الاثنين، 25 ديسمبر 2023

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

 الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على النبي البشير والسراج المنير  الذي أرسله ربه للثقلين الجن والإنس ليهديهم لأقوم سبيل وهو الجواد الكبير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم المصير أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى عليه مدار الأعمال ، وبه نجاة العبد من سوء الخاتمة في عرصات الإحتضار والآجال ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 

واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : خاتمة العبد المسلم عليها مدار المصير وتحديد المآل وتبين حين حلول الآجال وليست تتأثر بالأعمال وإنما هي أسباب ولكن تتأثر بعمل القلوب فيُزيغ ربُنا علام الغيوب من في قلبه مرض عن بلوغ المطلوب ؛ بسبب نيّة ذلك العبد الزائغ وسوء قصده ، ويهدي سبحانه وتعالى إلى أمثل طريق وأفضل خاتمة من صلحت نيته وقصدُه وفي الحديث الصحيح : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى " وفي قوله : " وإنما لكل امرئ مانوى " أن بالنية الصالحة تتحقق الخاتمة الرابحة ، وأكثر مايقلق العبد المؤمن اشتغاله بخاتمته فهو بخوف ورجاء خوفاً على نفسه من سوء الخاتمة فيطاله حديثُ النبي الصحيح : " إن العبد ليعملُ فيما يرى الناس عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، ويعمل فيما يرى الناس عمل أهل النار وهو من أهل الجنة " وحديث " فوالذي لاإله غيره إنَّ أحدكم ليعملُ عمل أهل الجنّة حتى مايكون بينها وبينه إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب ، فيُختم له بعمل أهل النار فيدخُلُها ، وإن أحدَكم ليعملُ بعمل أهل النار حتى مايكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيُختمُ له بعمل أهل الجنة فيَدخلُها  " . 
وكذلك رجاءً لما عند الله من الرحمة الذي يقول في محكم التنزيل : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتُبُها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) . 
ولهذا من الواجب على العبد أن يسعى سعياً حثيثاً لكي يختم له بخاتمة تسرُّه لأنه يعلم علم اليقين أن العبرة بالخواتيم ، وفي الحديث عند البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأعمال بالخواتيم " وفي رواية عن الإمام أحمد في مسنده صححها بعض أهل العلم : " وإنما الأعمال بالخواتيم " .  
عباد الله : إن سوء الخاتمة لها أسبابٌ منها : 
أولها : سوء النية والقصد وهذا واضحٌ جلي ذكرناه آنفاً ، إنْ صاحبِ سوء النية العزم على الفعل أو الشروع فيه ، وقدر ذُكرت قَصص كثيرة على اشخاص ساءت نواياهم بأناس صالحين أو صالحات فتوفاهم الله على حال لاتسر وعصم الله أولئك الصالحين والصالحات ممن أراد بهم شرّاً وصارت عاقبة أولئك الفساق شر عاقبة نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة 
- ومن تلك الأسباب  : سوء الظن بالله ، فالله يُجازي بسوء الظن صاحبَه ؛ فيقول الحق تبارك وتعالى في شأن من يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم : ( وماكنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لايعلمُ كثيراً مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ) . 
- ومنها : أن يخالف العبد ظاهره باطنه ، ففي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه المتفق عليه : " وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة " . 
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في قوله فيما يبدو للناس : "  فيه إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك ، وأن خاتمة السوء تكون بدسيسة باطنة للعبد لايطلع عليها إلا الناس "  . 
- ومنها أيضاً : قلة الصبر واستعجال المنية ومن القصص والشواهد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في غزوة خيبر ، فاقتتل مع المشركين ، فلما مال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عسكره ، ومال المشركون إلى عسكرهم ، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ لايدع شاذَّة ولا فاذَّة إلا اتَّبعها يضربها بسيفه ، فقيل : ماأجزأ منّا اليوم أحدٌ كما أجزأ فُلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما إنه من أهل النار " فقال رجلٌ من القوم :  أنا صاحبه - أي سيتابعه - فخرح معه كلَّما وقف وقف معه ، وإذا أسرع أسرع معه ، ثم إنَّه جُرح الرجل جُرحاً شديداً ، فاستعجل الموت ، فوضع نصل سيفه بالأرض ، وذُبابَه بين ثدييه ، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه " . 
 - ومنها : الإصرار على الذنب وتسويف التوبة ، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لاتشعرون * أن تقول نفسٌ ياحسرتى على مافرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو حين ترى العذاب لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين ) 
 - ومنها : الإبتداع وسوء المعتقد ، وهذا معلوم من الواقع فإن صاحب البدعة كثيراً مايتحدث في ساعات الإحتضار مايعتقد ويقرّ به 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...