الاثنين، 3 يونيو 2019

خطبة لعيد الفطر المبارك

الحمدلله الذي أتم علينا نعمة الصيام وهدانا للقيام بأركان الإسلام نحمده وهو القدوس السلام ، الكريم الجواد العلام الذي امتن على عباده بالنفحات وحطّ الأوزار والآثام ووفق عباده للإتمام وتفضل عليهم وهو أهل الأفضال والإتمام والصلاة والسلام على رسول الأنام الذي بلغ عن الله رسالاته بجوامع الكلام ونصح له في بريّاته بالقول البليغ التمام وعلى آله وصحبه ذوي المكانة والمقام ومن تبعهم بإحسان مادامت الشهور والأيام أما بعد :  
فاتقوا الله تعالى وكبروه ، واحمدوه على وافر النعم واشكروه ، واثنوا عليه الخير كله ولا تكفروه ، فالحمدلله حمداً يُضاهي عدد نعمه ويرضيه فالسعيد من على طاعته يحييه ، وعلى دينه يُقيمه ويُبقيه . .  الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد . 
عباد الله : كنتم بالأمس تستقبلون شهر الصيام بحلته الذي فيه يُزين الله جنته واليوم تودعونه شاهداً على بعضكم بالحسنى وعلى بعضٍ بالتفريط والتقصيير فياسعادة من وُفق لاغتنامه ورُزق فيه الجدّ والإجتهاد وياخسارة وندامة من تهاون وضيّع وغلبه فيه النوم والسُهاد حين فاز غيره بالأجر والمثوبة والمراد ، فيفرح ذلك المُجتهد الصبور حين يُبعث أهل القبور وتصير لله الأمور وحين تنشر الصحائف ويقوم الأشهاد . . الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد . 
عباد الله : إن أعظم مايتعبد به المتعبدون ويتنسك به أهل النُسك المشمّرون المحافظة على فريضة الله العظمى وهي الصلوات المكتوبة بفروضها الخمسة التي حثّ عليها ربنا في كتابه المجيد ووحيه القديم والجديد من نزول آدم إلى بعثة محمد عليه الصلاة والسلام مروراً فيما بينهما من طول العهد وكثرة الأنبياء الذي نادوا بهذه الصلاة المفروضة ويكفي في ذلك قول ابراهيم عليه السلام حين عرف عظمة ومكانتها عند الله فقال يرجوا ويبتهل لربه : ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دُعاء ) وقال جل جلاله يأمر نبينا وأمته بقوله : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) وبين أنها مؤقتة بقوله ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا ) فلا حظ في الإسلام ياعباد الله لمن ضيّع هذه الصلاة ولا تسقط صلاة الجماعة في المسجد عن رجل إلا من عذرٍ كخوفٍ أو مرض أو سفر . . الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بُكرة وأصيلا . . عباد الله : يغفل الكثير منّا عن أداء الزكاة بالجملة سواءٌ كانت مالاً نقدياً أو بهيمة أنعام ٍأو عُروض تجارة ، وما علم هذا المتغافل المتجاهل لهذه الشعيرة العظيمة من آثارٍ عليه وعلى ماله بسبب تهاونه ، فما يعلم هذا المؤجل أو المتهاون في إخراج الزكاة في وقتها أنه رُبما أتته مصيبة في دنياه فاجتاحت ماله كلّه بسبب تهاونه وسخط الله عليه فاحذر كل الحذر من تأخير إخراج الزكاة عن وقتها الذي حددته لنفسك سواءٌ كان ذلك في رمضان أو في غيره ، لأن ذلك يجرك إلى التفريط والإهمال ومن ثم الفتنة والمصيبة والعذاب سواء كان ذلك في الدنيا والآخرة وتذكر نوعاً من العذاب ينتظر من لم يؤد زكاة ماله حين قال صلى الله عليه وسلم : " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثّل له يوم القيامة شُجاعاً أقرع - أي ثعباناً عظيماً - له زبيبتان يُطوّقه - أي يخنقه - يوم القيامة ثمّ يأخذ بلهزمتيه أي شدقيه فيقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا عليه الصلاة قوله تعالى : ( ولا تحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرّ لهم سيُطوّفون مابخلوا به يوم القيامة . .) نعوذ بالله من سوء المصير . 
الله أكبر  الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد . 
عباد الله : بدخول شهر شوال تدخل أشهر الحج ، ومن الناس من يتهاون في أداء هذه الشعيرة والمبادرة إليها مع أنك تلحظه والسنّ يتقادم فيها وهو لايبالي ويؤجل كل سنة تأتية والتسويف من جنود إبليس فهل يدّكر من يصنع ذلك ويعتبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لايدري مايعرض له " رواه إمام السنة أحمد بن حنبل ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " من أراد الحج فليتعجّل " وربما حصل له مرضٌ مقعد لايستطيع بعد صحة طويلة فرّط فيها فكيف سيخرج بعذر من الله حين الحساب . 
الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بُكرة وأصيلا 
عباد الله : إن على ابن آدم حقوقٌ تجاه المخلوقين بعد حق الله تعالى وعلى رأس تلك الحقوق : 
* حق الوالدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحسن صحبتهما وأداء حقهما على التمام والوجه الأكمل وحبس اللسان عن التضجر من أمرهما وإدخال السرور عليهما في كل آنٍ حسب الإستطاعة بل ربط رضاهما برضاه وسخطه بسخطهما فياخسارة من خسر والديه أو فرّط في حقهما وفي الحديث : " رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف ، قيل من يراسول الله قال : " من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة " رواه مسلم . 
* من الحقوق حقوق الأرحام من الصلة والزيارة فاحذر ممن قال الله فيهم : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطّعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) ومن أعظم الصلة : انتزاع الضغائن التي تحصل بينهم من طرفك أو المساهمة بالإصلاح إن كان من طرف غيرك ، وتذكّر الحديث العظيم حين قال صلى الله عليه وسلم : " ألا ادلّكم على بأفضل من الصيام والصلاة والصدقة ؟  " قالوا : بلى يارسول الله قال : " إصلاح ذات البين " وقال : " فساد ذات البين هي الحالقة ، لاأقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين "  . 
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله اكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد 








الجمعة، 3 مايو 2019

خطبة عن تدبر القرآن

الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب هادياً للصواب ولم يجعل له عِوجا وصيّره قائماً بالحق وجملة الآداب وضمّنه فصل الخطاب وشامل الجواب والصلاة والسلام على النبي والأصحاب ذوي الألباب صلاة وسلاماً تدوم من رب الأرباب وخالق الخلق من تراب جلّ وتقدّس لاإله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى بطانة أهل الإسلام وبه تنال العلوم وتستضيء الأفهام وذلك من قول الخبير العلام (( واتقوا الله ويُعلمكم الله والله بكل شيء عليم )) 
(( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويُكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكلّ محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار ، عباد الله : 
وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يتلون كتاب ربهم حق تلاوته فقال : (( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأؤلئك هم الخاسرون )) وهذه الآية تشمل كل من أخذ بالقرآن من المسلمين ومن أهل الكتاب 
وقد ورد عن قتادة السدوسي التابعي الجليل رحمنا الله وإياه أنه قال : " هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أولى بالصواب من غيره ، وإن قال آخرون أنهم بعض علماء بني اسراءيل الذين آمنوا به ورسله جمعياً وعملوا بما جاء في التوراة وعلى كل حال فإن الآية معناها : " أي يتبعونه حق اتباعه " بل إن تلاوة القرآن حق التلاوة معنى عام يشمل إقمة الحروف والحدود ومعرفة الحلال والحرام والعمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه ومن دعوات الصالحين : " اللهم اجعلننا ممن يقيم حروفه وحدوده ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويتلوه حق تلاوته " . 
عباد الله : إن تلاوة كتاب الله ليست حروفاً تُقال ويُنطق بها مجردة من معانٍ وأوامر ومقاصد وأمر ونهي وواجب ومحرم وجائز ومستحب ولكن القرىن دستورٌ عظيم شاهد لمن عمل به وشافعٌ له وأنيس لصاحبه في القبر ويوم الحشر ، ومما ورد في ذلك حديث بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبرُه كالرجل الشاحب ، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك ، فيقول له : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة ، فيعطى المُلك بيمينه والخُلد بشماله ، ويُوضع على رأسه تاج الوقار ، ويُكسى والداه حلتين لايقوم لهما أهل الدنيا ، فيقولان بما كُسينا هذه ؟  فيقال : " بأخذ ولدكما القرآن " ثم يُقال له : اقرأ واصعد في درجة الجنة وغُرفها فهو في صعود مادام يقرأ هــذّاً كان أو ترتيلا ) رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجة في السنن وحسّنه بعض أهل العلم وصححه الألباني 
وفسر أهل العلم بكون القرآن يوم القيامة يكون كالرجل الشاحب أي( المتغير اللون )  والمقصود ( ثواب القرآن ) وذلك ليشابه سعيه في الدنيا وينافح عنه ويذود عن صاحبه حتى ينال مراده في الآخرة ، ولذا قال السيوطي في شرح سنن ابن ماجه : " وكأنه يجيء - أي ثواب القرآن - على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا أو للتنبيه له على أنه كما تغيّر لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن ، كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغااية القصوى في الآخرة " انتهى وقال المجدّدي الحنفي في شرح ابن ماجه أيضاً : " كأنه يتمثل بصورة قارئه الذي أتعب نفسه بالسهر في الليل والصوم في النهار " .
فهذا القرآن العظيم يتقدم صاحبه ويتقدم كل تاجر ويفوز صاحبه الذي يعمل به ويقيمه في نفسه وفي أهله ومجتمعه ، يقيمه بأعلى الدرجات وعالي المنازل .
عباد الله : إن مما يُخاف على الإنسان من قارئ للقرآن بلسانه ويُخالفه بقلبه وجنانه وعمله ومعاملاته ولذا ورد عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : " رُبّ تال ٍللقرآن والقرآن يلعنه " قد أورد ذلك الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ، فالله على سبيل المثال يقول : " ألا لعنة الله على الظالمين " وتجده من أسبق عباد الله للظلم وسلب حقوق العباد ، وتجد أن الله يقول : " ولاتجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا .. " فتجده حينها من أسبق الناس لغيبة العباد والتجسس عليهم ، وتجد أن الله يقول : " إن الذين يُحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم في الدنيا والآخرة .. " وهو ممن فيه هذه الصفة الموقوتة وهي محبة نشر الفاحشة ، وتجد أن الله ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وهو ينشر المنكرات ويحثّ على الفواحش أو يرتكبها ويُسارع للسيئات , وهكذا فيجب على كلٍ منّا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يمتثل أوامر الله فيأتمر بها ويحث على طاعته بالكلمة والنصيحة والتوجيه السليم بالتي هي أحسن ، ويحذر من مناهي الله ويُحذّر منها بالقول المقرون بالترهيب والمبــطّن بالمحبة للمنصوح والحذر من الشماتة به ونشر مثالبه ومعايبه مع سؤال الله العفو والعافية من شرّ ماابتلى به العباد من نقائص وفتن وبلايا ومحن ولنكن من أولئك العدول وأولئك الخلف الصالح الذين حدّث بهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال كما رواه مسلم من حديث عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مامن نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثمّ إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالايفعلون ويفعلون مالايؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل " . . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابراهيم العذري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المُبطلين وتأويل الجاهلين " أورده العلامة ابن عبدالبرّ في التمهيد وهو مرسل وصححه ، وصححه الإمام أحمد أيضاً وأورده البيهقي بلفظ : " يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين " . 
عباد الله : إن تدبر القرآن هو باب العلم الأول الذي يُعرف به الحلال والحرام والفوائد والحكم ، وما تصدر أحدٌ من علماء الأمة إلا بلا مبالغة إلا بتدبر القرآن والعكوف على معانيه مع بذل النفس في طلب العلم قال الله تعالى : (( كتابٌ أنزلناه
مبارك إليك ليدّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب )) وقال الحق سبحانه : (( أفلا يتبدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها )) وقال جل ذكره : (( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا )) .
إن التدبر ياعباد الله له أثر في تغيير النفوس وتربيتها على الهدى والنور فكم من آياتٍ أحيت قلوباً ميتة ، بل إن بعضهم كان سببه إسلامه آية واحدة وصدق الله جل جلاله حين قال : ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء عباده ومن يضلل الله فماله من هاد ) فالوقوف عند معانيه وتعقلها سبب عظيم من أسباب الخشية والخوف من الله تعالى وسبب لاستقطاب العلم ونيله والفوز به ، ولقد كان المصطفى عليه السلام كما في حديث حذيفة بن اليمان
حيث صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرأ مترسّلا ً إذا مرّ بآية تسبيح سبّح وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ " رواه الإمام مسلم في صحيحه وهذا نهجٌ نبوي ينبغي السير عليه وهو من الوسائل المعينة على فهم الكتاب وتدّبره والعمل بما جاء فيه حيث أن ذلك يُعين على استحضار القلب واستشعاره للمعاني الواردة في الآيات المتلوّه . 
اللهم أعنا على فهم الكتاب وتدبره والعمل به وبارك لنا فيه وأعنّا على مرضاتك واجتناب معاصيك وسخطك ياحي ياقيوم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه ثمّ توبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود 

============ الخطبة الثانية ============

الحمد لله حمد الشاكرين وإله المتقين وسع علمه الماوات والأرضين والصلاةوالسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنه ماتقرب العباد لربهم بأفضل من كلامه وخصوصاً في شهر رمضان وهي حقيقة فإن اشتغال القلب بكلام الله يكف عن اشتغاله بكلام العباد ، فإن القلب في الواقع مشتغلٌُ إما بكلام الله أو بكلام الناس فطوبى لمن اشتغل بما خُلق له من عباد الواحد الديان وياخسارة وغبن من فاته مواسم العبادات والطاعات مشتغلاً عن كلام ربّه وخالقه بكلام غيره الذي لاثمرة من وراءه ولا عاقبة حُسنى تُنال به ، فانظر إلى حال الرعيل الأول كيف أنهم يكررون ويُرددون كلام الله آية واحدةٌ أو آيات لتشتغل قلوبهم بلذيذ خطاب المولى جل جلاله فقدوتنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم صلى ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها : ( إن تُعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) روى ذلك الإمام أحمد من حديث أبي ذر رضي الله عنه  وقامت عائشة بآية وهي قول الله تعالى : ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرّ الرحيم ) ترددها وتبكي لساعات وتقول : " اللهم منّ علينا وقنا عذاب السموم ، تقول ذلك في الصلاة ، وقرأ عمر الفاروق سورة الطور إلى أن بلغ قول الله تعالى : ( إن عذاب ربك لواقع * ماله من دافع ) فبكى واشتدّ بكاؤه حتى مرض وعادوه . وورد في هداية جبير بن مطعم رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، فلمّا بلغ هذه الآية : ( أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لايوقنون * أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ) قال : كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ماوقر الإيمان في قلبه  . 
ومن أعجب ماروي في ذلك قصّة علي ابن الفضيل بن عياض التميمي التابعي الجليل رحمه الله أن أبوه الفضيل كان يقرأ في المغرب بـ( ألهاكم التكاثر ) فلمّا بلغ قول الله تعالى : ( لترون الجحيم ) سقط الإبن علي مغشياً عليه فما أفاق إلا في ثلث الليل ، وقرأ ذات مرّة بآية في سورة الأنعام ظناً منه أن ابنه ليس في الجماعة الذين يُصلي بهم وهي قول الله تعالى : ( ولو ترى إذ وُقفوا على النار فقالوا ياليتنا نُرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) فما راعهم إلا سقوطه مرّة أخرى وكانت سقطته الأخيرة فارق بها الحياة وكان يُقال له " شهيد القرآن " . . فأنشدكم الله أين نحن من أولئك الكرام المؤمنين من أماجد السلف الصالح وأسوة المتقين وأعلامهم الأثبات القدوات . 
هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير  












الأربعاء، 13 مارس 2019

جماعة التبليغ وأهمية الدعوة إلى الله على بصيرة

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الثقلين الجن والإنس كافة فنصح وبلّغ  ووجه وأرشد وأبلغ وللناس أسمع وله المقام الأرفع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى هداية للضلاّل والجُهال ، وصلاحٌ للخلائق في كل حال 
( ياأيها الـذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ماقـدمت لغد واتقــوا الله إن خـبيرٌ بما تعملون) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل مُحدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : إن الدعوة إلى الله سبيل الأنبياء والمرسلين وطريق عباد الله المفلحين والصادقين الصابرين ومن أراد الله رفعته في الدنيا والآخرة وكل قول يدعو لسبيل الله هو أحسن قول وأفضل حديث في الناس وخير مايتكلم به العبد يقول الحقّ تبارك وتقدّس :( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ) 
وأمر الله نبيه بالدعوة إلى سبيله وأن تكون الدعوة عن علم ٍوبصيرة فقال : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) 
وأمر الله نبيه أن يدعو هو وكل من يمارس الدعوة إلى الله فأمرهم أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة فقال : ( أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) والحكمة من معانيها العلم والإصابة في القول والعمل وهي لاتأتي إلا عن طريق العلم ، قال سبحانه : ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا وما يذّكرُ إلا أولوا الألباب ) فبدأ بالحكمة قبل الموعظة ، وكل ذلك يدلّ على ضرورة الدعوة بعد تعلم العلم الشرعي إن تمكن الإنسان من ذلك لكي يُفيد ويستفيد ويرفع الجهل عن كافة المهتدين فيتهدوا بقوله لسبيل رب العالمين ، فاللازم والواجب على من يمارس الدعوة أن يدعو على علم وبصيرة أو على أقل تقدير أن يستعين إذا لم يعلم بأهل العلم وأهل الذكر والحكمة والفقهاء من هذه الأمة الأمناء على الوحيين الذين لايحل لهم أن يكتموا علماً إذا علموا وسُئلوا ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم : ( من علم علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نارٍ يوم القيامة ) .
عباد الله ومما أورده الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وإيانا جميعاً في رسالته : " المسائل الأربع " قال : " اعلم رحمك الله أنه يجب عليك تعلم أربع مسائل : الأولى : العلم وهي معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة ، الثانية : العمل به - أي بالعلم - الثالثة : الدعوة إليه ، الرابعة : الصبر على الأذى فيه " . فانظر كيف بدأ بالعلم - رحمنا الله وإياه - فالذي يعلم يقوده ذلك إلى العمل ومن ثمّ الدعوة إلى ذلك العلم الذي علمه وهو معرفة الله وخشيته ، وانظر كيف يكون قدوة من لايعمل بما يعلم فكيف يأخذ منه الناس هذا العلم وكيف يهتدي على يديه الكثير وهو أول من يُخالف ذلك المنهج الذي يدعو إليه ، فلا بد من العلم المصاحب للعمل وأن يدعو إلى ذلك المنهج القويم - وهو دين الإسلام بالجملة - وأن يصبر على الأذى فيه لتتحقق النتائج ويزداد الأجر والمثوبة ويرقى الداعية في درجات الآخرة وينال المُراد وإلا فقد الثمرة وصار سعيُه بلا ثمرة وبلا نتائج ومكاسب تضاف لرصيده في الدنيا والآخرة ولقد أحسن من قال : 
الصبر مما يستزاد به الرُتب  * وفاقده يجني الخسارة والتعب 
وكن على يقين أن الناس لن يأخذوا منك حتى يمتحنوا صبرك عليهم وإمهالك لهم وعطاءك لهم في الشدة والرخاء والعافية والبلاء وكما قيل : 
فكم صابرٌ نال العُلا بمراده * وحاز رفيع الحال عقبى اجتهاده 
وكل تلك المسائل الأربع هي مبنية على قول الله تعالى : ( فاعلم أنه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) وقوله سبحانه : 
( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) وقوله تعالى : ( فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . . ) وقوله : ( فاصبر على ما يقولون وشبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . . ) فكل جماعة تخرج في سبيل الدعوة إلى الله عموماً يجب أن تسلك هذا المسلك وتنتهج هذا المنهج القائم على الكتاب والسنة . 
عباد الله : قد ظهر في الآونة الأخيرة نشاطٌ ملحوظ لجماعة التبيلغ وهم ممن يدعو إلى الله ولكن ينقصُهم العلم الشرعي الذي نحن بصدد الحديث عنه ، وقد نبّه كثير من أهل العلم على ذلك ومن هذه الملاحظات عدّة أمور منها : 
* عدم تبني بعضهم عقيدة أهل السنة والجماعة وهذا أمر خطير يجّر إلى انحراف وضلال ، وإن كانت هذه الملاحظة في بعض الجماعات في الخارج فإن منهم من يميّع عقيدة الولاء والبراء أو لايُعيرها اهتماماً ويتحدث عنها ومنهم أيضاً من لايهتمّ بالتحذير من الطرق الموصلة للشرك وهذا جليّ واضح لمن فتّش عنه . 
* ومنها تأويلهم للقرآن وتفسيرهم بغير مراد الله تعالى ولا رسوله عليه الصلاة والسلام وفي ذلك قلبٌ للمفاهيم وترويج للباطل . 
* استدلالهم بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة ونشرها في المجالس والملتقيات . 
* تفضيل البعض منهم الخروج للدعوة على الجهاد في سبيل الله ودفع الأعداء وكذلك تفضيله على الخروج في طلب العلم . 
* جرأة البعض منهم على فتوى بغير علم من باب الإجتهاد فتجد أنه يتحدث في التفسير والحديث والأحكام  الشرعية بأعوج من القول وبكلام بعيد عن فهم السلف الصالح بالجملة . 
* اهتمامهم بالرقائق والمواعظ على حساب بيان الأحكام الشرعية المهمة وتصحيح العبادات وممن سئل عن جماعة التبليغ عفا الله عنّا وعنهم جميعاً الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى وإيانا أجمعين فأجاب بقوله : " جماعة التبليغ لهم نشاط طيب في أماكن كثيرة في الباكستان وفي أفريقيا وفي أوغندا وفي غيرها لهم نشاطٌ طيب وقد نفع الله بهم كثيراً وأسلم على أيديهم كثيرٌ من الناس وصلُح على أيديهم كثير والتزم بالحقّ ، لكنهم ليس عندهم نشاطٌ مطلوب في بيان العقيدة السلفية وما يتعلّق بدعوة القبور والإستغاثة بالأموات ، نشاطهم في مواد معلومة اصطلحوا عليها فإذا تيسّر أن يكون معهم من أهل العلم . . من أهل السنة . . من أهل البصيرة بالعقيدة يكون أكمل وأنفع حتى يجتمع الخيران : الخير الذي يتعلّق بالعقيدة وبيانُها وبيان ضدّها ، والخير الذي يتعلّق بدعوة الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والإلتزام بالإسلام والحذر مما يُخالف الإسلام ، فهم عندهم بعض الجهل وعندهم عدم نشاط في الكلام في العقيدة فيجب على أهل البصيرة من أهل العلم أن يتعاونوا معهم حتى يُبصّرهم في هذا الأمر وحتى يتمّ النقص وحتّى يزول الشيء الذي كُره منهم حتى تزول المسألة المُنتقدة عليهم لإعراضهم عن مايتعلق بالعقيدة " . 
ثم قال رحمه الله : " فأنا أنصح من يستطيع من أهل العلم والبصيرة بعقيدة أهل السُنّة والجماعة أن يتعاون معهم حتى تكون الدعوة مُشتملة على كل مطلوب حتى يكمُل النقص ويحصل بذلك الخير للجميع من جهة العقيدة ومن جهة الأخلاق الإسلامية ومن جهة الأحكام فيما يتعلّق بالعلم والعمل والتفقّه في الدين وغير هذا من وجوه الخير نسأل الله أن ينفع بالجميع " 
وسئل الشيخ صالح اللحيدان عنهم في أحد لقاءاته فقال : " كان في عهد الملك سعود جاءت رسالةٌ من مجموعة كبيرة مُوقّع عليها من الهند وباكستان يطالبون بالبناء على القبور وكان فيهم جُملة من جماعة التبليغ منهم من أعرفه شخصيّاً أنه من جماعة التبليغ " وهذا دليل على عدم مبالاتهم بالوسائل الموصلة للشرك عموماً ، وذكر عفا الله عنا وعنه أنه يعرفهم من عام الأربع والسبعين والمائة والألف وأن الشيخ ابن إبراهيم مفتي الديار في ذلك الوقت استُفتي في شأنهم ومطالبهم وخصوصاً فيما يتعلّق بالبناء على القبور فألف رسالة جليلة اسمها : " شفاء الصدور في تحريم البناء على القبور "  . 
وممن أفتى فيهم بل وحذّر من الخروج معهم إلا بعلم العلامة الألباني رحمه الله فقال : " جماعة التبيلغ لاتقوم على كتاب الله وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام وما كان عليه سلفنا الصالح وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الخروج معهم " . 
فاللهم بصّرنا بديننا وعقيدتنا وأصلح قادتنا ودعاتنا وأفراد أمتنا وألف بين قلوب المسلمين واجمعهم على الحقّ والدين ياقوي يامتين وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

================= الخطبة الثانية =================

الحمدلله خالق الإنسان معلّم البيان ومنزل الفرقان والصلاة والسلام على رسولنا من نسل عدنان وعلى آله وصحبه أولي الفضل والإحسان وعلينا معهم ومن تبعهم واقتفى أثرهم مادامت الأزمان أما بعد : 
فاتقوا الله - ياعباد الله - واعلموا بأن التقوى سبيلٌ للعلم والمعرفة والخشية والإنابة وتوفيق الله تعالى ، ومن تأمل قول الله تعالى : ( واتقوا الله ويُعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) عرف أن التقوى بحدّ ذاته علمٌ ومعرفة وكلما كمُل واستتم حصل العلم والخشية وتصحيح المسار الخاطئ له ولغيره من الناس ، وبذلك يكون قدوة حسنة فتصلُح على يديه أمورٌ لايظن صلاحُها قبل ذلك ، ويجعل الله له فراسة وتمييزاً بين الحق والباطل والهدى والضلال والحرام والحلال والمُحكم والمتشابه عموماً وحقيقة ذلك قول الله جل ذكره وعلا قدرُه ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكُم فُرقاناً ويُكفر عنكم سيئاتكم ويغفرْ لكم والله ذو الفضل العظيم ) فانظر كيف يهبُ الله المُتّقي نوراً يميّز فيه بين الحقّ والباطل وجملة المتضادات التي ذكرنا  ، وكيف صيّر الله التقوى مشعلاً وسراجاً وهاجاً في قلب كل مؤمن ٍ فطنٍ  ، ومن يرجع لفراسة الصحابة وكثير من التابعين يجد من تعرّفهم للحق بفراسة أوتوها شيئاً عجبا ، ولهذا ورد عند ابن جرير في تفسيره ورواه الطبراني في المعجم الأوسط من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسّم " وهذا الحديث حسن اسناده كثيرٌ من أهل العلم ، وقد روي عن فراسة المؤمن أحاديث لايصح بعضها ويكفينا في ذلك الآية السابقة ، ومما جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه - المجلدُ العشرون - وأصله حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشُبهات ، والعقل الكامل عند حلول الشهوات " والمقصود من ذلك كلّه هو التمييز بين الحق والباطل عند اشتباه الأمور وتداخل الحلال مع الحرام والتمييز بين الناس ممن إرادتُه الحق ومن إرادته الباطل ، وممّن يلتمس دينه من النور والهدى والوحيين ( الكتاب والسنة ) وممن يلتمس دينه من الأهواء ودس الشيطان ووسوته وتزيينه ، وكثير منهم لايُحسّون بذلك لأن المنكر اشتمل على قلبه واستولى على فؤاده في الواقع فزيّن له سوء عمله وهو ينظر إليه بأنه حسنٌ واعتيادي كحال من يتبيح البناء على القبور والطواف بها والإستغاثة بها الذي ورد بتحريمه النصوص الشرعية الواضحة ، فليحذر هؤلاء من قول الله تعالى : ( أفمن زُيّن له سوء عمله فرءاه حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليمٌ بما يصنعون ) ، وقال جل جلاله : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) فانظر كيف حكم ربنا بالإشراك على من أطاع غير الله في معصية الله ولم يُفصل في ذلك ، وهذا يستوجب من المسلم أن يُغيّر من حاله ويضبط أفعاله كلّها بضوابط ومفاهيم الشرع الحنيف ،  فالتغيير الأولي يبدأ من القلب والميزان هو شريعة الله المحكمة والعقل غذاؤه العلم لئلا ينجر صاحبه للضلالة والأعوان هم الصحبة الصالحة الناصحة والله هو المُستعان وعليه التُكلان في حال وآن ، فاللهم رحمة تهدي بها قلوبنا ونوراً ينير بصائرنا وعقولنا وعزاً تُعز به أوليائك وخذلاناً تخذل به أعدائك ياقريب يامجيب ، هذا وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية . . . 







الجمعة، 8 فبراير 2019

خطبة عن الفلك ومظاهر قدرة الله في السماوات والأرض

الحمدلله الذي خلق السماوت والأرض وجعل الظلمات والنور ثمّ الذين كفروا بربهم يعدلون ، سيّر الكون وأخرج المكنون ، وعلمّ العلوم والفنون ، لاتدركه الأبصار والظنون ، وهو العالم بما كان وسيكون كيف يكون ، والصلاة والسلام على النبي الأمين المأمون الذي صانه ربه عن كل مفتون ومـأفون وعلى آله وصحبه الذين هم للحق يدعون وبه يعملون صلاة وسلاماً دائبين متتابعين مادامت الأعوام والسنون
أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالله أحق أن يُتقى ويُخشى والتقوى سبيل للتمسك بالعروة الوثقى
 ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ٍوخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا ًكثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 
واعلموا أن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : يقول الحق تبارك وتقدس : ( ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للنظرين * وحفظناها من كل شيطانٍ رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهابٌ  مبين ) وفي ضوء هذه الآية سيكون الكلام حول علم الفلك وما أودع الله فيه من أسرارٍ وعجائبَ لعلنا أن نأخذ من ذلك ولو كمن يأخذ من البحر وشلاً ومن النهر غرفة وعسى أن يكون ذلك طريقاً لخشية الله تعالى وهيبته ومراقبته وتعظيمه وقد صدق من قال : " لاتنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت " . 
في هذه السماء العظيمة التي هي كالمحيط والبحر العظيم الذي لايُدرى ماالذي في أعماقه ومن يجري في آفاقه ، سجل مفتوح لايحيط به إلا الفتّاح العليم ، وفي سعتها وضخامة خلق السماء عجباً فالله أخبر أنه وسع السماء سعة عظيمة فقال:(والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) وفيها من النجوم والأفلاك والمجرات الشيء العظيم والكثير الذي لايتصوّره بشر ولا يُحيط به مخلوق ، والله أقسم بما نبصر ومالانبصر فقال : ( فلا أقسم بما تبصرون * ومالا تُبصرون ) وذلك يندرج في كبير الخلق وصغيره ولو استطلعنا بعض مافي السماء لطال بنا المقام ولكن لعلنا أن نورد ماذكره الله في القرآن والحديث في علم الفلك خاصة يقوّي الإيمان ويزيد من الخشية لله تعالى ويُعين على التدبر في الآيات ويُبصّر المخلوق بخالقه وربه الذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره ويعلّم بعد النظر والتأمل الإنسان التواضع وترك الكبر والتعالي على الناس ويعلم علم اليقين أن العزة لله جميعاً وأن القوّة لله والملك له والتدبير وأنه أعلى وأعظم وأكبر وأمتن وأجل من كل شيء وهو القوي المتين العلي الكبير ، ولو رجعنا لكتاب الله لوجدنا أن الله ذكر الخنّس من الكواكب وهي الكواكب التي تغيب بالنهار وسمّاها الجوار الكُنّس ومعنى الكُنّس مأخوذ من الكُناس والمَكْنِس وهو الموضع التي تأوي إليه بقر الوحش والظباء وقد ذكر ابن جرير في تفسيره أن من الكواكب ماتغيب أحياناً ومنها ماتخنس أحياناً - أي تستتر - ومنها ماتدخل مكْنِسَها أو كُناسها في النهار وتظهر في الليل وهذه الجوار الكنّس هي الكواكب السبعة وهي الشمس والقمر والمريخ والمشتري وزحل وعطارد والزهرة فبعضها يغيب ويُرى ويستتر ولو تأملت أيضاً في ماذكره الله في الشعرى حيث قال : " وأنه هو رب الشعرى " وتسمّى الشعرى اليمانية وسبب ذكره في القرآن أن أناساً من العرب كانوا يعبدونه ويعظّمونه وهو ألمع نجم في الليل وحجمه أكبر من الشمس بثلاث مرات على بعده الشاسع فهو يبعد عنّا حوالي تسع سنوات ضوئية والسنة الضوئية طويلة المسافة فهي لو حُسبت بالكيلو متر الطولي لكانت أكثر من تسعة آلاف ومائتي مليار كيلو متر هذه هي السنة الضوئية الواحدة فكيف بمسافة تسع سنوات ومسافة ألف سنة ضوئية ومسافة مليون سنة ضوئية ومسافة مليار سنة ضوئية كما ثبت ذلك علمياً فأبعد ماعلمه البشر وجود مجرة بعيدة كأشد بعدٍ في ذهنك وتصورك تبعد عنا مايُقدرّ بمسافة تبلغ بأكثر من ثلاثة عشر مليار سنة ضوئية . 
عباد الله : هل علمنا هذا حقّ العلم وعرفناه حق المعرفة وتصورنا قول الله جلّ جلاله حين قال : ( والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون ) أتُرى الله الذي أحاط علماً بكل شيء وعلم الظاهر والمكنون لايقدر ولا يعلم بأهل الأرض ؟ ولا يعرف عملهم وأحوالهم سبحانه وتعالى ؟  فلقد كفر كفراً بالغاً من أنكر وجود الذات الإلهية أو وصفها بالجهل والنسيان ( وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو ويعلم مافي البرّ والبحر وماتسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ٍإلا في كتاب مبين ) بل رد ّ الله جل جلاله على من يفكر أو يحاول أن يخرج عن قبضته سبحانه مبيناً جهل المخذولين من أصحاب النوايا المشينة والمقاصد الممقوته  في الفرار من الله أو الهرب من قبضته ووعيده فقال : ( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم مايُسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) ، وقالت الجنّ كما ورد في سورة الجن : ( وأنّا ظننا أن لن نُعجز الله في الأرض ولن نُعجزه هربا ) 
عباد الله : يجب علينا أن نتأمل في خلق السماء والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكنّ أكثر الناس لايعلمون ) ويتبين خلقها وعظمتها في طولها وعرضها وسمكها وكثرة ساكنيها ففي حديث أبي ذرّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني مالا ترون أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط - أي سُمع لها صوت أطيط كأطيط الرحل حينما يُكثر العبد في الحمل على الإبل ويُكثر من المتاع فيظهر صوت بسبب كثرة المتاع عليه فكذلك السماء من كثرة ساكنيها ، قال : " أطّت السماء وحُق لها أن تئط مافيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته ساجداً لله تعالى ، والله لو تعلمون ماأعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتُم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء على الفُرش ولخرجتم إلا الصُعدات تجأرون إلى الله تعالى " . 
وذلك يدلل على أن الملائكة خلقٌ عظيم أمرهم الله بعمارة السماوات بعبادة الله كما أُمر البشر بعمارة الأرض ، وقد بين الله بالوحي لنبيه صورة من حجم هذه السماوات الطباق ففي حديث مجاهد الذي رُوي موقوفاً عنه رضي الله عنه : " ماالسماوات السبع في الكرسي إلا كحلْـقَة مُلقاة في أرض ٍفلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلْــقَة " وصحح الحديث جمع من أهل العلم كابن القيم وابن حجر والألباني وغيرهم وعند ابن جرير في تفسيره حديث : " ماالسماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة أُلقيت في تُرس ، قال وقال أبوذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ماالكرسي في العرش إلا كحلْقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة من الأرض " وهذا الحديث حسنٌ لغيره لما له من الشواهد . 
عباد الله : فسّر العلماء الكرسي بأنه موضع قدم الرب سبحانه وتعالى وقد روى سعيد البن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه في الكرسي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل ( وسع كرسيه السماوات والأرض . . ) قال : " كرسّه موضع قدميه والعرش لايقدر قدره إلا الله " ورواه ابن أبي شيبة موقوفاً بسنده عن ابن عباس به ، فعن كيع عن سفيان الثوري عن عمار الدُّهْني عن مسلم البَطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : " الكرسي موضع القدمين والعرش لايقدر قدره إلا الله " وقد  فُسّر أي الكرسي بالعلم ومنهم من فسّره بالعرش وهي أقوال ضعيفة وروي عن أبي موسى الأشعري مثل ذلك الحديث إلا أنه قال : " وله أطيط كأطيط الرحل " ولكن تفسير الكيفية لوضع القدمين الله ذاته أعلم بها وهو أعلم بنفسه ولم يُطلع أحداً على ذاته العليّه ولا ينبغي لأحد أن يُفسر ذلك إلا ببرهان واضح بيّن جلي وإلا فقوله ردٌّ عليه ، ولقد تتابع السلف على الإمساك عن الخوض في ذات الله وصفاته عموماً ولهذا يقول الإمام أبي عُبيد القاسم بن سلاّم رحمنا الله وإياه : " هذه الأحاديث التي يقول فيها : ضحك ربنا من قنوط عباده وقُرْب غِيِرِه ، وأن جهنّم لاتمتلئ حتى يضع ربُّك قدمه فيها ، والكرسي موضع القدمين ، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حقّ ، حملها الثقات بعضهم عن بعض ، غير أنّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لانفسرها ، وما أدركنا أحداً يُفسّرها " وهذا القول عنه رواه البيهقي في كتابه " الأسماء والصفات " والإمام ابن عبدالبرّ في كتابه " التمهيد " . 
فاللهم اجعلنا ممن يقدُرك حق القدر ، ويديم لرضاك الحمد والشكر ، ويثني عليك الخير كلّه فأنت أهل الفضل والقدر والعظمة والفخر بيدك كل أمر فضع عنّا كل وزر ووفقنا لكل برّ وخير ، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين والمسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============
الحمدلله العلي العظيم رب العرش الكريم والصلاة والسلام على المبعوث بالقول الحكيم  والصراط المتسقيم وعلى آله وصحبه أولي الفضل العميم وعلينا معهم ماأقبل الليل والنهار ياجواد يارحيم أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله ثم اعلموا أن الله الذي استوى على العرش خلق هذا العرشُ ووصفه بالعظمة التي في عدة مواضع من القرآن ومنها قوله سبحانه في سورة التوبة : 
( فإن تولّوا فقل حسبي الله لاإله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) وقوله في سورة المؤمنون على سبيل الإستفهام  : ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ) وقوله في سورة النمل : ( الله لاإله إلا هو رب العرش العظيم ) ووصفه بالمجد فقال : ( وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد ) ووصفه بالكرم فقال  : ( فتعالى الله الملك الحق لاإله إلا هو رب العرش الكريم ) وفي الحديث الذي ترويه جويرية زوجة المصطفى عليه السلام أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج منها بُكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : " مازلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ !! " قالت : نعم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته " رواه الإمام مسلم ، والشاهد في ذلك التذي يحتاج إلى تأمل هو قوله : " وزنة عرشه " والزِنة " مأخوذة من الوزن وليس من الزينة كما يفهم البعض ، فالمقصود أني أسبح الله وأنزهه بعدد مايوزن به العرش الذي لايستطيع أحدٌ - كما ورد في السنة - أن يقدر قدره وحجمه وعظمته ، وهو كالقبة على العالم العلوي والسفلي وأصل العرش في اللغة العربية معناه سرير الملك وله ثمانية من الملائكة يوم القيامة وذُكر رواية عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أن عرشَ الرحمن يحمله في الدنيا أربعة ويوم الدين ثمانية كما قال الله تعالى : " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ٍثمانية * يومئذٍ تُعرضون لاتخفى منكم خافية " بسبب غضب الرحمن وهول الخلائق واشفاقهم من حوادث وبلايا يوم الدين ، ومن صفة هؤلاء الملائكة الذين يحملون هذا العرشَ العظيم ماورد في حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أُذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة حملة العرش أن مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عام " والحديث صحيحٌ رواه أبوداوود في سننه ، وهو أول المخلوقات خلقاً قبل القلم على الصحيح المُحقق بين أهل العلم لقوله عليه الصلاة والسلام : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال : وعرشه على الماء " ، ومن صفاته أنه لايتغير حين أحداث يوم القيامة فلا يُطوى أو يُزال بل هو باق ٍعلى حاله ، فلا يدخل في قول الله تعالى : ( وماقدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يُشركون ) والله جل جلاله فوق العرش وهو أعظم وأجل منه وأكبر فهل تأملتم بقول المؤذن حين يقول : ( الله أكبر ) فهو حقٌ وحقيقة وأكبر من كل شيء حجماً وقدراً وعلّـواً وذكراً ورضاه هو المنى وغاية السرور والهناء أوما قرع أسماعكم قول الله حين في شأن المؤمنين وما أعدّ لهم ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبةً في جنّات عدن ٍورضوان من الله أكبر ذلك هوالفوز العظيم ) 

هذا وصلوا وسلموا على صاحب الحوض والشفاعة وشفيعنا يوم تقوم الساعة 
نبينا محمدٍ سيد ولد آدم ولا فخر وأصحابه خير صحبٍ ومعشر ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على النبي الأمي 








الخميس، 10 يناير 2019

خطبة عن عذاب القبر ووحشته

الحمدلله المبدئ المعيد الفعّال لما يريد ذو الركن الشديد والحكم الرشيد والصلاة والسلام على من أرسله الله للعبيد فأبان لهم سُبل النجاة بالقول السديد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وعلينا معهم إلى يوم المزيد أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى خير زادٍ ليوم المعاد ولقاء رب العباد ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتًنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ مُحدثةٍ في دين الله بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : لقد أمرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام بالإستعاذة في آخر الصلاة من أربع من عذاب جهنّم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجّال أو من شرّ فتنة المسيح الدجّال ، والقبر هو أول منازل الآخرة فإن سعد فيه الميّت فما بعده فنعيم وحبور وأما إن شقي فيه الميّت فما بعده أشقّ وأعسر وأنكى وأشدّ وقد ورد ذلك في قول الحبيب المصطفى عليه السلام : " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منهُ فما بعد أيسر منه ، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدّ منه " رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وحسّنه بعض أهل العلم ، حتى لو كان عذاب القبريكفّر بعض الذنوب ولكن لايكفّر الذنوب كلّها وقد ورد تكفير الذنوب بعذاب القبر عن شيخ الإسلام رحمه الله فقد قال في الفتاوى عند ذكر الأسباب التي تزول بها الذنوب عن العبيد قال : " مايحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يُكفّرُ به الخطايا " وهذا لايُنافي كون مابعد عذاب القبر عسير شديد لمن شقي في قبره نسأل الله السلامة والعافية .

عباد الله : الإيمان بعذاب القبر من عقيدة الفرقة الناجية التي لانجاة لها إلا بالإيمان به ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الطائفة المنصورة وعذاب القبر مقرّر في كتاب الله تعالى حيث يقول سبحانه في عذاب قوم نوح : ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراًُ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) والفاء للتعقيب الفوري وذلك أنهم عندما أغرقوا فأدخلوا مباشرة للجحيم وهم في قاع تلك المياه وذلك حين ضرب الطوفان الأرض في عهد نوحٍ عليه السلام ، وقال أيضا ًفي قوم فرعون : ( النار يُعرضون عليها غدوّا ًوعشيّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب ) فلمّا أُغرقوا دخلوا الجحيم وذلك كان حين غرقهم فقامت عليهم قيامتهم وبدؤا يُعذبون في النار من ساعة الغرق وأجسادهم في جوف البحر حينها ، وبعض العلماء من المفسرين يفسّر " سجّـين" الوارد في سورة المطففين في قوله تعالى : ( كلّا إن كتاب الفجار لفي سجين ) بأن سجين الأرض السابعة السُفلى فيها أرواح الكفار تُعذّب وأعمالهم فيها يُعذّبون بسببها وأورد ذلك الطبري في تفسيره " جامع البيان في تأويل آي القرآن " واختار هذا القول وروى ذلك بسنده عن قتاده وابن عباس والضّحاك وابن زيد وكعب القُرظي وغيرهم وروى بسنده حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه قال في نفس الفاجر - أجارنا الله وإياكم قال : " فيصعدون بها فلا يمرّون ببها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ماهذا الروح الخبيث - أو الروح الخيثه - ؟ قال : فيقولون فلان بأقبح اسمائه التي يُسمّى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فلا يُفتح له ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لاتُفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجمل في سمّ الخياط . . ) الآيه فيقول الله : " اكتبوا كتابه في أسفل الأرض في سجّين في الأرض السُفلى " وفي رواية مفادها أن روحه تُطرح طرحاً وقد ذُكر مثل ذلك عند قول الله تعالى : ( ومن يُشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق ) .
عباد الله : ومن أشهر الأحاديث في وقوع عذاب القبر حديثٌ رواه ابن عبّاس رضي الله عنه وعن أبيه الذي رواه البُخاري : " أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على حائط من حيطان المدينة فسمع إنسانين يُعذّبان في قبرهما فقال : " إنهما ليُعذّبان وما يُعذّبان في كبير ، بلى ، أما أحدهما فكان لايستتر من بوله - وفي رواية لايستنزه من بوله - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين ثمّ وضع على كلّ قبرٍ كسرة ، فقيل : يارسول الله لم فعلت ذلك ؟ قال : " لعلّه يُخفف عنهما مالم تيبسا "
عباد الله : إن من يرجع إلى كتب المحققين من العلماء والذين ينقلون بعض القصص عن أحوال بعض المعذبين في قبورهم بطرق موثوقة في الأغلب مثل ابن القيّم وابن رجب والسّفّاريني وأكثرها في العُصاة من المسلمين يجد عجبا ًوالله وقصص يجرح الفؤاد وتبيض منه العين ويزيد من الإعتبار وتقشعر منه فراء الرؤوس والجلود فاللهم أجرنا من عذاب القبور ياعزيز ياغفور .
ومن هذه القصص قصة أوردها الحافظ ابن رجب وغيره أن جماعة من التابعين خرجوا لزيارة أبي سنان فلمّا دخلوا عليه وجلسوا عنده قال : قوموا بنا نزور جاراً لنا مات أخوه ونُعزيه فيه قال محمد بن يوسف الفريابي : فقمنا معه ودخلنا ذلك الرجل فوجدناه كثير البُكاء والجزع على أخيه ، فجعلنا نُعزيه ونُسليه وهو لايقبل تعزية ولا تسلية ، فقلنا له : أما تعلم أن الموت سبيل لابُدّ منه ؟ قال : بلى ولكن أبكي على ماأصبح وأمسى فيه أخي من العذاب ، فقلنا له قد أطلعك الله على الغيب ؟ قال : لا ولكن لمّا دفنته وسوّيت عليه التُراب وانصرف الناس ، جلست عند قبره وإذا صوتٌ من قبره يقول : أوّاه أفردوني وحيداً أقاسي العذاب ، قد كُنت أصلّي قد كنت أصوم فأبكاني كلامُه وقلت : صوتُ أخي والله أعرفه ، فقلت لعلّه خُيّل إليك قال : ثمّ سكت ، فإذا أنا بصوته يقول : أوّاه لاأدري - في الثانية أو الثالثة - فنبشته حتى بلغت قريباً من اللِّبن فإذا أنا بطوق من نار في عُنقه فأدخلت يدي رجاء أن أقطع ذلك الطوق فاحترقت أصابعي فبادرتُ بإحراجها ، فإذا يده قد احترقت أصابعها ، قال فرددت عليه التراب وانصرفت فكيف لاأبكي على حاله وأحزن عليه ؟ فقلنا : فما كان أخوك يعمل في الدُنيا ؟ قال : كان لايؤدي الزكاة من ماله ، فقلنا هذا تصديق قوله تعالى : ( ولا تحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرّ لهم سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة ) وأخوك عُجّل له العذاب في قبره ثم خرجنا من عنده .
وذكر الحافظ ابن رجب أيضاً في كتابه ( أهوال القبور ) : أن ابن أبي الدُنيا أخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان جالساً فأتاه قوم فقالوا : إنّا خرجنا حُجّاجاَ ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذات الصّفاح فمات فيها فهيأناه ثم انطلقنا فحفرنا له قبرا ولحدنا اللحد فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود - أي ثُعبان - قد ملأ اللحد ، فتركناه وحفرنا غيره فلمّا فرغنا من لحده إذا نحن ُبالأسود قد ملأ اللحد فتركناه وحفرنا مكاناً آخر فلمّا فرغنا من لحده إذا نحنُ بالأسود قد ملأ اللحد ، فتركناه وأتيناك ، قال ابن عباس : " ذلك عمله الذي يعمل به ، انطلقوا فادفنوه في بعضها ، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلّها لوجدتموه فيه ، فانطلقنا فدفناه في بعضها ، فلمّا رجعنا قلنا لإمرأته : ماعملُه ويحك ؟ قالت : كان يبيع الطعام فيأخذ ُكل يومٍ منه قوت أهله ثمّ يقرض القصب مثله - أي يطحنه مثل ذلك الطعام - فيلقيه فيه - أي في ذلك الطعام الذي سيبيعه للناس ، أي كان باختصار : يغش بالطعام وهو حبّ البر ، فيقْرضُ ذلك القصب ويُلقيه في البُرّ لكي يُعوّض ماأخذ منه نعوذ بالله من الحيلة المحرمة والكسب الخبيث فذلك نمط من العذاب الذي ينال من يغشّ الناس في البيوع وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين قال : " من غشّنا فليس منّا " وفي رواية : " من غشّ فليس منّى " أي ليس من أصحاب النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة وبئس مالٌ أتى من كسب حرام .
عباد الله : إن البهائم والدّواب وغيرها إلا الثقلين كل أولئك من غير الثقلين يسمع عذاب القبر ويُشهد لذلك حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : " بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من بني النجار على بغلة له ونحنُ معه إذ حادت به - أي البغلة - وكادت تُلقيَه وإذا أقبرٌ ستّة أو خمسة أو أربعة ، فقال : من يعرف أصحاب هذه الأقبُر ؟ فقال رجل ٌ أنا ، قال : فمتى مات هؤلاء ؟ قال : ماتوا في الإشراك ، فقال : " إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها ، فلولا إن لاتدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال : " تعوذوا بالله من النار " قالوا : نعوذ بالله من عذاب النار ، قال : " تعوذوا بالله من عذاب القبر " قالوا : " نعوذ بالله من عذاب القبر " قال : " تعوذوا بالله من الفتن ماظهر منها وما بطن " قالوا : " نعوذ بالله من الفتن ماظهر منها وما بطن " قال : " تعوذوا بالله من المسيح الدجّال " قالوا : " نعوذ بالله من المسيح الدجال " فاللهم اجعلنا ممن خاف فسلم من عذاب الله وغنم وممن علِم فعمل وعلّم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ============ 
الحمدلله القوي المتين الذي أنجى برحمته وعذّب بحكمته أحمده الذي أسبغ علينا نعمته وأبان للخلائق فضله وعدله وصلى الله وسلم على النبي الذي بلّغ عن الله رسالته ونصح لله في بريتّه وعلى آله وصحبه مابقيت على ظهر الأرض ملّته وسلكت الخلائق طريقته وسلم تسليما ً كثيراً أما بعد : 
معشر المسلمين : اعلموا أن عذاب القبر يجري على الجسد والروح جميعاً وليس هو خاص بالروح فقط بل هو عامٌ في الجسد والروح وما ذكرنا من أحاديث وقصص تُبين هذا وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك فأجاب بقوله :
" بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السُنّة والجماعة ، تُنعّم النفس وتُعذّب منفردة عن البدن وتُعذب متصلة بالبدن والبدن متصلٌ بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمِعتين كما يكون للروح منفردة عن البدن " 
ثمّ قال : وهل يكون النعيم والعذاب للبدن بدون الروح ؟ 
هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنّة والكلام ، وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنة والحديث . 
قول من يقول : إن النعيم والعذاب لايكون إلا على الروح وأن البدن لايُنعم ولا يُعذّب وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفّار بإجماع المسلمين ، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون : لايكون ذلك في البرزخ وإنما يكون عند القيام من القبور " انتهى كلامه 
ولمّا ذكر سماع البهائم لعذاب القبر قال :
" قال بعضهم : ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت - أي أصابها وجعٌ في بطنها بسبب أكل التراب مع البقل - إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية والنصيرية وسائر القرامطة من بني عُبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما ، فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى والجهال تظنّ أنهم من ذرية فاطمة - أي بني عُبيد وغيرهم - وأنّهم من أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل " ثم قال : " فقد قيل : إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة مايذهبُ بالمغل " انتهى أي كلامه . 
عباد الله : إن العمل الصالح والدعاء إذا اجتنب العبد المحرمات يُقرّب من الله تعالى ويحمي العبد من عذاب مابعد الموت عامّة من عذاب قبرٍ وغيره فلا يدع العبد الدُعاء في كل أحيانه في صلاته وفي غيرها حتى عند نومه فمما ورد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا وضع يده اليمنى على خدّه عند النوم " اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك " ومما يدلّل على نفع الأعمال الصالحة وأنها تحمي البعد بإذن الله تعالى من أي عذاب في آخته يعتريه مارواه ابن حبان التميمي رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميّت إذا وُضع في قبره يسمعُ خفق نعالهم إذا ولّوا عنه مُدبرين فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام يمينه وكانت الصدقة عن شماله وكان فعل الخير من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه فيأتيه الملكان من قِبلِ رأسه ، فتقول الصلاة : ماقِبلي مدخل ، ثمّ يُؤتى عن يمينه ويقول الصيام : ماقِبلي مدخل ، ثمّ يُؤتى عن يساره فتقول الزكاة ماقِبلي مدخل ، ثمّ يؤتى من قِبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الدقة والصلة والمعروف والإحسان : ماقِبلي مدخل ، فيقول له اجلس فيجلس قد مثُلت له الشمس وقد أصغت للغروب ، فيقول دعوني حتى أصلي ، فيقولون : إنك ستصلي ، أخبرنا عمّا نسألك عنه ، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماتقولون فيه ؟ وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول : محمد ، نشهدُ أنه رسول الله ، جاء بالحق من عند الله ، فيقال له : على ذلك حييت وعلى ذلك تُبعث إن شاء الله  ، ثمّ يُفتح بابٌ إلى الجنّة فيُقال : هذا مقعدك وما أعدّ الله لك فيها ، فيزداد غيطة وسوروا ، ثمّ يُفسح له في قبره سبعون ذراعاً ويُنوّر له فيه ، ويُعاد الجسد لما بُدئ منه ، وتُجعل روحه نَسمَ طيرٍ يعلق في شجر الجنّة " قال : فذلك قوله تعالى : ( يُثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدُنيا وفي الآخرة ويُضل الله الظالمين ويفعل الله مايشاء ) فاللهم لطفك وعونك لنا في سائر الأمور والثبات في الحياة وبعد الممات . . هذا وصلوا وسلموا . . 








الثلاثاء، 8 يناير 2019

خطبة عن قصة يوسف عليه السلام مع إخوته

الحمدلله ذي الفضل والعطاء والمجد والثناء الذي يبتلي عباده ليمنحهم أعظم الجزاء ويوفقهم للصبرعلى البلاء والرضا بالقضاء ، أحمده وهو أهل البرّ والوفاء وأصلي وأسلم على النبي الكريم المعطاء وعلى آله وصحبه الأصفياء الكرام النجباء ومن تبعهم بإحسان وعلينا معهم مادامت الأرض والسماء أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى منجاة والحياد عن دين الله مغواة ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ومن يُطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) . 
عباد الله : إن في قصص الأنبياء لعبرة ، وفي ذكرهم عظة ، وفي آثارهم منهجٌ يضيء لك الدرب ويُبصرك بالطريق ويزيد النور في القلب ، ومن أحسن القصص الوارد في القرآن قصة يوسفَ عليه السلام مع إخوته ، يقول الحق ّ تبارك وتعالى فيها  : ( نحنُ نقُص عليك أحسن القصص بما أوحينـا إليك هذا القـرآن وإن كنت من قبلـه لمـن الغافلين ) وأصل قصته عليه السلام رؤيا رآها في منامه حيث رأى أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمرَ يسجدان له وهذه الرؤية بداية لبلاءٍ هذه خاتمته وذلك سجود إخوته وأبيه وخالته له وذلك لوفاة أمّه على الصحيح من القول ، وسجود المخلوق للمخلوق في شرعنا محرّم ٌ وشرك وكان في ذلك الوقت الذي عاشه يوسف وإخوته محرماً ، وهذا الإبتلاء ليس قاصراً على يوسف بل ممتدّ لأبيه يعقوب عليه السلام والذي ابيضت عيناه من الحزن على يوسف لما فقده تلك المدة الطويلة التي يُقال أنها بلغت حوالي ثمانين سنة في بعض الآثار التي أوردها الإمام الطبري في تفسيره عن الفُضيل بن عياض والحسن البصري رحم الله الجميع حيث قال ربنا عنه عليه السلام : " وتولّى عنهم وقال ياأسفى على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم " وكان يعقوب يُحب يوسف من بين إخوته فابتلاه الله فيما يُحب وكذلك سياسة وحكمة ربنا سُبحانه أن يبتلي الإنسان بما يُحب وبما يكره حتى يُرفع منزلته في العالمين .
عباد الله : وفي مجريات القصّة أن إخوةَ يوسف حاولوا بأبيهم أن يخرج معهم يوسف عليه السلام لكي يلعب - في زعمهم - فأخرجه معهم ومن ثمّ لما استفردوا به ألقوه في غيابة الجبّ والمقصود به : البئر الذي ألقي فيه ومن ثمّ رجعوا إلى أبيهم فأوهموه بأن الذئب أكله وجاؤا بقميصه وعليه دمٌ مكذوب وفي ذلك يحكي الله عنهم : ( وجاؤا على قميصه بدمٍ كذب قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل والله المستعان على ماتصفون ) ومن ثمّ استخرجه من البئر رجالٌ جاؤوا يشربون منه فتعلّق بالدلو ليخرج عليه السلام وجاؤا به إلى مصر ومن ثمّ باعوه بثمن زهيد - وانظر إلى حال هذه الدنيا الحقيرة كيف نبي من أنبياء الله يُستعبد ويُباع بثمن زهيد ٍ ودرهيمات معدودة ، ومن ثمّ كان من نصيب عزيز مصر الذي اشتراه وأوصى امرأته أن تُكرمه وترفع من شأنه ، ولكنّها مع طول بقاءه حاولت إيقاعه في الفاحشة ، فابتُلي وهو في بيت ملك مصر ، وقد أخبرنا الحقُ تبارك وتعالى بهروبه من امرأة عزيز مصر وأنهما استبقا الباب فقال سبحانه : ( واستبقا الباب وقدّت قميصه من دُبرٍ - أي شقته وقطعته من الخلف - وألفيا سيدها لدى الباب ) فكان ذلك وافق دخول العزيز والتي كذبت عليه المرأة لتخرج من الموقف بعذرٍ ، فقالت : ( ماجزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أو عذابٌ أليم ) فأنجى الله نبيه يوسف بنطق ذلك الطفل الذي في المهد حيث نطق وأخبر بأن القميص إن قُطع من الخلف فكذبت وهو من الصادقين وإن كان قُطع من الأمام فصدقت وهو من الكاذبين وكان القميص قُطع من الخلف لهروبه عليه السلام من المرأة وخشيته الوقوع في الحرام بسبب ذلك . 
عباد الله : انتشر خبر امرأة العزيز بمراودتها ليوسف عليه السلام في أوساط النساء في مصر فمنهن من اتهمها بالضلال ومنهن الساخرة منها فجمعتْهُن وقالت ليوسف اخرج عليهن فلمّا رأينه أعظمن شأنه وأكبرنه وجرحن أيديهن بالسكين التي آتتهُنّ امرأة العزيز ومنهن من خدشت وجهها وآذت نفسها وذلك كلّه لما رأينهُ من جمال وهيئة يوسف وحسن محيّاه وقد ورد في حديث مرسل رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أُعطي يوسف وأمّه ثلث حسن أهل الدُنيا وأعُطي الناس الثلثين " وفي رواية فيها ضعف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أُعطي يوسف وأمّه شطر الحسن ) أي نصفه وعلى كل حال ، فقد يُبتلى الرجال بالنساء وتُبتلى النساء بالرجال والمعصوم من عصمه الله تعالى وحفِظه فاللهم إنا نسألك العصمة والحفظ لنا وأهلينا وذرياتنا أجمعين . 
عباد الله : ومن ثمّ ابتلي يوسف بالسجن بتحريضٍ من امرأة العزيز وكذلك بعض النساء فتمّ سجنُه في سجن العزيز ، وقد وفقّه الله سبحانه وتعالى في معرفة تفسير الرؤى ، وكان معه في السجن فتيان فأخبر أحدهما بأنه رأى في منامه أنه يعتصر الخمر ويُخرجها شرابا  فأخبره وفسّر له رؤياه تلك بأنه سيسقي الملك خمراً وأنه يعود لعمله بعد فراقه ، وأخبره آخر بأن يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ، وقد فسّر له يوسف ذلك بأنّه يُصلب وأنّ الطير تأكل من رأسه ، وفسّر للملك تلك الرؤيا التي رآها وعجز الناس عن تفسيرها فوصل ليوسف الخبر عن طريق رسول الملك وكانت رؤيا الملك أنّه رأى في منامه سبع بقراتٍ سمان يأكلهن سبعٌ عِجاف أي ضعاف ورأى سبع سنابل خضر وسبع سنابل يابسات ففسرها يوسفُ للملك بأنه سيأتي سبع سنين خصبةٍ ويتلوها سبع سنين مجدبة وأوصاهم أن يتركوا الحبّ في السنابل حين الخِصب لكي لايُصبه السوس ولا التلف ولكي يستعينوا بذلك على حفظه لتلك السنين المُجدبة فكان ذلك كلّه ، فأُعجب الملك بتفسيره ووصيته وأمنته فأمر بإخراجه من السجن وأكرمه وقرّبه وقال : ( ائتوني به أستخلصه لنفسي ) فكان من المقربين ذوي الحظوة لديه وجعله وزيره وملّكه قسْمَ ميرة مصر أي ( طعامها ) وكان يقسمها مقابل مالٍ يأخذه من الواردين عليه ومن ثمّ التقى بعد ذلك بإخوته بعد تلك السنين الطويلة فعرفهم ولم يعرفوه . 
عباد الله : دخل إخوة يوسف على يوسف عليه السلام فعرفهم ولم يعرفوه ولمّا قسم لهم من الزاد والمِيرة أراد منهم أن يأتوا بأخيه الشقيق الذي من أبيه وأمه واسمه :
" بنيامين " وأعلمهم أن لاميرة ولا طعام لهم إن لم يأتوا به ، وأمر للخدم عنده أن يضعوا المال الذي أُخذ من إخوته أن يضعوه في رحالهم لكي يطمعون في العودة مرة أخرى ولكي يُروا يوسفَ عليه السلام صدقهم ، فلمّا رجعوا ووصلوا إلى أبيهم أخبروه أن الكيل مُنع عنّا حتى نأتي ببنيامين للوزير وهو يوسف عليه السلام ولم يعلموا بوضع الثمن لهم في الرحال فلمّا فتحوا الرحال وجدوا الثمن فأطمعوا أبيهم بما لدى الوزير من كيل وبأن يرسل معهم أخاهم ، فأخذ عليهم المواثيق بردّه فلمّا دخلوا على يوسفً عليه السلام طمأن أخاه بينيامين بأنه يوسف ، وكاد لإخوته بأمر من الله له  بأن أمر بوضع صاع الملك في وعاء أخيه واتهمهم بسرقة الصاع وبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه لكي يبعد عنه الشك في تدبير هذه المكيدة لهم ، ومن ثمّ وجد الصاع في وعاء أخيه لكي يأخذه وفي ذلك يقول ربنا جل جلاله : ( كذلك كدنا ليوسفَ ماكان ليأخذ أخاه في دِين الملك نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علمٍ عليم ) وذلك أن السارق في دين الملك يضرب ويُغرّم وأما في تلك البلاد التي هم سكنوا فيها فإنه يُسترق ، فأراد يُوسف ان يُسترقّ ولا يضرب ويُغرّم مادام في قبضته ، ولما رأى ذلك إخوة يوسف اتهموا يوسف بالسرقة ولم يسلم من شرّهم في تلك الظروف فقالوا :
 ( إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل . . ) يقصدون يوسف ولأنه لم يأتي الفرج أسرّ يوسفَ هذا الإتهام ولم يُبدِ لإخوته الذين اتهموه شيئاً وكظم غيظه ، وسلك بعد ذلك  أخوة يوسف الطريق إلى أبيهم ليُخبروه بما جرى فازداد بذلك همّا ً على همّ ، وحزناً على حُزن وبلغ البلاء ذروته وابضت عيناه وقال لأبناءه : ( إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلم من الله مالاتعلمون ) وهو مع ذلك ماأيس وصبر وصابر ونفى عنه سوء الظن بربه وقال : ( يابنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) فاللهم إنا نعوذ بك من اليأس من روحك ونعوذ بك من الأمن من مكرك ومن زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنّه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية =============
الحمدلله الذي العلي القدير قدّر المقدور ويسر العسير وإليه المآل والمصير وهو العلي الكبير والصلاة والسلام على نبيه الأمين البيشر والسراج المنير وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والخير الوفير أما بعد : 
عباد الله : ولمّا دخل إخوة يوسف عليه بعد أن أرسلهم أبوهم أبانوا له شكواهم ورأى مابهم من الفاقة وشكوا حال والدهم وقالوا : ( ياايها العزيز مسّنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوفِ لنا الكيل وتصدّق علينا إن الله يجزي المتصدقين ) فسألهم يوسفَ عليه السلام مستفهما ًوكذلك لكي يبيّن لهم ذنبهم ويعاتبهم فقال : ( هل علمتم بيوسفَ وأخيه إذ أنتم جاهلون ) قالوا بعد ذلك : ( أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسفُ وهذا أخي قد منّ الله علينا إنّه من يتق ويصبر فإن الله لايُضيع أجر المحسنين ) ومن ثمّ اعترفوا بفضله وعلوّ قدره ورفعة منزلته عليهم واعترفوا بجنايتهم وخطئهم فقالوا : ( تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين ) وانظروا لهذا النبي الكريم وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق ابن ابراهيم ماذا  ردّ عليهم ؟ وقد فعلوا به الأفاعيل وعزلوه عن أبيه تلك المدة الطويلة والحقبة الزمنية  ، ومع ذلك كلّه لم يؤنبهم تأنيباً جارحاً ويستضعفهم ويُذلهم ولم يكن أيضاً عوناً للشيطان عليهم وكيف ظهر ايمان الأنبياء بالقدر الذي لايُعادلهم فيه أحد قال لهم :
( لاتثريب عليكم - أي لاعتاب عليكم - اليوم يغفرُ الله لكم وهو أرحم الراحمين ) فما أكبر نفوس هؤلاء الأنبياء الكرام وصفوة الأنام ، وأمرهم لكي يُكفّروا عن بعض خطاياهم أن يذهبوا بقميصه - أي قميص يوسف - ويلقوه على وجه أبيهم لكي يُدخلوا السرور عليه بعد أن أدخلوا عليه الحزن في تلك المدّة ويردّوا بإذن الله بالقميص بصرهُ - وهذا إعجازٌ علمي له بابه ومقالُه فقد وجد بعضٌ من أطباء العيون أن العرق ينفع العين ويشفيها من العمى الذي سببه المياه البيضاء الموجودة في العين وكل ذلك بتيسير الله وتوفيقه .
عباد الله : واستكمالاً للفصل الأخير من سلسلة القصة فقد ذهب إخوة يوسف بالقميص وردّ الله بصر يعقوب بعد أن ابيّضت عيناه من الحزن وطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم ذنوبهم ووعدهم فقال : ( سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) ومن ثمّ ذهبوا ليوسف جميعا ًودخلوا عليه ورفع أبويه على عرش الملك وخرّوا له سُجداً وأتّم الله النعمة عليه وعلى أبيه عليه السلام وتحقّقت رؤيا يوسف عليه السلام بعد طول زمان ومفارقة الأوطان والصحب والإخوان وجمع الله شملهم جميعاً وقال يوسفُ في ذلك مديناً لربه بالشكر والعرفان قال : ( هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ًوقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيفٌ لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ) وهكذا انتهت قصة من أروع قصص الدنيا وفيها من الدروس والعبر للمتأملين والمتدبّرين والمتفكرين وأعظم درسٍ فيها لزوم الصبر في سائر الأمور مهما زلزلتك الوقائع والأحداث فوالله لن يظفر أحدٌ بالسؤدد والكرامة والعلو والرفعة في الدنيا ويوم القيامة إلا بالصبر الذي هو تاج صفات المتقين ورأس خصال المفلحين وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " وما أعطي ابن آدم خيراً ولا عطاءاُ أفضل من الصبر " فاللهم اهدِ قلوبنا للصبر في سائر الأحوال وجنّبنا الزيغ والضلال وثبّتنا عند الموت والسؤال ياذا الإكرام والفضل والجلال . . هذا وصلوا وسلموا . .  


السبت، 15 ديسمبر 2018

خطبة عن الأيمان والنذور

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، الذي أذن بالأيمان والقسم فبه يُقسمون وباسمه يحلفون وله الحكم وإليه تُرجعون ، أحمده وهو أهل الحمد والثناء المصون وأصلي وأسلم على النبي الكريم المأمون وعلى آله وصحبه الذين له متبعون وبالدين قائمون وعلينا ومن تبعهم بإحسان مامضت السنون أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله فبالتقوى تتمايز الأمور وتُنفى الشرور ويُؤمن المحذور ( ومن يتقِ الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لايحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفـر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) . . واعلموا - عباد الله أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الامور محدثاتها وكلّ مُحدثة في دين الله بدعه وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن مما يجري في كلام الله القسم بشيء من مخلوقاته ولله أن يُقسم بما شاء من خلقه وليس لأحدٍ أن يُقسم إلا بالله والقسم من الله تعظيم لشأن ذلك المخلوق المُقسم به ويرد ذلك كثيراً في كتاب ربنا سبحانه حيث يقول جلّ شأنه وعلا ذكره  : ( والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلّاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسّاها ) وقال أيضاً : ( فلاأقسم بالخنّس * الجوار الكنّس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفّس ) والخنّس النجوم الخفيه التي تغاب عن الناظرين في النهار وقال : ( لاأقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوّامة * أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ) وقوله : " لاأقسم " معناه  أقسم وليس معناه نفي القسم بل إثباته  - فليُنتبه لذلك - وأحرف القسم في قسم الله والمخلوقين ثلاثة هي الواو والباء والتاء فتقول : " والله " و " بالله " و " تالله " والقسم من المخلوق : هو الحلف بالله أو صفة من صفاته ويجب على الناس أن يجتنبوا الحلف بالله قدر الإمكان لقوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عُرضةً لأيمانكم أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميعٌ عليم ) واجتنابه هو تعظيمٌ لله تعالى وهيبة وإن الشخص الذي يُكثرُ الحلف يهون على الناس وينزِل قدرهُ عندهم وذلك لحلفه على أتفه الأمور وأبسط الأشياء فيجب الحذر والتورّع عن ذلك ومما يأخذ حكم القَسَم والحلف مايُسمّى بالنذر وذلك لأنه يُشبه القسم في الكفارة والحلِف عدة أنواع : 

الأول : أن يحلف على فعل شيء يستطيع فعله وهو محرم فلا يجوز أن يفعل ذلك الذي حلف على فعله  ويجب عليه الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين من الطعام المتوسط وقوت البلد أو يكسوهم أو يُعتق رقبة فإن عجزَ عن كل ذلك فإنه يصوم ثلاثة أيام ولا يجوز له أن يبدأ بالصيام قبل الإطعام والكسوة والعتق . 
الثاني : أن يحلف على فعل طاعة فيجب عليه أن يفعلها وإن تركها وجبت عليه الكفارة ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " من نذر أن يُطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " والحلِف يأخذ حكم النذر .
الثالث : لغو اليمين ، ولغو اليمين هو مايجري على اللسان من الحلف ولكن قائله لايقصد الحلف بالله مثل قوله : " لا والله " و " بلى والله " و " إي والله " وهذا لاكفارة فيه ودليله قول الله تعالى : ( لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان . . )   .

الرابع : اليمين الغَـموس وسميت غَـموساً لأنها تغمس صاحبها في النار وهي كبيرة من كبائر الذنوب وذلك أن يحلف على أمرٍ يعلم أنه كذب فيقتطع حق امرئ مُسلم بغير حق والغالب أنه لاينجو صاحبها من عذاب الجحيم ومن أحاديث الوعيد التي وردت في ذلك  حديث رواه مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتطع حق امرئ مسلم بغير حق فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنّة " قالوا : يارسول الله : وإن كان شيئاً يسيراً ، قال : " وإن قضيباً من أراك " 
فالحذر الحذر أن تقع في مثل هذه اليمين أو تكثر الحلف في البيع والشراء خاصة لحديث سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لايُكلمهم الله ولا يُزكيهم ولهم عذابٌ أليم : أشيمط زان - وهو الرجل الذي شاخ وهو مُصرٌ على الزنا - وعائل مستكبر - وهو الفقير الذي يتكبر على الناس - ورجلٌ جعل الله بضاعته لايشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه " رواه الطبراني بسند صحيح  . 
ومما ينبغي الحذر منه أيضا ً أن تسبق شهادة الرجل يمينه بتعجّله وعدم تثبته أو يمينه شهادته وهو من علامات الساعة أن يتسرّع الناس باليمين والشهادة إما بغياً وظلماً وإما تعجّلا ً واستخفافاً ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قومٌ تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته " 
- عباد الله : كان السلف يضربون صبيانهم على الشهادة والعهد ، فيقول ابراهيم النخعي : " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار " وفي حديث آخر من رواية مسلم من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثم إنّ بعدكم قوماً يشهدون ولا يُستشهدون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السِّمن " وهو كناية عن الترف وقلة الإهتمام والعناية بطلب الآخرة مع الحرص على متاع الحياة الدنيا ، ولا يجوز الحلف بالآباء ولا بالأنبياء ولا بالمخلوقات وغيرها لأن ذلك من الشرك وكان السلف يُعظمونه ويحذرون منه ، يقول ابن مسعود رضي الله عنه : " لأن أحلف بالله كاذبا ً أحب إليّ من أحلف بغيره صادقاً " وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف بالأمانة فليس منّا " وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم :" من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليصمت " . 
عباد الله : قد يورّي الشخص بيمينه ويُعـرّض بيمينه أو يتأوّل فيها والتأوّل باليمين هو :  " أن يُطلق الحالف لفظاً ظاهرا ً في معنى ويُريد معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ وذلك من خلال ازدواجية اللفظ الذي تلفظ به كأن يحلف على شخص أنه أخوه ويقصد أخوّة الإسلام لاالنسب ويُسمّى تورية وتعريضا ً والمتأوّل له ثلاثة أنواع : 
* أن يحلف متأوّلا ً لرد ظلم وقع عليه أو على غيره وذلك جائزٌ للحديث المتفق عليه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما أتى على جبّار من الجبابرة فقال عن زوجته سارة عندما سُئل عنها قال : " هذه أُختي " وكان ذلك الجبّار يستولي على النساء فأراد دفع الظُلم عن نفسه وزوجته عليها السلام . 
* الثاني : أن يحلف ظالماً لكي يأخذ حقّ أحدٍ من النّاس كمن يستحلفه القاضي في ذلك فهذا يأثمّ بتأوّله ولا ينفعه ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مُسلم قال : " اليمين على نيّة المُستلحف " أي على طالب الحلِف والقسم وهو الحاكم أو القاضي أو الوالي ومن يقوم مقامهم ، فتكون اليمين على نيّة المستحلف لاعلى نيّة المتّأول . 
* الثالث : إذا لم تدعُ الحاجة إليه ولم يترتّب عليه مفسدة دينية ولا دنيويه ولكن يأتي به ليتخلّص من أسئلة وإحراج الناس ولكي يحفظ ودّه وخُلقه فله أن يحلف متأولا ً ويصحّ تأوّ ُله على الراجح ، وقد ورد في ذلك حديث أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم احتضن زاهرا ً رضي الله عنه من خلفه ، وجعل يقول : " من يشتري العبد ؟ " فقال يارسول الله : إذاً والله تجدني كاسداً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لكنك عن الله لست بكاسد " أو قال " لكنك عند الله أنت غالٍ " رواه الإمام أحمد والترمذي وسنده صحيح . 
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنّة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه ثم توبوا إن ربي رحيمٌ ودود . 

=========== الخطبة الثانية ============
الحمد لله ذي القول المبين والقوة المتين والصلاة والسلام على سائر الأنبياء والمرسلين عليهم وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله ثم اعلموا أن النذر يأخذ حكم الحلف في الغالب ولكن اللفظ يختلف ومعنى النذر : هو إيجاب العبد على نفسه عبادة أو نحوها ماليس واجباً عليه في الأصل ، وقد امتدح الله المؤمنين بأنهم يوفون بالنذر ، قال تعالى في سورة الإنسان : ( يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا ) وذلك أن ترك الوفاء بالنذر كذبٌ على الله أولاً وكذبٌ على النفس وتركُ الوفاء به من صفات المنافقين ، وقد كان الصالحون والصالحات من المؤمنين ينذرون ويوفون ، فقال سبحانه وتعالى حكاية عن مريم عليها السلام : ( إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم اليوم إنسيا ) وكذلك جاء رجلٌ من الصالحين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يارسول الله ، إني نذرت أن أذبح إبلاً ببوانة - وهي موضع قرب ينبع - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد " قالوا : لا ، قال : " هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم " قالوا : لا ، قال : " أوفِ بنذرك فإنه لاوفاء لنذرٍ في معصية الله ولا في مالايملك ابن آدم " .
ويُستدل بهذا الحديث على عدم جواز نذر المعصية ، وأن النذر لابدّ أن يراعى فيه المصالح والمفاسد فإن طغت المفاسد فلا يجوز الوفاء به ويُستدل به على أن الرجل يجب أن يكون نذره فيما يستطيعه ، فأما الذي لايستطيعه فلا يملك الوفاء به والأصل في النذر الكراهة لأن المسلم ربما لايستطيع الوفاء به تكاسلاً أوعجزاً مع أنه قادرٌ عليه ولذا قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام مسلم :
" لاتنذروا ، فإن النذر لايُغني من القَدر شيئاً ، وإنما يُستخرج به من البخيل " 
وللنذر أنواع منها : 
* فمنها : نذر الطاعة وهو كل نذر ٍفيه تزودٌ من الطاعات كمن نذر أن يُصلي مئة ركعة إن رُزق بمولود فهذا نذرٌ يجب الوفاء به 
* ومنها : نذر المعصية وهو كل نذرٍ فيه معصية لله تعالى كمن نذر أن يزور ضريحاً ليطوف به ويدعوه فهذا لايجوز الوفاء به وعليه وجوباً أن يكفّر ولا يوفِ بنذره مهما كان . 
* ومنها : نذرٌ في أصله مباح ولكنه صادمَ نصّا ًمن النصوص الشرعيه كمن نذر أن يصُوم كل خميس فوافق يوم العيد فهذا يُوفِي بنذره في كل خميس ولا يجوز له أن يُخالف النص فيصوم يوم الخميس لنهي الشارع عن صيام يوم العيد أو النحر . 
* ومنها النذر المُباح المُطلق الذي لايُعارضه شيء فهذا يلزم صاحبه أن يأتي به ويوفي به بلا خلاف . 
* ومنها النذر المكروه : كأن يقول : إن فعلت كذا طلّقت امرأتي فهذا يُستحب اسحتباباً تاماً أن يُكفّر ، ولا ينبغي له أن يُعرّض نفسه ولا أسرته لمثل هذه النذور لما له من أثر سلبي على الأسرة كاملة ، فليتق الله من يُقدم على مثل ذلك . 
* نذر اللجاج والغضب : وهو كل نذرٍ يصدر من الناذر في وقت غضب وكأن النذر يخرج من الناذر مخرج اليمين للحث على فعل شيء أو المنع منه وهذا يوفي بنذره فإن كان لايُطيق ذلك فعليه كفارة يمين . 
* ومنها : النذر غير المُسمّى ، كأن يقول لله علي نذر إن تفوقت في العمل أو الإختبار فهذا يُكفر وجوباً كفارة يمين لحديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كفّارة النذر إذا لم يُسمّ كفارة يمين " رواه ابن ماجه والترمذي وصححه ، والقاعدة عموماً في النذور : " كل نذرٍ نذره صاحبه فيجب الوفاء به مادام يُطيق ذلك وإلا لزمته كفارة يمين إذا ترك ذلك " فاللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك وألزمنا تقواك ، هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المُهداة والنعمة المسداة نبينا نبي الرحمة والهدى والملحمة . . . 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...