الذي ينظر إليه ، أهذا خيرٌ أم هذا ، وإن كان في نفس الأمر خيراً ، فهذا فيه بُشرى للمتأخرين بان فيهم من يُقارب السابقين " .
عباد الله : ليس محباً للنبي صلى الله عليه وسلم من يُخالف هديه وأمره أو لم يُدافعُ عنه وعن عرضِه عليه الصلاة والسلام وليست مشاعر محبة النبي صلى الله عليه وسلم مشاعرٌ تُبدى بإقامة مولد يضرب فيه بالدف أو يُرقص فيه كما يفعل بعض الجهّال ، فأولئك في الحقيقة مبغضون لمنهج النبي صلى الله عليه وأصحابِه ، متنكبون عن الصراط المستقيم وضالون ومضلون ، بل إنه وصل الحد ببعضُهم أن يتخذَ من إظهار محبة النبي صلى الله عليه وسلم في الموالد المُقامة طريقة لبث سمومه من شركيات وبدع واستغاثات بغير الله من الأولياء وغيرهم ، فكل أولئك ليسوا من الفرقة الناجية التي أخبر عنها المصطفى عليه السلام بأدلة متوافرة من الكتاب والسُنة فويلٌ لهم مما كسبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون - أجارنا الله وإياكم من البدع المُحدَثة والفتن الحادثة . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه ، فقال عز من قائلٍ كريم ورب رحيم ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .
الاثنين، 11 سبتمبر 2023
خطبة عن العشرة المبشرين بالجنة ( طلحة بن عبيدالله رضي الله )
إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي
له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين
يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به
أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه
ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها
الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس
اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً
ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الصحابة رضوان الله عليهم لهم فضلٌ كبيرٌ على هذه الأمة نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي غضّاً طريّاً للأمة بعدهم وفضيلتهم تكمُن في سابقيتهم للإسلام وجهادهم مع المصطفى عليه الصلاة والسلام وعلمهم ومنزلتهم عند الله ورضا الله عنهم حتى قال المصطفى عليه الصلاة والسلام : " لاتسبّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً مابلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " فعملهم القليل يساوي عمل الكثير ممن يأتي بعدهم فلهم منزلةٌ وفضل ، ومن لم يعرف لهم فضلهم ومنزلتَهم ويشهد بعلو مكانتهم ومنزلتهم فهو مكابر معاند في قلبه مرض ، يُحذر منه وتُحذّر الأمة من شرّه وكيده ، وإذا كان الصحابي من السابقين أو من العشرة المبشرين بالجنة فلهم مزيّة أكثر من غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، لأنهم تسبّبوا بإسلام من بعدهم وسبقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف قبل إسلام من تأخر من الصحابه وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لبعضهم بالجنة رضي الله عنهم وعنّا أجمعين ، ومثلُ هؤلاء ينبغي الوقوف على سيرتهم واستلهام الدروس من حياتهم وكفاحكم وجهادهم للإقتداء بهم ونهج سبيلهم الأرشد ، وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه : " من كان مستنّاً فليستن بمن قد مات فإن الحي لاتُؤمن عليه الفتنة " .
ولعلنا نقف على سيرة صحابي من أفاضل الصحابة وممن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو ( طلحة بن عبيد الله ) رضي الله عنه .
عندما نتحدث عن طلحة رضي الله عنه عن سيد من سادات قريش ووجهائهم وأسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو من الثمانية الذين سبقوا للإسلام ، وهو أحد الستة أهل الشورى الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض واشتهر بالغنى والكرم والسخاء ، وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم بطلحة الخير في يوم أحد وفي غزوة ذي العشيرة بطلحة الفيّاض وقيل أنه نزلت فيه قول الله تعالى : ( من المؤمنين رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " طلحة ممن قضى نحبه " . وقد سجلت له مواقف كثيرة تدل على سخائه وجوده ومنها : أنه اشترى بئراً لسقي المسلمين ، وافتدى عشرة من أسرى بدر بماله ، وباع ارضاً له بسبعمائة ألف فلم يهنأ له النوم ليلاًُ والمال عنده ، فلمّا طلع عليه الصُبح وزّعه ، وأنفق مالاً كثيراً في تجهيز الجيش في ساعة العُسرة حين غزوة تبوك ، وتصدّق بمائة ألف درهم ثم لم يجد مايلبس إلا ثوباً قديماً ، وكان يرسل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كل عام عشرة آلاف درهم لتوزّعها على فقراء المسلمين ، وكان لايترك غارماً من قومه بني تيم إلا سدّد عنه دينَه وقضى عنه ، فقد سدّد عن عبيد بن معمر ثمانين ألف درهم ، ودفع عن رجلٍ آخر ثلاثين ألفاً رضي الله عنه ، وكان يقول رضي الله عنه : " إنا لنجد بأموالنا مايجد البخلاء ولكنّنا نتصبر " .
عباد الله : هاجر طلحةُ رضي الله عنه إلى المدينة وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلّها عدا غزوة بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وجهه وسعيد بن زيد يتحسّسان الأخبار ، فلم يرجعا إلا وقد انتهت وقعة بدر ، وضرب لهما النبي صلى الله عليه وسلم معه بسهم لكل منهما ، وأكثر ماأبلى طلحة رضي الله عنه يوم أحد ، ففي صحيح النسائي أن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : " لمّا كان يوم أُحد وولّى الناس ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية في اثني عشر رجُلاً من الأنصار وفيهم طلحة ؛ فأدركهم المشركون ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من للقوم ؟ " فقال طلحة رضي الله عنه : " أنا " . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كما أنت " فقال رجل من الأنصار : " أنا يارسول الله " فقال : " أنت " فقاتل حتى قُتل " ، ثم التفت فإذا المشركون ، فقال : " من للقوم ؟ " فقال طلحة : " أنا " . قال : " كما أنت " . فقال رجل من الأنصار : " أنا يارسول الله . فقال : " أنت " فقاتل حتى قُتل ، ثم لم يزل يقول ذلك حتى ويخرج إليهم رجلٌ من الأنصار ؛ فيقاتل قتال من قبله حتى يُقتل ، حتى بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلحة بن عبيد الله ، فقال رسول الله : " من للقوم ؟ " فقال طلحة : أنا ، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر - أي الذين سبقوه - حتى ضُربت يده فقُطعت أصابعه ، فقال : " حسّ " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قلتَ بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون " ثم رد الله المشركين .
عباد الله : ومن مناقب طلحة ماورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء ، هو وأبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ، فتحرّكت الصخرة : " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهدأ ، فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد " ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " طلحة والزبير جاراي في الجنة " .
أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .
============ الخطبة الثانية ============
الحمدلله الذي يخلق مايشاء ويختار ، ويعطي ويمنع وكل شيءٍ عنده بمقدار وهو العزيز الغفار والصلاة والسلام على سيّد الأبرار نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار أما بعد :
عباد الله : عاش طلحة رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولمّا نشب خلاف بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حول مقتل عثمان وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرى عدم التعجل بإقامة الحد على قتلة عثمان لكي يتم اقتناصهم واحداً واحداً بلا فتنة تنشب بين المسلمين في هذا الأمر وكان معاوية يرى التعجل وقتالِهم قبل أن يرجعوا إلى أهليهم ، وكان طلحة رضي الله عنه مع رأي معاوية ولمّا خرجوا في معركة الجمل ، ناشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب طلحة أن يرجع عن رأيه فرجع وانسحب من المعركة رضي الله عنه ، ولكنّه جاءه سهمٌ غادر من قومٍ لايريدون الصلحة ولا يريدون إلا نشوب الفتنة ؛ فاستُشهد رضي الله عنه وكان ذلك في عام ستة وثلاثين من الهجرة النبوية ولمّا انتهت المعركة دعا علي رضي الله عنه للذين كانوا من جنده والذين كانوا من جند معاوية ممن قُتل ولمّا فرغ من دفن طلحة والزبير رضي الله عنهما ، قال رضي الله عنه : " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم : ( ونزعنا مافي صدورهم من غلٍّ إخواناً على سررٍ متقابلين ) .
عباد الله : أولئك الجيل من الصحابة ومن يأتي بعدهم من التابعين وأتباع التابعين هم قدوة لنا بسيرتهم نعرف كيف عاشوا وكافحوا وجاهدوا أنفسهم وأعداء دين الله جل وعلا ، وفضيلتُهم لم تأتِ عبثاً ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على فضيلتهم وخيريتهم فقال عليه الصلاة والسلام : " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . . " رواه الشيخان .
عباد الله : من استلهم من مواقف أولئك الجيل قوة الإيمان وشدة العزم والحزم مع النفس والصبر على المصاعب والمشاق التي يواجهها في الدعوة أو في جهاد النفس كان حريّاً بأن يقوى إيمانه ويشتد عزمه وتكبُر همّته وتُشحذ نفسه لأهداف عالية المنال يُرضي بها ربَّه جل وعلا وينال بذلك كرامة الدارين ( والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبُلنا وإن الله لمع المحسنين ) . . جعلنا الله وإياكم منهم . . ثم صلوا وسلموا على صاحب الحوض والشفاعة وشفيعُنا يوم تقوم الساعة فاللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد . . .
الجمعة، 1 سبتمبر 2023
خطبة عن قصة أصحاب الأخدود وغلام الملك .
الحمدلله الذي منّ على عباده بإرسال الرسل ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون ، وأنزل الكتب - سبحانه - ليُعلّم أهل الجهالة فيتقون ، وأهل الزيع فيهتدون ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الذي فضلّه وأمته على سائر الأمم ليشكرون ومن حمده يُكثرون ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم يبعثون . . أما بعد :
عباد الله : اتقوا الله تعالى فكل عزٍّ بتقواه وكل ذُلٍّ بالإعراض عن سبيله وهداه ( … ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقْه من حيث لايحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبُه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيءٍ قدرا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتُها وكل محدثة في دين الله بدعة وكلُ بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : يجب على المسلم أن يوطّنَ نفسَه ويُلزمَها الرضا بما يقضي به الله تعالى من سنن وحكم في الحياة ومن تلك السنن تعرّض المسلم والمؤمن للإبتلاء والفتنة والله جل وعلا عتب على أناسٍ يظنون أنهم سينجون بإيمانهم من الفتنة والإبتلاء وأخبر أن سنّة الإبتلاء ماضية إلى قيام الساعة مادام الإسلام في الأرض ( أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايُفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .
عباد الله : قد قص الله علينا في كتابه العزيز بعضٌ مما حلّ به البلاء والفتنة في الدين من الأمم السابقة ، ومنهم قصة أصحاب الأخدود التي وقعت في نجران ، حيث ذكر ابن الأثير في كتابه ( الكامل في التاريخ ) وغيره من المؤرخين خبرهم وأورد عن ابن عباس أنه قال : " كان بنجران ملكٌ من ملوك حِميَر ، يُقال له ذو نوّاس واسمُه : يوسف بن شُرحبيل ، وكان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة " ثم ساق القصة رضي الله عنه وعن أبيه وهي قصة أوردها الإمام مسلم في صحيحه وارتبطت قصة أصحاب الأخدود بقصة الغلام مع الساحر والملك ، ففي حديث صهيب الرومي رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : " كان ملكٌ فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلمّا كَبِر قال للملك : إني قد كبِرتُ فابعث لي غلاماً أعلّمُه السحر ، فبعث إليه غلاماً يُعلّمه ، وكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه وسمع كلاماً فاعجبَه ، وكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقُل حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل حبسي الساحر ، فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال اليوم أعلم الساحر أفضل ؟ أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتُل هذه الدابّة حتى يمضي الناس ، فرماها فقتلها ومضى الناس ، فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب : أي بُني ، أنت اليوم أفضلُ مني ، قد بلغ من أمرك ماأرى ، وإنّك ستُبتلى ، فإن ابتُليت فلا تدلّ عليّ ، وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص ، ويُداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمِع جليسٌ للملك قد عمِي فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال : ماهاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني ، فقال : " إني لاأشفي أحداً إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك " فآمن بالله تعالى ؛ فشفاه الله تعالى ، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ، فقال له الملك : من رد إليك بصَرك ؟ قال : ربي ، قال : ولك ربٌّ غيري ؟ قال : ربّي وربك الله ، فأخذه فلم يزل يُعذّبه حتى دلّ على الغُلام ؛ فجيء بالغلام ، فقال له الملك : قد بلغ من سحرك ماتبرئ الأكمه والأبرص وتفعلُ وتفعل ، فقال : إتي لاأشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب ، فجيء بالراهب ، فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فدعا بالمنشار فوضع المنشار على مفرِق رأسه ، فشقه به حتى وقع شقّاه ، ثمّ جيء بالغلام ، فقيل له ارجع عن دينك فأبى ، فدفعَهُ إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتُم ذِرْوَته ؛ فإن رجع عن دينه وإلا فاطرَحوه ، فذهبوا به فصعدوا به الجبل ، فقال : " اللهم اكفنيهم بما شئت " فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : مافعل أصحابُك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور - أي سفينة كبيرة - وتوسّطوا به البحر ؛ فإن رجع إلى دينه وإلا فاقذفوه ، فذهبوا به ، فقال : " اللهم اكفنيهم بما شئت " فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك . فقال له الملك : مافعلَ أصحابُك ، فقال : " كفانيهم الله تعالى " . فقال للملك : " إنك لست بقاتلي حتى تفعل ماآمرُك به " . قال : ماهو ؟ قال : " تجمعُ الناس في صعيدٍ واحد ، وتصلُبُني على جذع ، ثم خذ سهماً من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبِد القوس ، ثم قل : بسم الله رب الغُلام ، ثم ارمني ، فإنك إن فعلتَ ذلك قتَلْتَني . فجمع الناس في صعيدٍ واحد وصلَبَه على جذع ، ثم أخذَ سهماً من كنانته ، ثمّ وضع السهم في كبِد القوس ، ثم قال : بسم الله ربِّ الغُلام ، ثم رماه فوقع السهم في صُدغِه ، فوضع يدَهُ في صُدغه فمات ، فقال الناس : آمنّا برب الغلام ، فأُتي الملك فقيل له : أرأيت ماكُنتَ تحذَر ؛ قد والله نزل بكَ حذرُكْ . قد آمن الناس . فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخُدّت وأُضرم فيها النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينِه فأقحموه فيها ، أو قيل له : اقتحم ، ففعلوا حتى جاءت امراة ومعها صبي لها ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام : " ياأماه اصبري فإنّك على الحق " .
فثبت الله ممن ابتُلي على الحق حتى لقي الله صابراً محتسباً ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضل الله الظالمين ويفعلُ الله مايشاء ) فليس أعداء الله عذابهم مثل عذاب الله ولا يُقاربُه ، ولذا من الجهل أن يعتقد البعض أن مايملكُه أعداء هذا الدين وأعداء أهله من السطوة والتعذيب وإن طال ذلك أنه يستحق أن يرجع المرء عن دينه بسببه يقول جل وعلا : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصرٌ من ربك ليقولُّن إنا كنّا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .
=============== الخطبة الثانية ==============
الحمدلله له حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على المبعوث بالبرّ والتقوى ، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ، ومن على الحق استقام ومن معينه ارتوى .. أما بعد :
عباد الله : العدوان والظلم ليس هو حصرٌ من طرف الكفار والمشركين على المؤمنين فقط ولكنه يكون بين الكفار أنفسهم ، والواقع والتأريخ يشهد ويروي ، والمؤرخون يدونون ويكتبون ، وكلٌ لربهم يبعثون ويحاسبون ، والله قد تكفل بالنصرة لعباده وأوليائه وهو عزيزٌ ذو انتقام ( أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيزٍ ذي انتقام ) والله يُدافع عن الذين آمنوا كما أخبر في كتابه ومن اعتدى على ولي من أولياء الله فقد آذنه ربه بالحرب ، وذلك نص الحديث القدسي : " من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب . .. " والله قد توعّد من يفتن المؤمنين في دينهم بالعذاب الشديد والنكال ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذابُ جهنّم ولهم عذاب الحريق ) ومن فتنة المؤمنين ظُلمهم وأذيتهم فاحذر أن تقع في مثل ذلك بأي سبيل . . ومن المبشرات لهذه الأمة مع وجود الفتن ماروى الإمام أحمد في مسنده وأبوداود في سننه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أمتي أمّةٌ مرحومة ، ليس عليها في الآخرة عذاب ، إنما عذابُها في الدنيا القتل والبلابل والزلازل " قال أبو النضر : " بالزلازل والقتل والفتن " أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه الحاكم والذهبي .
وقد أخبر بعض أهل العلم بأن الحديث مصحح وأنه يجرى مجرى الغالب في هذه الأمة وأنه ثبت العذاب في الآخرة لأهل الكبائر من هذه الأمة في أحاديث . . فاللهم عاملنا بلطفك وجنبنا المنكرات واقتراف الخطايا والسيئات وأصلح قلوبنا وأعمالنا في الخلوات والجلوات يارب الأرض والسماوات . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .
خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها
الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...
-
الحمدلله الذي الذي خلق الخلائق من عدم وأكرم عباده بالنعم وأسبغ عليهم من وافر الكرم وأبان لهم طريق الثبات والقيم والصلاة والسلام على النبي ال...
-
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له و...
-
الحمدلله أحكم الحاكمين وأعدلهم وأقسط المقسطين ورب الخلائق أجمعين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين حكم فعدل ودل على النور المبين وح...