الجمعة، 27 يناير 2023

خطبة عن الثبات على الدين حتى الممات

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الثبات على الحق حتى الممات مطلبٌ عظيم ومبدأ عزيزٌ كريم لايوفق له إلا النخبة من الأخيار وعلى رأسهم الأنبياء ثم من دونهم من الصالحين من دونهم ، وهو أمانٌ من الله من الوعيد والعقوبة التي تنال كل من نكص وتخاذل عن التمسك بالحق وأساس الثبات الصدق مع الله وسؤال الله الثبات على دينه حتى خروج الروح من الجسد وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الثبات دائماً وأبداً ففي حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شُكر نعمتِك وحسن عبادتك ، وأسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً وأسألك من خير ماتعلم وأعوذ بك من شرّ ماتعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علاّم الغيوب " وهذا الحديث له طرق متعددة وأخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة في مصنفه والطبراني في المعجم الكبير .

عباد الله : الثبات على الحق مع وجود البلاء والفتن والصدود من الناس وإعراض الكثير عن سلوك الصراط القويم وسخريتهم واستهزائهم حدث مع نوحٍٍ عليه السلام حينما صد عن الإيمان به قومُه فلم يؤمن به إلا القليل مع كثرة الناس في ذلك الوقت فكانوا حينها قد ملؤا السهول والجبال من كثرتهم ومع ذلك صبر نوح على أذيتهم وثبت ولم ينجرف أو يتنازل عن دينه قدر أنملة مع أنهم يمرون به ويسخرون منه وهو يصنع السفينة ، وثبت ابراهيم حينما ألقي في النار حتى نصره الله وجعلها برداً عليه وسلاماً ، وثبت اسماعيل على بلوى الذبح والإفتداء بنفسه امتثالاً لأمر الله جل وعلا وثبت يعقوب عليه السلام عندما ابتلي بفقد ابنه يوسف سنين عديدة ، وثبت شعيب عليه السلام على دعوة قومه وكذلك لوط على دعوة قومه على خبثهم وفجورهم حتى نجاه الله وثبت موسى في وجه فرعون وعلى أذية بني اسرائيل وثبت عيسى عليه السلام على مكر بني اسرائيل حتى رفعه الله وثبت نبينا محمدٌ وهو خير الصابرين وقدوة الخلق أجمعين على ماناله من الأذى من كفار قريش وثقيف وغيرهم حتى انتصر على من عاداه وكان أشدها في يوم العقبة حيث عرض نفسه على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبه إلى ماأراد عليه الصلاة والسلام وسخر منه وأغرى بالنبي الكريم السفهاءُ والجهلاء فرموه بالحجارة حتى أدموه فانطلق وهو مهموم على وجهه عليه الصلاة والسلام فلم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب - وهي قرن المنازل وميقات السيل اليوم - فانظر لموقف النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون ؟ وكيف يرجع إلى مكة ومن كان فيها من كفار قريش يتربصون به الدوائر ، وأهل الطائف آذوه وعادَوه ، وانظر في المقابل كيف تجلّت رأفته ورحمته بمن عاداه وماذلك إلا أخلاق الأنبياء والصالحين ، فلمّا كان في ذلك الموقف أظلته سحابة فإذا فيها جبريل عليه السلام فقال : " يامحمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم " فناداني ملك الجبال ، فسلّم عليّ ، ثم قال : " يامجمد ، إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايُشرك به شيئاً " أخرجه البخاري

عباد الله : الثبات في الأمر أشدّه وقت الفتنة في الدين وأهل الشهوات يغرون بشهواتهم ويزينون ولولا تثبيت الله ورحمته للأخيار من خلقه لانحرف وزاغ من زاغ حتى ولو كان نبياً ، ألم تروا إلى قول الله لنبيه وهو خير البشر حيث قال جل وعلا : (( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً )) ومواقف الثابتين كثيرة ، ولن نذكر موقفاً من مواقف الأنبياء ولا من الصحابة رضوان الله عليهم فأولئك قد رضي الله عنهم ولكن سنذكر قصة لرجل من الصالحين أتى بعد القرون المفضّلة وهو أبو بكر محمد بن احمد الرملي المشهور بابن النابلسي وقد كان رحمه الله ثبت في وجه طاغية مصر العبيدي فأمر بإحضاره لما بلغه قولاً عنه فلمّا أُحضر بين يديه قال له العبيدي الزنديق : " بلغنا أنك قلت إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة " فقال : " ماقلتُ هذا ، بل قلتُ : إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرمميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً ، فإنكم غيّرتم الملّة وقتلتُم الصالحين ، وادعيتم نور الإلهية " فسجنه ثم ضربه ثم جاء بيهودي لعين فأمره بسلخه وهو ثابت لايتزعزع ولا يرجع عن مقالته حتى تُوفي رحمه الله ، ونحن اليوم لايكاد الرجل منّا يصبر على ترك شهوة ، أو هجر معصية من أجل دينه وصلاح آخرته ، فكيف يصبر عند اشتداد البلاء وتغيّر الأحوال لينال أعظم الأجر وحسن المآل . . فاللهم اجعلنا من الصابرين الصادقين وجنبنا الفتنة في الدين فإن العافية أوسع لنا ورحمتَك وسعت كل شيء . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============== الخطبة الثانية ==============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والتسليم أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من أسباب النجاة التمسك بوسائل الثبات والعمل بها ومن هذه الوسائل التي تُعين :

- ذكر الله تعالى وذلك أن الإنحراف والزيغ عن الطريق المستقيم سببه تسويل الشيطان وتزيينه طريق السوء في قلب ابن آدم ولا حياة للشيطان في قلبٍ يذكر الله في كل أحيانه وفي الحديث : عن ابن عباس مرفوعاً : " الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ، وإذا غفل وسوس " ورواه البخاري مُعلّقاً

- ومن ذلك الدعاء بما ذكر سابقاً : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد . . " الحديث

فالدعاء يعصم من شرور كثيرة وهو ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، فينبغي للعبد المسلم أن يلزمه إلى أن يخرج من هذه الدنيا وأن يسأل العبدُ ربَّه الهداية بصدق وحق ليكون في صفوف المهتدين ويشكُرُ اللهَ على نعمة الهداية فإن كثيراً ممن انتكسوا أو سقطوا في وحل المعصية والفتنة إما أنهم لم يسألوا ربهم الثبات على هذا الدين وإما أنهم لم يشكروا الله على نعمة الهداية لهذا الدين فسُلبت منهم بعدما آتاهم الله إياها ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر من قوله : " اللهم يامُقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك "

- ومن ذلك : الإقبال على كتاب الله تعالى وتدبّره فهو يهدي لأقوم سبيل ويداوي العليل ( وقال الذين كفروا لولا نُزّل عليه القرآن جُملة واحدة كذلك لنُثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) ( إن هذا القرآنَ يهدي للتي هي أقوم ويبشرُ المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ) وهو يحوي قصص من كانوا قدوةً في الثبات في الخطوب والمدلهمات صغرت أو كبُرت ( كذلك نقص عليك من أنباء الرسل مانثبت به فؤادك . . ) الآية

- ومن ذلك أيضاً مصاحبة الأخيار ومجالستهم والسماع للموعظة بقلبٍ خالٍ من الشواغل والمُلهيات ليتمكن ابنُ آدم من معرفة الحق وإصلاح نفسه وترويضها والأخذ بخطامها لطريق النور والخلاص : ( ولو أنهم فعلوا مايُوعظون به لكان خيراً لهم وأشدَّ تثبيتاً * وإذاً لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيما * ولهديناهم صراطاً مستقيما )

- ومما يجدر الإشارة إليه أن التوسع الشديد في المباحات إذا صحِبَهُ رقةٌ في الديانة جرّ إلى المحرم والإثم وإلى الإنتكاسة أيضاً وهذا ملاحظ ونبّه إليه أهل العلم ولهذا تجد أن من الشباب مثلاً بدأ أول حياته بسماع الأناشيد وإنشادها وأدمن ذلك حتى قصّر في بعض السنن ثم قصّر في الواجبات ثم دخل في المحرم من أوسع أبوابه فسقط في فتنة الغناء إما مستمعاً أو مُغنياً والواقع يشهد بذلك فينبغي للعبد أن يحذر من خُطوات الشيطان وحيلته ومكره ويحذر من تساهل النفس بتلك الحِيل وتسويف النفس بالتخلص منها ، وإن النفس لأمّارة بالسوء إلا مارحم ربي إن ربي غفورٌ رحيم . . ثم صلوا على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد أتقى البريّة وأزكى البشرية .

الخميس، 5 يناير 2023

خطبة عن استهداف الشباب بالمخدرات

الحمدلله الذي أرسل رسوله بالنور والبينات وأحل لعباده الطيبات وحرّم عليهم الخبائث والمحرّمات ، يعصم من يشاء برحمته من الشرور والآفات ، ويبتلي من يشاء بحكمته وعدله أهل الجهالة والخطيئات ، نحمده في سائر الأوقات ونصلي ونسلم على رسوله الذي اصطفاه على سائر البريّات وكمّله بالفضائل والطاعات صلاة وسلاماً موصولاً لآله وصحبه أولي المعالي والكرامات ومن تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماوات أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى رأس بضاعة العبد عند الله ، وقد عُصم من الفتن من لربه اتقى ولنفسه من الموبقات وقى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون ) .
عباد الله : أنعم الله على المسلم بالعقل والتمييز بين مايضر وينفع وبين الحق والباطل وبالعقل هو مناط التكليف وبأثر العقل على الجوارح يؤجر أو يؤزر العبد فمن لايدلّه عقله على طريق الخير فيتبعه أو على طريق الشر فيجتنه ويدع هواه فإنه مصيره دارَ الشقاء والله أشقى كثيرا من الجن والإنس بسبب أن لهم قلوبٌ لايعقلون بها ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لايعقلون بها ولهم أعينٌ لايبصرون بها ولهم آذانٌ لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ولا يحل لمسلم أن يتناول أو يتعاطى مايُذهب عقله وفكره ولذا حرّم الله الخمر ، وهم اسمٌ لكل مايُذهب العقل كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام حيث قال : " والخمر ماخامر العقل " كما هو عند البخاري ومسلم ، وكتاب الله صريحٌ بالأمر بالإجتناب لكل خمر أياً كان جنسه ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنوه لعلكم تُفلحون ) .
ومن يتعمّد إذهاب عقله فقد ارتكب جُرماً عظيماً وذنباً من كبائر الذنوب وجزاؤه إذا لم يتب أن الله يسقيه من ردغة الخبال وهو قيح وصديد أهل النار ، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من شرب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد لم تُقبل له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً ، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاة من نهر الخبال " أخرجه الترمذي وأحمد وعبدالرزاق والطبراني وغيرهم وهذا يدلل على أن العبد يرتخي عزمه وتفسد إرادته غالباً ويستولي عليه الشيطان إلا من رحم الله ، فينبغي لمن ابتُلي بهذا الداء أن يحذر من عاقبة فعله ومصيره ويحذر من حرمان دخول الجنة بسبب إدمانه على هذا الفعل الشنيع وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لايدخلون الجنة : مدمن الخمر ، وقاطع الرحم ، ومُصدّقٌ بالسحر " رواه الإمام أحمد وابن حبّان وهو حديث صحيح لغيره ، علماً أنه من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة كما ورد بذلك الدليل ، ومن أشد ماقيل في الخمر ماودر عن ابن عمر رضي الله عنه قال : " من شرب الخمر فلم ينتشِ - أي لم يسكُر - لم تُقبل له صلاة ، مادام في جوفه أو عروقه منها شيء ، وإن مات مات كافراً ، وإن انتشى لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة ، وإن مات فيها مات كافراً " وهذا القول يرويه عنه مجاهد التابعي رحمه الله وهو في صحيح النسائي والكفر المذكور كفرٌ دون كفر فهو كفر غير مخرج من الملة . 
عباد الله : المخدرات هي أشدّ من الخمر على العقل وأشد ضرراً على النفس والأسرة والمجتمع فشرها خطير وضررها كبير وهي داءٌ مستطير دمّرت - بسبب قلة الوعي والديانة - عقول الكثير من الشباب ، وما وُجد منها في هذه الأيام لم يوجد من قبل ، فليت الأمر اقتصر على المواد المخدرة من النبات ، بل طالت أيدي العابثين المفسدين هذه المواد بتصنيع مركّز انبثق عن مواد مخدرة أشدّ فتكاً بالعقل البشري والجهاز العصبي المركزي للإنسان ، استعمل فيها المفسدون خبرتهم لتدمير الشعوب والمجتمعات الإنسانية ، ليُخرجوا مادة خطيرة تُسمّى ( الشبو ) ولها تسميات عدّة وتكمن خطورة هذه المادة في كونها تدمر الخلايا العصبية للإنسان وتأتي بالهلوسة السمعية والبصرية وشحوب الوجه الشديد فيتحول شاب في العشرين بسبب الإدمان إلى منظر عجوز كأنه في الثمانين من عمُره والجرعة الزائدة منه قاتلة على الفور مع تسببه بالجلطات الدماغية وتلف خلايا المخ ونقص الوزن وتقرّح الأسنان والتهاب الكبد والرئة وتلفهما مع الوقت والإدمان الطويل والإكتئاب والمزاج الحاد والأمراض النفسية وغيرها عافانا الله وإياكم 
فاللهم احفظ شباب وفتيات المسلمين من شر المخدرات ومن كل سوء وفتنة وبلاء يارب العالمين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إِنه هو الغفور الرحيم

============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله الذي أنعم على كثيرٍ من عباده بنعمة العافية وهو أهل النعم الظاهرة والخافية والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الذي بعثه ربه بالشريعة الغراء الوافية صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل النفوس السامية وعلى من تبعهم بإحسان من النفوس الموالية أما بعد :
فاتقوا الله - ياعباد الله - ( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثمّ توفّى كل نفسٍ ماكسبت وهم لايُظلمون )
عباد الله : إن شرّ المخدرات - أجارنا الله وإياكم والمسلمين - دائماً مرتبطٌ بالجريمة وقد أثبتت الدراسات ذلك بما لايدع مجالاً للشك ، ولكن كيف نحمي أنفسنا ومن نعول من شرّ المخدرات وويلاتها ؟ ويتم ذلك بعدة أمور منها :
- أولها مخافة الله تعالى وتقواه فالمتقي لله يحذر من أن يُدخل في بطنه وجوفه شيءٌ حرّم الله تناوله .
- وكذلك قيام ولي الأمر بما أمر الله به من الرقابة على من يعول واكتناف أهله وذريته بالنصح والتوجيه والإعتبار بأحوال من سقطوا في هذا الوكر الخبيث
- والحرص على الصحبة الصالحة وإن كانت من أبعد الناس عنك نسباً ، والحذر من الصحبة السيئة وإن كان من أقرب الناس إليك .
- وملء وقت الفراغ بما ينفع فإن الفراغ مفسدة للمرء وهو مشغلٌ نفسه لامحالة إما بخير أو شر 
- والحذر من السقوط في فخ التجربة والإستطلاع فهذا فخ وكماشة أوقعت الكثير من الشباب فإياك أخي الشاب أن تقع في الأمر وكُن على وعي من أن من امتدت يده للخبائث الصغار فسوف تمتد يده للخبائث الكبار غالباً ، فمن امتدت يده لتجريب السيجارة فسوف تمتد يده لتناول المخدرات إلا من رحم الله ، لأن الحصانة الذاتية في الأصل مفقودة فاعرف محل الخلل وإياك والزلل
عباد الله : يجب علينا - معشرالأخوة - التعاون مع الجهات الأمنية لصدّ كيد الأعداء في الداخل والخارج ممن يريد الفتك بشبابنا واجترارهم لأوكار المخدرات فإن هذا واجب ديني تجاه هذه الفئة الباغيه من المهربين والمروّجين - قطع الله شرّهم عن العباد - امتثالاً لقول الله جلا وعلا : ( وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) ومن كان يعرف مبتلى بذلك لامروجاً ولا مهرّباً فليبلغ عنه بسرّية تامة وبخطوات تُرشد لها الجهات المختصة لعلاجه من حالة الإدمان التي يعيشها فإن في ذلك إنقاذاً لنفس من جحيم الشرور . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الثلاثاء، 3 يناير 2023

خطبة عن الأرض المقدسة ( أرض فلسطين )

 الحمدلله الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وخلق كل شيء وأحصى ورغّب ورهب من لله عصى والصلاة والسلام على المصطفى المبعوث بالنور والهدى وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى ومن لسبيله اقتفى أما بعد : فاتقوا الله - عباد الله - ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . . عباد الله : 

الأرض المقدسة ( أرض القدس والمسجد الأقصى ) أرض الأنبياء ومسرى رسولنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأرضه أرضٌ مباركة وفيها المسجد الأقصى ثالث المساجد الثلاثة التي تُضاعف فيهن الصلاة حيث تضاعف فيه إلى خمسمائة صلاة على الصحيح من أقوال العلم وما ورد أنه يُضاعف فيه لألف صلاة فحديثٌ ضعيف والمسجد الأقصى تُشدّ له الرحال كما تُشد للحرمين الشريفين ولكن أرضه ليس بحرم ويُخطئ من يقول : " ثالثُ الحرمين الشريفين " فيجوز قطع الشجر حوله وأن يصاد فيه وأن يُختلى خلاه - أي يُقطع حشيشه وعُشبُه -  وتكمن أهمية بيت المقدس في أنها من أرض الشام المباركة فهي مما حول بيت المقدس فالكثير من العلماء يجعلون يجعلون بيت المقدس من الشام ، وفي قول الله تعالى عن إبراهيم ولوط ٍعليهما السلام  : ( ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ) أن الأرض هي الشام ، وقد روي ذلك عن الحسن وومجاهد وابن زيد وابن جريج ، وهي تمثل اليوم سوريا وفلسطين والأردن ولبنان وكذلك سَيناء من أرض مصر لأن الكثير من المفسرين ذكروا عن الأرض المقدسة التي أمر الله موسى عليه السلام قومَه أن يدخُلوها هي أرض الطور - طور سيناء -  ولكن الصحيح هو أن سَيناء ليست هي الأرض المقدسة وهي من الأرض التي بُورك فيها والأرض المقدسة هي بيت المقدس على الصحيح ، وتكمن أهمية الشام أيضاً بأنها أرض المحشر والمنشر ففي الحديث عن أبي ذرّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشام أرض المحشر والمنشر " رواه أحمد ، فيُحشر الناس لها آخر الزمان تحشرهم نارٌ تخرج من قعر عدن في اليمن وتسوقهم لأرض الشام ومنها يحشر العباد لربهم يوم البعث والنشور وقد حُشر لها اليهود من بني النضير لما خانوا النبيَ صلى الله عليه وسلم فأخرجهم عليه الصلاة والسلام لمنطقة أذرعات من أرض الشام ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر . . ) 

عباد الله : بُعث من أرض الشام أنبياء كُثر بعضهم ذكر في القرآن وبعضهم لم يُذكر ، يقول الشيخ السعدي رحمنا الله وإياه : " ومن بركة الشام أن كثيراً من الأنبياء كانوا فيها ، وأن الله اختارها مهاجراً لخليله " وقال ابن تيمية رحمه الله : " والبركة تتناول البركة في الدين والبركة في الدنيا ، وكلاهما معلوم لاريب فيه " . 

وهي أصل ومنبت شجر الزيتون المبارك كما ذكر الله عنها في كتابه : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُري يُوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربيه . . ) 

عباد الله : لمّا أراد الله أن يُسكن بني اسرائيل الأرض المقدسة ( القدس وماحولها )  والتي طردوا منها وقد استولى عليها العماليق وهم قومٌ وثنيون من الكنعانيين طلب موسى من بني إسرائيل دخولَها فأبوا وفي ذلك يقول الله تعالى : 

( وإذا قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مالم يؤت أحداً من العالمين * ياقومِ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا ياموسى إن فيها قوماً جبّارين وإنا لن ندخُلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * ) فوعظهم اثنان ممن يخاف الله منهم ( قال رجلان من الذين أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ) وهذان الرجلان من النقباء وهما يوشع بن نون وكلاب بن يافنا كما ورد ، فأبوا دخولها وقالوا : ( قالوا ياموسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) فلما كان منهم ذلك ، طلب موسى من ربه أن يفصل بينه وبين بني اسرائيل بحكم واضح بيّن فقال : 

( فإنا محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) وتوفي موسى عليه السلام في أرض التيه وقبله هارون عليه السلام وتاه بنوا اسرائيل في أرض التيه أربعين سنة وهي سيناء لايهتدون فيها إلى مخرج ، وكانت لهم فيها أحداث وهلك كثير ممن عصى موسى عليه السلام وأنشأ الله أقواماً من ذرياتهم من بعدهم وسار بهم يوشع بن نون - كما ذكر المفسرون - مخرجاً إياهم من أرض التيه الذين كان بها أسلافهم لكي يفتتح بيت المقدس ويحرّرها من العمالقة الجبارين ، فلما سار بهم وأدركوا بيت المقدس عصر الجمعة خشي يوشع بن نون عليه السلام وهو نبي لم يذكر اسمه في القرآن ، خشي أن تغربَ الشمس ودخولِ ليلة السبت عليهم فدعا ربه وقال : " اللهم إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها عليّ " فحبسها الله له ولم تُحبس لنبي قبله - كما ورد في السنة -  حتى فتح بيت المقدس منّة من الله وفضلاً ، وأمر الله بني اسرائيل عندما يدخلوها أن يدخلوها سُجّداً - قيل معناه رُكّعاً - وقد ورد بذلك أسانيد عن ابن عباس رضي الله عنهما وأن يقولوا حطّة - أي مغفرة وحطٌّ للخطايا - فبدّلوا ماقيل لهم ونكصوا وعصوا فدخلوا على أستاهم يزحفون ويقولون حنطة أو حبّة ، فكانت النتيجة ( فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كنوا يفسُقون ) فكان الرجز : هو الطاعون أُرسل عليهم وفي الحديث : " الطاعون رجزُ عذابٍ عُذّب به من كان قبلكم " أخرجه النسائي وغيرُه وكل رجزٍ في القرآن غالباً يُطلق على العذاب والعقوبة أجارنا الله وإياكم من عذابه وعقوبته وسخطه إنه هو الرحيم الغفور ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه غفور شكور . 

============= الخطبة الثانية ================ 

الحمدلله الذي يصطفي مايشاء ويختار ، وأرسل رسوله بالهدى فأحيا به ما اندرس من الدين والآثار ، فله الحمد على نشر دينه في القرى والأقطار وأصلي وأسلم على رسوله المصطفى المختار وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ماأظلم ليلٌ وأشرق نهار أما بعد : 

تميّز المسجد الأقصى بأنه قبلة المسلمين الأولى فكان النبي يصلي إلى جهته جاعلاً الكعبة بين وبين بيت المقدس وكذلك المسلمون ولمّا هاجر صلى إليه مباشرة كما ورد في السنة عند الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال : " كان رسول الله يُصلي بمكة نحو بيت المقدس ، والكعبة بين يديه ، وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهراً ثمّ صُرف إلى الكعبة " وكان صرفه من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة في السنة الثانية من الهجرة وذلك بعد نزول قول الله تعالى : ( قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كُنتم فولوا وجوهكم شطره . . ) مع أن المسجد الحرام موضوعٌ في الأرض قبل المسجد الأقصى بأربعين سنة ، ولكن كانت صلاة النبي وأصحابه لبيت المقدس لحكمة ،  ومن فضل بيت المقدس ماورد في التملك حوله في حديث أبي ذر رضي الله عنه كما في مستدرك الحاكم حيث قال صلى الله عليه وسلم : " وليوشكن أن يكون للرجل مثلُ شَطَنِ فرسِه - أي حبل فرسه - من الأرض ، حيثُ يرى منه بيت المقدس خيرٌ له من الدنيا جميعاً " أو قال : " خيرٌ من الدنيا وما فيها " وهذا الحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني وغيره . 

عباد الله :  أرض القدس وماحولها في آخر الزمان هي معقل الإيمان فقد ورد في السنة عند ذكر الدجال أن أم شَرِيك بنت أبي العَكَر أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : " يارسول الله فأين العرب يومئذٍ ؟ قال : " هم يومئذٍ قليل ، وجلُّهم ببيت المقدس ، وإمامهم رجلٌ صالح " .

وروى الإمام أحمد بسنده إلى أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاتزال طائفةٌ من أمتي على الدين ظاهرين ، لعدوهم قاهرين ، لايضرّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك "  قالوا : يارسول الله وأين هم ؟ قال : " ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس " وأخرجه الطبراني وقال الهيثمي : " رجاله ثقات  "  . . 

وللأهمية يجب التفريق بين المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة الذي هو تابع للمسجد الأقصى فهناك تعتيم إعلامي خارجي مقصود أو غير مقصود فالغالب في الصور التي تظهر هو مسجد قبة الصخرة ومسجد قبة الصخرة نسبة لصخرة فيه كان اليهود يستقبلونها عند صلاتهم وعمر رضي الله عنه بنى مصلى للمسلمين أمام الصخرة وليس خلفها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر ، وأما الصخرة فلم يُصل عندها عمر ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة ، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان " انتهى كلامه فلما جاء ابن مروان بن الحكم عبدالملك بن مروان بنى القبة على الصخرة 

أيها الإخوة يجب مناصرة القضية الفلسطينية والدعاء لأهلها بالنصر والتمكين على اليهود الغاصبين ومناصرة قضايا المسلمين فإن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى . . ثم صلوا وسلموا على نبينا محمد فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


الأحد، 4 ديسمبر 2022

خطبة عن الريح والرياح وآثارها وما ورد فيها

الحمدلله القوي القهار ، العزيز الجبار ، الذي يأتمر كل شيء بأمره طوعاً أو كرهاً وهو المحيط بالأقدار يكور النهار على الليل ويكوّر الليل على النهار ، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والقرار أما بعد :  

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن من جند الله تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) الرياح والريح والريح تأتي بالعذاب والعقوبة غالباً في كتاب الله كما قال الله تعالى في شأن قوم عاد : ( فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنُذيفهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا . . ) والرياح تأتي بالبشرى والخير والغيث غالباً كما قال تعالى : ( وأرسلنا الرياح لواقح فانزلنا من السماء ماءاً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) وهذا في الأغلب وقليلاً ماتأتي الريح في النفع والخير كما قال الله تعالى في شأن سليمان عليه السلام : ( فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب ) .

عباد الله : أقسم الله بالذاريات وهي الرياح التي تذروا التراب ، ولا يُقسم الله إلا بعظيم وليس لأحد ٍأن يُقسم إلا بالله ، والرياح نعمة من نعم الله تعالى وفضله فهي تلقّح السحاب وتسوقه وتزجيه إلى حيث ما أمر الله فيُنزل الله بذلك الغيث للعباد وذلك قول الله تعالى :   ( والله الذي يرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحاباً ثقالاً سُقناه لبلدٍ ميّت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نُخرج الموتى لعلكم تذكّرون ) وربط بين الرياح ونزول الماء في قوله : ( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءاً طهوراً * لنحيي به بلدة ميتاً ونُسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيرا ) ومن نعمة الله تعالى على العباد في الرياح أنها تسوق الفلك والسفن الجارية ولولا ذلك لسكنت تلك السفن فمن يُخرجها من أوساط البحار والمحيطات فذلك قول الله تعالى: ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن يشأ يُسكن الريح فيضللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) وإذا هاجت الريح في تلك البحار جعلت أمواج البحار كالجبال كما وصف الله سفينة نوح ( وهي تجري بهم في موجٍ كالجبال ) وصارت رُعباً وعذاباً لمن حقّ عليه القول ، وكم من سفن عظيمة رست في قعر البحار بسبب الرياح التي تُهيّج البحر فينتضح على العصاة وذلك تخويف الله وترهيبه في قوله : ( أم أمنتم أن يُعيدكم فيه تارةً أخرى فيُرسل عليكم قاصفاً من الريح فيُغرقكم بما كفرتم ثم لاتجدوا لكم علينا به تبيعاً ) . 

عباد الله : الريح الباردة الشديدة سمّاها الله في كتابه صرصرا كما هو حال الريح التي أرسلت على قوم عاد ، وإذا كان معها بَرَد شديد صارت ريحاً فيها صر ، كما أخبر الله تعالى عن مال الكفار الذي ينفقونه في الدنيا رجاء ثواب الله - فيما يعتقدون - فقال تعالى : ( مثلُ ماينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريحٍ فيها صرٌّ أصابت حرث قومٍ ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )  . 

والصبا والدبور نوعان من أنواع الريح ، فالصبا ريحٌ شرقية نصر بها يوم الأحزاب نبيُنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك قول الله تعالى في سورة الأحزاب : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجُنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً ) والدَبُور ريحٌ غربية أهلكت بها عاد ففي الحديث المتفق عليه عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نُصرت بالصبا وأهلكت عادٌ بالدبور " . 

ومن صور العذاب بالريح في حياتنا المعاصرة حادثة تسونامي التي وقعت في العام خمسٍ وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة وضربت دولاً من جنوب شرق آسيا وكذلك إعصار كاترينا الذي وقع بعد تسونامي بعام وضرب أمريكا وخلف أضراراً كبير في الأرواح والممتلكات وتسبب كلاً منهما في قتل الآلاف من البشر وما هذه الكوارث التي تكون بتقدير الله إلا بما كسبت أيدي الناس ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) 

عباد الله : الهواء نعمة عظيمة وتحرّكه نعمة أكبر ، فلو سكن لتضرر الإنسان والحيوان ولهاجت كثير من الروائح السيئة ولما طُردت السموم والأمراض من الأرض عن ابن آدم وعن الكائنات الحيّة يقول كعب الأحبار رحمه الله تعالى : " لو حُبست الريح عن الناس ثلاثاً لأنتن مابين السماء والأرض "  ،  مع العلم أن الهواء النقي  يساعد في تحسين معدلات الصحة لدى الإنسان ويحمي الرئتين من العاهات الصحية ويساعد على الإسترخاء الذي يُذهب التوتر والقلق لدى البعض وللهواء فوائد كثيرة لامجال لذكرها وهو من فضل الله تعالى ونعمه التي لاتُعدّ ولا تُحصى . 

عباد الله : الريح من خلق الله وتقديره ويتضجر من هبُوبها كثير من الناس ولا يحل لابن آدم أن يسب الريح ولو تضرر منها  لأنها مأمورة لاتدبير لها ولا تصرّف إلا بإذن خالقها ومُرسلها سبحانه وفي الحديث الصحيح : " لاتسبوا الريح فإنها مأمورة " أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي والبيهقي وغيرهم  ، فاللهم اهدنا للرضا بعد القضاء وأعذنا من شرّ الأعداء وجهد البلاء ودرك الشقاء ياسميع الدعاء ياواسع العطاء أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية ==============

 الحمدلله الذي خلق كل شيءٍ فقدّره تقديراً ، والصلاة والسلام على من أرسله الله للثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيرا ، أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من مما أرشد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح الدعاءُ بما ورد ففي حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم أنها قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال : " اللهم إني أسألك خيرها ، وخير ما فيها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرّها وشرّ مافيها ، وشرّ ما أرسلت به " وفي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح قال : " اللهم لقَحَاً لاعقيماً " رواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني وابن حبان وصححه الألباني  ومعنى لقَحَاً : أي تُلقح السحاب  ، وأما حديث : " اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " فهو حديث ضعفه كثير من أهل العلم . 

ومن فوائد هذه الأدعية أن الله يصرف الشرّ عن قائلها بإذنه سبحانه ويعصمه من شرور الحوادث فأشبه قول هذه الأدعيه الوردَ اليومي الذي يقال في الصباح والمساء والذي يُعطي قائله حصانة من مردة الجن والشياطين وشياطين الإنس وكل ذلك أسباب لحفظ الله للعبد من كل مايحذر . 

وما تأتي المضرّة لابن آدم من الريح وغيرها إلا من قلة اعتصام العبد بربه وعدم فعل الأسباب أو معصية الله ورسوله وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم حين رجوعه عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوك أنه قال لأصحابه : " ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة ، فلا يقُم فيها أحدٌ منكم ، فمن كان له بعير فليشّد عقاله "  فهبت ريحٌ شديدة ، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء . . فانظروا كيف التهاون بعصيان المصطفى والذي هو من عصيان الله تعالى وكيف كان مصير الرجل  وكيف حملت هذه الريح المأمورة هذا الرجل لتقطع به مئات الكيلو مترات ، بسبب تهاونه وعصيانه لله المقدر وللرسول الذي لاينطق عن الهوى ، ثم صلوا وسلموا على رسوله فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


الخميس، 1 ديسمبر 2022

خطبة عن دفع الله الناس بعضهم ببعض وعن الحركات الإصلاحية

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 

عباد الله : إن من سنة الله تعالى التي لاتتبدل ولا تتغير على مرّ الزمان هو دفع الناس بعضهم ببعض وذلك الكافر بالمسلم ويُدفع الكافر المعتدي بكافرٍ مثله ب وحتى يُدفع مسلمٌ معتدٍ بمسلم مثله ، وذلك لكفّ العدوان ولحصول الأمن في البلدان ولعدم فساد الأرض وذلك قول الله تعالى في سورة البقرة : ( ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ) وقال في موضعٍ آخر في سورة الحج : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلواتٌ ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) والصوامع هي صوامع الرهبان والبيع هي كنائس النصارى واختلفوا في الصلوات فقيل أنها كنائس اليهود وهو أقرب وقيل أنه عنى بذلك مساجد لأهل الكتاب وللمسلمين بالطرق ولكن الصلوات هي كنائس اليهود لأنهم يسمون الكنيسة " صلوتا " بالعبرية وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري رحمه الله وإيانا أجمعين . 

عباد الله : قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية السابقة بعد استعراض جملة من أقوال المفسرين : " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال إن الله تعالى ذكره ، أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض ، وكفّه المشركين بالمسلمين عن ذلك : ومنه كفّه ببعضهم التظالمَ ، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم ، ومنه كفّه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم لمن قِبَله حق ونحو ذلك ، وكل ذلك دفعٌ منه الناس بعضهم عن بعض ، ولولا ذلك لتظالموا ، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم وما سمّى جلّ ثناؤه ، ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضاً دون بعض - أي من تلك المعاني التي ذكر - ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له ، فذلك على الظاهر والعموم على ماقد بيّنته قبل ، لعموم ظاهر ذلك جميع ماذكرنا " انتهى كلامه وفيه دلالة واضحة على أنه يشمل غالباً كلَّ اعتداء من طرف أو فرد على آخر فإن الله يدفعه ويدفع الشر والفساد في الأرض ببعض عباده من المسلمين والكفار ولا يستطيع الكاتب أو المؤرخ إحصاء كلَّ مايكون من دفع الله الناس بعضهم ببعض ، ولكن لعلنا أن نشير لبعض ذلك من خلال السيرة النبوية ، وما ورد بعدها من أحداث على عُجالة إلى يومنا هذا ، وإن أعظم شرّ دفعه الله عن الناس هو الشرك الذي ظهر قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو من إفساد الناس وكان زعيم ذلك عمرو بن لحي الخزاعي الذي جلب الأصنام للجزيرة العربية ، وقد كانت خالية من الشرك ودعا الناس لها ، فاستحسنوا ذلك وسار داء الشرك إلى القبائل وبقي من عامّة القبائل من هو متمسكٌ بدين إسماعيل ، وهو الحنيفية السمحة على دين أبيه ابراهيم ، ومن ثمَّ قيض الله لهذا الفساد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فقضى على أرباب الشرك وخلّص العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد ، ولمّا ارتد من ارتد العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم قيّض الله لذلك أبا بكر الصديق فحارب المرتدين ورد من تاب منهم لصراط رب العالمين ، ولمّا ظهرت فتنة الخوارج قيّض الله لها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فردّهم إلى مذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقُتل من قُتل منهم كفاية للمسلمين من شرّه وكانت هناك فتن في الدولة الأموية  ومنها فتنة ابن الأشعث الذي خرج على والي العراق للدولة الأموية فصدّ الله فتنته وأخمدها  وأما ماكان من مقتل الحسين بن علي وابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين فهذه حادثة في أصلها أريد بها الإصلاح ، وليس الخروج فيها للإفساد  ، وفي عصر الدولة العباسية تصدّى هارونُ الرشيد لفتنة البرامكة والتي أرادت أن تتسلل للحكم وتنازع الخليفة العباسي ، وفي القرن الخامس قويت شوكة الدولة البويهية الرافضية والتي انشقت عن الدولة العباسية وأفسدت في الأرض حتى سيطروا على بغداد في العراق فقيّض الله لها الدولة السلجوقية التركية فأسقطتها وقضت عليها ولله الحمد ، وفي نفس القرن لما غزا الصليبيون بيت المقدس وماحولها سلّط الله عليهم الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي فطهرت بيت المقدس من رجسهم ،  ولما غزا التتار بلاد المسلمين وفعلوا الأفاعيل وأكثروا في الأرض الفساد سلّط الله عليهم الدولة المملوكية بقيادة مظفر الدين قطز والظاهر بيبرس وكان في ذلك الجيش شيخ الإسلام ابن تيمية الذي حث الناس على قتال الأعداء وأقسم لهم بأن يُنصروا وأقسم على الله - كما ورد بعض المؤرخين - أن ينصرَ المسلمين فأبرّ الله قسمه في معركة عين جالوت ، ولمّا ظهرت الدولة الصفوية الرافضية في القرن العاشر الهجري تُشيّع وتُفسد في البلاد بقوة السلاح قيض الله لها الدولة العثمانية فقضت عليها ولله الحمد ،  ولما تسلّط الإستعمار على بلدان المسلمين ونثر سمومه وأزهق الكثير من دماء الأبرياء ظهرت حركات جهادية تقاومه وتقضي عليه فظهر ضد الإستعمار الفرنسي بلقاسم النَكَادي أو ( أبو القاسم البوزكاوي ) في المغرب  ، وفي الجزائر عبدالقادر بن محيي الدين الجزائري ، وفي تونس محمد الدغباجي ، وفي ليبيا عمر المختار الهلالي ضد الإستعمار الإيطالي وفي مصر ظهر ثوّار كثُر ومناضلون ضد الإستعمار الإنجليزي ، وظهر في الشام سلطان الأطرش ضد الإستعمار الفرنسي وغيرهم كثير رحمهم الله جميعاً ، ولما كان الشرك أعظم فساد ظهر في هذه البلاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب مناضلاً ضد الشرك بدعمٍ من قائد الدولة السعودية الأولى محمد بن سعود رحمهم الله جميعاً فقضوا على مظاهر الشرك وأرسوا الأمن في البلاد وقد سارت هذه الدولة على ذلك النهج ولله الحمد ، وظهرت حركات إصلاحية سلفية في الكثير من بلدان المسلمين يطول المقام بذكرها ، فاللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان ووحد صفوفهم واجمع كلمتهم على الحق والدين واحقن دمائهم في كل مكان وألف بين قلوبهم واهدهم سبُل السلام وجنبهم الفتن والشرور ياعزيز ياغفور ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات وأكمل التسليم أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - وكونوا مع الصادقين واعلموا أنه لاتزال هذه الأمة تقدّم صفحاتٍ مشرقة ونماذج يكونون للناس قدوة وأسوة في الإصلاح ، ومحاربة الفساد وردّ الناس لحياض السنّة ومجاهدة أعداء الدين ، بالقول والنفس ، وفي سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبّان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لايزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته " وفي الحديث الآخر في سنن أبي داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدّدُ لها دينها " ومن فضل الله تعالى أن " من " هنا اسم موصول يُفيد الإطلاق فيشمل الفرد أو الجماعة من الناس كما فسره الكثير من العلماء بذلك ، وهذا يُشجع ويقوي عزيمة الفرد المسلم  ويستحث خُطاه لفعل الخير والإجتهاد في نشر الإسلام وتعليمه وإحياء السنن ورفع الجهل الذي استشرى في كل مكان ونبذ الخرافة والبدعة ونحو ذلك ، فليكن لكل فرد منّا دورٌ في عملية الإصلاح والبناء ومحاربة الفساد ونشر هذا الدين واستغلال الأعمار بما يُقرّب للواحد القهار جل جلالُه وعمّ الناس نواله ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليماً : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . 

الخميس، 17 نوفمبر 2022

خطبة عن إصلاح البيت المسلم وأثر الطلاق عليه وتنبيهات أخرى

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الإصلاح بين الناس من خير الأعمال وأشرفها عند الله وأرفعها في درجات المؤمن وفي حديث أبي الدرداء عن أبي داوود في سننه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ فقالوا : بلى يارسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إصلاح ذات البين " وفي رواية قال : " وإفساد ذات البين هي الحالقة " والمقصود بالصيام والصلاة والصدقة هنا : النافلة لا الفريضة ، فعندما يُصلح العبد مابينه وبين خلق الله من تسوية الخصومات وإزالة العداوات خيرٌ من أن يكثر من صلاة النافلة وصيام الإثنين والخميس وغير ذلك من الأعمال غير الواجبة ، وأفضل مايُصلح العبد مابينه وبين أهله وخيار عباد الله هم الخيار لأهليهم وذويهم حيث يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : " خيرُكم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " . 

عباد الله : الموازنة في التعامل مع الزوجات أمرٌ مطلوب وخصلة مفقودة في كثير من البيوت ، وليعلم العاقل اللبيب أن الطباع ليست على نسق واحد ونمط موحد ، بل لكل نفسٍ بشرية طباعها وسُلوكها وطريقة تعايشها مع الآخرين فلا بد من مراعاة ومعرفة هذا الجانب وأخذه بالحُسبان  ،  ومع الأسف الكثير من الناس لايراعي هذه الجوانب مع أسرته وأهله ، فتجد من البيوت - والمشتكى إلى الله - تفتقد إلى المعاملة بالحسنى ومراعاة المشاعر والرفق بالأولاد والذرية ، بل إن الكثير من النساء يشكين لبعض المشائخ والثقات والإستشاريين التربويين والإجتماعيين وغيرهم عدم وجود صلة حميمة وعاطفة تقدير ومحبة من الأزواج لزوجاتهم خاصة ومن الأولاد والبنات لوالديهم عامّة ، وليس هذا الجفاء من خلُق الإسلام بشيء ، وعندما كثُر حالات شكوى النساء من أزواجهن وبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : " لقد أطاف بآل بيت محمدٍ نساءٌ كثير ، يشكون أزواجهن ليسوا اولئك بخياركم " . 

عباد الله : إنما الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم والصبر بالتصبر ، ومن لايحلُم وقت الغضب فهو ضعيف سيء الخُلق ، أجارنا الله وإياكم فليس كل من أخطأ يُعاقب ، فربما كان صغيراً لايُدرك أو زوجة نسيت وغفلت ، أو ولداً أراد أن يُصلحَ فأفسد بغير إرادته ، وإذا كان يُلتمس العذر للخادم سبعين مرّة ، فمن باب أولى من أنت والدٌ لهم ويرونك قدوة وأسوة يُقتدى بها .

عباد الله : الكره والبغض أساسٌ لكثير من حالات الطلاق وشتات الأسر وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لايفرُك مؤمنٌ مؤمنة ، إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر " ، فعلى ربّ الأسرة أن يحذر من هذا الخُلق وأسبابه ، لأن المحبة أساس العلاقات الزوجية وذلك أن الله يقول : ( وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون ) فليكن الرجل رزيناً عاقلاً لبيباً يفكّر في العواقب الوخيمة قبل تفرّق شمله مع أهله وشتات بيته وأسرته ، ولعل مايكره من بقاءه مع أسرته يكون فيه الخير له ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) 

عباد الله : هناك مقدمات عند حدوث الشقاق والخلاف بين الأزواج قبل وقوع الطلاق ، وذلك قول الله تعالى : ( فإن خفتُم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً ) وذلك أن يأتي والد الزوج مع والد الزوجة فتُحل الخلافات قبل استفحال الأمر ووقوع الطلاق الذي يُبغضه الله ولا يلزم أن يكون الحكمان هما الوالدان ، وذلك أن الله له الحكمة البالغة في تشريع ذلك فمن حكمته ستر العيب لدى الزوج والزوجة  وبقاء عشِ الزوجية عامراً بأهله وأن يأخذَ كلا الزوجين مُهلة للتقرير والتفكير في شأنهما وما يجب على كلٍ منهما تجاه الآخر ، فليس اللجوء إلى الطلاق حلٌ وعلاج لكل خلاف ، بل ربّما كان الطلاق عناءاً وشرّاً على مريده ومُبتغيه ، والتؤدةُ في الأمور من أسباب التوفيق للعبد ، والعجلة في اتخاذ القرار بلا بصيرة ولا تريث من أسباب الخذلان وقلة التوفيق ، والرفق أمرٌ حثّ عليه المصطفى عليه السلام وأخبر أن من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله .. فاللهم اهدنا لأقوم سبيل ، وجنبنا سبل الجهالة والتضليل ، وبارك اللهم لنا في القرآن والسنة وانفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============== الخطبة الثانية ==============

الحمدلله الكريم التواب الغفور الوهاب والصلاة والسلام على النبي المصطفى وآله والأصحاب ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من حكمة الله تعالى أن حرّم إيقاع الطلاق جملة واحدة  ، رفقاً بعباده ورحمة بهم وذلك أن الله يقول : ( الطلاق مرّتان فإمساكٌ بمعروفٍ أوتسريحٌ بإحسان . . ) الآية وكل ذلك لتضييق طرق الطلاق وسبُله ، وكان أهل العلم والفقه يحرّمون إيقاع الطلاق مرة واحدة  ، لأن ذلك يُخالف أمر الله تعالى ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعُدّ مثلَ هذا الطلاق طلقة واحدة ، وكان أبو بكر رضي الله عنه يعدّه طلقة واحدة ، علماً أن من طلّق زوجته وأراد مراجعتها فلا بد أن يراجعها زمن العدة ، والعدة هي ثلاث حيَض فلا بد من مراجعة الزوجة في زمن العدة وإن لم يفعل فإنه لايُرجع زوجته إلا بعقدٍ جديد مستوفٍ للشروط بما فيه المهر ، فلا بد أن يتوفر بمراجعة الزوجة شرطان أولهما : أن تكون الرجعة في زمن العدّة ، والثاني : أن يكون الطلاق أقل من ثلاث ، وعلى المسلم أن يتقِ الله تعالى ويلتزم بأحكامه سبحانه في الطلاق والرجعة ويسأل أهل العلم عن مايُشكل عليه ويحذر من أن تجرّهُ نفسه للتحايل أو التلاعب بمثل تلكَ الأحكام فهي حدود الله ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدّ حدود الله فأولئك هم الظالمون )         ( واعلموا أن الله يعلم مافي أنفسكم فاحذروه . . ) . 

عباد الله : إخوانُكم في جمعية التنمية الأسرية ( صفاء ) بالبدائع يرحبون بالتواصل مع كل من يحتاج لاستشارة في الشؤون الأسرية وفي طرق التعامل مع الأزواج والزوجات وفي كل ما يخص الأسرة من أحوال وشؤون إيماناً منهم بضرورة القيام بواجبهم تجاه الأسرة والمجتمع لتنعم البيوت بتوفيق الله بحياة هانئة مثمرة مطمئنة ، خالية من المنغصات والمشاكل ومكدرات العيش وسوء المعاملة بإذن الله تعالى وفقنا الله وإياهم لكل خير 

وختاماً : أخي المُصلي وزارة الصحة ستقوم بحملة توعوية عن مرض الإنفلونزا الموسمية وتدعوا الفئات الأشد عرضة للخطر من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة لأخذ اللقاح للوقاية من الإصابة وتخفيف حدّة المرض حمانا الله وإياكم وصرف عن الأمة الأوبئة والشرور إنه علي قدير . . ثم صلوا وسلموا 

الخميس، 10 نوفمبر 2022

خطبة عن الإقتصاد في المعيشة والحرص على الحاجيات وترك الكماليات

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن من المتقرر في شرع الله تعالى أن الله قد تكفل بأرزاق العباد والمخلوقات كلها ( وما من دابّة إلا على الله رزقُها ويعلمُ مستقرّها ومستودعها كل ٌ في كتاب مبين ) وهذا الأمر لايجهله أحدٌ من الناس ، ولكن الكثير من الناس يجهلون طريقة بذل الأسباب في سبيل تحصيله ، وكذلك سُبل الحفاظ على هذا الرزق بعد تحصيله ، وبذل الأسباب مما أمر الله به حيث يقول جلا وعلا : ( فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ولما كان ركوب البحر والسفر لمناطق أخرى عبر السفن من الأسباب التي يُطلب بها العيش ذكر الله ذلك على وجه الإمتنان منه سبحانه فقال : ( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفُلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) . 
والأخذ بالأسباب - ياعباد الله - لاينافي التوكل ولا يُعارضه وفي الحديث : أن النبي صلى الله  عليه وسلم جاءه رجل فقال : يارسول الله أَعقلها أو أتوكل ، قال صلى الله عليه وسلم : "اعقلها وتوكل " وفي رواية : " أرسل ناقتي وأتوكل ؟ قال : " اعقلها وتوكل " يقول العلامة ابن باز رحمه الله وإيانا أجمعين : " فليس من التوكل تعطيل الأسباب بل التوكل يجمع بين الأخذ بالأسباب والإعتماد على الله ، ومن عطلها فقد خالف الشرع والعقل لأن الله عز وجل امر بالأسباب وحث عليها سبحانه وأمر رسوله بذلك وفطر العباد على الأخذ بها ، فلا يجوز للمؤمن أن يُعطّل الأسباب ، بل لايكون متوكلاً حقيقة إلا بالأخذ بالأسباب . 
عباد الله : وبما أننا نعيش زمناً تقل فيه الوظائف وارتفعت فيه أسعار البضائع بشكل عام ، فينبغي للعبد أن لايتذمر ولا ييأس وأن يعيش مع هذه الفترة الراهنة بما تقتضيه الحالة من صبر وتفاءل واقتصاد في النفقة فكل تضخم في الأسعار يعقبه انخفاض فالأمر لايدوم على حال والأحوال تتغير ولا تستقر وفي الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه - مرفوعاً - قال الناس : يارسول الله غلا السعر فسعّر لنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ منكم يُطالبني بمظلمة في دمٍ ولا مال " رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه وأحمد وهذا الحديث يُدلل على أشياء منها : 
* أن تسعير السلع فيه مظلمة للعباد ، لأن النبي ترك التسعير للأشياء لأن الله هو المسعّر ولأن في تسعير السلع ظلمٌ للناس ، ولذا كان يرجو أن يلقى الله وما أحدٌ يطلبه من الخلق بمظلمة وبهذا نعلم أن المانع له من التسعير مخافة ظلم الناس في أموالهم ، مالم يتواطأ التجار على رفع السلع فإن تواطؤا واتفقوا على رفعها فإن لولي الأمر أن يحدد سعر البضائع والسلع . 
* أن الله يبتلي عباده بارتفاع الأسعار امتحاناً لهم وربما يكون ذلك كفّارة لهم لبعض الذنوب التي تكون في المعاملات أو النقص من الزكاة أو لعدم دفع الزكاة ، فإنه لم تكن عقوبة في المال والنفس على أمة وجيل إلا بذنب ، وما رُفعت إلا بتوبة وهذا متقرر ومعلوم أجمع عليه علماء الأمة ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه يوماً فقال : " خمسٌ إذا ابتُليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركونهن ، لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدّة المؤونة وجور السُلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدوّاً من غيرهم فأخذ بعض مافي أيديهم ، ومالم تحكم أئمتهم بكتاب الله ، ويتخيرّوا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " ، ولذا يقول بعض السلف : " جزاء المعصية الوهنُ في العبادة والضيق في المعيشة " . 
* وأن الله من أسمائه الباسط القابض و من أسمائه الخافض الرافع وكل شيء عنده بمقدار جل جلاله فهو يُقدّر الأسباب ومسبباتُها وبيده مقاليد السماوات والأرض ولكن الكثير من الناس لايتعلّق به ولا يلتجئ إليه عند الشدائد ولا يتعرّف على حكمته وتقديره ، فالله يبتليهم ليردّهم إليه ، وقد شكا أحد المسلمين لرجل حكيم غلاء الأسعار فقال : " إذا زادت قيمة الإنسان عند الله رخُصت الأشياء ، وإذا قلّت قيمة الإنسان عند الله غلت الأشياء " وهذا القول له وجه من الصحة ، فنسأل الله بمنّه وكرمه أن يُصلح حالنا وأحوال المسلمين في كل مكان وأن ييسر كل عسير ويجبر كل كسير ويُغني المحتاج والفقير إنه جواد كريم ، أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============= الخطبة الثانية ================
الحمدلله الذي قدّر المقادير بعلمه وإحاطته وأضل من شاء بعدله وحكمته ولا يستغني أحدٌ عن رحمته والصلاة والسلام على المبعوث للخلائق بفضل الله ومنته نبينا محمد عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : فاتقوا الله - عباد الله - واذكروا نعمة الله عليكم وكونوا كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام في التعامل مع المال والعيش حيث يقول صلى الله عليه وسلم : " انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لاتزدروا نعمة الله عليكم "  .
عباد الله : هناك صفة هي من صفات الأنبياء يرشدُ إليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول عليه الصلاة والسلام : " إن الهدي الصالح والسمت الصالح والإقتصاد جز من خمسةٍ وعشرين جزءاً من النبوة " رواه ابن عباس رضي الله عنهما وهو في سنن أبي داوود وحسّنه بعض أهل العلم ، والسمتُ الصالح هو : الهيئة الحسنة المليئة بالسكينة والوقار ، وأما الإقتصاد في الأمور : فهو التوسط فيها بين الإفراط والتفريط في المأكل والمشرب والملبس وما يقتني المسلم ، ولو عمل الناس بهذه الوصية النبوية الكريمة وهذا الهدي النبوي لانحلت الكثير من الضائقات المالية التي يمرّ بها المسلم ، ولكن الإفراط أو الإسراف في شراء بضائع كمالية لاضرورية وليست حاجية هي التي أوقعت من لايحسن إدارة المال ولا التصرف فيه بحال وصلت به إلى أن يتكفف الناس ويسألَهم . 
عباد الله : لابد من مراعاة الأولويات في الشراء والإقتناء ، وعدم الإلتفات للموضات والدعايات التي تبثها بعض الشركات والتي يهمها استنزاف جيب المستهلك أياً كان دخلُه ، وفي دراسة ثبت أن هذه الحملات الدعائية لبعض السلع تزيد من الشراء العشوائي لدى الكثير من الأفراد ، وأن ثلث مايوضع في عربات التسوق يمكن الإستغناء عنه وهو من الكماليات التي تُرهق مستوى الإنفاق لدى الأسرة من ذوي الدخل المحدود ، والمحذور الأشد خطراً أن يلجأ بعضهم لارتكاب جريمة سرقة - نسأل الله لنا ولكم العافية - من أجل الحصول على بضاعة هي في الواقع من أدنى الكماليات تلبية لشهوته ورغباته وهذا من الخذلان نعوذ بالله من ذلك ، فاحذر أن تكون أسيراً لحق عبدٍ من الناس يُقاد منك ولو بعد حين  ، ومن عصمه الله فليلهج بحمد الله وليطلب العافيه من الله له ولذريته  ، ولعل من هذه الأسباب التي يلجأ بسببها من يفعل ذلك شحُ رب الأسرة وبخله على من يعولهم مع أنه ممن وسّع الله عليه ، فيلجأ هذا الشاب أو تلك الفتاة إلى هذا الفعل المُنكر ، وهذا مما يجب أن ينتبه له ويراعيه ربُ الأسرة وعائلها ، وقد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه ، فاللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عن من سواك . . ثم صلوا وسلموا 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...