الثلاثاء، 21 فبراير 2023

خطبة عن الغش التجاري والإحتكار

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : شرع الله المطهّر أتى بكل خيرٍ للبشر ونهى عن كل شر وكل مافيه ضرر وغالباً مايكون الخير والشر في تعاملات الناس مع بعضهم البعض والإنسان كما أخبر عنه الخلّاق العليم جُبِل على حبّ المال واقتنائه والسعي في سبيل كسبه ( وإنه لحب الخير لشديد ) والخير هو المال كما ذكر المفسرون ولايُنكر أحدٌ أنّه عصب الحياة وبه قَوام عيش الإنسان ، ولكنّ الكثير جعل اقتناء المال هو الغاية والثراء هو الهدف من هذه الحياة ، فسلك سبُلاً ملتوية وطُرقاً محرّمة في اقتناء المال وجمعه ، فمن ذلك الغش في البيع والشراء وهو سبيلٌ مقيتٌ مذموم ينافي الإيمان الكامل ، ومن كان ذلك سبيله فهو على غير طريقة النبي صلى الله عليه وأصحابه ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حمل علينا السلاح فليس منّا ، ومن غشّنا فليس منّا " وفي رواية أخرى عند مسلمٍ أيضاً : " من غشّ فليس منّي " وفي حديثٍ آخر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على صُبرة طعام ، فأدخل يده فيها فأصابت أصبابعه بللاً ، فقال : " ماهذا ياصاحب الطعام ؟ " قال : أصبته السماء يارسول الله ، قال : " أفلا جعلتَه فوق الطعام كي يراه الناس ، من غشّ فليس مني " .والغش ينافي الأمانة وهو نوع خيانة ، وذلك أن المشتري يأمن البائع فيعطيه مالَه مُقابلَ سلعةٍ يصفها له سالمة من العيوب ومن ثمَّ يتبيّن عدمُ سلامتها ، فإن ذلك قلة أمانة وكذبٌ والمؤمن لايكذب وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال : " لا إيمان لمن لاأمانه له ، ولا دين لمن لاعهد له " أخرجه أحمد في مُسنده أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرُهم . 

عباد الله : والغش بأنواعه مُحرّمٌ سواءاً كان تجارياً في السلع أو طعاماً أو بضائع معينّة وكذلك الغش في التعليم والإمتحانات والكثير من العلماء عدُّوا الغش كبيرة من كبائر الذنوب لأنه من الكذب ، ولا بركة في المال مع الغش بل إن المال الذي يجنيه العبد من وراء الغش ممحوق البركة لاينتفع البائع به وذلك مصداق ماأخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : " البيّعان بالخيار مالم يتفرّقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما " وإن من الغش كتمُ العيب او إخفائه عن المُشتري ففي حديث عُقبة بن عامر رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بيّنَه له " أخرجه الطبراني والبيهقي . 

  عباد الله : ولما كان المجتمع المسلم يعيش كالمجتمع الواحد بلا أنانية ولا استئثار عن الغير كما قال صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدُكم حتى يُحب لأخيه مايُحب لنفسه " من أجل ذلك حرّم السلوكيّات التي تدعو للشح والأنانية ومن ذلك الإحتكار في البيع والشراء ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن معمر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من احتكر فهو خاطئ " وفي رواية أخرى : " لايحتكر إلا خاطئ " أي آثمٌ ظالم لنفسه . 

والإحتكار ليس هو مايظنه بعض الناس من احتكار التجار لمنتجات جلبوها من الخارج أو صنّعوها بالداخل أو كانوا وُكلاء لمنتجات وبضائع أجنبية في وقت الرخاء ، وإنما المراد بذلك مايكون في استيلاء واحتكار للسلعة وقت ضيق الناس وشدّتهم وخصوصاً في المواد الأساسية كالطعام وقت المجاعة والماء وقت الشدّة والظمأ والمواد التي يحتاجها الناس في وقت الكوارث ونحوِ ذلك وهذا هو المقصود في الحديث ، يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وإيانا أجمعين : ( أمّا الذي يشتري الطعام أو غير الطعام مما يحتاجُه الناس في وقت الرخاء وكثرته في الأسواق وعدم الضرر على أحد ، ثمّ إذا تحرّكت السلع باعه مع الناس من دون أن يُؤخرّه إلى شدة الضرورة ، بل متى تحرّكت وجاءت الفائدة باعه فلا حرج عليه ، وهذا عمل التجار في قديم الزمان وحديثه ) انتهى كلامه . . فنسأل الله أن يدفع عن المسلمين كافّة الشدّة والبلاء والكوارث واللأواء إنه سميع الدعاء واسع العطاء ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 

================= الخطبة الثانية ================

الحمد لله رزق من فضله وهدى ، وأولى وأعطى وأخرج المرعى فجعله غُثاءاً أحوى والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والهدى نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ وبشرعه اهتدى أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الشرع الحنيف حذّر من الحلف في البيع عامّة ومن الحلِف الكاذب خاصّة ففي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إياكم وكثرة الحلِف في البيع فإنه يُنفّق ثمّ يمحق " وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثةٌ لايكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظرُ إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم " قال : فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مِرارٍ ، قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه : خابوا وخسروا ، من هم يارسول الله ؟ قال : " المُسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " .

واعلموا - ياعباد الله - أن البيع والشراء بشكل عام يشوبه مايشوبه من اللغو والحلف على السلع ، فالإكثار من الصدقة يحمي العبد بإذن الله من الكسب المحرّم ويُصفي ماله من الشُبَه التي ترد عليه ، يقول قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه - وكان من التجار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " كنّا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نُسمّى السماسرة فمرّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمّانا باسمٍ هو أحسن منه فقال : ( يامعشر التُجار ، إن البيع يحضُره اللغو والحلِف ، فشوبوه بالصدقة ) وفي رواية : " يحضُره الكذب والحلِف " .

عباد الله : إن التستر التجاري خطأ وإثمٌ ومُخالفة للأنظمة التي سنّتها الدولة - وفقها الله وهداها لكل خير - وفيه إضرار كبير بالمستهلك وذلك لما يجنيه التستر التجاري من عواقب وأضرار يجهلها الكثير من الناس ، وربّما كان بسبب التستر أضراراً حتى على قيَم المجتمع ودينه وإن قلّة المراقبة لمن لديه عمالة لكفيلٌ بأن تكون هناك تبعات يُحاسب عليها في الآخرة إن سلم من العقوبة الدنيوية والتي هو في غنىً عنها لو إلتزم بالأنظمة والتي فيها مصلحة للمواطن والعامل ، ووفق الله الجميع لمرضاته ونيل فضله وكرامته إنه سميعٌ مجيب . 

الأحد، 12 فبراير 2023

خطبة عن الشك والوسواس وأثرُهما على المسلم

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الشك والريبة أمرٌ يمر على ابن آدم منذ خلقه الله بطبيعته البشرية وذلك أن القلب متقلّبٌ بخلقته التي فطرها الله تعالى ولكنّ أشد الشك خطراً وأعظمه أثراً هو الشك في الدين ، سواءٌ كان ذلك في قدرة الله أو وجوده أو البعث والنشور أو الجزاء والحساب أو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحداث والوقائع والفتن ، والشاكون يُعدّون من مرضى القلوب وهو مرض معنوي لاحسي والمعنوي أعظم شرّاً من الحسي وذلك أن المرض المعنوي به هلاك الإنسان وعذابه وجحيمه وحسرته وفي كتاب الله عندما تكون المحاورة بين المؤمنين والمنافقين : ( يوم يقول المنافقون والمنافقون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضُرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرُه من قِبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفُسكم وتربصتُم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور * فاليوم لايؤخذُ منكم فديةٌ ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ) ومن أقبح الشك ، الشك في الخالق فمن يشك في وجود الله أو يشك في قدرته فهو أشد كفراً من المشركين وذلك أن الله يقول : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يُجير ولا يُجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنّى تسحرون ) 

عباد الله : الشك والظن والوهْم بينهما تشابه ، فمن ناحية لغوية ، يُعرّف الشك : خلاف اليقين وبتعريف أدق هو ترددٌ في الذهن بين أمرين لايتميز أحدهما على الآخر ، فإن تميّز ورجح أحدُهما على الآخر صار الأمر الراجح ظنّ ، وإن ترجّح الأمر المرجوح فهو وهم ، والشك كلّه مذموم إلا ماكان خارجاً عن إرادة الإنسان بخلاف الظن فبعضه مذموم وبعضه ممدوح ، ففي الظن الممدوح يقول الله تعالى في شأن الخاشعين ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربِّهم وأنهم إليه راجعون ) وقال في المذموم في شأن المشركين ( وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يُهلكنا إلا الدهر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) . 

عباد الله :  الشك عذابٌ وفتنة لمن ابتُلي به ، و نَشْرُه ووضع منهجيَّةٍ تدعوا إليه مذهبٌ فكري غربي ، دعا له ونافح عن فكرته فلاسفة حمقى من الغرب الكافر حتى وصل بهم الحال إلى الشك في وجودهم هم بأنفسهم ، وتأثر أناسٌ من بني جلدتنا بنهجهم وضلالاتهم ، بل إنه في الماضي خاض ودعا للشك أناسٌ يُعدَّون من علماء المسلمين مع الأسف بسبب تعريب كتب اليونان والإعتقادات الفكرية المقتبسة من غير الشرع كالعقل والمنطق كالغزالي مثلاً والجاحظ وغيرهم ،وتاب منهم من تاب وكان الغزالي صاحب كتاب - إحياء علوم الدين - كان يقول عن الشك : " من لم يشك لم ينظر ، ومن لم ينظر لم يُبصر ، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلالة "  ثم تحدّث عن توبته فقال : " وعادت النفس إلى الصحة والإعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنورٍ قذفه الله تعالى في الصدر " .

وأثّرت موجة الشك على بعض المتكلمين ، مما جعلهم يقولون : " إن أول واجب على المكلف المعرفة أو النظر أو القصد إلى النظر " وليس التوحيد كما يدّعون ، ولا شك أن هذا كفرٌ وانحراف وزيغ ، والشك في الواقع لايُفيد العلم ولايُثْبِت الحقائق ولا يمكن أن تقوم حال الإنسان إلا باليقين والعلم ، وما قامت السماوات والأرض ولا فطرة الله التي فطر الناس عليها في الأصل على شك وظنون ، بل على علمٍ  بالرب وعلى حقيقة المعرفة بآياته ومخلوقاته الدالّة عليه والعقل الموصل إليه والله هو الحق المبين ويدعوا إلى الحق ويحرّم لبس الحق بالباطل ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وانه على كل شيء قدير ) ( بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ) ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) والشك حيرة ووهم وتخبط وضلال وظلمات وضياع عمر واستهواء من الشيطان للعبد ( قل أندعوا من دون الله ما لاينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه غلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنُسلم لرب العالمين ) ( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثلُه في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زُين للكافرين ماكانوا يعملون ) . 

عباد الله :  ينبغي للمسلم أن يُعرض عن من ينشر الشك ويثير الشُبه ولو كان مقرّباً منه لأن أكثر من يثير مثل هذه الشكوك هو في الواقع مُغرضٌ وليس متبعٌ للحق ، وناشرٌ للجدال بلا ثمرة ولا نتيجة ، وكثيرٌ من أعداء الدين ينشرون ويثيرون مثل هذه الشكوك قصداً منهم لزعزعة عقيدة المسلم ، وكسر قوة إيمانه بربه ونبيّه ونبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم يقول كما ورد في صحيح مسلم : " أشهد ان لاإله إلا الله وأني رسول لايلقى بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة "  وأشد مايورد أعداء الدين على عامّة هو قذف الشُبَه لجلب الشكوك فيما لاعلم لهم به ولا تُدركه عقولهم ، وقذف الشُبه على عوام الناس داءٌ خطير لكون البعض من الناس هشَّ الإيمان رقيقَ الديانة فتؤثر في من أراد الله أن تؤثر فيه هذه الشبهة ، وتضرّه لقلة علمه وسطحية عقله ، وغلبة جهله والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التعوذ بالله من هذه الشُبه والشكوك فقال صلى الله عليه وسلم : " يأتي الشيطان أحدَكُم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربّك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتَه " وهذا الطريقة من أسلم الطُرق وأفضلِها للتعامل مع كيد الشيطان وأذنابه من شياطين الإنس والجن ، فاللهم احفظ علينا ديننا وإيماننا وزدنا توفيقاً ويقينا وجنبنا كيد الشيطان ياذا الفضل والإحسان أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفرلكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=============== الخطبة الثانية ================

الحمد لله رب الأرض والسماء يهدي من يشاء ويضل من يشاء وبيده الفصل والقضاء والصلاة والسلام على المبعوث بالبينات والهدى نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضلُ الصلوات وأزكى التسليم من الله والتحيّات أما بعد : 

عباد الله : أخرج النسائي وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول  : " اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشِقاق وسوء الأخلاق " وروي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله عند الركن العراقي من الكعبة وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود ، وذلك من أدعيته عليه الصلاة والسلام  . 

عباد الله : يطرأ الشك على المسلم في وضوءه وصلاته ويجب أن يتعامل معه المسلم بمنهج شرعي حتى لايتمادى مع هذه الشكوك التي تطرأ عليه ، ففي الوضوء ينبغي أن يحذر المسلم أن يزيد على الثلاث بأي حال من الأحوال فإن من استيقن أنَّه غسلَ العضوَ من أعضاء الوضوء ثلاثاً ، فلا ينبغي أن يلتفت لإملاءات الشيطان والنفس وإلا دخل في حالة مرضيّة تسمى الوسواس القهري - أجارنا الله وإياكم - فيجب على المسلم أن يكون صارماً مع نفسه ،  فإن أناساً من هذه الأمة سيعتدون في الوضوء  حيث روى مُغفّل المُزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطَهور والدعاء " وفي الحديث أن أعرابياً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء ؟ فأراه ثلاثاً ، ثلاثاً ، قال : " هذا الوضوءُ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم " وفي الصلاة - ياعباد الله - يحصل الشك من الكثير وأكثر مايجلبُه عدم الخشوع وحضور القلب ، وفي حديث عثمان بن أبي العاص في صحيح مسلم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله ، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبِّسُها عليّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَب : فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفُل عن يسارك ثلاثاً " قال ، ففعلتُ ذلك فاذهبه الله عنّي ، وقد يأتي الشك بعد الصلاة وهذا لايؤثر فيها ولا يلتفتُ إليه وهو إجماع من أهل العلم وفي ذلك يقول الناظم : 

والشك بعد الفعل لايؤثرُ * وهكذا إذا الشكوك تكثُر 

وكل ذلك قطعاً لتسرّب الشك إلى النفس وحزماً في دفعه ورداً لكيد الشيطان ووسوسته وأبعد الناس منه هم المستعيذون بربهم والذاكرون المستغفرون . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلِام عليه فقال عز من قائل سبحانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) .  .

الاثنين، 6 فبراير 2023

خطبة عن كثرة الزلازل والفتن في آخر الزمان

الحمدلله الذي له مافي السماوات ومافي الأرض وهو الحكيم الخبير ، يقدّر مايشاء ويختار وهو الحليم القدير ، وعنده مفاتح الغيب وبيده الأمر كله وإليه المصير ، والصلاة والسلام على النبي الكريم والسراج المنير نبينا محمد الذي أرسله ربه بالفرقان والبينات عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات من رب الأرض والسماوات أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى سبيل النجاة في الحياة وبعد الممات ( ألا إن أولياء الله لاخوفٌ عليهم ولاهم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لاتبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم )   واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : روى البخاري بسنده عن أبي اليمان قال : أخبرنا شعيب قال أخبرنا أبوالزناد عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لاتقوم الساعة حتى يُقبض العلم وتكثُر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل القتل حتى يكثر فيكم المال فيفيض " . 
فهذه خمس علامات من علامات الساعة وهي علاماتٌ صغرى وليست كُبرى وكثرة الزلازل في هذا الوقت خاصة أمرٌ مُلفت في النظر فلقد سمعتم بعدة زلازل وقعت في بلاد الشام وتركيا تضرر منها خلق كثير وتضررت مبان ومدن بهزات تعد بالثواني ، وفي بلد واحد في أمريكا الجنوبية حدثت تسعة عشر ومائتين هزة أدى ذلك لإثارة الرعب والقلق لسكان تلك المناطق وتضرر الكثير من الناس وتشرّد خلقٌ لايحصيهم إلا الله وهذه الزلازل والهزات الأرضية لاشك أنها ابتلاء للمؤمن وعذاب ونكال للكافر وذلك يُذكّر بقول الله : ( قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لايشعرون * ثم يوم القيامة يُخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) . 
عباد الله : كثرة الزلازل أمرٌ من ثوابت علامات الساعة وغالباً أنها يُقصد بها الزلازل المحسوسة وهو الأظهر من النصوص الشرعية لاتزلزل الأفكار والعقائد كما يعتقد البعض فإن شكوك واهتزاز العقائد والأفكار نوعٌ من الإنحراف والإرجاف والزيغ والمعنى الحسي أقوى احتمالاً من المعنوي ، وفي حديث سلمة بن نُفيل السَّكوني رضي الله عنه - وله صُحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بين يدي الساعة مُوْتان شديد ، وبعده سنوات الزلازل " أخرجه أحمد والدارمي وفي رواية أخرى لأحمد رحمه الله : " وبين يدي الساعة سنوات الزلازل "  . 
عباد الله : لاشك أن هذه الزلازل سبب نقمة من الله جل جلاله ، فعلى العباد أن يحذروا من أسباب سخط الله جل وعلا ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) وفي حديث مرسل عن شهربن حوشب رحمه الله قال : " زُلزلت المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ربكم يستعتِبُكم فأعتبوه " وهو حديث فيه ضعف أورده ابن أبي شيبة في مصنفه لكنه ثبت هذا القول عن ابن مسعود رضي الله عنه عندما وقعت زلزلة بالكوفة فقال رضي الله عنه : " إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه " ومعنى استعتاب الرب سبحانه وتعالى لعباده : أي يطلب منهم أن يزيلوا ماعتب عليهم فيه من ذنوب موبقة ومعاصٍ قائمة ، وأما عتبى العبيد لربهم : فهو طلبهم منه جل وعلا أن يمهلهم ليتوبوا لكي يزيلوا أسباب السخط ولا يُعاجلهم بالعقوبة  وعن عبيد الله بن عمر عن نافع عن صفية بن أبي عبيد قالت : " زلزلت المدينة على عهد عمر رضي الله عنه فقال : أيها الناس ، ماهذا ؟ ما أسرع ما أحدثتم ، لئن عادت لا أساكنُكم فيها " وكتب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى الأمصار : " أما بعد : فإن هذا الرجف شيٌ يعاتب الله عز وجل به العباد ، وقد كتبت إلى سائر الأمصار يُخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا فمن كان عنده شيءٌ فليتصدق به ، فإن الله عز وجل قال : " قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلى " . 
عباد الله : إن الزلازل والأراجيف والهزات الأرضية يذكر بشيء قليل من أهوال يوم القيامة ، فيوم القيامة فيه أهوال وشدائد لايُطيقها ولا يحتملُها ابن آدم إلا من ثبته الله ويصبحُ فيها أكثر الناس أشبه بالمجانين من شدة الخوف وهول المطلع ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم * يوم ترونها تذهلُ كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وماهم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد ) وفي ذلك اليوم يرى يصدُرُ الناس كلهم ليَروا أعمالهم بعدما وردوا لهذه الدُنيا وهي دار الإمتحان والإبتلاء لادار الجزاء وفي ذلك اليوم تحدّث الأرض بما وقع فيها من خيرٍ أو شرّ ، ومن أراد أن يتصوّر ويرى يوم القيامة كرأي العين فليقرأ سورة التكوير وسورة الإنفطار وسورة الإنشقاق كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام . 
عباد الله : الناس عند وقوع المصائب يختلف حالُهم وتتباين أفكارهم وتفسيرُهم لهذه الظواهر فمن الناس من يعدّ هذه ظواهر طبيعيّة وحوادث سببها فقط انزلاق بطبقات الأرض أو بسبب أنشطة بركانية أو بسبب تحرّك صفيحة صخرية أو اصدام صفيحة بأخرى ويقفون عند هذه الأسباب المادية ويغفلون عن الأسباب المعنوية والتي منها ذنوب العباد وبغيهم وانتشار الفواحش والرضا بالمنكر والترويج له مع الله تعالى عمّم حصول المصائب بسبب الذنوب فلم يستثن من ذلك شيء وعفوه كثير فقال جلّ وعلا : ( وما أصابكم من مُصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفوا عن كثير ) وفي المُقابل أيضاً من تجري عليه هذه المصائب فيسترجعُ ويحمدُ الله على ذلك في السراء أو الضرّاء فهو مع الله في كل أحيانه يرضى بقدره ويقنع بعطائه ولا يسخط من قدره حين وقوع المصيبة ، فيقوم بعد حدوث كارثة أو مصيبة قد نال أجرين أجرٌ على المصيبة في نفسه وأجرٌ على مافقد من ماله أو عياله ، ويقضي بقيّة حياته يمشي على الأرض ماعليه خطيئة مع درجة عالية ومنزلة رفيعة حازها عند الله وفي الحديث : " إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله فما يبلُغها بعمله ، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبلّغه إياها " وفي الحديث الآخر أيضاً من حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرِّضت في الدنيا بالمقاريض " رواه الترمذي وحسّنه جمعٌ من أهل العلم ولا يُبتلى العبد إلا على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان غير ذلك خُفف عنه ، والصابرون يُعطون أجرهم كاملاً بلا حساب ( إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ) فاللهم وفقنا للصبر حين البلاء وأعظم لنا الأجر والعطاء ياسميع الدعاء أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التوّاب الرحيم . 
============= الخطبة الثانية =============
الحمدلله له المحامد كلُّها كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على المبعوث بالبر والتقوى ، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات والتسليم من الكريم المولى أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله -  فبالتقوى تُستدفعُ البلايا وتُستمنح العطايا ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يُسرا ) . 
عباد الله : كلٌ منا يرغب ويرجو معيّة الله له في كل أمره وأن يكون الله له معيناً ونصيرا في شأنه كل وهذه تتحقق بأن تكون مع أخيك حين يمسّه الضر والحوادث والنكبات وفي الحديث : " والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه " والإنفاق في السرا والضراء من صفات المتّقين ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنّة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين * الذين ينفقون في السرّاء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يُحب المحسنين )  وفي الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " . 
عباد الله : وأشدّ مايكون المسلم في حاجة أخيه عندما تحصل له نكبة فيُهدم بيته ويذهب ماله وتشّرد أسرته فيكون بلامأوى ولا طعام  معرّضاً للموت ، قد اجتمع عليه التشرّد والخوف والهم والبرد وجهالة المصير قد أتته اقدار الله جل وعلا ونفسه كانت مطمئنة مع أسرته فتحول حاله بلحظات إلى أفقر حالات العبد وأذلّها ، فاللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك 
فمثل من ابتُلي بذلك كان لزاماً على المسلم أن يواسيه بماله ويقف معه بمدّ يد العون له وفي الحديث : " يابن آدم إنك إن تبذل الفضل -خيرٌ لك وأن تمسكَه  شرٌّ لك ، ولا تُلام على كفاف . . " الحديث والفضل من المال هو الزائد عن حاجات الإنسان الأساسية والكثير منا ولله الحمد عنده فضلٌ من ماله فلا يبخلنّ به حينما يُفتح له باب الخير والإنفاق ليكون هذا المال شاهداً له وأجراً ويُرفع به عند الله منزلة وقدرا . .  ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائلٍ عليما : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

الجمعة، 27 يناير 2023

خطبة عن الثبات على الدين حتى الممات

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الثبات على الحق حتى الممات مطلبٌ عظيم ومبدأ عزيزٌ كريم لايوفق له إلا النخبة من الأخيار وعلى رأسهم الأنبياء ثم من دونهم من الصالحين من دونهم ، وهو أمانٌ من الله من الوعيد والعقوبة التي تنال كل من نكص وتخاذل عن التمسك بالحق وأساس الثبات الصدق مع الله وسؤال الله الثبات على دينه حتى خروج الروح من الجسد وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الثبات دائماً وأبداً ففي حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شُكر نعمتِك وحسن عبادتك ، وأسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً وأسألك من خير ماتعلم وأعوذ بك من شرّ ماتعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علاّم الغيوب " وهذا الحديث له طرق متعددة وأخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة في مصنفه والطبراني في المعجم الكبير .

عباد الله : الثبات على الحق مع وجود البلاء والفتن والصدود من الناس وإعراض الكثير عن سلوك الصراط القويم وسخريتهم واستهزائهم حدث مع نوحٍٍ عليه السلام حينما صد عن الإيمان به قومُه فلم يؤمن به إلا القليل مع كثرة الناس في ذلك الوقت فكانوا حينها قد ملؤا السهول والجبال من كثرتهم ومع ذلك صبر نوح على أذيتهم وثبت ولم ينجرف أو يتنازل عن دينه قدر أنملة مع أنهم يمرون به ويسخرون منه وهو يصنع السفينة ، وثبت ابراهيم حينما ألقي في النار حتى نصره الله وجعلها برداً عليه وسلاماً ، وثبت اسماعيل على بلوى الذبح والإفتداء بنفسه امتثالاً لأمر الله جل وعلا وثبت يعقوب عليه السلام عندما ابتلي بفقد ابنه يوسف سنين عديدة ، وثبت شعيب عليه السلام على دعوة قومه وكذلك لوط على دعوة قومه على خبثهم وفجورهم حتى نجاه الله وثبت موسى في وجه فرعون وعلى أذية بني اسرائيل وثبت عيسى عليه السلام على مكر بني اسرائيل حتى رفعه الله وثبت نبينا محمدٌ وهو خير الصابرين وقدوة الخلق أجمعين على ماناله من الأذى من كفار قريش وثقيف وغيرهم حتى انتصر على من عاداه وكان أشدها في يوم العقبة حيث عرض نفسه على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبه إلى ماأراد عليه الصلاة والسلام وسخر منه وأغرى بالنبي الكريم السفهاءُ والجهلاء فرموه بالحجارة حتى أدموه فانطلق وهو مهموم على وجهه عليه الصلاة والسلام فلم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب - وهي قرن المنازل وميقات السيل اليوم - فانظر لموقف النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون ؟ وكيف يرجع إلى مكة ومن كان فيها من كفار قريش يتربصون به الدوائر ، وأهل الطائف آذوه وعادَوه ، وانظر في المقابل كيف تجلّت رأفته ورحمته بمن عاداه وماذلك إلا أخلاق الأنبياء والصالحين ، فلمّا كان في ذلك الموقف أظلته سحابة فإذا فيها جبريل عليه السلام فقال : " يامحمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " فناداني ملك الجبال ، فسلّم عليّ ، ثم قال : " يامجمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايُشرك به شيئاً " أخرجه البخاري

عباد الله : الثبات في الأمر أشدّه وقت الفتنة في الدين وأهل الشهوات يغرون بشهواتهم ويزينون ولولا تثبيت الله ورحمته للأخيار من خلقه لانحرف وزاغ من زاغ حتى ولو كان نبياً ، ألم تروا إلى قول الله لنبيه وهو خير البشر حيث قال جل وعلا : (( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً )) ومواقف الثابتين كثيرة ، ولن نذكر موقفاً من مواقف الأنبياء ولا من الصحابة رضوان الله عليهم فأولئك قد رضي الله عنهم ولكن سنذكر قصة لرجل من الصالحين أتى بعد القرون المفضّلة وهو أبو بكر محمد بن احمد الرملي المشهور بابن النابلسي وقد كان رحمه الله ثبت في وجه طاغية مصر العبيدي فأمر بإحضاره لما بلغه قولاً عنه فلمّا أُحضر بين يديه قال له العبيدي الزنديق : " بلغنا أنك قلت إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة " فقال : " ماقلتُ هذا ، بل قلتُ : إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرمميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً ، فإنكم غيّرتم الملّة وقتلتُم الصالحين ، وادعيتم نور الإلهية " فسجنه ثم ضربه ثم جاء بيهودي لعين فأمره بسلخه وهو ثابت لايتزعزع ولا يرجع عن مقالته حتى تُوفي رحمه الله ، ونحن اليوم لايكاد الرجل منّا يصبر على ترك شهوة ، أو هجر معصية من أجل دينه وصلاح آخرته ، فكيف يصبر عند اشتداد البلاء وتغيّر الأحوال لينال أعظم الأجر وحسن المآل . . فاللهم اجعلنا من الصابرين الصادقين وجنبنا الفتنة في الدين فإن العافية أوسع لنا ورحمتَك وسعت كل شيء . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============== الخطبة الثانية ==============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والتسليم أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من أسباب النجاة التمسك بوسائل الثبات والعمل بها ومن هذه الوسائل التي تُعين :

- ذكر الله تعالى وذلك أن الإنحراف والزيغ عن الطريق المستقيم سببه تسويل الشيطان وتزيينه طريق السوء في قلب ابن آدم ولا حياة للشيطان في قلبٍ يذكر الله في كل أحيانه وفي الحديث : عن ابن عباس مرفوعاً : " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ، وإذا غفل وسوس " ورواه البخاري مُعلّقاً

- ومن ذلك الدعاء بما ذكر سابقاً : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد . . " الحديث

فالدعاء يعصم من شرور كثيرة وهو ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، فينبغي للعبد المسلم أن يلزمه إلى أن يخرج من هذه الدنيا وأن يسأل العبدُ ربَّه الهداية بصدق وحق ليكون في صفوف المهتدين ويشكُرُ اللهَ على نعمة الهداية فإن كثيراً ممن انتكسوا أو سقطوا في وحل المعصية والفتنة إما أنهم لم يسألوا ربهم الثبات على هذا الدين وإما أنهم لم يشكروا الله على نعمة الهداية لهذا الدين فسُلبت منهم بعدما آتاهم الله إياها ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر من قوله : " اللهم يامُقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك "

- ومن ذلك : الإقبال على كتاب الله تعالى وتدبّره فهو يهدي لأقوم سبيل ويداوي العليل ( وقال الذين كفروا لولا نُزّل عليه القرآن جُملة واحدة كذلك لنُثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) ( إن هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقوم ويبشرُ المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ) وهو يحوي قصص من كانوا قدوةً في الثبات في الخطوب والمدلهمات صغرت أو كبُرت ( كذلك نقص عليك من أنباء الرسل مانثبت به فؤادك . . ) الآية

- ومن ذلك أيضاً مصاحبة الأخيار ومجالستهم والسماع للموعظة بقلبٍ خالٍ من الشواغل والمُلهيات ليتمكن ابنُ آدم من معرفة الحق وإصلاح نفسه وترويضها والأخذ بخطامها لطريق النور والخلاص : ( ولو أنهم فعلوا مايُوعظون به لكان خيراً لهم وأشدَّ تثبيتاً * وإذاً لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيما * ولهديناهم صراطاً مستقيما )

- ومما يجدر الإشارة إليه أن التوسع الشديد في المباحات إذا صحِبَهُ رقةٌ في الديانة جرّ إلى المحرم والإثم وإلى الإنتكاسة أيضاً وهذا ملاحظ ونبّه إليه أهل العلم ولهذا تجد أن من الشباب مثلاً بدأ أول حياته بسماع الأناشيد وإنشادها وأدمن ذلك حتى قصّر في بعض السنن ثم قصّر في الواجبات ثم دخل في المحرم من أوسع أبوابه فسقط في فتنة الغناء إما مستمعاً أو مُغنياً والواقع يشهد بذلك فينبغي للعبد أن يحذر من خُطوات الشيطان وحيلته ومكره ويحذر من تساهل النفس بتلك الحِيل وتسويف النفس بالتخلص منها ، وإن النفس لأمّارة بالسوء إلا مارحم ربي إن ربي غفورٌ رحيم . . ثم صلوا على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد أتقى البريّة وأزكى البشرية .

الخميس، 5 يناير 2023

خطبة عن استهداف الشباب بالمخدرات

الحمدلله الذي أرسل رسوله بالنور والبينات وأحل لعباده الطيبات وحرّم عليهم الخبائث والمحرّمات ، يعصم من يشاء برحمته من الشرور والآفات ، ويبتلي من يشاء بحكمته وعدله أهل الجهالة والخطيئات ، نحمده في سائر الأوقات ونصلي ونسلم على رسوله الذي اصطفاه على سائر البريّات وكمّله بالفضائل والطاعات صلاة وسلاماً موصولاً لآله وصحبه أولي المعالي والكرامات ومن تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماوات أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى رأس بضاعة العبد عند الله ، وقد عُصم من الفتن من لربه اتقى ولنفسه من الموبقات وقى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون ) .
عباد الله : أنعم الله على المسلم بالعقل والتمييز بين مايضر وينفع وبين الحق والباطل وبالعقل هو مناط التكليف وبأثر العقل على الجوارح يؤجر أو يؤزر العبد فمن لايدلّه عقله على طريق الخير فيتبعه أو على طريق الشر فيجتنه ويدع هواه فإنه مصيره دارَ الشقاء والله أشقى كثيرا من الجن والإنس بسبب أن لهم قلوبٌ لايعقلون بها ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لايعقلون بها ولهم أعينٌ لايبصرون بها ولهم آذانٌ لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ولا يحل لمسلم أن يتناول أو يتعاطى مايُذهب عقله وفكره ولذا حرّم الله الخمر ، وهم اسمٌ لكل مايُذهب العقل كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام حيث قال : " والخمر ماخامر العقل " كما هو عند البخاري ومسلم ، وكتاب الله صريحٌ بالأمر بالإجتناب لكل خمر أياً كان جنسه ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنوه لعلكم تُفلحون ) .
ومن يتعمّد إذهاب عقله فقد ارتكب جُرماً عظيماً وذنباً من كبائر الذنوب وجزاؤه إذا لم يتب أن الله يسقيه من ردغة الخبال وهو قيح وصديد أهل النار ، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من شرب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاة من نهر الخبال " أخرجه الترمذي وأحمد وعبدالرزاق والطبراني وغيرهم وهذا يدلل على أن العبد يرتخي عزمه وتفسد إرادته غالباً ويستولي عليه الشيطان إلا من رحم الله ، فينبغي لمن ابتُلي بهذا الداء أن يحذر من عاقبة فعله ومصيره ويحذر من حرمان دخول الجنة بسبب إدمانه على هذا الفعل الشنيع وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لايدخلون الجنة : مدمن الخمر ، وقاطع الرحم ، ومُصدّقٌ بالسحر " رواه الإمام أحمد وابن حبّان وهو حديث صحيح لغيره ، علماً أنه من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة كما ورد بذلك الدليل ، ومن أشد ماقيل في الخمر ماودر عن ابن عمر رضي الله عنه قال : " من شرب الخمر فلم ينتشِ - أي لم يسكُر - لم تُقبل له صلاة ، مادام في جوفه أو عروقه منها شيء ، وإن مات مات كافراً ، وإن انتشى لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ، وإن مات فيها مات كافراً " وهذا القول يرويه عنه مجاهد التابعي رحمه الله وهو في صحيح النسائي والكفر المذكور كفرٌ دون كفر فهو كفر غير مخرج من الملة . 
عباد الله : المخدرات هي أشدّ من الخمر على العقل وأشد ضرراً على النفس والأسرة والمجتمع فشرها خطير وضررها كبير وهي داءٌ مستطير دمّرت - بسبب قلة الوعي والديانة - عقول الكثير من الشباب ، وما وُجد منها في هذه الأيام لم يوجد من قبل ، فليت الأمر اقتصر على المواد المخدرة من النبات ، بل طالت أيدي العابثين المفسدين هذه المواد بتصنيع مركّز انبثق عن مواد مخدرة أشدّ فتكاً بالعقل البشري والجهاز العصبي المركزي للإنسان ، استعمل فيها المفسدون خبرتهم لتدمير الشعوب والمجتمعات الإنسانية ، ليُخرجوا مادة خطيرة تُسمّى ( الشبو ) ولها تسميات عدّة وتكمن خطورة هذه المادة في كونها تدمر الخلايا العصبية للإنسان وتأتي بالهلوسة السمعية والبصرية وشحوب الوجه الشديد فيتحول شاب في العشرين بسبب الإدمان إلى منظر عجوز كأنه في الثمانين من عمُره والجرعة الزائدة منه قاتلة على الفور مع تسببه بالجلطات الدماغية وتلف خلايا المخ ونقص الوزن وتقرّح الأسنان والتهاب الكبد والرئة وتلفهما مع الوقت والإدمان الطويل والإكتئاب والمزاج الحاد والأمراض النفسية وغيرها عافانا الله وإياكم 
فاللهم احفظ شباب وفتيات المسلمين من شر المخدرات ومن كل سوء وفتنة وبلاء يارب العالمين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إِنه هو الغفور الرحيم

============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله الذي أنعم على كثيرٍ من عباده بنعمة العافية وهو أهل النعم الظاهرة والخافية والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الذي بعثه ربه بالشريعة الغراء الوافية صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل النفوس السامية وعلى من تبعهم بإحسان من النفوس الموالية أما بعد :
فاتقوا الله - ياعباد الله - ( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثمّ توفّى كل نفسٍ ماكسبت وهم لايُظلمون )
عباد الله : إن شرّ المخدرات - أجارنا الله وإياكم والمسلمين - دائماً مرتبطٌ بالجريمة وقد أثبتت الدراسات ذلك بما لايدع مجالاً للشك ، ولكن كيف نحمي أنفسنا ومن نعول من شرّ المخدرات وويلاتها ؟ ويتم ذلك بعدة أمور منها :
- أولها مخافة الله تعالى وتقواه فالمتقي لله يحذر من أن يُدخل في بطنه وجوفه شيءٌ حرّم الله تناوله .
- وكذلك قيام ولي الأمر بما أمر الله به من الرقابة على من يعول واكتناف أهله وذريته بالنصح والتوجيه والإعتبار بأحوال من سقطوا في هذا الوكر الخبيث
- والحرص على الصحبة الصالحة وإن كانت من أبعد الناس عنك نسباً ، والحذر من الصحبة السيئة وإن كان من أقرب الناس إليك .
- وملء وقت الفراغ بما ينفع فإن الفراغ مفسدة للمرء وهو مشغلٌ نفسه لامحالة إما بخير أو شر 
- والحذر من السقوط في فخ التجربة والإستطلاع فهذا فخ وكماشة أوقعت الكثير من الشباب فإياك أخي الشاب أن تقع في الأمر وكُن على وعي من أن من امتدت يده للخبائث الصغار فسوف تمتد يده للخبائث الكبار غالباً ، فمن امتدت يده لتجريب السيجارة فسوف تمتد يده لتناول المخدرات إلا من رحم الله ، لأن الحصانة الذاتية في الأصل مفقودة فاعرف محل الخلل وإياك والزلل
عباد الله : يجب علينا - معشرالأخوة - التعاون مع الجهات الأمنية لصدّ كيد الأعداء في الداخل والخارج ممن يريد الفتك بشبابنا واجترارهم لأوكار المخدرات فإن هذا واجب ديني تجاه هذه الفئة الباغيه من المهربين والمروّجين - قطع الله شرّهم عن العباد - امتثالاً لقول الله جلا وعلا : ( وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) ومن كان يعرف مبتلى بذلك لامروجاً ولا مهرّباً فليبلغ عنه بسرّية تامة وبخطوات تُرشد لها الجهات المختصة لعلاجه من حالة الإدمان التي يعيشها فإن في ذلك إنقاذاً لنفس من جحيم الشرور . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الثلاثاء، 3 يناير 2023

خطبة عن الأرض المقدسة ( أرض فلسطين )

 الحمدلله الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وخلق كل شيء وأحصى ورغّب ورهب من لله عصى والصلاة والسلام على المصطفى المبعوث بالنور والهدى وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى ومن لسبيله اقتفى أما بعد : فاتقوا الله - عباد الله - ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . . عباد الله : 

الأرض المقدسة ( أرض القدس والمسجد الأقصى ) أرض الأنبياء ومسرى رسولنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأرضه أرضٌ مباركة وفيها المسجد الأقصى ثالث المساجد الثلاثة التي تُضاعف فيهن الصلاة حيث تضاعف فيه إلى خمسمائة صلاة على الصحيح من أقوال العلم وما ورد أنه يُضاعف فيه لألف صلاة فحديثٌ ضعيف والمسجد الأقصى تُشدّ له الرحال كما تُشد للحرمين الشريفين ولكن أرضه ليس بحرم ويُخطئ من يقول : " ثالثُ الحرمين الشريفين " فيجوز قطع الشجر حوله وأن يصاد فيه وأن يُختلى خلاه - أي يُقطع حشيشه وعُشبُه -  وتكمن أهمية بيت المقدس في أنها من أرض الشام المباركة فهي مما حول بيت المقدس فالكثير من العلماء يجعلون يجعلون بيت المقدس من الشام ، وفي قول الله تعالى عن إبراهيم ولوط ٍعليهما السلام  : ( ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) أن الأرض هي الشام ، وقد روي ذلك عن الحسن وومجاهد وابن زيد وابن جريج ، وهي تمثل اليوم سوريا وفلسطين والأردن ولبنان وكذلك سَيناء من أرض مصر لأن الكثير من المفسرين ذكروا عن الأرض المقدسة التي أمر الله موسى عليه السلام قومَه أن يدخُلوها هي أرض الطور - طور سيناء -  ولكن الصحيح هو أن سَيناء ليست هي الأرض المقدسة وهي من الأرض التي بُورك فيها والأرض المقدسة هي بيت المقدس على الصحيح ، وتكمن أهمية الشام أيضاً بأنها أرض المحشر والمنشر ففي الحديث عن أبي ذرّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشام أرض المحشر والمنشر " رواه أحمد ، فيُحشر الناس لها آخر الزمان تحشرهم نارٌ تخرج من قعر عدن في اليمن وتسوقهم لأرض الشام ومنها يحشر العباد لربهم يوم البعث والنشور وقد حُشر لها اليهود من بني النضير لما خانوا النبيَ صلى الله عليه وسلم فأخرجهم عليه الصلاة والسلام لمنطقة أذرعات من أرض الشام ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر . . ) 

عباد الله : بُعث من أرض الشام أنبياء كُثر بعضهم ذكر في القرآن وبعضهم لم يُذكر ، يقول الشيخ السعدي رحمنا الله وإياه : " ومن بركة الشام أن كثيراً من الأنبياء كانوا فيها ، وأن الله اختارها مهاجراً لخليله " وقال ابن تيمية رحمه الله : " والبركة تتناول البركة في الدين والبركة في الدنيا ، وكلاهما معلوم لاريب فيه " . 

وهي أصل ومنبت شجر الزيتون المبارك كما ذكر الله عنها في كتابه : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُري يُوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربيه . . ) 

عباد الله : لمّا أراد الله أن يُسكن بني اسرائيل الأرض المقدسة ( القدس وماحولها )  والتي طردوا منها وقد استولى عليها العماليق وهم قومٌ وثنيون من الكنعانيين طلب موسى من بني إسرائيل دخولَها فأبوا وفي ذلك يقول الله تعالى : 

( وإذا قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مالم يؤت أحداً من العالمين * ياقومِ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا ياموسى إن فيها قوماً جبّارين وإنا لن ندخُلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * ) فوعظهم اثنان ممن يخاف الله منهم ( قال رجلان من الذين أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) وهذان الرجلان من النقباء وهما يوشع بن نون وكلاب بن يافنا كما ورد ، فأبوا دخولها وقالوا : ( قالوا ياموسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) فلما كان منهم ذلك ، طلب موسى من ربه أن يفصل بينه وبين بني اسرائيل بحكم واضح بيّن فقال : 

( فإنا محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) وتوفي موسى عليه السلام في أرض التيه وقبله هارون عليه السلام وتاه بنوا اسرائيل في أرض التيه أربعين سنة وهي سيناء لايهتدون فيها إلى مخرج ، وكانت لهم فيها أحداث وهلك كثير ممن عصى موسى عليه السلام وأنشأ الله أقواماً من ذرياتهم من بعدهم وسار بهم يوشع بن نون - كما ذكر المفسرون - مخرجاً إياهم من أرض التيه الذين كان بها أسلافهم لكي يفتتح بيت المقدس ويحرّرها من العمالقة الجبارين ، فلما سار بهم وأدركوا بيت المقدس عصر الجمعة خشي يوشع بن نون عليه السلام وهو نبي لم يذكر اسمه في القرآن ، خشي أن تغربَ الشمس ودخولِ ليلة السبت عليهم فدعا ربه وقال : " اللهم إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها عليّ " فحبسها الله له ولم تُحبس لنبي قبله - كما ورد في السنة -  حتى فتح بيت المقدس منّة من الله وفضلاً ، وأمر الله بني اسرائيل عندما يدخلوها أن يدخلوها سُجّداً - قيل معناه رُكّعاً - وقد ورد بذلك أسانيد عن ابن عباس رضي الله عنهما وأن يقولوا حطّة - أي مغفرة وحطٌّ للخطايا - فبدّلوا ماقيل لهم ونكصوا وعصوا فدخلوا على أستاهم يزحفون ويقولون حنطة أو حبّة ، فكانت النتيجة ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كنوا يفسُقون ) فكان الرجز : هو الطاعون أُرسل عليهم وفي الحديث : " الطاعون رجزُ عذابٍ عُذّب به من كان قبلكم " أخرجه النسائي وغيرُه وكل رجزٍ في القرآن غالباً يُطلق على العذاب والعقوبة أجارنا الله وإياكم من عذابه وعقوبته وسخطه إنه هو الرحيم الغفور ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه غفور شكور . 

============= الخطبة الثانية ================ 

الحمدلله الذي يصطفي مايشاء ويختار ، وأرسل رسوله بالهدى فأحيا به ما اندرس من الدين والآثار ، فله الحمد على نشر دينه في القرى والأقطار وأصلي وأسلم على رسوله المصطفى المختار وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ماأظلم ليلٌ وأشرق نهار أما بعد : 

تميّز المسجد الأقصى بأنه قبلة المسلمين الأولى فكان النبي يصلي إلى جهته جاعلاً الكعبة بين وبين بيت المقدس وكذلك المسلمون ولمّا هاجر صلى إليه مباشرة كما ورد في السنة عند الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال : " كان رسول الله يُصلي بمكة نحو بيت المقدس ، والكعبة بين يديه ، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً ثمّ صُرف إلى الكعبة " وكان صرفه من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة في السنة الثانية من الهجرة وذلك بعد نزول قول الله تعالى : ( قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كُنتم فولوا وجوهكم شطره . . ) مع أن المسجد الحرام موضوعٌ في الأرض قبل المسجد الأقصى بأربعين سنة ، ولكن كانت صلاة النبي وأصحابه لبيت المقدس لحكمة ،  ومن فضل بيت المقدس ماورد في التملك حوله في حديث أبي ذر رضي الله عنه كما في مستدرك الحاكم حيث قال صلى الله عليه وسلم : " وليوشكن أن يكون للرجل مثلُ شَطَنِ فرسِه - أي حبل فرسه - من الأرض ، حيثُ يرى منه بيت المقدس خيرٌ له من الدنيا جميعاً " أو قال : " خيرٌ من الدنيا وما فيها " وهذا الحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني وغيره . 

عباد الله :  أرض القدس وماحولها في آخر الزمان هي معقل الإيمان فقد ورد في السنة عند ذكر الدجال أن أم شَرِيك بنت أبي العَكَر أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : " يارسول الله فأين العرب يومئذٍ ؟ قال : " هم يومئذٍ قليل ، وجلُّهم ببيت المقدس ، وإمامهم رجلٌ صالح " .

وروى الإمام أحمد بسنده إلى أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتزال طائفةٌ من أمتي على الدين ظاهرين ، لعدوهم قاهرين ، لايضرّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك "  قالوا : يارسول الله وأين هم ؟ قال : " ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس " وأخرجه الطبراني وقال الهيثمي : " رجاله ثقات  "  . . 

وللأهمية يجب التفريق بين المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة الذي هو تابع للمسجد الأقصى فهناك تعتيم إعلامي خارجي مقصود أو غير مقصود فالغالب في الصور التي تظهر هو مسجد قبة الصخرة ومسجد قبة الصخرة نسبة لصخرة فيه كان اليهود يستقبلونها عند صلاتهم وعمر رضي الله عنه بنى مصلى للمسلمين أمام الصخرة وليس خلفها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر ، وأما الصخرة فلم يُصل عندها عمر ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة ، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان " انتهى كلامه فلما جاء ابن مروان بن الحكم عبدالملك بن مروان بنى القبة على الصخرة 

أيها الإخوة يجب مناصرة القضية الفلسطينية والدعاء لأهلها بالنصر والتمكين على اليهود الغاصبين ومناصرة قضايا المسلمين فإن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى . . ثم صلوا وسلموا على نبينا محمد فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


الأحد، 4 ديسمبر 2022

خطبة عن الريح والرياح وآثارها وما ورد فيها

الحمدلله القوي القهار ، العزيز الجبار ، الذي يأتمر كل شيء بأمره طوعاً أو كرهاً وهو المحيط بالأقدار يكور النهار على الليل ويكوّر الليل على النهار ، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والقرار أما بعد :  

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن من جند الله تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) الرياح والريح والريح تأتي بالعذاب والعقوبة غالباً في كتاب الله كما قال الله تعالى في شأن قوم عاد : ( فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنُذيفهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا . . ) والرياح تأتي بالبشرى والخير والغيث غالباً كما قال تعالى : ( وأرسلنا الرياح لواقح فانزلنا من السماء ماءاً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) وهذا في الأغلب وقليلاً ماتأتي الريح في النفع والخير كما قال الله تعالى في شأن سليمان عليه السلام : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب ) .

عباد الله : أقسم الله بالذاريات وهي الرياح التي تذروا التراب ، ولا يُقسم الله إلا بعظيم وليس لأحد ٍأن يُقسم إلا بالله ، والرياح نعمة من نعم الله تعالى وفضله فهي تلقّح السحاب وتسوقه وتزجيه إلى حيث ما أمر الله فيُنزل الله بذلك الغيث للعباد وذلك قول الله تعالى :   ( والله الذي يرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحاباً ثقالاً سُقناه لبلدٍ ميّت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نُخرج الموتى لعلكم تذكّرون ) وربط بين الرياح ونزول الماء في قوله : ( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءاً طهوراً * لنحيي به بلدة ميتاً ونُسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيرا ) ومن نعمة الله تعالى على العباد في الرياح أنها تسوق الفلك والسفن الجارية ولولا ذلك لسكنت تلك السفن فمن يُخرجها من أوساط البحار والمحيطات فذلك قول الله تعالى: ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن يشأ يُسكن الريح فيضللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) وإذا هاجت الريح في تلك البحار جعلت أمواج البحار كالجبال كما وصف الله سفينة نوح ( وهي تجري بهم في موجٍ كالجبال ) وصارت رُعباً وعذاباً لمن حقّ عليه القول ، وكم من سفن عظيمة رست في قعر البحار بسبب الرياح التي تُهيّج البحر فينتضح على العصاة وذلك تخويف الله وترهيبه في قوله : ( أم أمنتم أن يُعيدكم فيه تارةً أخرى فيُرسل عليكم قاصفاً من الريح فيُغرقكم بما كفرتم ثم لاتجدوا لكم علينا به تبيعاً ) . 

عباد الله : الريح الباردة الشديدة سمّاها الله في كتابه صرصرا كما هو حال الريح التي أرسلت على قوم عاد ، وإذا كان معها بَرَد شديد صارت ريحاً فيها صر ، كما أخبر الله تعالى عن مال الكفار الذي ينفقونه في الدنيا رجاء ثواب الله - فيما يعتقدون - فقال تعالى : ( مثلُ ماينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريحٍ فيها صرٌّ أصابت حرث قومٍ ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )  . 

والصبا والدبور نوعان من أنواع الريح ، فالصبا ريحٌ شرقية نصر بها يوم الأحزاب نبيُنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك قول الله تعالى في سورة الأحزاب : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجُنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً ) والدَبُور ريحٌ غربية أهلكت بها عاد ففي الحديث المتفق عليه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نُصرت بالصبا وأهلكت عادٌ بالدبور " . 

ومن صور العذاب بالريح في حياتنا المعاصرة حادثة تسونامي التي وقعت في العام خمسٍ وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة وضربت دولاً من جنوب شرق آسيا وكذلك إعصار كاترينا الذي وقع بعد تسونامي بعام وضرب أمريكا وخلف أضراراً كبير في الأرواح والممتلكات وتسبب كلاً منهما في قتل الآلاف من البشر وما هذه الكوارث التي تكون بتقدير الله إلا بما كسبت أيدي الناس ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) 

عباد الله : الهواء نعمة عظيمة وتحرّكه نعمة أكبر ، فلو سكن لتضرر الإنسان والحيوان ولهاجت كثير من الروائح السيئة ولما طُردت السموم والأمراض من الأرض عن ابن آدم وعن الكائنات الحيّة يقول كعب الأحبار رحمه الله تعالى : " لو حُبست الريح عن الناس ثلاثاً لأنتن مابين السماء والأرض "  ،  مع العلم أن الهواء النقي  يساعد في تحسين معدلات الصحة لدى الإنسان ويحمي الرئتين من العاهات الصحية ويساعد على الإسترخاء الذي يُذهب التوتر والقلق لدى البعض وللهواء فوائد كثيرة لامجال لذكرها وهو من فضل الله تعالى ونعمه التي لاتُعدّ ولا تُحصى . 

عباد الله : الريح من خلق الله وتقديره ويتضجر من هبُوبها كثير من الناس ولا يحل لابن آدم أن يسب الريح ولو تضرر منها  لأنها مأمورة لاتدبير لها ولا تصرّف إلا بإذن خالقها ومُرسلها سبحانه وفي الحديث الصحيح : " لاتسبوا الريح فإنها مأمورة " أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم  ، فاللهم اهدنا للرضا بعد القضاء وأعذنا من شرّ الأعداء وجهد البلاء ودرك الشقاء ياسميع الدعاء ياواسع العطاء أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية ==============

 الحمدلله الذي خلق كل شيءٍ فقدّره تقديراً ، والصلاة والسلام على من أرسله الله للثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيرا ، أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من مما أرشد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح الدعاءُ بما ورد ففي حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم أنها قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال : " اللهم إني أسألك خيرها ، وخير ما فيها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرّها وشرّ مافيها ، وشرّ ما أرسلت به " وفي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح قال : " اللهم لقَحَاً لاعقيماً " رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني وابن حبان وصححه الألباني  ومعنى لقَحَاً : أي تُلقح السحاب  ، وأما حديث : " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " فهو حديث ضعفه كثير من أهل العلم . 

ومن فوائد هذه الأدعية أن الله يصرف الشرّ عن قائلها بإذنه سبحانه ويعصمه من شرور الحوادث فأشبه قول هذه الأدعيه الوردَ اليومي الذي يقال في الصباح والمساء والذي يُعطي قائله حصانة من مردة الجن والشياطين وشياطين الإنس وكل ذلك أسباب لحفظ الله للعبد من كل مايحذر . 

وما تأتي المضرّة لابن آدم من الريح وغيرها إلا من قلة اعتصام العبد بربه وعدم فعل الأسباب أو معصية الله ورسوله وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين رجوعه عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوك أنه قال لأصحابه : " ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة ، فلا يقُم فيها أحدٌ منكم ، فمن كان له بعير فليشّد عقاله "  فهبت ريحٌ شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء . . فانظروا كيف التهاون بعصيان المصطفى والذي هو من عصيان الله تعالى وكيف كان مصير الرجل  وكيف حملت هذه الريح المأمورة هذا الرجل لتقطع به مئات الكيلو مترات ، بسبب تهاونه وعصيانه لله المقدر وللرسول الذي لاينطق عن الهوى ، ثم صلوا وسلموا على رسوله فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...