الخميس، 12 مارس 2020

خطبة عن أسباب الإنتكاسة وعلاجها

الحمدلله الواحد الديّان الكريم المنّان الذي هدى إلى سبيل الإيمان وحذّر من سبل الشيطان وأظهر دينه على سائر الملل والأديان والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والبيان نبينا محمدّ عليه وعلى آله وصحبه أهل الثبات والإحسان ومن تبعهم واقتفى أثرهم بصدقٍ وإيمان أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله - فتقوى الله بحقّ سفينة النجاة وسبيل الثبات إلى الممات ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتنّ إلا وانتم مسلمون ) . 
عباد الله : الإنتكاسة والرجوع بعد الإستقامة ،  والزيع بعد الضلال ، وقسوة القلب بعد لينه وانكسارِه كلّ ذلك داءٌ ابتُلي به بعضٌ من أفراد أمتنا من فئات الشباب في الغالب فياتُرى ماسبب هذه الإنتكاسة وياأولي الألباب ماأسباب الضياع والحيرة بعد الهداية والرشد ؟ 
عباد الله : تأملوا معي قول الله تعالى : (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون )) هذه الآية نزلت في رجلٍ من بني إسرائيل يُقال له : " بلعام ابن باعوراء " أو " بلعام ابن أُبرَْ " هذا الرجل أكرمه الله بأن علّمه اسمه الأعظم - سُبحانه - الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ، وأكرمه بإجابة الدعاء وكان إذا رفع رأسه نظر إلى العرش فبعثه موسى - عليه السلام - إلى ملك مدين فدعاه إلى دين موسى ، ولكن ملك مدين أغواه وطمّعه بالدنيا وأقطعه أرضاًَ فاتبع بلعامُ دينه وترك دين موسى وانسلخ من الدين بالكليّة وقد روى ذلك القرطبي في تفسيره عن ابن مسعود وابنِ عباس ، وقيل :  أنه كان طلب منه بنواسرائيل - وقيل الجبّارون الذي استولوا على بيت المقدس - وكان مُجاب الدعوة - سألوه أن يدعو على موسى عليه السلام فنهاه الله عن ذلك ، فأصرّ على ذلك فسقط لسانه على صدره . . وذلك مثلٌ من أمثال الإنتكاسة والضياع ، وروي أيضاً أن الله سلبه ذلك بسبب عدم شكره على تلك النعمة التي أوتيها . . 
عباد الله : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " وهو حديث رواه الصحابي عبدالله بن سرجس رضي الله عنه وهوعند ابن ماجه وأورد مثله النسائي في سننه ، ومعنى الحور بعد الكور : أي الرجوع إلى الضلال بعد الهداية وفسّره بعض المحدثين بأنه : الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان ، والكور مأخوذ من تكوير العمامة ومناسبة ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم شبّه الذي يرجع إلى الضلال بعد الهداية بصاحب العمامة الذي قام يفلُّها بعد أن عقدها على رأسه ، وكذلك هذا الذي عقد الإيمان في قلبه رجع للضلال فأخرج ذلك الإيمان من قلبه ونفسه نسأل الله العافية . 
عبادالله هناك أسبابٌ للإنتكاسة نُجملها باختصار : 
- منها عدم شكر الله على الهداية فمن لم يشكر الله على الهداية من خالص قلبه وصميم نفسه أوشك أن يعود للفسق والضلال من جديد . 
- ومنها عدم سؤال الله الثبات والعزيمة على الرشد وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل برّ والفوز بالجنة والنجاة من النار ، فأكثر من هذا الدعاء دائماً وأبداً في سجودك وصلاتك ووقتِ إجابة الدعاء 
- ومنها طول الأمل وكم من أناس أوردوا القبور وكانوا يؤملون فتخطفتهم يد المنون قبل أن يحوزوا مايؤملون . 
- ومنها اتباع الهوى فاتباع الهوى مُضلّ ومن اتبع هواه زلّ ، وكما ورد في شأن بلعام الآنف الذكر حيث قال الله عنه : " ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه "  . . وذكر أسباب الإنتكاسة على سبيل الذكر لاالحصر فاحرص أن تقع في شيء منها واحذر أسبابها وخطوات الشيطان فيها  . . أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد : 
عباد الله : إن مما يُنجي من الإنتكاسة أن يحذرالعبد من الوقوع في أسبابها وأن يحرص الإنسان على صلاح قلبه الذي إذا صلُح صلح سائر الجسد وأن يدعو الله دائما وأبداً أن يهديه ويدلُه على صراطه المستقيم وأن يثبت قلبه ولا يزيغُه وأن يحرص على دعاءٍ ورد في القرآن وهو قول الله تعالى : ( ربّنا لاتُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) يقوله ربّنا ليُعلّم عباده أن يلجؤا إليه متضرّعين داعين مبتهلين منيبين تائبين من كل ذنبٍ هاجرين لكل معصية ، فسرّ الهداية تكمُن في التخلص من كبائر الذنوب أولاً ، فمن تاب منها كان أقرب إلى الهداية من غيره وأبعد عن الإنتكاسة ، ومن أصرّ على كبيرة أو جمع كبائر عدة ، فهذا أبعدُ عن الهداية وأقربُ من الإنتكاسة مادام أنه يُعاقر تلك الكبائر ( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مُدخلاً كريما ) وسرّ الثبات تكمُن بعد توفيق الله في طهارة القلب من كل أمراضه سواءً كان مرض شهوة أم مرض شُبهة 
فوالذي أبان للناس طريق الهداية وحذرهم من الغواية وهداهم النجدين إن طهر قلبُك من تلك الأمراض أفلحت وهُديت وثبتّ ومن كل شرٍ وُقيت . . 
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه .  .  .  .  .  .  

الجمعة، 14 فبراير 2020

خطبة عن الجفاء والغلظة

الحمدلله اللطيف الخبير السميع البصير خلق فسّوى وقدّر فهدى وهو القوي القدير والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أولي الفضل والتبجيل والتقدير وعلى من تبعهم بإحسان وعلينا معهم صلاة وسلاماً دائبين من الإله الودود الكبير أما بعد : 
فاتقوا الله - ياعباد الله - فبالتقوى تصلح النفوس وتزين الطباع فمن خشي الله واتقاه أطاع ومن عصاه تنكب عن صراطه وضاع ومن الله الهداية وعلى الرسول البلاغ  . 
عباد الله : الغلظة والجفاء خُلقان ذميمان وطبعان في النفس قبيحان وهما من أقبح الأخلاق وأرذل الصفات وأدناها والله حث نبيه على اللطف والملاطفة واللين مع عباد الله المؤمنين والمسلمين وبين أن الغلظة والجفاء منفران للخلق عن صاحب هذين الخُلُقين  فقال سبحانه : 
( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً عليظ القلب لانفضوا من حولك . . ) الآية والقبول لايوضع في الأرض لجافي الطباع وغليظ القلب وأغلظ الله القول في شأن الوليد بن المغيرة لكونه جافي الطباع غليظ القلب متكبر عن قبول الحق فوصفه بأقبح الأوصاف وأدنى الصفات فقال سبحانه ( ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشّاء بنميم * منّاعٍ للخير معتدٍ أثيم * عُتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مالٍ وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) والعُــتلّ هو من جفا طبعه وغلُظ ، والهمّاز : المغتاب ، والزنيم : الدعيّ في قومه ، وبين صلى الله عليه وسلم أن الجفاء في النار وأن بذاءة اللسان طريقٌ إليه ودرب يوصل إلى قسوة القلب والذي يوصل إلى العقوبة والعذاب ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحياء من الإيمان والإيمان في الجنّة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار " رواه الإمام أحمد وابن حبان والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . 
عباد الله : وإن من أسباب لين القلب وصلاح النفس السكن في المدينة وهُجران السكن في البادية والصحراء ولذا نهى صلى الله عليه وسلم عن السكن في البادية إلا في زمن الفتنة فقال : " من سكن البادية جفا ومن أتى السلطان افتُتن ومن تتبع الصيد غفل " وذلك أن السكن في الصحراء يغلّظ الطباع وينشر الجهل ويبتعد المسلم فيها عن مجالس الذكر وعن المودة والرحمة حين معاشرة الناس وعن الملاطفة في القول كما هو الحال حين السكن في المدينة أو القرية وما استثني من ذلك إلا في زمن الفتنة :" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع به شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " وسكنه في البادية يكون في آخر الزمان حين تنتشر الفتن . 
عباد الله : وكلماء كثُر العلماء والمتعلمون وانتشرت ثقافة الأخلاق والأدب بين الناس قلّ الجفاء وزاد بين الناس البذاءةُ في القول ولذا قال مالك بن أنس  : " ماقلّت الآثار في قوم إلا كثرت فيهم الأهواء ، وإذا قلت العلماء ظهر في الناس الجفاء " وقال سفيان الثوري " إياك ومجالسة أهل الجفاء ، ولا تُصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي ، ولا تصاحب الفاجر ولا تجالسه " وما قال ذلك رحمه الله إلا لأن المخالط المعاشر المجالس لأي صنفٍ من أصناف البشر في الغالب أنه يتأثر بمن يُخالطه ويتسرب لنفسه من أخلاق المُجالسين حتى لو كان حريصاً على عدم التأثر بهم . 
فأهل الجفاء ينفر الناس منهم وقد بين صلى الله عليه وسلم أن الجفاء يكون في أهل الإبل خاصة وأن أهل الغنم هم أهل سكينة ووقار ولذا أخرج البخاري من حديث عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا إن القسوة في أهل القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومُضر ) والمقصود بقرن الشيطان أي الفتن والبدع مع فتنة الدجال وأتباعه وليس المقصود أن الشيطان يخرج منهم ولكن يخرج في بلادهم من قِبل المشرق كما وردت بذلك الأحاديث . 
كفانا الله وإياكم شر الفتن والبلايا وأجزل لنا المِنح والعطايا إنه ولي ذلك والقادر عليه ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله ذي الجود والإحسان والفضل والإمتنان والصلاة على المبعوث بالفرقان والحجة والبيان صلى الله عليه وعلى آله أهل التقى والإيمان وعلى من تبعهم بإحسان أما بعد : 

عباد الله : إن مما يُبشر به من إطرح الجفاء والشدة والفظاظة والغلظة أن النار تحرم عليه أو أنه يحرم على النار  ففي الحديث الذي رواه الطبراني وابن حبان وأورده المنذري في صحيح الترغيب والترهيب والبغوي في شرح السنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وعنا أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بمن تُحرّم عليه النار " وفي رواية " أو بمن يُحرّم أو تحرُم عليه النار ، على كل قريبٍ هين سهل لين " وإن مما يُؤسف له أن بعض الناس - هداه الله - إذا رأى رجلاً  ممن يلاطف بالخطاب ويُلين القول ويخاطب الناس بأخلاق وعبارة فيها لطفٌ وملاينة يتهمه بقلة العقل والحمق ، وهذا من قلة الدين والجهل والفظاظة وهؤلاء دعاة جفاء وأبعد الناس مجلساً عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة كما ورد في الحديث ، مع الله أمر بني اسرائيل ممن كان قبلنا حيث قال : 
( وقولوا للناس حسنا ً ) وأورد المنذري في الترغيب والترهيب وروى الترمذي مثله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في الجنة غُرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ) فقال أبو مالك الأشعري : لمن هي يارسول الله ؟ قال : " لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائماً والناس نيام " . 

هذا وصلوا وسلموا على النبي المختار والعترة الأطهار 


الخميس، 13 فبراير 2020

خطبة عن الإستشارة والتؤدة في الأمور

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لأمة حتى تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غُلفا أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أنكم قادمون عليه ومقبلون إليه فأعدوا لذلك واستعدوا وحاسبوا وتحسبوا وإلى ربكم ارغبوا ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفـّى كل نفس ماكسبت وهم لايُظلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم  بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : الإستشارة والمشاورة من دأب الصالحين وخلقٌ من أخلاق أولي الألباب العاقلين وبه أمر رب العالمين رسوله للناس أجمعين حيث قال سبحانه : ( وشاروهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) وذكر الحكيم العليم سبحانه بأنه من صفات المؤمنين حيث قال عزّ ذكره ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) فانظروا كيف أدرج هذه الصفة العظيمة بعد ركن الدين الأعظم وهي الصلاة ليبيّن أهميتها وأنها من لبّ الصفات المهمة وخصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالأمة كافة فلابد حينها من الإستشارة لكي لايجرّ كافة أفراد الأمة إلى مستنقع الهلاك وبؤرة الشرور . 
عباد الله : إن الشورى أو الإستشارة له فوائد عدة تكمن أهميتها في عدة أمور منها : 
- فمنها وعلى رأسها تطبيق سنة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام فقد كان دأبه الإستشارة وخصوصاً في الأمور العامّة التي تحدد المصير ، يفعل ذلك وهو من أغنى الناس عن البشر كيف لا ؟ ! والله يسدده وهو لايحتاج إلى أحدٍ ولكن لكي يتأسى به الناس وهو الأسوة القدوة ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) وقد استشار الناس في غزوة بدر وأشاروا إليه رجل من الصحابة الكرام وهو ( الحُباب بن المنذر ) أن ينزل عند البئر لكي يشرب المسلمون ولا يشربُ المشركون وفي غزوة خيبر أيضاً أشار للنبي صلى الله عليه وسلم بقطع نخل اليهود لأن ذلك يؤثر في نفوسهم وهم قومٌ يحبون النخل والعمل بها فأخذ بمشورته فأمر بقطع النخل نكاية بهم ، ومن ثمّ أشار عليه أبو بكر بالتوقف عن قطع النخل فقال :
" يارسول الله إن الله - عز وجل - قد وعدك خيبر وهو منجزٌ لك ماوعدك فلا تقطع النخل - فأخذ صلى الله عليه وسلم برأيه رضي الله عنه من فوره  - وأمر مناديه فنهى عن قطع النخيل ، وكذلك استشارته لنوفل بن معاوية الديلي في غزوة الطائف حينما تحصّنت فيه ثقيف وهوازن وغيرهما ولمن يتمكن من فتح الحصن فلما استشار معاوية قال له : " يارسول الله ، ثعلبٌ في جُحر ، إن أقمت عليه أخذته وإن تركتَه لم يَضرَّكَ شيئاً " فأخذ باستشارته وأمر عمر أن يُؤذن الناس بالرحيل وغيرُها من المواقف كل ذلك على سبيل المثال لا الحصر .  
- ومن فوائد الإستشارة : مجاوزة الفكر القاصر الذي يُحيط بالإنسان عندما يعلق ذهنه في مشكلة ما ، فإذا علم ذلك عرف أن العقل البشري يعتريه مايعتريه من السطحية والقصور أو يعتريه الجنوح عن الفكرة الصائبة حين اتخاذ القرار وتحديد الطريق الذي سيسلكه . 
- ومنها أيضاً : أن الإستشارة تفكير بأكثر من عقلٍ وعرض لعقول الناس وبحثٌ عن الحقيقة والصواب الذي لايستطيع أحدٌ النطق به حينما تُحدق المشكلة بطائفة أو جماعة أو فردٍ من الناس إلا من وفقه الله وسدّده وثبته حينما يزلّ الكثير . 
- ومنها : صرف الندم عن النفس الذي يصيب المتسرّع َ في اتخاذ القرار بسبب تركه للإستشارة ولذا في الحكمة السارية " ماخاب من استخار ولا ندم من استشار " وبعضهم ينسبه  حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف ولكن معناه صحيح . 
- ومنها : تحقيق المطلوب والظفر بالمرغوب بأقصر الطرق ورفع المتاعب التي تَحيقُ بالفرد أو الجماعة بسبب ترك الإستشارة . 
ومن خلال هذه الفوائد يعلم المسلم أن سعادته في المشورة والتشاور فربّ استشارة واحدة يأخذ بها العبد في أمره الديني تجلب له السعادة والهناء إلى أن يلقى ربّه وذلك بالإنصات لناصحٍ مشفق يرجو للناس الخير ورُبّ عبدٍ ترك الإستشارة أو خالفها 
- مع أنه يثق بقائلها - عناداً وإصراراً واستهانة بالشورى أو بقول خبير ناصح تورد الرجل المهالك وتُجلب له الشقاء الدائم الذي لاينفك عنه فهل بعد هذا يُستهان بالمشورة والشورى ؟ أو يُردّ صاحب مشورةٍ عالم مُشفق قد تمرّس في كثير من الأمور ؟ 
ولذا كانت جُلّ رجالات الدول والحكومات والوزراء وغيرِهم يطلبون الشورى ويعيّنوا من أجل ذلك المستشارين ليستشيرونهم في كثير من القضايا وتُعقد من أجل ذلك الجلسات والمؤتمرات واللقاءات في القضايا المجتمعية وفي كثير من الشؤون المحلية والدُولية حتى يخرج الجميع بحلول تُؤمّن لهم عيشاً كريماً وحياة هنيّة لهم ولمجتمعاتهم فاللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأقوال وجنبنا الزيغ في الرأي والضلال وسلوك سبيل الجُهّال ياقوي يامُتعال أقول ماتسمعون فإن كان خيراً فمن الله وإن كان سوى ذلك فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل الذنوب فاستغفروه يغفر لكم إن ربي قريبٌ مُجيب . 

=========== الخطبة الثانية ============
الحمد لله الهادي إلى سواء السبيل أحمده وهو الكريم الجليل  والصلاة والسلام على المبعوث بالتنزيل نبينا محمد ٍوعلى آله وصحبه أولي الفضائل والجميل وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الإستشارة في الأمور كما أنها تكون في ما يخص دين المسلم تكون فيما يتعلق بدنياه أيضاً ، وكم من أخطاءٍ ارتكبت ومواقف حصلت لشباب وشبان وكبار وصغار ندموا أشدّ الندم وذكروا لهم قصصاً يندى لها الجبين وقالوا " ياليتنا استشرنا وسألنا وما استعجلنا في أمر كذا وكذا . . " وبعضهم يبكي ويندب حظه وربّما سخط من قدر الله عافانا الله وإياكم فمنهم قائل : " والله ماستشرت أبوي " ومنهم قائل : " مااستشرت أبي أو إخوتي  " ومنهم قائل : " مااستشرت عالماً ناصحاً أو صديقاً وفياً " تعددت الأعذار والنتيجة واحدة  . 
أيها الكرام : " ألم تروا أن الله أمر باستشارته واستخارته وعلّم نبيه الإستخارة في الأمور كلها وعلّم صلى الله عليه وسلم أصحابه ذلك فقد قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه كما عند البخاري رحمه الله  : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الإستخارة في الأمور كلّها كما يُعلّمنا السورة من القرآن ويقول : ( إذا همّ أحدكم بأمر ٍفليركع ركعتين من غير الفريضة ثمّ ليقل : " اللهم إني أستخيرك بعلمك - أي أطلب خير الأمرين - وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ثم يذكر حاجته - خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسّره لي ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسمّيه -  شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمر فاصرفه عنّي واصرفني عنه واقدُر لي الخير حيث كان ثمّ أرضني به " . 
واستخارة الله مقدّمة على غيرها من الناس وخاصّة في الأمور الهامّة لدى الناس ، 
علماً أن عمل الآخرة لاتؤدة فيه لأنه مما أمر الله بالمبادرة إليه ولا يلزم فيه الإستخارة فاللهم إنا نسألك من كل خيرٍ خزائنه بيدك ونعوذ بك من كلّ شرّ خزائنه بيد ونسألك ياذا الجلال والإكرام من الخير كلّه عاجله وآجله ماعلمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشرّ كله عاجله وآجله ماعلمنا منه ومالم نعلم . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال ذو الجلال والإكرام مصليّا على سيد الأنام : ( إن الله وملائكته يُصلّون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ) 







الأربعاء، 15 يناير 2020

خطبة عن استغلال المجالس بمايفيد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحزبه وعلى من اقتفى أثره واستنّ بسنته إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى خير بضاعة في الدنيا ويوم تقوم الساعة ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا ًكثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
ثم اعلما أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة ٌ وكل بدعة ٍضلالة وكل ضلالةٍ في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار ) .

عباد الله : المجالس طابعٌ اجتماعي لابد منه ، فيها من الأنس والصلة والحوار النافع وقضاء الحاجات والألفة الشيءَ الكثير ، وتستريح فيها النفوس من الجهد والعمل ، ويتحقق من خلالها الإجتماع بالناس ولمّ الشمل وفيها بابٌ عظيم من الفوائد والإستخبار عن كثير من الأحوال ، فلا شكّ أنها الباب الأول لعلاقات الناس بعضهم ببعض ، ومنها يُعوّد الصغير على دروس من التربية واحترام الكبير فلا يُنكر فضلها إلا مُخطئ جانب الصواب ، ولو مايأتيك ويصيبك منها إلا الزيارة ودعاء الملك له بالجنّة ومناداته لكان خيراً عظيماً . 
ففي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ من السماء أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً " . 
عباد الله : هناك محاذيرٌ ينبغي للمسلم أن يتجنّبها حال الجلوس في مثل هذه المجالس التي هي ثقافة الشعوب عامّة والعرب خاصّة ومنها : 
* الحذر من الوقوع في كبائر الذنوب والتي منها الغيبة والنميمة وخصوصاً أن الغيبة َ
في هذا الزمان أوقعت الكثير من الناس في فخها ، وكثُر ضحاياها واستهانوا بها استهانة تُنذر بخطر عظيم على مرتكبها وصاحب المجلس الذي يجب أن يمنعَ من يُحوّل مجلسه إلى مجلس غيبةٍ وذلك أن الراضي كالفاعل فهل من معتبر . 
 * ومن المحاذير - ياعباد الله - التي ينبغي التنبه لها حال غشيان هذه المجالس السخرية من الناس والتندّر منهم وبثّ روح الكراهية فيها وبالتالي تنتشر البغضاء في المجتمع المسلم الواحد بعد أن كانوا متآلفين متحابين . 
* ومن المحاذير أيضاً - ياعباد الله - وجود منكر مع السكوت عنه  ، وذلك استهانة ورضاً وكما تعلمون أنه لايجور له حضور ذلك المجلس إلا أن يستطيع أن يُغيّر ذلك المُنكر 
* ومن المحاذير أيضاً وجود بعض الصور أو التماثيل أو المجسمات التي تحوي صور ذوات الأرواح في تلك المجالس ، وهذه المجسمات خصوصاً من طيور أو خيل أو نحوها جلبت الشياطين لكثر من البيوت وذلك أن من علّقها فهو - في الواقع - يمنع الملائكة من دخول داره ، والبيت أو الدار لايخلو من دخول الملائكة أو الشياطين فاختر لنفسك من يكن أضيافك ؟ فالدار لابد أن تكون عامرة بأحدهما - أي بالملائكة أو الشياطين - لامحالة ، ومما ورد في النهي عن الصور والتماثيل والمجسمات أن فاطمة رضي الله عنها دعت ذات مرّة النبيَ صلى الله عليه وسلم إلى طعام فوجد قراماً - أي ستراً من صوف - فيه صورة أو صور ، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم بالباب ولم يدخل ثمّ رجع ، فلحق به علي بأمر من فاطمة ليروا ماأرجعه عليه الصلاة والسلام فقال : " إنه لايحلّ لنبي أن يدخل بيتاً فيه تزويق " أخرجه أبو داوود رحمه الله ، وأصل التزويق في اللغة العربية يُطلق على الزينة والزخرفة بالجملة ولكن المقصود هنا تزيين الصور وتنميقها ، والزينة التي لاصور فيها مباحة والأفضل تركها . 
وفي الحديث الآخر المتفق عليه : " لاتدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة " وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لاتصحب الملائكة رفقة فيها كلبٌ أو جرس " وعلل العلماء بأنه الجرس الذي فيه نوع طرب وموسيقى ، ولذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " والحاصل أن الصوت له جهتان : جهة قوة وجهة طرب ، ومن حيث الطرب وقع التنفير عنه وعُلل بكونه مزامير الشيطان ، وذلك في رواية أخرى لمسلم رحمه الله : " الجرس مزامير الشيطان " .
* ومن المحاذير أيضاً الجدال العقيم الذي لافائدة من وراءه ولا طائل فيخرج الجميع من ذلك المجلس بلا فائدة ولا مصلحة لادينية ولا دنيوية ، ودائماً من كثُر كلامه وجداله كثُر زلـله وقلّ عمله وساد جهلُه ، فاللهم جنبنا الزلل في القول والعمل وأصلح النفوس والخلل وادفع عنّا الجهالات والعِلل يارب العالمين ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريبٌ مجيب . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الحميد المجيد والصلا والسلام على المبعوث بالقول السديد نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أولي الرأي الرشيد وعلينا معهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - وادخروا لآخرتكم باستثمار مجالسكم فيما يقربكم وينفعكم ويدنيكم من مرضاة ربكم سبحانه ، ولقد ورد عند الترمذي في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماجلس قومٌ مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيّهم إلا كان عليهم تِرة - أي حسرة - إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم " وصححه جمعٌ من أهل العلم ، وذكر بعض أهل العلم : أن هذه الحسرة تنالهم في موقف العرض يوم الدين لا في الجنّة لأن الجنة دار نعيم لاندم .
عباد الله : إن استغلال المجالس عامّة بما يُفيد أمرٌ متحتم وخصوصاً إن طال المجلس ، فالسعيد من استثمر مثل هذه المجالس بما ينفع الجالسين والضيوف عامّة ، إما بذكر فائدة أو قراءة في كتاب أو كلمة طيبة أو استضافة لداعية يُذكّر بالله أو مسابقة نافعة تعود على الحاضرين بالعلم ورفع الجهل وحوز الفوائد التي يجهلها الكثير من الناس والوقت هو العمر وكلٌ منّا سيسأل عن عمُرِه فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ، والذي لايكسب المعارف ولا العلوم النافعة في مثل هذه المجالس إذا استثمرت فمتى يحوز خيراً ؟ ويسعى في برّ وصلة وإحسان ؟

والملاحظ مع الأسف في بعض تلك المجالس تهميش الصغير لما عند الكبير في مجالات الحياة من كلام وتوجيه ونصيحة دينية أو دنيوية ، وهذا هو عين الحرمان فكبير السنّ وإن قلّ علمه هو أعلم بتجارب وخطوب الحياة من غيره ، وخبرته ونظره الثاقب تعلو عقول وسطحية المتأخرين وكل ذلك من مراسٍ مرّ هو به وادخره في مخيلته ، ومع ذلك تجد من البعض من يُهمّش كلامهم ويصدّ عن اتباع آرائهم ، ويُقاطعهم في حديثهم وليس ذلك من الآداب الشرعية ولا الخلال النبوية وقد أُمرنا بتوقيرهم وتقديمهم ، وذلك عين التوفيق والسعادة وأدعى لنهج السبيل القويم وسلوك الصراط المستقيم ، بل إن مشورة الكبير خيرٌ من رأيك لنفسك في كثير من الأحيان ولكنّ ذلك يحتاج لتطويع النفوس واكتساب قناعة ذاتيّة مع موازنة شرعية للأمور والله بيده مقاليد كلّ شيء وإليه يرغب كل حيّ . .
فاسلك طريق الحقّ واحذر الهوى * وفـُـز بخيرٍ قبل وهنة القوى
واستثمر الأعمارَ والمجالســـا * واجهد لرب فوق عرشه استوى

هذا وصلوا وسلموا على خير الورى المبعوث من أم القرى نبينا محمد فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


 

الخميس، 12 ديسمبر 2019

خطبة عن حال المسلمين بتركستان الشرقية والهجرة .

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحزبه وعلى من اقتفى أثره واستنّ بسنته إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله فبالتقوى من عذاب الله نتقي وبه إلى العلا نرتقي . . ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا ًكثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
ثم اعلما أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة ٌ وكل بدعة ٍضلالة وكل ضلالةٍ في النار وعليكم بالجماعة فإن الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار ) .
عباد الله : الأخوة الإيمانية أقوى العلاقات وأنفعها ، وعند الله أرفعها ، وهي حينما يجمع الله معها الحب في ذاته العلية فهي أوثق عرى الإيمان كما ورد ذلك عنه صلى الله عليه وسلم حيث قال : " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله " كما ورد في مسند أحمدَ رحمه الله بل ورد أنها هي الباب لاستكمال الإيمان كما ورد ذلك من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " ويقول كعبُ الأحبار رحمه الله :" من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع وأطاع فقد توسّط ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " والعلاقة بالإسلام وأهله أياً كانوا من طبع المؤمنين وامتدح الله أصحاب نبيّه الذين معه بأنهم أشدّاء على الكفار رحماء بينهم والرحمة تشمل - معشر المسلمين - القريب والبعيد منهم في بلدك وغيره من بلدان المسلمين ، وفي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد - وفي رواية : الواحد - إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى " وقد جاء في فتح الباري للحافظ ابن حجر حيث قال : " في هذا الحديث تعظيمٌ لحقوق المسلمين والحضّ على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا " .
معشر الإخوة : من تأمل الجسد بشكل ٍعام وجد أن كل عضو فيه يصيبه مايصيبه عندما يشتكي عضوٌ من الأعضاء وهذا يُنبي للمتلقي والسامع أن التشبيه النبوي يجعل جميع المسلمين يتألمون لحال إخوانهم الذين قدّر الله عليهم من الكوارث والحروب أو المجاعات والنكبات ويقفون معهم بمالهم وأنفسهم ومن لم يهتم بذلك ولم يُراعي هذا الجانب المهم الحيوي الذي يقوم عليه دين العبد فهل يُطلق على مثل هذا بأنه عضوٌ من ذلك الجسد المسلم ؟
عباد الله : من تأمل حال المسلمين في كثيرٍ من البلاد وجد أن حالهم لاتسرّ الصديق وتغمُّ قلبَ كل مؤمنٍ فإنه علاوة على مايتعرض له إخواننا في الشام - في السنوات الأخيرة وفي فلسطين - من سالف العهد ، غفل كثيرٌ من المسلمين عن مايتعرض له المسلمون في أرض تركستان الشرقية من قِبل جند الحكومة الصينية الوثنية الشيوعيّة والتي غيّرت مسمى الولاية إلى ولاية " شينغيانغ " وشنّت هجمات ممتابعة لاتُحصى على المسلمين يستهدفونهم في دينهم وعقيدتهم وأهليهم لأن الصين الشيوعية ترى الهوية الإسلامية من أكبر العوائق لها في مدّ نفوذها وإحكام سيطرتها وهيمنتها على المنطقة ، علماً أن قضيتَهم متأزمة من أكثر من أربعة عقود وبالتحديد من قبل عام 1385 من الهجرة إلا أنها في فترة الرئيس الذي يُدعى " ماو " من أشد الفترات التي نالهم فيها من الأذى والتعذيب أكثر من غيرها ، وفترة رئاسة الزعيم المذكور استمرت لعشر سنوات طبّق حينها مايُسمّى بالإنقلاب الثقافي وبموجبه هُدمت المدارس ومنعت صلاة الجماعة وأغلقت مدارس القرآن وبُنيت المعابد الوثنية بدلها ، وكل ذلك منذ احتلالها في عام 1368 للهجرة اتى بالتدريج إلى أن استفحل الأمر فنسأل الله لهم الفرج والنصر العاجل .  

عباد الله : إن من أشد مايواجه إخواننا في تركستان الشرقية أو مسلمي الأيغور هو التعذيب والقتل والتنكيل ، فأولئك الأعداء الذين هم من قبائل وشعب الهان - أهانهم الله
- والذين يقومون بتعذيب المسلمين بأشد وأقسى أنواع التعذيب فالضرب بالسياط ونزع الأظافر وقطع الأطراف والتجريح بالسكاكين ينال الرجال والنساء معاً بل وينال بعض الأطفال ، مع التجريد من الملابس والإغتصاب للنساء والفجور والضرب حتى الإختلال العقلي هذا أصبح أمراً اعتيادياً ، بل أصبح من يسافر ويُهاجر من تلك الديار لأي دولة مسلمة أو غير مسلمة فلن يفرح برؤية والديه أو إخوانه أو أسرته حتى الموت فهو بين أمرين احلاهما مرّ وينظر من وراء أقلّهما الضُرّ ، إما أن يعود فيقبض عليه أذناب الحكومة الوثنية فيسومونه سوء العذاب ، أو يمكث مغترباً طول حياته فاللهم لاتُسلّط علينا بذنوبنا من لايخافك فينا ولا يرحمنا . 
عباد الله : لم يكتف أولئك الفجرة من أذناب النظام الوثني الشيوعي من ذلك كلّه بل بدأوا بسحب جوازات السفر للمسلمين ومنعهم من السفر للخارج ومطاردتهم في كل مكان وخصوصاً ممن هاجر لجمهوريات آسيا الوسطى حتى لو كان ممن يخضع لأوامرهم ولتعليماتهم ، بل يتدخل أراد جيشهم  حتى في اختيار اللباس للمسلم وإدخال البرامج في الأجهزة وتقييد الحريّات التي لايتضرر منها أحد ، فالمسألة تعدت ذلك إلى عبودية لم تشهد الإنسانية لها مثيل في الماضي ولا الحاضر فاللهم ادفع عن المسلمين تعنت المجرمين يارحمن يارحيم واقصم واردع الظالمين ياقوي يامتين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل المساوئ والخطايا إنه غفور كريم العطايا . 
===========  الخطبة الثانية  ===========


الحمدلله كاشف الضر والبلاء أحمده وهو أهل المجد والثناء وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة من خالق الأرض والسماء وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان صلاة وسلاماً دائبين من الروح والوجدان أما بعد :

إن البلاء من سُنّة الله في عباده ، ولكن لايجوز للعبد أن يُعرّض نفسه للفتنة وإن الله أوجب على المفتون من المسلمين أن يُهاجر إذا استطاع لذلك سبيلاً ، بل توعّد الله من لم يُهاجر من أرض الكفر إلى أرض الإسلام بعذاب الجحيم حيث قال جلّ ذكره وتقدّس قولُه :( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لايستطيعون حيلة ًولا يهتدون سبيلاً * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوّا غفورا ) وذلك أن الله لايرضى للمؤمن المهانة ومصداق ذلك قول الله تعالى : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) فجعل تصديق ذلك شرطٌ للإيمان ، وقال في آية أخرى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لايفقهون ) بل نهى نبيّه عن الحزن وهو نبي مرسل ، ومن أشد الناس بلاءً عليه الصلاة والسلام فقال : ( ولايحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم ) وفي أخرى : ( فلا يحزُنك قولهم إنا نعلم مايُسرّون وما يعلنون ) فالمقصود من ذلك كلّه أن يفرّ للمؤمن بدينه من فتنة الكفار وأذيتهم لا المسلمين ، لأنه ورد أن الذي يُخالط الناس - أي المسلمين ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لايُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم .
عباد الله : الهجرة للعبد خيرٌ له من الإقامة في بلد يعرّض حين الإقامة فيه نفسه للقتل والتشريد وانتهاك العرض ، وقد وعد الله المهاجرين بالسعة والرزق وإن توفاه الله وهو في الطريق فله الأجر العظيم والمثوبة من الله فقال سبحانه :
( ومن يُهاجر في سبيل الله يجد مُراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم دركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيما )
عباد الله : إن مما يجب على المسلمين تجاه إخوانهم في تركستان وغيرها دعمهم ومناصرة قضيهم والوقوف بجانبهم بالدعم والعون والدعاء الدائم والإبتهال إلى الله بحقّ أن يرفع عنهم ماحلّ بهم من بلاء وأن نقاطع - بقدر الإمكان - تلك البضائع التي تغزونا من العدو الصيني وغيره ، فإن الكافر إذا هددت بدنياه خضع وخنع ، ولا تستكثر أي معروفٍ تُقدمّه ، فالله ينميه ويُكثّره ويعلمه وهو الجواد الكريم الرؤوف الرحيم

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . .

الخميس، 14 نوفمبر 2019

خطبة عن الإكتتاب بالشركات المختلطة وغير المختلطة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له واشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بين يدي الساعة فأنار به البصائر وبصّر بالرب القلوب وفتح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صمّا وقلوباً غُلفا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره وسار على نهجه إلى يوم الدين وسلمّ تسليما ًكثيراً أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله -  فما أقرب النجاة والفلاح من المتقين وأبعدها عن غيرهم من الخلائق المفرّطين ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )( ومن يخش الله ويتّقْه فأولئك هم الفائزن ) 
عباد الله : كبيرة من الكبائر الموبقة ارتكبها خلقٌ كثير من الناس بحجة ضغط الواقع واستفحال الطمع المستشري في المجتمع ، واللهث وراء المال بجلبه وبغض النظر عن طريقه وكسبه ، وإغراء أهل الشهوات وتزيين الحرام بتلبيسه بالحلال والسعي وراء الثراء المزعوم وخلط الباطل بالحق المعلوم من أجل اللبس على الفهوم ، كبيرة أذن الله فيها بالحرب على ارتكبها في الدنيا بمحق المال وخسارة المقدرّات وإرسال البلايا والآفات على من يتعامل بها ، وفي الآخرة بالعذاب والبوار وسوء المصير مع خبط الشيطان له حين القيام من القبر عند البعث والنشر ، فلعلكم عرفتموها وعرفتم صاحبها ومصيره ومنقلبَه الذي إليه ينقلب ، تلك هي كبيرة الربا وذلكم هو حال المرابي حينما أخبر الله عنه بقوله : ( الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظةٌ من ربّه فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام ) . 
عباد الله : قد كان أهل الجاهلية ممن يتعامل بالربا فقد كان الرجل يسقترض مالاً من رجل ٍ لحول كامل فإذا أتى عليه الحول قال له صاحب المال إمّا أن توفي وإما أن تُربي فيفرح المدين المستقرض بذلك ثمّ تمر عليه سنون عديدة وهذا حاله كلّما أتاه صاحب المال يُطالبه طلب الإمهال مع الربا حتى يكثُر الدين فلا يبقى له شيءٌ يقتات به في عيشه ولا يجد عيالُه مايسدون به رمقهم فلمّا جاء الإسلام أبطل ذلك وحذّر منه كل التحذير وحذر أصحابه من سوء العاقبة والمصير ، وقال في خطبته الشهيرة في حجة الوداع والتي كانت من رواية جابر بن عبدالله رضي الله عنه كما في صحيح مسلم : 
" ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية  تحت قدمي موضوع ودماء أهل الجاهلية موضوعة وأول دم ٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مُسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذيل ، وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربانا ربا العباس بن عبدالمطلب فإنه موضوع كلّه " أي مهدر لايُطالب به أحد من آل عبدالمطلب وقال أيضاً كما في صحيح مسلم : " لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء "
وقال صلى الله عليه وسلم : " ماظهر في قوم ٍالربا والزنا في إلا أحلّوا بأنفسهم عقاب الله " أخرجه أحمد والحاكم وأبويعلى وصححاه ، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام : " درهم رباً يأكله الرجل وهو يعلم أشدّ عند الله من ست ٍوثلاثين زنية " وصحح إسناده بعض أهل العلم وهذا يدلل على خطر الربا وأثره المشين على الفرد خاصة والمجتمع عامّة فالواجب الوقوف والإنتهاء عمّا نهى الله عنه وإلا فالعقوبة إذا وقعت شاملة عامّة فهل من يقظ ٍ يحذرمن مغبّة ذلك وسوء مآله ويحرص على الكسب المباح في ماله كلّه 
عباد الله : الربا له أبواب كثيرة ولكن يجمعها ربا الفضل وربا النسيئة فمن وقع في أي نوعٍ منهما فقد وقع في الربا وربا الفضل هو ربا الزيادة في أحد العوضين كأن يأخذ مالا ً ديناً ويرد أكثر منه مشارطة بينها وربا النسيئة وهو تأخير أحد العوضين عن التسليم في الحال كمن يبيع تمر بتمر ديناً أو برّ ببرّديناً أي مؤجلاً ، وقلنا في ربا الفضل مشارطة بينهما أي على سبيل الشرط ، أما لو كانت الزيادة من قِبَل المستقرض تبرّع بها من عنده بدون اشتراط بينهما مُسبق فهي جائزة لأن النبي صلى الله عليه وسلم  زاد جابر بن عبدالله وزاده كما ورد في الصحيحين وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إن خياركم أحسنكم قضاء " كما ورد في صحيح مسلم ، ومن قدّر الله عليه أن دخل في شركة تتعامل بالربا أو تأخذ قروضاً ربوية وتستعين بها في نشاطها المطروح فعليه أن يخرج منها برأس ماله لقوله تعالى ( فإن تُبتم فلكم رؤوس أموالكم لاتظلمون ولا تُظلمون ) ولا يُعرّض ماله للتلف والمحق فإن الله تعالى توعّد بمحق الربا في الدنيا والآخرة فقال جلّ ذكره  " يمحق الله الربا ويُربي الصدقات والله لايُحب كل كفّارٍ أثيم " 

عباد الله : من تبصّر بشأن الربا وآثاره يجد أن الله ماحرّمه إلا لحكم عظيمة يجهلها الكثير من الناس فمنها على الفرد أنه يقتل الإنتاجية في الفرد فإذا علم المُبتلى ومن وقع في فخّ الربا أنه سيقضى أكثر حياته أو كلها في سداد الديون لفلان أو فلان فسيكون ممن يلجأ إلى ترك العمل والإجتهاد في الكسب لأنه يعلم أنه سيكدح من أجل تأمين قوت نفسه وعياله ومن ثمّ يأخذ ذلك كلّه المرابي ولا يُبقي له شيئاً وذلك أن المرابي لايهمّه إلا تحصيل الدين ونزع المال من جيوب من وقعوا في شباكه ، ومن آثاره على المرابي نفسه أنه يقتل فيه أثر الشفقة والرحمة فيكون إنساناً مادياً لايعرف حق الله في هذا المال الذي آتاه الله إياه فتنة له وامتحاناً مع منع الزكاة في ماله والتي هي حقٌ للفقير ، مع أثر الربا على أولاده والذي في الغالب أنه لاينتفع بهم وكما قال صلى الله عليه وسلم : " جسدٌ نبت من سُحت فالله أولى به " . 
 ومن آثارها الاقتصادية على المجتمع تقويض المشاريع النافعة في البلد وذلك أن صاحب المشروع إذا علم بعدم الجدوى من أي مشروع سيقيمُه لأنه لايستطيع التحرر من الديون التي تلاحقه فلن يُقدم على إنشاء أي مشروع ينفع مجتمعه وأهل بلده بسبب ملاحقة الشركات أو المؤسسات الربوية التي لم تُبق له شيئاً . 
ومن آثاره الاقتصادية أيضاً : تزايد البطالة في المجتمع وحصول مايُسمى بالتضخم والذي يُنذر بكساد السلع ( أي عدم إقدام الناس على شرائها ) ومن ثم انهيار الأسواق وضعف الاقتصاد بالجملة ووقوع البلد في مصاف الدول الفقيرة في المستقبل ومن سبر الواقع وجد أن ذلك خير شاهد ، عصمني الله وإياكم من شرّ الربا وآثاره وأغنانا سبحانه بحلاله عن حرامه وبفضله عن من سواه أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي واكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود . 

============= الخطبة الثانية =============

الحمدلله ذو الفضل المبين القوي المتين والصلاة والسلام على رسول رب العالمين وقدوة الخلق أجمعين نبينا محمد ٍوعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم وعنّا معهم إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله تعالى عباد الله ثمّ اعلموا - رحمكم الله - أنه يجب على المرء المسلم أن يبحث عن طرق الكسب المشروعة ولا يقحم ماله في مواقع كسب محرمة وليستصحب مخافة الله في ذلك ومما ينغي أن يحذر منه  الإكتتاب في  أي شركة مختلطة تستقرض قروضاً ربوية أو لديها نظام يقوم على الفائدة الربوية والغرر وقد أفتى بحرمة ذلك كبار أهل العلم ومنهم فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز وهو المُفتى به من قِبَل اللجنة الدائمة والمجامع الفقهية . 

ومما ينبغي أن يحذر منه المسلم التداول بالبورصات العالمية والتي في الغالب تقوم على الإقراض بفائدة وكذلك جريان ربا النسيئة والفضل فيها ولا يحصل فيها التقابض في مجلس العقد ، وتجد إعلاناتٍ في جوالك تغري بالثراء عندما تتصفح بعض المواقع ومنها المسماة بالفوركس ( وهي شركة تداول عملات ) فالحذر منها علماً أنه يدخلها التحايل وقد فقد كثير من الناس أموالهم بسبب المجازفة وقد سُئل عنها مجمع الفقه الإسلامي فأبان حرمتها وذكر مانصّه : 

" يرى المجلس أن هذه المعاملة - أي التداول بالفوركس - لا تجوز شرعاً للأسباب الآتية :
أولاً : ما اشتملت عليه من الربا الصريح ، المتمثل في الزيادة على مبلغ القرض ، المسماة (رسوم التبييت) ورسوم التبييت وهي زيادة مشروطة تُفرض على المستثمر إذا لم يتصرف في الصفقة في اليوم نفسه ، فهي من الربا المحرم ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) البقرة/278، 279 .
ثانيا: أن اشتراط الوسيط على العميل أن تكون تجارته عن طريقه ، يؤدي إلى الجمع بين سلف ومعاوضة ( السمسرة ) ، وهو في معنى الجمع بين سلف وبيع ، المنهي عنه شرعاً في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل سلف وبيع ...) الحديث رواه أبو داود (3/384) والترمذي (3/526) وقال : حديث حسن صحيح . وهو بهذا يكون قد انتفع من قرضه ، وقد اتفق الفقهاء على أن كل قرض جر نفعاً فهو من الربا المحرم .
ثالثاً : أن المتاجرة التي تتم في هذه المعاملة في الأسواق العالمية غالباً ما تشتمل على كثير من العقود المحرمة شرعاً ، ومن ذلك :
1- المتاجرة في السندات ، وهي من الربا المحرم ، وقد نص على هذا قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم ( 60 ) في دورته السادسة .
2- المتاجرة في أسهم الشركات دون تمييز  " أي بين المختلطة وغيرها .
فاللهم جنبنا سائر المحرّمات والشبهات وارزقنا الإستغناء بالطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين يارب العالمين . 

الخميس، 17 أكتوبر 2019

خطبة عن البركة وتحصيلها وسبب فقدانها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه بين يدي الساعة فأقام الله به الملة وشفى به العلّة ورفع به عن العبيد المسكنة والذلّة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار المصطفين الأخيار ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المعاد والقرار أما بعد : 
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله - عباد الله - فهي وصية الله للسابقين واللاحقين من الخلق أجمعين " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله مافي السماوات وما في الأرض وكان الله غنياً حميدا " . 
- عباد الله - أمرٌ افتقدناه في بيوتنا ومسكَنِنَا ومأكَلِنا وأولادنا وأهلينا ، أمرٌ من ظفر به ووهبه الله له وُفّق أيما توفيق ، وكشف الله عنه كل بلاءٍ وضيق ، وحفظ الله له عُمره من التُرّهات وضياع الأوقات ، وقضى الوقت بما ينفع ، وكان تحصيله لكل شيء يطلبه مضموناً - بإذن ربه - وسهّل الله له كل عائق في دربه . 
وتكاثر له الخير في كل أطوار حياته كلّها ، وسعد به الناس وأسعد الناس حضوره وكتب الله له القبول بين عباده وجعل له ودّا وزاده رُشداً ومدّ له من الخير مدّا ، وذلك الأمر يطلب منك بذل السبب لتحقيقه ، ولعل التوفيقَ يكون رفيقَك فيما ترغب وتطلب وله تنصب ، ذلك الأمر هو : " البركة " وهو مصطلحٌ شرعي يُطلق على مقصودٍ من مكان أو شخص أو غير ذلك ويكون فيه أو ذاته تزايد وتكاثر للخير اللامحدود فمن الأمكنة على سبيل المثال : " البيت الحرام بمكة " يقول تعالى : " إن أول بيتٍ وُضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين " ومن الأشخاص أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام قال سبحانه : " وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذريتهما محسنٌ وظالم لنفسه مبين " .  
وكان نبينا محمدّ صلى الله عليه وسلم مباركاً منذ ولادته إلى فراقه الدنيا وكان بركة على أمته في كل شيء ولو استقصينا ذلك لطال بنا المقام ولكن يكفينا في ذلك قول الشاعر حينا قال : 
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه * ثِمالُ اليتامى عصمة للأرامل 
ومعنى ثِمال اليتامى : أي ملجأهم وملاذهم بعد الله ، وأن الله يعصم ببركته الأرامل من الفقر والضياع بعد موت أزواجهن . 

أيها المسلمون : ماالذي أفقدنا البركة في أعمارنا وسعينا وأولادنا في هذه الحياة ؟ 
ما الذي جعلنا في روتينٍ يومي لسنا نلمس البركة فينا ولا في كل مانتعايش معه حولنا ، إن من أعظم الأسباب التي تمحو البركة من حياتنا وأهلينا هو عدم تحصيل التقوى والإيمان في شؤون حياتنا كلّها وهذا سبب ركيز يستهين به الناس وأوقع أكثرهم في نزع البركة من حياتهم ، وفي ذلك يقول الحق تبارك : ( ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) . 
ومن الأسباب : الجهل وقلة العلم فالعلم على العبد في معاشه ومعاده ولذا كان حفظ القرآن والعمل به بركة على العبد عموماًُ في دينه ودنياه :
( كتاب أنزلناه إليك مباركٌ ليدّبرّوا آيته وليتذكر أولوا الألباب )  وقال صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة : " إن أخذها بركة وتركها حسرة ولاتستطيعها البطلة - وهم السحرة " والقرآن كلّه بركة لمن أخذ به وعلى البيت الذي يُقرأُ فيه بالجملة . 
ومن الأسباب - ياعباد الله - أيضاً اقتراف الذنوب وعدم المبالاة بها وهي سبب للحرمان من الرزق والخير قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه ) رواه ابن ماجه .
ومن الأسباب أيضاً : عدم نفع الناس وذلك أن الناس يملكون الدعاء لمن ينفعهم ويُحسن إليهم وهذا أمرٌ وسببٌ من أسباب البركة وذلك أمرٌ يجده من يسلك هذا المسلك من المسلمين فما أعظم اجر نفع الناس عند الله ولكن أكثر الناس لايعلمون يقول صلى الله عليه وسلم : " ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إليّ من أعتكف في المسجد شهرا " - أي مسجد المدينة - وفي رواية " في مسجدي هذا شهرا " 
ومن الأسباب التي تجلب البركة : كثرة الدعاء فقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء : " إذا نُكثر " قال : " الله أكثر " أي يُعطي أكثر ويهب الكثير . 

ومن الأسباب : ترك مصاحبة الأخيار فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بركة على أصحابة وكذلك الصالحون من أمة محمد الأمثلُ فالأمثل ولذلك ورد في الحديث في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيُقال فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : نعم فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس فيغزو فئامٌ من الناس فيقال : فيكم من صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقولون نعم فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيُقال فيكم من صاحب من صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم " وكذلك يفعل الرجل الصالح فهو بركة على قومه وضدّ ذلك رجل السوء فهو شؤم على قومه ولذلك ورد في السنة أن موسى عليه السلام استسقى ربه بسبب قحط أصابهم فمنعهم الله الغيث بسبب رجلٍ يبارز الله بالمعاصي أربعين سنة فلما تاب واستغفر قبل الله توبته وكان بركة على قومه ، وليس ضرر القرين على قرينه بنزع البركة فقط ، بل بورود الجحيم وقد ورد في كتاب الله ماصنع القرين بقرينه حتى تمنى أن يكون مابينه وبينه بُعد المشرقين قال جل جلاله : ( حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين ) ولكن مانفعه ذلك . 
ومن الأسباب - ياعباد الله  : الرضا بما قسم الله في شأن الأرزاق والقناعة في ذلك ففي الحديث : " إن الله يبتلي عبده بما أعطاه ، فمن رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه ووسّعه ، ومن لم يرضَ لم يبارك له فيه " . 
ومن أعظم الأسباب - معشر الإخوة ترك العدل وغيابه في عالمنا وحياتنا فالعدل بركة على المجتمع كله رئيساً كان أو مرؤوساً راعياً كان أو رعيّة وهو القسط المأمور به في كتاب الله من كل فرد في أمة محمد عليه الصلاة والسلام قال الحق تبارك وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين . . ) ولذا عندما ينزل عيسى عليه السلام ويخرج المهدي يملأون الدنيا قسطاً وعدلاً والنتيجة أن تأكل العِصابة - وهم مجموع الرجال - من الرمانة الواحدة ، واللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس ، وفي مسند الإمام أحمد أنه وُجد في بعض خزائن بني أُميّة صُرّة فيه حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها " هذا كان ينبت في زمن العدل " . 
وهذا كلّه من بركة العدل والقيام بالقسط فهل استشعرنا ذلك 
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

================ الخطبة الثانية ================= 
الحمدلله حمد الشاكرين وإله المنيبين وخالق الخلق أجمعين وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه البررة الميامين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من أسباب حصول البركة أخذ المال بسخاوة نفس ففي حديث حكيم بن حزام المخرّج في الصحيحين أنه قال  : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ، ثم قال : " ياحكيم إن هذا المال خضِرَةٌ حُلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس ٍبورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع " وكذلك أخذه من طريق كسب مباح ولذا ورد في الحديث في صحيح مسلم : " فمن يأخذ مالاً بحقّه يُبارك له فيه ، ومن يأخذ مالاً بغير حقه لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع " والصدق في المعاملة أيضاً من أسباب البركة قال صلى الله عليه وسلم :
" البيّعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهم في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما . 
ومن أعظم الأسباب لحصول البركة الصدقة ، فالصدقة خيرٌ للعبد من إمساك المال وجمعه " قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه وهو خير الرازقين " . 
ومن أسبابها أيضاً : البكور في قضاء الحاجات فقد دعا الني صلى الله عليه وسلم لأمته في وقت البكور حيث قال : " اللهم بارك لأمتي في بكورها " . 
قال العجلوني رحمه الله : " العقل بكرة النهار يكون أكمل منه وأحسن تصرفاً منه في آخره ، ومن ثم ينبغي التبكير في طلب العلم وغيره من المَهمّات "  . 
ومنها في شأن الخُلطة والمعاشرة أيضاً : اجتماع الناس على الطعام ، فقد شكا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إليه أنهم يأكلون ولا يشبعون ، فقال :
" فلعلكم تفترقون ، قالوا : نعم ، قال : " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يُبارك لكم فيه "  رواه أبو داوود وهو حديث صحيح . 
ومن أسبابها : ترك لعق الأصابع أيضاً ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه فإنه لايدري في أيتهن البركة " رواه الترمذي وروى مثله مسلم في صحيحه .
ومنها أيضاً : الإستخارة في الأمور فقد ورد في داء الإستخارة بعد أن يُصلي ركعتين أنه يقول : " اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويُسمّي حاجته - خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدُره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه " وهذا الشاهد  . 
فاللهم بارك لنا في عيشنا وولدنا وأهلينا وذرارينا وأوقاتنا وأعمالنا ياذا الجلال والإكرام . . 
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...