الاثنين، 17 يونيو 2019

خطبة عن الحفاظ عى النعمة وأثر ذلك

الحمدلله الذي امتن على عباده بالنعم وصرف عنهم الشرور والنِقم ، أحمده وهو الجواد الحكم وأثني عليه وهو أهل الثناء والكرم وأصلي وأسلم على المبعوث بالقول البيّن وجوامع الكلم وعلى آله وصحبه مصابيح الظُلم وأهل المناقب والقيم وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ومن سلك سبيل المؤمنين أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله فبالتقوى يُنال المقصود ويستردّ كل خير مفقود ويرضى رب الوجود ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لايحتسب . .) ثمّ اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتُها وكلّ محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : نعم الله علينا عظيمة كثيرةٌ تزداد حيناً وتقلّ حيناً آخر والفضل كلّه لله في ذلك ، يقول الحقّ تبارك وتعالى : [ وإن تعدوا نعمة الله لاتُحصوها إن الله لغفور رحين  ] وقال سبحانه : [ وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها إن الإنسان لظلومٌ كفّار ] .
فانظر كيف نسب لنفسه المغفرة والرحمة والإنعام بالتفضل على بني البشر بمغفرة ذنوبهم وسترها ورحمتهم وإدرار الرزق لهم ونسب للإنسان الكفر بالنعمة والظلم والطغيان لأنه في الغالب كذلك إلا من رحم الله وتأمل كيف أفرد الظلم وأتى بصيغة المبالغة التي تدل على كثرة الفعل في قوله " كفّار " لأن الإنسان يُكثر الكفر بالنعمة وسريعاً ماينساها خلا عباد الله المؤمنين الذين يديمون الشكر والثناء والحمد لله في العسر واليسر وهذه وقفة مع هذه الآية العظيمة التي فيها يقول ربنا جلا جلاله :

(( ألم تروا أن الله سخر لكم مافي السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يُجادل في الله بغير ولا هدىً ولا كتاب منير )) .

أخي المبارك : تأمل قول الله تعالى : " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " كيف أن الله استخدم كلمة " أسبغ " التي تدل على الكمال والتمام فنعم الله كثيرة وكبيرة ومتعددة ووافرة منها الظاهر الذي يراه الإنسان ويسمعه ويحسه ويلمسه ومن النعم ماهو باطن لايعرفه ابن آدم إلا إذا فقده وعدِمه وذُكّر به وهذا من فضل الله ورحمة أن لايُحاسب الإنسان على مجموع نعمه كلها بل على الظاهر البيّن  مع حلمه أيضاً في الظاهر منها فاللهم لانُحصي ثناءاً عليك أنت كما أثنيت على نفسك .

عباد الله : إن من أعظم نعم الله الظاهرة التي تستوجب الشكر السمع والبصر والحياة والهداية والعلم والرزق بما في ذلك توافر المال والأزواج والأولاد والليل والنهار والمسكن والملبس والمركب وفي ذلك كلّه يقول المُنعم الرحيم والرب الكريم : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) ويقول في الهداية : ( أومن كان ميتاً فاحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثلُه في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زُين للكافرين ماكانوا يعملون ) وقال في العلم : ( ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون ) وقال في الرزق : ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاءكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يُشركون ) وقال في الأزواج والأولاد : ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ) وقال في نعمة الليل والنهار : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من رحمته ولعلكم تشكرون ) وقال في المساكن والبيوت : ( والله جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين ) وقال في الملبس والرداء : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذّكرون ) وقال في المراكب القديمة والحديثة : ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالاتعلمون ) فتأمل كيف قال سبحانه ( ويخلق مالاتعلمون ) فهي شاملة لجميع المراكب الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات وباخرات صغيرها وكبيرها وقديمها وحديثها وما فرّط سبحانه في الكتاب من شيء جل جلاله وتقدست اقواله وعظـُم في الناس نواله وعطاياه وهباته فهل من شكرٍ وحمد وثناءٍ على الله بما هو أهله ؟ 

فالحمد لله حمداً لو حمدناهُ 

بدهرنا كلّه ماقد وفينـــاهُ 
حمداً يُضاهي كثيراً من عطاياهُ
مدى الحياةِ لذي الأفضال والمنّة 
فنحمد الرب أولانا وأعطانا 
ونحمد الرب أعلانا وأسدانا 
ونحمد الرب إيماناً وإحسانا
ونسأل الله رضواناً مع الجنـــــــة 

عباد الله : إن مما يتوجب على العباد المحافظة على مثل هذه النعم العظيمة التي تزيد بالشكر وتقل بالتبذير والإسراف يقول سبحانه : ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتُم إن عذابي لشديد ) وحذر في المُقابل - ياعباد الله - من الإسراف والتبذير الذي يجرّ إلى النقص في الأرزاق والنعم فقال موجهاً نبيه وأمته ( وآتِ ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ) وتأمل كيف قرن حق القريب الذي اعتاد الناس عليه في إكرامه بالولائم المناسبة مع البذخ من بعضهم في الولائم التي يُقدمونها بغير حق وهي أكثر من اللازم المتوجّب الذي أدخل البعض في دائرة الإسراف والتبذير والذين استحقوا بالتالي أخوة الشيطان لاولاية الرحمن بفعلهم المشين والمقصود من ذلك كلّه أن تُستصحب خشية الله في تقدير تلك الولائم المُقدّمة للضيوف عموماً بغير إسراف ولا زيادة فاحشة ولا تبذير .

عباد الله : من قُدّر عليه أن ابتُلي بمثل ذلك حين إعداد تلك الولائم  فعليه أن يحذر من إلقاء تلك الأطعمة في المزابل القريبة أو البعيدة وعليه أن يتصل بجمعية حفظ النعمة أو جمعية إطعام والمنتشرة في مناطق المملكة كلها بل وفي كل مدينة  وليبادر لذلك بلا تردد خصوصاً أن تحركهم لتلقي مثل هذه الأنعام وهذه الأطعمة فوري ولله الحمد فكل ماعليك أن تحفظ رقمهم في جوالك إذا كنت عاجزاً عن تهيئة مثل هذه الأطعمة وتغليفها لإعطائها للفقراء والمحتاجين والمعوزين والذي بعضنا يجهل الكثير منهم وهم حولنا لمن بحث عنهم .

فلتنعاون جميعاً على البر والتقوى في هذا الشأن وهو من شكر الله المنُعم الكريم الجواد على أن وهبنا وفضلنا وأكرمنا ومن أراد أن يعرفَ حقاً نعمة الله عليه فليسأل كبار السنّ ممن مرّ عليهم سنوات المجاعة والحاجة يُحدثونك بأمورٍ من هولها لاتُصدقها العقول لولا أن المتحدّث من أهل الثقة والديانة وممن لامصلحة له في الكذب بل كان بعضُهم يتحدث وهو يبكي وينشج من عظيم نعمة الله علينا التي ماعرفها أولئك الآباء والأجداد في الماضي فهل من مُعتبر وشاكر ومُدّكر فاللهم ارزقنا شكر نعمك واجعلنا ممن يستعملها في طاعتك ونعوذ بك اللهم من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فمن استغفره رزقه وأعطاه ومن أعرض عنه أضلله وأغواه ومن توكل عليه كفاه .

=========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله الذي أعطى وهدى ورزق وكفى وأخرج المرعى فجعله غُثاءاً أحوى والصلاة والسلام على النبي المصطفى والرسول المُجتبى وعلى آله وصحبه أولي الفضل والنُهى وعلى من تبعهم بإحسان وعلينا معهم إلى يوم الفصل والقضاء وبعد :
أيها المؤمنون :
إن نعم الله جل جلاله إذا لم تُسخّر في طاعة الله ومرضاته وفي أمر الآخرة فإنها ستكون وبالاً على صاحبها وحسرة وندامة يوم القيامة فليحذر العباد من استعمالها في معصيته أو من ترك الشكر عليها فإن ذلك أبعد للعبد من الله وأبعد من الرحمة وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زُلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) مع كون ذلك المال وتلك الأرزاق معرّضة للنقص والزيادة والإرتفاع والإنخفاض فليست على وتيرة واحدة فتجد من الناس من تجري عليه خسارة في ماله فيكون بين عشية وضحاها من المُفلسين ، بخلاف رزق الآخرة الذي لاينقطع أبداً وليس يعتريه نقص بل يزداد ويتكاثر ويتضاعف مضاعفة لايعلم مداها إلا الله وهذا يجعل العبد يرتبط بمقاييس الآخرة ويُعلق قلبه بما عند الله من كرامة وثواب ويبذل في ذلك الأسباب وفي تلك التجارة الرابحة يقول ربنا سبحانه : ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّا ًوعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزدَهم من فضله غنه غفورٌ شكور ) .
عباد الله : ومن ابتُلي بنقص في رزقه بسبب عرفه أو لم يعرفه فليلزم الصبر وليتذكر أن من العباد ماتحصّل على عشر ماوجد وعليه أن يلزم القناعة ويسعى لطلب الآخرة في كل حال فإنها هي الدار الحقيقة للعبد وقد روى ابن ماجة في سننه عن محمد بن اسماعيل بن سمُرة قال حدثنا وكيع عن عبدالله بن عمرو بن مرّة عن أبيه عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال : " لمّا نزل في الفضة والذهب مانزل قالوا : فأي المال نتخذ ؟ قال عمر رضي الله عنه : " فأنا أعلم لكم ذلك " فأوضع على بعيره فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في إثره فقال يارسول الله : أي المال نتخذ ؟ فقال [[ ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناًَ ذاكراً وزوجة مؤمنة تُعين أحدكم على أمر الآخرة ]] .

عباد الله : فاطلبوا في ذلك العون من الله على شكر النعم فبعون الله يدوم الشكر والذكر والزموا الدعاء الوارد في ذلك عقب الصلوات المفروضة فإنه سبب للتوفيق للشكر وأداء ماأوجب الله على العبد وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين قال له : ( والله إني لأحبك أوصيك يامُعاذ لاتدعنّ دُبر كل صلاة تقول : " اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " ) وفي الدعاء الآخر أيضاً كما عند الإمام الترمذي من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما : ( ربّ اجعلني لك شكّارا ًلك ذكّارا ً لك رهّابا ًلك مِطواعاً لك مُخبتاً إليك أواهاً مُنيبا ) وخير الأدعية ماكان من سنة المُصطفى عليه الصلاة والسلام لكونه أجمع وأحوى وأكمل وأهدى ، ثمّ تذكّروا أنكم مسؤولون عن ذلك النعيم الذي تعيشونه يقول سبحانه في محكم التنزيل : ( ثم لتُسألن يومئذٍ عن النعيم ) فأستعينوا بها على مايرضي الله ويُقرب منه فما فاز إلا الشاكرون الصابرون جعلنا الله وإياكم منهم .

هذا وصلوا وسلموا على رسول الهدى ونبي الرحمة من أرسله الله للأمة وكشف عنهم الغمة فاللهم احشرنا في زمرته وأدخلنا في شفاعته وأوردنا حوضه واسقنا منه شربة لانظمأ بعدها أبداً يارب العالمين ، اللهم أعنا ولا تعن علينا وامكر لنا ولا تمكر علينا وانصرنا على من بغى علينا ، اللهم ولّ علينا خيارنا واكفنا شرّ شرارنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين ، اللهم وفق ولي أمرنا لهداه واجعل عمله في رضاك وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الحق والخير وتعينه عليه ياذا الجلال والإكرام . 
اللهم كن لجنودنا البواسل في أرض اليمن وعلى الثغور ياحي ياقيوم ، اللهم تبل شهدائهم وارحم موتاهم وعافِ مُبتلاهم وكن للمجاهدين في سبيلك في أرض الشام والعراق ياحي ياقيوم وانصرهم نصراً من عندك تغنيهم به عن نصر من سواك ومكّن لهم في الأرض يارب العالمين .  

الخميس، 13 يونيو 2019

خطبة عن القسط والعدل المأمور به .

الحمدلله أحكم الحاكمين وأعدلهم وأقسط المقسطين ورب الخلائق أجمعين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين حكم فعدل ودل على النور المبين وحثّ على سلوك درب الصالحين وعلى آله الغرّ الميامين ومن تبعهم بإحسان وعلينا معهم إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى يأمر بكل رشدٍ وخير وينهى عن كل إثمٍ وشر ويُقرّب البرّ من ربه ويبعدّ الفاجر من مولاه الذي توّلاه واعلموا رحمكم الله أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار والزموا جماعة المسلمين فإن الله يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : يقول الحق تبارك وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولوا على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تُعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) وهذه الآية تدل على قاعدة من الثوابت العظيمة في هذا الدين ومن أصول اتباع الشريعة والقيام بها في جوانب الحياة المختلفة على صعيد النفس ودائرة الأسرة وعالم المجتمع من حولنا فلا بدّ أن يكون الرجل من أهل القسط والعدالة ومن مروّجي العدل والآمرين به في كل حين وذلك حيث أن الله تعالى استخدم صيغة المبالغة في قوله ( قوّامين ) أي قائمين على الدوام وذلك يقتضي أن يُراعي العبد القسط والعدل في أحواله كلّها ، بل وفي قرارة نفسه التي منها تصدر النية ويكون مقاصد العمل في العبادات والمعاملات على وجه العمموم . 
وأصل هذه الآية نزلت عامة بسبب خاص وهو النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه غني وفقير فكان ضِلَعه مع الفقير - أي كان يميل مع الفقير على الغني - وكان يرى عليه الصلاة والسلام أن الفقير لايظلم الغني كما أورد ذلك ابن جرير في تفسيره " جامع البيان " فأمره الله نبيه وغيره من المؤمنين أن يعدلوا مع الفقراء والأغنياء وكأن الحقّ يُشير إلى أن ظلم الفقير للغني وارد وليس كما يظن الناس أن الغني هو الذي يظلم الفقير دائماً ، وعقّب على ذلك ابن جير بقوله : " وهذه الآية عندي تأديب من الله جل ثناؤه لعباده المؤمنين أن يفعلوا مافعله الذين عذروا بني أًبيرق - وهم فخذٌ من الأنصار - في سرقتهم ماسرقوا وخيانتهم ماخانوا من ذكر ماقيل عند رسول الله وشهادتهم لهم عنده بالصلاح فقال لهم : " إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه فقولوا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآباءكم وأمهاتكم وأقربائكم ولا يحملنّكم غنى من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحِمُه منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها "  . 
عباد الله : إن العدل من أعظم القيَم التي يتحلى بها المسلم الصادق والذي لايصلح الشأن العام بدونه وعكسه الظلم الذي هو مقوّض للممالك ومسقط للدول ولا يصلح أمر كل أمة إلا بالعدل والقسط ونشره والأمر به والقيام بالواجب وخصوصاً من أصحاب المناصب في أي قطاع من القطاعات ، فهذا واجب متحتم مع القريب والبعيد والصديق والعدو غير المحارب فلنتق الله تعالى لنتأمل تلك الآية المشابهة للآية التي ذكرنا وهي قوله تعالى في سورة المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على أن لاتعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون )  فالقسط يكون عاماً شاملاً حتى مع من تكرههم وتبغضهم وهذا من أعظم صفات المؤمنين ولا يقدر عليه إلا من وفقه الله وسدّده وأعانه وقرّبه لتقواه - سبحانه - وأبعده من شهوته وهواه ولهذا قال : ( ولا يجرمنكم شنئان قوم ) أي لايحملكم بغض وكراهية قوم ( على أن لاتعدلوا ) أي على ترك العدل وارتكاب الظلم معهم ، ثم قال بعدها : ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) أي أبعد عن الهوى وأقرب للإلتزام بما أمر الله تعالى ونبذ ٌ لشهوات النفس وإخراجٌ لدنس الباطل من النفوس . 
أيها المؤمنون : والأمر بالقسط تعدّى ليشمل حتى الكافر ولو كان الناس في زمن شدّة فإن الله تعالى أنزل قولَه سبحانه : ( لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقسطوا إليهم إن الله يُحب المقسطين ) أنزل تلك الآية والناس في عهد النبي في زمن حرب ووقت شدّة وابتلاء من المشركين ، لكيلا يُحارَب غير المُحارب ولا يُعتدى على أحدٍ بدون حقٍ ظُلماً وعدوانا بل أمر سبحانه في معرض الآية بالعدل والبر والإحسان وفي المُقابل ينهى الله عن الإحسان إلى المحاربين من الكفرة من أهل الكتاب أن يُحسن إليهم لأن ذلك ذلّ للإسلام وأهله ومناقضة لعلاقة الولاء والبراء المأمور بها قال جل جلاله ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) 
عباد الله : إن من القوامة بالقسط نبذ العصبية التي تجرّ للظلم فلا يجتمع العدل والعصبية في شخصٍ أبداً فلابد إن استقر العدل في النفس أن يُخرجها من قلبه أو تكون الأخرى فتخرجُ العدل والقسط من النفوس والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " ومن دعا بدعوى الجاهليه فهو من جُثى جهنم " قالوا : يارسول الله وإن صلى وصام ؟ قال : " وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم " .
ومن القوامة بالقسط ياعباد الله : عدم ظلم من كان تحت اليد من عامل أو خادمة أو سائق او غير ذلك خصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إخوانكم خولُكم - أي مخوّلين ومسخرين للعمل تحت أيديكم - جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تُكلفوهم من العمل مايغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " رواه الشيخان البخاري ومُسلم . 
أيها المؤمنون : إن مما يلزم لإقامة القسط والعدل ونشر قيمة الإنصاف أن يُناصح كل من له ولاية في أمر يخصّ عامة الناس عموماً لأن السكوت على الباطل إعانة عليه والتخاذل عن الحق يُسوّد الباطل وينشره في نفوس الناس فيستمرونه وينشأؤون عليه ولذا كان حقاً علينا جميعاً أن نسعى للتصدي لإنتشار الفساد في البلاد سواءً كان ذلك في القيم والمبادئ أو كان ذلك في الولايات العامة أو الخاصة فإن ذلك أمرٌ يجب أولاً على العلماء وأهل الحلّ والعقد وعلى من يستطيعُه من عامة الناس إبراءً للذمة فاللهم إنا نسألك أن تحشرنا في زمرة المقسطين وأن تجعلنا من حزبك المفلحين وأوليائك المتقين يارب العالمين ، هذا واستغفروا ربكم وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 
============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله حكم فعدل وأعطى فأجزل أحمده وهوالحكيم العدل وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أهل المكارم والفضل وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الفصل أما بعد : 
عباد الله : إن مما أعدّه لعباده المُقسطين العادلين في الآخرة منزلةٌ يغبطهم عليها  النبيون والشهداء يوم القيامة وذلك أنه روى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن المُقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه وهذا الحديث مُحفّز على عمل الآخرة ويبعث في النفس الهمة والعمل الحثيث لنيل تلك الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية عند الله ، فلا عجب أن يكون ذلك لأن أهل القسط والعدل محبوبون من الله ومن أهل السماء ومن أهل الأرض من الناس والخلائق أجمعين وأهل الظلم واستلاب الحقوق مبغوضون من الله ومن ثمّ من أهل السماء والأرض فهل نتوقّى ذلك ، ولنظفر بمحبة الله أولاً التي من حازها حاز محبة بقية الخلائق كلهم استناداً لقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله إذا أحب العبد دعا جبريل فيقول : إن الله يحب فلاناً فأحببْه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه ثم يوضع له القبول في الأرض " 
ولا شك أن من أسباب ذلك القسط واتباع ماأمر الله والتزامه وتتبّع أسباب محبة الرب الذي من أسمائه الودود والودّ من أرفع أنواع المحبة التي يكتبها الله لعباده المؤمنين الذي يعملون الصالحات ، ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا )   . 
عباد الله : إن مما ينبغي التنبيه عليه هو معرفة الفرق بين المُقسط والقاسط فالمقسطون هم العادلون والقاسطون هم الظالمون ، فإن الله تعالى قال في شأن المقسطين (( إن الله يحب المقسطين )) كررها بهذا اللفظ ثلاث مرات في سورة المائدة والحجرات والممتحنة للتأكيد ولزوم انتشار ضرورة القسط في المجتمع المسلم وأما القاسطون وهم الظالمون فإنه قال فيهم سبحانه في سورة الجن :
(( وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا )) . 
أيها المؤمنون : ضرورة القسط وانتشار العدل والإنصاف والمساواة في بلدنا أمان عند الله من ذهاب الممالك والدول وذلك يتجلى بإقامة الحدود وتطبيق شريعة الله وفي ذلك يقول الله تعالى : (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) وهذا في حقّ من استحل ذلك ولم يعمل به فجمع بين الخطيئتين والكبيرتين العظيمتين وأما من لم يستحل الحكم بغير ماأنزل الله ولكن لم يطبق ويحكم بما أنزل الله لهوىً في نفسه ولشهوة يتبعها أو مجاراة لأهل الهوى من مسؤول أو غيره فقد ظلم وفسق قال سبحانه : (( ومن لم يحكم بغير ماأنزل الله فأولئك هم الفاسقون )) وقال جل وعلا : 
(( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )) ويستلزم ذلك تطبيق الحدود وعدم قبول الشفاعة فيها ، والشاهد في ذلك حديث المخزومية التي سرقت وأهمّ قريشً شأنها فقالوا : ومن يُكلّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا  : " ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتشفع في حدّ من حدود الله " ثم قام فاختطب - أي خطب خطبة - قال فيها : " إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " رواه البخاري ومسلم . 
فلله درّ نبينا الذي أرسى العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع كلهم فقيرهم وغنيهم قويهم وضعيفهم، صغيرهم وكبيرهم ، فاللهم اهدنا سواء السبيل وأقمنا على صراطك المستقيم بالحق والدليل واشف منّا السقيم والعليل ياعليم ياجليل . 
هذا وصلو على محمد بن عبدالله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . 


الاثنين، 3 يونيو 2019

خطبة لعيد الفطر المبارك

الحمدلله الذي أتم علينا نعمة الصيام وهدانا للقيام بأركان الإسلام نحمده وهو القدوس السلام ، الكريم الجواد العلام الذي امتن على عباده بالنفحات وحطّ الأوزار والآثام ووفق عباده للإتمام وتفضل عليهم وهو أهل الأفضال والإتمام والصلاة والسلام على رسول الأنام الذي بلغ عن الله رسالاته بجوامع الكلام ونصح له في بريّاته بالقول البليغ التمام وعلى آله وصحبه ذوي المكانة والمقام ومن تبعهم بإحسان مادامت الشهور والأيام أما بعد :  
فاتقوا الله تعالى وكبروه ، واحمدوه على وافر النعم واشكروه ، واثنوا عليه الخير كله ولا تكفروه ، فالحمدلله حمداً يُضاهي عدد نعمه ويرضيه فالسعيد من على طاعته يحييه ، وعلى دينه يُقيمه ويُبقيه . .  الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد . 
عباد الله : كنتم بالأمس تستقبلون شهر الصيام بحلته الذي فيه يُزين الله جنته واليوم تودعونه شاهداً على بعضكم بالحسنى وعلى بعضٍ بالتفريط والتقصيير فياسعادة من وُفق لاغتنامه ورُزق فيه الجدّ والإجتهاد وياخسارة وندامة من تهاون وضيّع وغلبه فيه النوم والسُهاد حين فاز غيره بالأجر والمثوبة والمراد ، فيفرح ذلك المُجتهد الصبور حين يُبعث أهل القبور وتصير لله الأمور وحين تنشر الصحائف ويقوم الأشهاد . . الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد . 
عباد الله : إن أعظم مايتعبد به المتعبدون ويتنسك به أهل النُسك المشمّرون المحافظة على فريضة الله العظمى وهي الصلوات المكتوبة بفروضها الخمسة التي حثّ عليها ربنا في كتابه المجيد ووحيه القديم والجديد من نزول آدم إلى بعثة محمد عليه الصلاة والسلام مروراً فيما بينهما من طول العهد وكثرة الأنبياء الذي نادوا بهذه الصلاة المفروضة ويكفي في ذلك قول ابراهيم عليه السلام حين عرف عظمة ومكانتها عند الله فقال يرجوا ويبتهل لربه : ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دُعاء ) وقال جل جلاله يأمر نبينا وأمته بقوله : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) وبين أنها مؤقتة بقوله ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا ) فلا حظ في الإسلام ياعباد الله لمن ضيّع هذه الصلاة ولا تسقط صلاة الجماعة في المسجد عن رجل إلا من عذرٍ كخوفٍ أو مرض أو سفر . . الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بُكرة وأصيلا . . عباد الله : يغفل الكثير منّا عن أداء الزكاة بالجملة سواءٌ كانت مالاً نقدياً أو بهيمة أنعام ٍأو عُروض تجارة ، وما علم هذا المتغافل المتجاهل لهذه الشعيرة العظيمة من آثارٍ عليه وعلى ماله بسبب تهاونه ، فما يعلم هذا المؤجل أو المتهاون في إخراج الزكاة في وقتها أنه رُبما أتته مصيبة في دنياه فاجتاحت ماله كلّه بسبب تهاونه وسخط الله عليه فاحذر كل الحذر من تأخير إخراج الزكاة عن وقتها الذي حددته لنفسك سواءٌ كان ذلك في رمضان أو في غيره ، لأن ذلك يجرك إلى التفريط والإهمال ومن ثم الفتنة والمصيبة والعذاب سواء كان ذلك في الدنيا والآخرة وتذكر نوعاً من العذاب ينتظر من لم يؤد زكاة ماله حين قال صلى الله عليه وسلم : " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثّل له يوم القيامة شُجاعاً أقرع - أي ثعباناً عظيماً - له زبيبتان يُطوّقه - أي يخنقه - يوم القيامة ثمّ يأخذ بلهزمتيه أي شدقيه فيقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا عليه الصلاة قوله تعالى : ( ولا تحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرّ لهم سيُطوّفون مابخلوا به يوم القيامة . .) نعوذ بالله من سوء المصير . 
الله أكبر  الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد . 
عباد الله : بدخول شهر شوال تدخل أشهر الحج ، ومن الناس من يتهاون في أداء هذه الشعيرة والمبادرة إليها مع أنك تلحظه والسنّ يتقادم فيها وهو لايبالي ويؤجل كل سنة تأتية والتسويف من جنود إبليس فهل يدّكر من يصنع ذلك ويعتبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لايدري مايعرض له " رواه إمام السنة أحمد بن حنبل ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " من أراد الحج فليتعجّل " وربما حصل له مرضٌ مقعد لايستطيع بعد صحة طويلة فرّط فيها فكيف سيخرج بعذر من الله حين الحساب . 
الله أكبر كبيرا والحمدلله كثيرا وسبحان الله بُكرة وأصيلا 
عباد الله : إن على ابن آدم حقوقٌ تجاه المخلوقين بعد حق الله تعالى وعلى رأس تلك الحقوق : 
* حق الوالدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحسن صحبتهما وأداء حقهما على التمام والوجه الأكمل وحبس اللسان عن التضجر من أمرهما وإدخال السرور عليهما في كل آنٍ حسب الإستطاعة بل ربط رضاهما برضاه وسخطه بسخطهما فياخسارة من خسر والديه أو فرّط في حقهما وفي الحديث : " رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف ، قيل من يراسول الله قال : " من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة " رواه مسلم . 
* من الحقوق حقوق الأرحام من الصلة والزيارة فاحذر ممن قال الله فيهم : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطّعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) ومن أعظم الصلة : انتزاع الضغائن التي تحصل بينهم من طرفك أو المساهمة بالإصلاح إن كان من طرف غيرك ، وتذكّر الحديث العظيم حين قال صلى الله عليه وسلم : " ألا ادلّكم على بأفضل من الصيام والصلاة والصدقة ؟  " قالوا : بلى يارسول الله قال : " إصلاح ذات البين " وقال : " فساد ذات البين هي الحالقة ، لاأقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين "  . 
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله اكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد 








الجمعة، 3 مايو 2019

خطبة عن تدبر القرآن

الحمدلله الذي أنزل على عبده الكتاب هادياً للصواب ولم يجعل له عِوجا وصيّره قائماً بالحق وجملة الآداب وضمّنه فصل الخطاب وشامل الجواب والصلاة والسلام على النبي والأصحاب ذوي الألباب صلاة وسلاماً تدوم من رب الأرباب وخالق الخلق من تراب جلّ وتقدّس لاإله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى بطانة أهل الإسلام وبه تنال العلوم وتستضيء الأفهام وذلك من قول الخبير العلام (( واتقوا الله ويُعلمكم الله والله بكل شيء عليم )) 
(( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويُكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكلّ محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار ، عباد الله : 
وصف الله عباده المؤمنين بأنهم يتلون كتاب ربهم حق تلاوته فقال : (( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأؤلئك هم الخاسرون )) وهذه الآية تشمل كل من أخذ بالقرآن من المسلمين ومن أهل الكتاب 
وقد ورد عن قتادة السدوسي التابعي الجليل رحمنا الله وإياه أنه قال : " هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أولى بالصواب من غيره ، وإن قال آخرون أنهم بعض علماء بني اسراءيل الذين آمنوا به ورسله جمعياً وعملوا بما جاء في التوراة وعلى كل حال فإن الآية معناها : " أي يتبعونه حق اتباعه " بل إن تلاوة القرآن حق التلاوة معنى عام يشمل إقمة الحروف والحدود ومعرفة الحلال والحرام والعمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه ومن دعوات الصالحين : " اللهم اجعلننا ممن يقيم حروفه وحدوده ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه ويتلوه حق تلاوته " . 
عباد الله : إن تلاوة كتاب الله ليست حروفاً تُقال ويُنطق بها مجردة من معانٍ وأوامر ومقاصد وأمر ونهي وواجب ومحرم وجائز ومستحب ولكن القرىن دستورٌ عظيم شاهد لمن عمل به وشافعٌ له وأنيس لصاحبه في القبر ويوم الحشر ، ومما ورد في ذلك حديث بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبرُه كالرجل الشاحب ، فيقول له : هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك ، فيقول له : أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة ، فيعطى المُلك بيمينه والخُلد بشماله ، ويُوضع على رأسه تاج الوقار ، ويُكسى والداه حلتين لايقوم لهما أهل الدنيا ، فيقولان بما كُسينا هذه ؟  فيقال : " بأخذ ولدكما القرآن " ثم يُقال له : اقرأ واصعد في درجة الجنة وغُرفها فهو في صعود مادام يقرأ هــذّاً كان أو ترتيلا ) رواه الإمام أحمد في المسند وابن ماجة في السنن وحسّنه بعض أهل العلم وصححه الألباني 
وفسر أهل العلم بكون القرآن يوم القيامة يكون كالرجل الشاحب أي( المتغير اللون )  والمقصود ( ثواب القرآن ) وذلك ليشابه سعيه في الدنيا وينافح عنه ويذود عن صاحبه حتى ينال مراده في الآخرة ، ولذا قال السيوطي في شرح سنن ابن ماجه : " وكأنه يجيء - أي ثواب القرآن - على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا أو للتنبيه له على أنه كما تغيّر لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن ، كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغااية القصوى في الآخرة " انتهى وقال المجدّدي الحنفي في شرح ابن ماجه أيضاً : " كأنه يتمثل بصورة قارئه الذي أتعب نفسه بالسهر في الليل والصوم في النهار " .
فهذا القرآن العظيم يتقدم صاحبه ويتقدم كل تاجر ويفوز صاحبه الذي يعمل به ويقيمه في نفسه وفي أهله ومجتمعه ، يقيمه بأعلى الدرجات وعالي المنازل .
عباد الله : إن مما يُخاف على الإنسان من قارئ للقرآن بلسانه ويُخالفه بقلبه وجنانه وعمله ومعاملاته ولذا ورد عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : " رُبّ تال ٍللقرآن والقرآن يلعنه " قد أورد ذلك الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ، فالله على سبيل المثال يقول : " ألا لعنة الله على الظالمين " وتجده من أسبق عباد الله للظلم وسلب حقوق العباد ، وتجد أن الله يقول : " ولاتجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا .. " فتجده حينها من أسبق الناس لغيبة العباد والتجسس عليهم ، وتجد أن الله يقول : " إن الذين يُحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم في الدنيا والآخرة .. " وهو ممن فيه هذه الصفة الموقوتة وهي محبة نشر الفاحشة ، وتجد أن الله ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وهو ينشر المنكرات ويحثّ على الفواحش أو يرتكبها ويُسارع للسيئات , وهكذا فيجب على كلٍ منّا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يمتثل أوامر الله فيأتمر بها ويحث على طاعته بالكلمة والنصيحة والتوجيه السليم بالتي هي أحسن ، ويحذر من مناهي الله ويُحذّر منها بالقول المقرون بالترهيب والمبــطّن بالمحبة للمنصوح والحذر من الشماتة به ونشر مثالبه ومعايبه مع سؤال الله العفو والعافية من شرّ ماابتلى به العباد من نقائص وفتن وبلايا ومحن ولنكن من أولئك العدول وأولئك الخلف الصالح الذين حدّث بهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال كما رواه مسلم من حديث عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مامن نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثمّ إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالايفعلون ويفعلون مالايؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل " . . وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابراهيم العذري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المُبطلين وتأويل الجاهلين " أورده العلامة ابن عبدالبرّ في التمهيد وهو مرسل وصححه ، وصححه الإمام أحمد أيضاً وأورده البيهقي بلفظ : " يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين " . 
عباد الله : إن تدبر القرآن هو باب العلم الأول الذي يُعرف به الحلال والحرام والفوائد والحكم ، وما تصدر أحدٌ من علماء الأمة إلا بلا مبالغة إلا بتدبر القرآن والعكوف على معانيه مع بذل النفس في طلب العلم قال الله تعالى : (( كتابٌ أنزلناه
مبارك إليك ليدّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب )) وقال الحق سبحانه : (( أفلا يتبدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها )) وقال جل ذكره : (( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا )) .
إن التدبر ياعباد الله له أثر في تغيير النفوس وتربيتها على الهدى والنور فكم من آياتٍ أحيت قلوباً ميتة ، بل إن بعضهم كان سببه إسلامه آية واحدة وصدق الله جل جلاله حين قال : ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء عباده ومن يضلل الله فماله من هاد ) فالوقوف عند معانيه وتعقلها سبب عظيم من أسباب الخشية والخوف من الله تعالى وسبب لاستقطاب العلم ونيله والفوز به ، ولقد كان المصطفى عليه السلام كما في حديث حذيفة بن اليمان
" حيث صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرأ مترسّلا ً إذا مرّ بآية تسبيح سبّح وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ " رواه الإمام مسلم في صحيحه وهذا نهجٌ نبوي ينبغي السير عليه وهو من الوسائل المعينة على فهم الكتاب وتدّبره والعمل بما جاء فيه حيث أن ذلك يُعين على استحضار القلب واستشعاره للمعاني الواردة في الآيات المتلوّه . 
اللهم أعنا على فهم الكتاب وتدبره والعمل به وبارك لنا فيه وأعنّا على مرضاتك واجتناب معاصيك وسخطك ياحي ياقيوم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه ثمّ توبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود 

============ الخطبة الثانية ============

الحمد لله حمد الشاكرين وإله المتقين وسع علمه الماوات والأرضين والصلاةوالسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنه ماتقرب العباد لربهم بأفضل من كلامه وخصوصاً في شهر رمضان وهي حقيقة فإن اشتغال القلب بكلام الله يكف عن اشتغاله بكلام العباد ، فإن القلب في الواقع مشتغلٌُ إما بكلام الله أو بكلام الناس فطوبى لمن اشتغل بما خُلق له من عباد الواحد الديان وياخسارة وغبن من فاته مواسم العبادات والطاعات مشتغلاً عن كلام ربّه وخالقه بكلام غيره الذي لاثمرة من وراءه ولا عاقبة حُسنى تُنال به ، فانظر إلى حال الرعيل الأول كيف أنهم يكررون ويُرددون كلام الله آية واحدةٌ أو آيات لتشتغل قلوبهم بلذيذ خطاب المولى جل جلاله فقدوتنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم صلى ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها : ( إن تُعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) روى ذلك الإمام أحمد من حديث أبي ذر رضي الله عنه  وقامت عائشة بآية وهي قول الله تعالى : ( قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرّ الرحيم ) ترددها وتبكي لساعات وتقول : " اللهم منّ علينا وقنا عذاب السموم ، تقول ذلك في الصلاة ، وقرأ عمر الفاروق سورة الطور إلى أن بلغ قول الله تعالى : ( إن عذاب ربك لواقع * ماله من دافع ) فبكى واشتدّ بكاؤه حتى مرض وعادوه . وورد في هداية جبير بن مطعم رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، فلمّا بلغ هذه الآية : ( أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لايوقنون * أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ) قال : كاد قلبي أن يطير ، وذلك أول ماوقر الإيمان في قلبه  . 
ومن أعجب ماروي في ذلك قصّة علي ابن الفضيل بن عياض التميمي التابعي الجليل رحمه الله أن أبوه الفضيل كان يقرأ في المغرب بـ( ألهاكم التكاثر ) فلمّا بلغ قول الله تعالى : ( لترون الجحيم ) سقط الإبن علي مغشياً عليه فما أفاق إلا في ثلث الليل ، وقرأ ذات مرّة بآية في سورة الأنعام ظناً منه أن ابنه ليس في الجماعة الذين يُصلي بهم وهي قول الله تعالى : ( ولو ترى إذ وُقفوا على النار فقالوا ياليتنا نُرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) فما راعهم إلا سقوطه مرّة أخرى وكانت سقطته الأخيرة فارق بها الحياة وكان يُقال له " شهيد القرآن " . . فأنشدكم الله أين نحن من أولئك الكرام المؤمنين من أماجد السلف الصالح وأسوة المتقين وأعلامهم الأثبات القدوات . 
هذا وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير  












الأربعاء، 13 مارس 2019

جماعة التبليغ وأهمية الدعوة إلى الله على بصيرة

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الثقلين الجن والإنس كافة فنصح وبلّغ  ووجه وأرشد وأبلغ وللناس أسمع وله المقام الأرفع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى هداية للضلاّل والجُهال ، وصلاحٌ للخلائق في كل حال 
( ياأيها الـذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ماقـدمت لغد واتقــوا الله إن خـبيرٌ بما تعملون) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل مُحدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : إن الدعوة إلى الله سبيل الأنبياء والمرسلين وطريق عباد الله المفلحين والصادقين الصابرين ومن أراد الله رفعته في الدنيا والآخرة وكل قول يدعو لسبيل الله هو أحسن قول وأفضل حديث في الناس وخير مايتكلم به العبد يقول الحقّ تبارك وتقدّس :( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ) 
وأمر الله نبيه بالدعوة إلى سبيله وأن تكون الدعوة عن علم ٍوبصيرة فقال : ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) 
وأمر الله نبيه أن يدعو هو وكل من يمارس الدعوة إلى الله فأمرهم أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة فقال : ( أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) والحكمة من معانيها العلم والإصابة في القول والعمل وهي لاتأتي إلا عن طريق العلم ، قال سبحانه : ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا وما يذّكرُ إلا أولوا الألباب ) فبدأ بالحكمة قبل الموعظة ، وكل ذلك يدلّ على ضرورة الدعوة بعد تعلم العلم الشرعي إن تمكن الإنسان من ذلك لكي يُفيد ويستفيد ويرفع الجهل عن كافة المهتدين فيتهدوا بقوله لسبيل رب العالمين ، فاللازم والواجب على من يمارس الدعوة أن يدعو على علم وبصيرة أو على أقل تقدير أن يستعين إذا لم يعلم بأهل العلم وأهل الذكر والحكمة والفقهاء من هذه الأمة الأمناء على الوحيين الذين لايحل لهم أن يكتموا علماً إذا علموا وسُئلوا ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم : ( من علم علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نارٍ يوم القيامة ) .
عباد الله ومما أورده الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وإيانا جميعاً في رسالته : " المسائل الأربع " قال : " اعلم رحمك الله أنه يجب عليك تعلم أربع مسائل : الأولى : العلم وهي معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة ، الثانية : العمل به - أي بالعلم - الثالثة : الدعوة إليه ، الرابعة : الصبر على الأذى فيه " . فانظر كيف بدأ بالعلم - رحمنا الله وإياه - فالذي يعلم يقوده ذلك إلى العمل ومن ثمّ الدعوة إلى ذلك العلم الذي علمه وهو معرفة الله وخشيته ، وانظر كيف يكون قدوة من لايعمل بما يعلم فكيف يأخذ منه الناس هذا العلم وكيف يهتدي على يديه الكثير وهو أول من يُخالف ذلك المنهج الذي يدعو إليه ، فلا بد من العلم المصاحب للعمل وأن يدعو إلى ذلك المنهج القويم - وهو دين الإسلام بالجملة - وأن يصبر على الأذى فيه لتتحقق النتائج ويزداد الأجر والمثوبة ويرقى الداعية في درجات الآخرة وينال المُراد وإلا فقد الثمرة وصار سعيُه بلا ثمرة وبلا نتائج ومكاسب تضاف لرصيده في الدنيا والآخرة ولقد أحسن من قال : 
الصبر مما يستزاد به الرُتب  * وفاقده يجني الخسارة والتعب 
وكن على يقين أن الناس لن يأخذوا منك حتى يمتحنوا صبرك عليهم وإمهالك لهم وعطاءك لهم في الشدة والرخاء والعافية والبلاء وكما قيل : 
فكم صابرٌ نال العُلا بمراده * وحاز رفيع الحال عقبى اجتهاده 
وكل تلك المسائل الأربع هي مبنية على قول الله تعالى : ( فاعلم أنه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) وقوله سبحانه : 
( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ) وقوله تعالى : ( فاصبر كما صبر أولي العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . . ) وقوله : ( فاصبر على ما يقولون وشبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . . ) فكل جماعة تخرج في سبيل الدعوة إلى الله عموماً يجب أن تسلك هذا المسلك وتنتهج هذا المنهج القائم على الكتاب والسنة . 
عباد الله : قد ظهر في الآونة الأخيرة نشاطٌ ملحوظ لجماعة التبيلغ وهم ممن يدعو إلى الله ولكن ينقصُهم العلم الشرعي الذي نحن بصدد الحديث عنه ، وقد نبّه كثير من أهل العلم على ذلك ومن هذه الملاحظات عدّة أمور منها : 
* عدم تبني بعضهم عقيدة أهل السنة والجماعة وهذا أمر خطير يجّر إلى انحراف وضلال ، وإن كانت هذه الملاحظة في بعض الجماعات في الخارج فإن منهم من يميّع عقيدة الولاء والبراء أو لايُعيرها اهتماماً ويتحدث عنها ومنهم أيضاً من لايهتمّ بالتحذير من الطرق الموصلة للشرك وهذا جليّ واضح لمن فتّش عنه . 
* ومنها تأويلهم للقرآن وتفسيرهم بغير مراد الله تعالى ولا رسوله عليه الصلاة والسلام وفي ذلك قلبٌ للمفاهيم وترويج للباطل . 
* استدلالهم بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة ونشرها في المجالس والملتقيات . 
* تفضيل البعض منهم الخروج للدعوة على الجهاد في سبيل الله ودفع الأعداء وكذلك تفضيله على الخروج في طلب العلم . 
* جرأة البعض منهم على فتوى بغير علم من باب الإجتهاد فتجد أنه يتحدث في التفسير والحديث والأحكام  الشرعية بأعوج من القول وبكلام بعيد عن فهم السلف الصالح بالجملة . 
* اهتمامهم بالرقائق والمواعظ على حساب بيان الأحكام الشرعية المهمة وتصحيح العبادات وممن سئل عن جماعة التبليغ عفا الله عنّا وعنهم جميعاً الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى وإيانا أجمعين فأجاب بقوله : " جماعة التبليغ لهم نشاط طيب في أماكن كثيرة في الباكستان وفي أفريقيا وفي أوغندا وفي غيرها لهم نشاطٌ طيب وقد نفع الله بهم كثيراً وأسلم على أيديهم كثيرٌ من الناس وصلُح على أيديهم كثير والتزم بالحقّ ، لكنهم ليس عندهم نشاطٌ مطلوب في بيان العقيدة السلفية وما يتعلّق بدعوة القبور والإستغاثة بالأموات ، نشاطهم في مواد معلومة اصطلحوا عليها فإذا تيسّر أن يكون معهم من أهل العلم . . من أهل السنة . . من أهل البصيرة بالعقيدة يكون أكمل وأنفع حتى يجتمع الخيران : الخير الذي يتعلّق بالعقيدة وبيانُها وبيان ضدّها ، والخير الذي يتعلّق بدعوة الناس إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والإلتزام بالإسلام والحذر مما يُخالف الإسلام ، فهم عندهم بعض الجهل وعندهم عدم نشاط في الكلام في العقيدة فيجب على أهل البصيرة من أهل العلم أن يتعاونوا معهم حتى يُبصّرهم في هذا الأمر وحتى يتمّ النقص وحتّى يزول الشيء الذي كُره منهم حتى تزول المسألة المُنتقدة عليهم لإعراضهم عن مايتعلق بالعقيدة " . 
ثم قال رحمه الله : " فأنا أنصح من يستطيع من أهل العلم والبصيرة بعقيدة أهل السُنّة والجماعة أن يتعاون معهم حتى تكون الدعوة مُشتملة على كل مطلوب حتى يكمُل النقص ويحصل بذلك الخير للجميع من جهة العقيدة ومن جهة الأخلاق الإسلامية ومن جهة الأحكام فيما يتعلّق بالعلم والعمل والتفقّه في الدين وغير هذا من وجوه الخير نسأل الله أن ينفع بالجميع " 
وسئل الشيخ صالح اللحيدان عنهم في أحد لقاءاته فقال : " كان في عهد الملك سعود جاءت رسالةٌ من مجموعة كبيرة مُوقّع عليها من الهند وباكستان يطالبون بالبناء على القبور وكان فيهم جُملة من جماعة التبليغ منهم من أعرفه شخصيّاً أنه من جماعة التبليغ " وهذا دليل على عدم مبالاتهم بالوسائل الموصلة للشرك عموماً ، وذكر عفا الله عنا وعنه أنه يعرفهم من عام الأربع والسبعين والمائة والألف وأن الشيخ ابن إبراهيم مفتي الديار في ذلك الوقت استُفتي في شأنهم ومطالبهم وخصوصاً فيما يتعلّق بالبناء على القبور فألف رسالة جليلة اسمها : " شفاء الصدور في تحريم البناء على القبور "  . 
وممن أفتى فيهم بل وحذّر من الخروج معهم إلا بعلم العلامة الألباني رحمه الله فقال : " جماعة التبيلغ لاتقوم على كتاب الله وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام وما كان عليه سلفنا الصالح وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الخروج معهم " . 
فاللهم بصّرنا بديننا وعقيدتنا وأصلح قادتنا ودعاتنا وأفراد أمتنا وألف بين قلوب المسلمين واجمعهم على الحقّ والدين ياقوي يامتين وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

================= الخطبة الثانية =================

الحمدلله خالق الإنسان معلّم البيان ومنزل الفرقان والصلاة والسلام على رسولنا من نسل عدنان وعلى آله وصحبه أولي الفضل والإحسان وعلينا معهم ومن تبعهم واقتفى أثرهم مادامت الأزمان أما بعد : 
فاتقوا الله - ياعباد الله - واعلموا بأن التقوى سبيلٌ للعلم والمعرفة والخشية والإنابة وتوفيق الله تعالى ، ومن تأمل قول الله تعالى : ( واتقوا الله ويُعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) عرف أن التقوى بحدّ ذاته علمٌ ومعرفة وكلما كمُل واستتم حصل العلم والخشية وتصحيح المسار الخاطئ له ولغيره من الناس ، وبذلك يكون قدوة حسنة فتصلُح على يديه أمورٌ لايظن صلاحُها قبل ذلك ، ويجعل الله له فراسة وتمييزاً بين الحق والباطل والهدى والضلال والحرام والحلال والمُحكم والمتشابه عموماً وحقيقة ذلك قول الله جل ذكره وعلا قدرُه ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكُم فُرقاناً ويُكفر عنكم سيئاتكم ويغفرْ لكم والله ذو الفضل العظيم ) فانظر كيف يهبُ الله المُتّقي نوراً يميّز فيه بين الحقّ والباطل وجملة المتضادات التي ذكرنا  ، وكيف صيّر الله التقوى مشعلاً وسراجاً وهاجاً في قلب كل مؤمن ٍ فطنٍ  ، ومن يرجع لفراسة الصحابة وكثير من التابعين يجد من تعرّفهم للحق بفراسة أوتوها شيئاً عجبا ، ولهذا ورد عند ابن جرير في تفسيره ورواه الطبراني في المعجم الأوسط من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسّم " وهذا الحديث حسن اسناده كثيرٌ من أهل العلم ، وقد روي عن فراسة المؤمن أحاديث لايصح بعضها ويكفينا في ذلك الآية السابقة ، ومما جاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه - المجلدُ العشرون - وأصله حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشُبهات ، والعقل الكامل عند حلول الشهوات " والمقصود من ذلك كلّه هو التمييز بين الحق والباطل عند اشتباه الأمور وتداخل الحلال مع الحرام والتمييز بين الناس ممن إرادتُه الحق ومن إرادته الباطل ، وممّن يلتمس دينه من النور والهدى والوحيين ( الكتاب والسنة ) وممن يلتمس دينه من الأهواء ودس الشيطان ووسوته وتزيينه ، وكثير منهم لايُحسّون بذلك لأن المنكر اشتمل على قلبه واستولى على فؤاده في الواقع فزيّن له سوء عمله وهو ينظر إليه بأنه حسنٌ واعتيادي كحال من يتبيح البناء على القبور والطواف بها والإستغاثة بها الذي ورد بتحريمه النصوص الشرعية الواضحة ، فليحذر هؤلاء من قول الله تعالى : ( أفمن زُيّن له سوء عمله فرءاه حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليمٌ بما يصنعون ) ، وقال جل جلاله : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) فانظر كيف حكم ربنا بالإشراك على من أطاع غير الله في معصية الله ولم يُفصل في ذلك ، وهذا يستوجب من المسلم أن يُغيّر من حاله ويضبط أفعاله كلّها بضوابط ومفاهيم الشرع الحنيف ،  فالتغيير الأولي يبدأ من القلب والميزان هو شريعة الله المحكمة والعقل غذاؤه العلم لئلا ينجر صاحبه للضلالة والأعوان هم الصحبة الصالحة الناصحة والله هو المُستعان وعليه التُكلان في حال وآن ، فاللهم رحمة تهدي بها قلوبنا ونوراً ينير بصائرنا وعقولنا وعزاً تُعز به أوليائك وخذلاناً تخذل به أعدائك ياقريب يامجيب ، هذا وصلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية . . . 







الجمعة، 8 فبراير 2019

خطبة عن الفلك ومظاهر قدرة الله في السماوات والأرض

الحمدلله الذي خلق السماوت والأرض وجعل الظلمات والنور ثمّ الذين كفروا بربهم يعدلون ، سيّر الكون وأخرج المكنون ، وعلمّ العلوم والفنون ، لاتدركه الأبصار والظنون ، وهو العالم بما كان وسيكون كيف يكون ، والصلاة والسلام على النبي الأمين المأمون الذي صانه ربه عن كل مفتون ومـأفون وعلى آله وصحبه الذين هم للحق يدعون وبه يعملون صلاة وسلاماً دائبين متتابعين مادامت الأعوام والسنون
أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالله أحق أن يُتقى ويُخشى والتقوى سبيل للتمسك بالعروة الوثقى
 ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ٍوخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا ًكثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 
واعلموا أن خير الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : يقول الحق تبارك وتقدس : ( ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للنظرين * وحفظناها من كل شيطانٍ رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهابٌ  مبين ) وفي ضوء هذه الآية سيكون الكلام حول علم الفلك وما أودع الله فيه من أسرارٍ وعجائبَ لعلنا أن نأخذ من ذلك ولو كمن يأخذ من البحر وشلاً ومن النهر غرفة وعسى أن يكون ذلك طريقاً لخشية الله تعالى وهيبته ومراقبته وتعظيمه وقد صدق من قال : " لاتنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت " . 
في هذه السماء العظيمة التي هي كالمحيط والبحر العظيم الذي لايُدرى ماالذي في أعماقه ومن يجري في آفاقه ، سجل مفتوح لايحيط به إلا الفتّاح العليم ، وفي سعتها وضخامة خلق السماء عجباً فالله أخبر أنه وسع السماء سعة عظيمة فقال:(والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) وفيها من النجوم والأفلاك والمجرات الشيء العظيم والكثير الذي لايتصوّره بشر ولا يُحيط به مخلوق ، والله أقسم بما نبصر ومالانبصر فقال : ( فلا أقسم بما تبصرون * ومالا تُبصرون ) وذلك يندرج في كبير الخلق وصغيره ولو استطلعنا بعض مافي السماء لطال بنا المقام ولكن لعلنا أن نورد ماذكره الله في القرآن والحديث في علم الفلك خاصة يقوّي الإيمان ويزيد من الخشية لله تعالى ويُعين على التدبر في الآيات ويُبصّر المخلوق بخالقه وربه الذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره ويعلّم بعد النظر والتأمل الإنسان التواضع وترك الكبر والتعالي على الناس ويعلم علم اليقين أن العزة لله جميعاً وأن القوّة لله والملك له والتدبير وأنه أعلى وأعظم وأكبر وأمتن وأجل من كل شيء وهو القوي المتين العلي الكبير ، ولو رجعنا لكتاب الله لوجدنا أن الله ذكر الخنّس من الكواكب وهي الكواكب التي تغيب بالنهار وسمّاها الجوار الكُنّس ومعنى الكُنّس مأخوذ من الكُناس والمَكْنِس وهو الموضع التي تأوي إليه بقر الوحش والظباء وقد ذكر ابن جرير في تفسيره أن من الكواكب ماتغيب أحياناً ومنها ماتخنس أحياناً - أي تستتر - ومنها ماتدخل مكْنِسَها أو كُناسها في النهار وتظهر في الليل وهذه الجوار الكنّس هي الكواكب السبعة وهي الشمس والقمر والمريخ والمشتري وزحل وعطارد والزهرة فبعضها يغيب ويُرى ويستتر ولو تأملت أيضاً في ماذكره الله في الشعرى حيث قال : " وأنه هو رب الشعرى " وتسمّى الشعرى اليمانية وسبب ذكره في القرآن أن أناساً من العرب كانوا يعبدونه ويعظّمونه وهو ألمع نجم في الليل وحجمه أكبر من الشمس بثلاث مرات على بعده الشاسع فهو يبعد عنّا حوالي تسع سنوات ضوئية والسنة الضوئية طويلة المسافة فهي لو حُسبت بالكيلو متر الطولي لكانت أكثر من تسعة آلاف ومائتي مليار كيلو متر هذه هي السنة الضوئية الواحدة فكيف بمسافة تسع سنوات ومسافة ألف سنة ضوئية ومسافة مليون سنة ضوئية ومسافة مليار سنة ضوئية كما ثبت ذلك علمياً فأبعد ماعلمه البشر وجود مجرة بعيدة كأشد بعدٍ في ذهنك وتصورك تبعد عنا مايُقدرّ بمسافة تبلغ بأكثر من ثلاثة عشر مليار سنة ضوئية . 
عباد الله : هل علمنا هذا حقّ العلم وعرفناه حق المعرفة وتصورنا قول الله جلّ جلاله حين قال : ( والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون ) أتُرى الله الذي أحاط علماً بكل شيء وعلم الظاهر والمكنون لايقدر ولا يعلم بأهل الأرض ؟ ولا يعرف عملهم وأحوالهم سبحانه وتعالى ؟  فلقد كفر كفراً بالغاً من أنكر وجود الذات الإلهية أو وصفها بالجهل والنسيان ( وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلا هو ويعلم مافي البرّ والبحر وماتسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ٍإلا في كتاب مبين ) بل رد ّ الله جل جلاله على من يفكر أو يحاول أن يخرج عن قبضته سبحانه مبيناً جهل المخذولين من أصحاب النوايا المشينة والمقاصد الممقوته  في الفرار من الله أو الهرب من قبضته ووعيده فقال : ( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم مايُسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور ) ، وقالت الجنّ كما ورد في سورة الجن : ( وأنّا ظننا أن لن نُعجز الله في الأرض ولن نُعجزه هربا ) 
عباد الله : يجب علينا أن نتأمل في خلق السماء والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكنّ أكثر الناس لايعلمون ) ويتبين خلقها وعظمتها في طولها وعرضها وسمكها وكثرة ساكنيها ففي حديث أبي ذرّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني مالا ترون أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط - أي سُمع لها صوت أطيط كأطيط الرحل حينما يُكثر العبد في الحمل على الإبل ويُكثر من المتاع فيظهر صوت بسبب كثرة المتاع عليه فكذلك السماء من كثرة ساكنيها ، قال : " أطّت السماء وحُق لها أن تئط مافيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته ساجداً لله تعالى ، والله لو تعلمون ماأعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتُم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء على الفُرش ولخرجتم إلا الصُعدات تجأرون إلى الله تعالى " . 
وذلك يدلل على أن الملائكة خلقٌ عظيم أمرهم الله بعمارة السماوات بعبادة الله كما أُمر البشر بعمارة الأرض ، وقد بين الله بالوحي لنبيه صورة من حجم هذه السماوات الطباق ففي حديث مجاهد الذي رُوي موقوفاً عنه رضي الله عنه : " ماالسماوات السبع في الكرسي إلا كحلْـقَة مُلقاة في أرض ٍفلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلْــقَة " وصحح الحديث جمع من أهل العلم كابن القيم وابن حجر والألباني وغيرهم وعند ابن جرير في تفسيره حديث : " ماالسماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة أُلقيت في تُرس ، قال وقال أبوذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ماالكرسي في العرش إلا كحلْقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة من الأرض " وهذا الحديث حسنٌ لغيره لما له من الشواهد . 
عباد الله : فسّر العلماء الكرسي بأنه موضع قدم الرب سبحانه وتعالى وقد روى سعيد البن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه في الكرسي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل ( وسع كرسيه السماوات والأرض . . ) قال : " كرسّه موضع قدميه والعرش لايقدر قدره إلا الله " ورواه ابن أبي شيبة موقوفاً بسنده عن ابن عباس به ، فعن كيع عن سفيان الثوري عن عمار الدُّهْني عن مسلم البَطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : " الكرسي موضع القدمين والعرش لايقدر قدره إلا الله " وقد  فُسّر أي الكرسي بالعلم ومنهم من فسّره بالعرش وهي أقوال ضعيفة وروي عن أبي موسى الأشعري مثل ذلك الحديث إلا أنه قال : " وله أطيط كأطيط الرحل " ولكن تفسير الكيفية لوضع القدمين الله ذاته أعلم بها وهو أعلم بنفسه ولم يُطلع أحداً على ذاته العليّه ولا ينبغي لأحد أن يُفسر ذلك إلا ببرهان واضح بيّن جلي وإلا فقوله ردٌّ عليه ، ولقد تتابع السلف على الإمساك عن الخوض في ذات الله وصفاته عموماً ولهذا يقول الإمام أبي عُبيد القاسم بن سلاّم رحمنا الله وإياه : " هذه الأحاديث التي يقول فيها : ضحك ربنا من قنوط عباده وقُرْب غِيِرِه ، وأن جهنّم لاتمتلئ حتى يضع ربُّك قدمه فيها ، والكرسي موضع القدمين ، وهذه الأحاديث في الرواية هي عندنا حقّ ، حملها الثقات بعضهم عن بعض ، غير أنّا إذا سُئلنا عن تفسيرها لانفسرها ، وما أدركنا أحداً يُفسّرها " وهذا القول عنه رواه البيهقي في كتابه " الأسماء والصفات " والإمام ابن عبدالبرّ في كتابه " التمهيد " . 
فاللهم اجعلنا ممن يقدُرك حق القدر ، ويديم لرضاك الحمد والشكر ، ويثني عليك الخير كلّه فأنت أهل الفضل والقدر والعظمة والفخر بيدك كل أمر فضع عنّا كل وزر ووفقنا لكل برّ وخير ، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني الله وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين والمسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============
الحمدلله العلي العظيم رب العرش الكريم والصلاة والسلام على المبعوث بالقول الحكيم  والصراط المتسقيم وعلى آله وصحبه أولي الفضل العميم وعلينا معهم ماأقبل الليل والنهار ياجواد يارحيم أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله ثم اعلموا أن الله الذي استوى على العرش خلق هذا العرشُ ووصفه بالعظمة التي في عدة مواضع من القرآن ومنها قوله سبحانه في سورة التوبة : 
( فإن تولّوا فقل حسبي الله لاإله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) وقوله في سورة المؤمنون على سبيل الإستفهام  : ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ) وقوله في سورة النمل : ( الله لاإله إلا هو رب العرش العظيم ) ووصفه بالمجد فقال : ( وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد ) ووصفه بالكرم فقال  : ( فتعالى الله الملك الحق لاإله إلا هو رب العرش الكريم ) وفي الحديث الذي ترويه جويرية زوجة المصطفى عليه السلام أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج منها بُكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال : " مازلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ !! " قالت : نعم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات ثلاث مرات لو وُزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته " رواه الإمام مسلم ، والشاهد في ذلك التذي يحتاج إلى تأمل هو قوله : " وزنة عرشه " والزِنة " مأخوذة من الوزن وليس من الزينة كما يفهم البعض ، فالمقصود أني أسبح الله وأنزهه بعدد مايوزن به العرش الذي لايستطيع أحدٌ - كما ورد في السنة - أن يقدر قدره وحجمه وعظمته ، وهو كالقبة على العالم العلوي والسفلي وأصل العرش في اللغة العربية معناه سرير الملك وله ثمانية من الملائكة يوم القيامة وذُكر رواية عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أن عرشَ الرحمن يحمله في الدنيا أربعة ويوم الدين ثمانية كما قال الله تعالى : " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ٍثمانية * يومئذٍ تُعرضون لاتخفى منكم خافية " بسبب غضب الرحمن وهول الخلائق واشفاقهم من حوادث وبلايا يوم الدين ، ومن صفة هؤلاء الملائكة الذين يحملون هذا العرشَ العظيم ماورد في حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أُذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة حملة العرش أن مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرةُ سبعمائة عام " والحديث صحيحٌ رواه أبوداوود في سننه ، وهو أول المخلوقات خلقاً قبل القلم على الصحيح المُحقق بين أهل العلم لقوله عليه الصلاة والسلام : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، قال : وعرشه على الماء " ، ومن صفاته أنه لايتغير حين أحداث يوم القيامة فلا يُطوى أو يُزال بل هو باق ٍعلى حاله ، فلا يدخل في قول الله تعالى : ( وماقدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يُشركون ) والله جل جلاله فوق العرش وهو أعظم وأجل منه وأكبر فهل تأملتم بقول المؤذن حين يقول : ( الله أكبر ) فهو حقٌ وحقيقة وأكبر من كل شيء حجماً وقدراً وعلّـواً وذكراً ورضاه هو المنى وغاية السرور والهناء أوما قرع أسماعكم قول الله حين في شأن المؤمنين وما أعدّ لهم ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبةً في جنّات عدن ٍورضوان من الله أكبر ذلك هوالفوز العظيم ) 

هذا وصلوا وسلموا على صاحب الحوض والشفاعة وشفيعنا يوم تقوم الساعة 
نبينا محمدٍ سيد ولد آدم ولا فخر وأصحابه خير صحبٍ ومعشر ، اللهم صل وسلم وزد وبارك على النبي الأمي 








الخميس، 10 يناير 2019

خطبة عن عذاب القبر ووحشته

الحمدلله المبدئ المعيد الفعّال لما يريد ذو الركن الشديد والحكم الرشيد والصلاة والسلام على من أرسله الله للعبيد فأبان لهم سُبل النجاة بالقول السديد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وعلينا معهم إلى يوم المزيد أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى خير زادٍ ليوم المعاد ولقاء رب العباد ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتًنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ مُحدثةٍ في دين الله بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : لقد أمرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام بالإستعاذة في آخر الصلاة من أربع من عذاب جهنّم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجّال أو من شرّ فتنة المسيح الدجّال ، والقبر هو أول منازل الآخرة فإن سعد فيه الميّت فما بعده فنعيم وحبور وأما إن شقي فيه الميّت فما بعده أشقّ وأعسر وأنكى وأشدّ وقد ورد ذلك في قول الحبيب المصطفى عليه السلام : " إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منهُ فما بعد أيسر منه ، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدّ منه " رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وحسّنه بعض أهل العلم ، حتى لو كان عذاب القبريكفّر بعض الذنوب ولكن لايكفّر الذنوب كلّها وقد ورد تكفير الذنوب بعذاب القبر عن شيخ الإسلام رحمه الله فقد قال في الفتاوى عند ذكر الأسباب التي تزول بها الذنوب عن العبيد قال : " مايحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما يُكفّرُ به الخطايا " وهذا لايُنافي كون مابعد عذاب القبر عسير شديد لمن شقي في قبره نسأل الله السلامة والعافية .

عباد الله : الإيمان بعذاب القبر من عقيدة الفرقة الناجية التي لانجاة لها إلا بالإيمان به ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الطائفة المنصورة وعذاب القبر مقرّر في كتاب الله تعالى حيث يقول سبحانه في عذاب قوم نوح : ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراًُ فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) والفاء للتعقيب الفوري وذلك أنهم عندما أغرقوا فأدخلوا مباشرة للجحيم وهم في قاع تلك المياه وذلك حين ضرب الطوفان الأرض في عهد نوحٍ عليه السلام ، وقال أيضا ًفي قوم فرعون : ( النار يُعرضون عليها غدوّا ًوعشيّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب ) فلمّا أُغرقوا دخلوا الجحيم وذلك كان حين غرقهم فقامت عليهم قيامتهم وبدؤا يُعذبون في النار من ساعة الغرق وأجسادهم في جوف البحر حينها ، وبعض العلماء من المفسرين يفسّر " سجّـين" الوارد في سورة المطففين في قوله تعالى : ( كلّا إن كتاب الفجار لفي سجين ) بأن سجين الأرض السابعة السُفلى فيها أرواح الكفار تُعذّب وأعمالهم فيها يُعذّبون بسببها وأورد ذلك الطبري في تفسيره " جامع البيان في تأويل آي القرآن " واختار هذا القول وروى ذلك بسنده عن قتاده وابن عباس والضّحاك وابن زيد وكعب القُرظي وغيرهم وروى بسنده حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه قال في نفس الفاجر - أجارنا الله وإياكم قال : " فيصعدون بها فلا يمرّون ببها على ملأ من الملائكة إلا قالوا : ماهذا الروح الخبيث - أو الروح الخيثه - ؟ قال : فيقولون فلان بأقبح اسمائه التي يُسمّى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فلا يُفتح له ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لاتُفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجمل في سمّ الخياط . . ) الآيه فيقول الله : " اكتبوا كتابه في أسفل الأرض في سجّين في الأرض السُفلى " وفي رواية مفادها أن روحه تُطرح طرحاً وقد ذُكر مثل ذلك عند قول الله تعالى : ( ومن يُشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق ) .
عباد الله : ومن أشهر الأحاديث في وقوع عذاب القبر حديثٌ رواه ابن عبّاس رضي الله عنه وعن أبيه الذي رواه البُخاري : " أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على حائط من حيطان المدينة فسمع إنسانين يُعذّبان في قبرهما فقال : " إنهما ليُعذّبان وما يُعذّبان في كبير ، بلى ، أما أحدهما فكان لايستتر من بوله - وفي رواية لايستنزه من بوله - وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين ثمّ وضع على كلّ قبرٍ كسرة ، فقيل : يارسول الله لم فعلت ذلك ؟ قال : " لعلّه يُخفف عنهما مالم تيبسا "
عباد الله : إن من يرجع إلى كتب المحققين من العلماء والذين ينقلون بعض القصص عن أحوال بعض المعذبين في قبورهم بطرق موثوقة في الأغلب مثل ابن القيّم وابن رجب والسّفّاريني وأكثرها في العُصاة من المسلمين يجد عجبا ًوالله وقصص يجرح الفؤاد وتبيض منه العين ويزيد من الإعتبار وتقشعر منه فراء الرؤوس والجلود فاللهم أجرنا من عذاب القبور ياعزيز ياغفور .
ومن هذه القصص قصة أوردها الحافظ ابن رجب وغيره أن جماعة من التابعين خرجوا لزيارة أبي سنان فلمّا دخلوا عليه وجلسوا عنده قال : قوموا بنا نزور جاراً لنا مات أخوه ونُعزيه فيه قال محمد بن يوسف الفريابي : فقمنا معه ودخلنا ذلك الرجل فوجدناه كثير البُكاء والجزع على أخيه ، فجعلنا نُعزيه ونُسليه وهو لايقبل تعزية ولا تسلية ، فقلنا له : أما تعلم أن الموت سبيل لابُدّ منه ؟ قال : بلى ولكن أبكي على ماأصبح وأمسى فيه أخي من العذاب ، فقلنا له قد أطلعك الله على الغيب ؟ قال : لا ولكن لمّا دفنته وسوّيت عليه التُراب وانصرف الناس ، جلست عند قبره وإذا صوتٌ من قبره يقول : أوّاه أفردوني وحيداً أقاسي العذاب ، قد كُنت أصلّي قد كنت أصوم فأبكاني كلامُه وقلت : صوتُ أخي والله أعرفه ، فقلت لعلّه خُيّل إليك قال : ثمّ سكت ، فإذا أنا بصوته يقول : أوّاه لاأدري - في الثانية أو الثالثة - فنبشته حتى بلغت قريباً من اللِّبن فإذا أنا بطوق من نار في عُنقه فأدخلت يدي رجاء أن أقطع ذلك الطوق فاحترقت أصابعي فبادرتُ بإحراجها ، فإذا يده قد احترقت أصابعها ، قال فرددت عليه التراب وانصرفت فكيف لاأبكي على حاله وأحزن عليه ؟ فقلنا : فما كان أخوك يعمل في الدُنيا ؟ قال : كان لايؤدي الزكاة من ماله ، فقلنا هذا تصديق قوله تعالى : ( ولا تحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرّ لهم سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة ) وأخوك عُجّل له العذاب في قبره ثم خرجنا من عنده .
وذكر الحافظ ابن رجب أيضاً في كتابه ( أهوال القبور ) : أن ابن أبي الدُنيا أخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان جالساً فأتاه قوم فقالوا : إنّا خرجنا حُجّاجاَ ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذات الصّفاح فمات فيها فهيأناه ثم انطلقنا فحفرنا له قبرا ولحدنا اللحد فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود - أي ثُعبان - قد ملأ اللحد ، فتركناه وحفرنا غيره فلمّا فرغنا من لحده إذا نحن ُبالأسود قد ملأ اللحد فتركناه وحفرنا مكاناً آخر فلمّا فرغنا من لحده إذا نحنُ بالأسود قد ملأ اللحد ، فتركناه وأتيناك ، قال ابن عباس : " ذلك عمله الذي يعمل به ، انطلقوا فادفنوه في بعضها ، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلّها لوجدتموه فيه ، فانطلقنا فدفناه في بعضها ، فلمّا رجعنا قلنا لإمرأته : ماعملُه ويحك ؟ قالت : كان يبيع الطعام فيأخذ ُكل يومٍ منه قوت أهله ثمّ يقرض القصب مثله - أي يطحنه مثل ذلك الطعام - فيلقيه فيه - أي في ذلك الطعام الذي سيبيعه للناس ، أي كان باختصار : يغش بالطعام وهو حبّ البر ، فيقْرضُ ذلك القصب ويُلقيه في البُرّ لكي يُعوّض ماأخذ منه نعوذ بالله من الحيلة المحرمة والكسب الخبيث فذلك نمط من العذاب الذي ينال من يغشّ الناس في البيوع وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين قال : " من غشّنا فليس منّا " وفي رواية : " من غشّ فليس منّى " أي ليس من أصحاب النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة وبئس مالٌ أتى من كسب حرام .
عباد الله : إن البهائم والدّواب وغيرها إلا الثقلين كل أولئك من غير الثقلين يسمع عذاب القبر ويُشهد لذلك حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : " بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من بني النجار على بغلة له ونحنُ معه إذ حادت به - أي البغلة - وكادت تُلقيَه وإذا أقبرٌ ستّة أو خمسة أو أربعة ، فقال : من يعرف أصحاب هذه الأقبُر ؟ فقال رجل ٌ أنا ، قال : فمتى مات هؤلاء ؟ قال : ماتوا في الإشراك ، فقال : " إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها ، فلولا إن لاتدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال : " تعوذوا بالله من النار " قالوا : نعوذ بالله من عذاب النار ، قال : " تعوذوا بالله من عذاب القبر " قالوا : " نعوذ بالله من عذاب القبر " قال : " تعوذوا بالله من الفتن ماظهر منها وما بطن " قالوا : " نعوذ بالله من الفتن ماظهر منها وما بطن " قال : " تعوذوا بالله من المسيح الدجّال " قالوا : " نعوذ بالله من المسيح الدجال " فاللهم اجعلنا ممن خاف فسلم من عذاب الله وغنم وممن علِم فعمل وعلّم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ============ 
الحمدلله القوي المتين الذي أنجى برحمته وعذّب بحكمته أحمده الذي أسبغ علينا نعمته وأبان للخلائق فضله وعدله وصلى الله وسلم على النبي الذي بلّغ عن الله رسالته ونصح لله في بريتّه وعلى آله وصحبه مابقيت على ظهر الأرض ملّته وسلكت الخلائق طريقته وسلم تسليما ً كثيراً أما بعد : 
معشر المسلمين : اعلموا أن عذاب القبر يجري على الجسد والروح جميعاً وليس هو خاص بالروح فقط بل هو عامٌ في الجسد والروح وما ذكرنا من أحاديث وقصص تُبين هذا وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك فأجاب بقوله :
" بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السُنّة والجماعة ، تُنعّم النفس وتُعذّب منفردة عن البدن وتُعذب متصلة بالبدن والبدن متصلٌ بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمِعتين كما يكون للروح منفردة عن البدن " 
ثمّ قال : وهل يكون النعيم والعذاب للبدن بدون الروح ؟ 
هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنّة والكلام ، وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنة والحديث . 
قول من يقول : إن النعيم والعذاب لايكون إلا على الروح وأن البدن لايُنعم ولا يُعذّب وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان وهؤلاء كفّار بإجماع المسلمين ، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون : لايكون ذلك في البرزخ وإنما يكون عند القيام من القبور " انتهى كلامه 
ولمّا ذكر سماع البهائم لعذاب القبر قال :
" قال بعضهم : ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت - أي أصابها وجعٌ في بطنها بسبب أكل التراب مع البقل - إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية والنصيرية وسائر القرامطة من بني عُبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام وغيرهما ، فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى والجهال تظنّ أنهم من ذرية فاطمة - أي بني عُبيد وغيرهم - وأنّهم من أولياء الله وإنما هو من هذا القبيل " ثم قال : " فقد قيل : إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة مايذهبُ بالمغل " انتهى أي كلامه . 
عباد الله : إن العمل الصالح والدعاء إذا اجتنب العبد المحرمات يُقرّب من الله تعالى ويحمي العبد من عذاب مابعد الموت عامّة من عذاب قبرٍ وغيره فلا يدع العبد الدُعاء في كل أحيانه في صلاته وفي غيرها حتى عند نومه فمما ورد في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا وضع يده اليمنى على خدّه عند النوم " اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك " ومما يدلّل على نفع الأعمال الصالحة وأنها تحمي البعد بإذن الله تعالى من أي عذاب في آخته يعتريه مارواه ابن حبان التميمي رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميّت إذا وُضع في قبره يسمعُ خفق نعالهم إذا ولّوا عنه مُدبرين فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام يمينه وكانت الصدقة عن شماله وكان فعل الخير من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه فيأتيه الملكان من قِبلِ رأسه ، فتقول الصلاة : ماقِبلي مدخل ، ثمّ يُؤتى عن يمينه ويقول الصيام : ماقِبلي مدخل ، ثمّ يُؤتى عن يساره فتقول الزكاة ماقِبلي مدخل ، ثمّ يؤتى من قِبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الدقة والصلة والمعروف والإحسان : ماقِبلي مدخل ، فيقول له اجلس فيجلس قد مثُلت له الشمس وقد أصغت للغروب ، فيقول دعوني حتى أصلي ، فيقولون : إنك ستصلي ، أخبرنا عمّا نسألك عنه ، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماتقولون فيه ؟ وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول : محمد ، نشهدُ أنه رسول الله ، جاء بالحق من عند الله ، فيقال له : على ذلك حييت وعلى ذلك تُبعث إن شاء الله  ، ثمّ يُفتح بابٌ إلى الجنّة فيُقال : هذا مقعدك وما أعدّ الله لك فيها ، فيزداد غيطة وسوروا ، ثمّ يُفسح له في قبره سبعون ذراعاً ويُنوّر له فيه ، ويُعاد الجسد لما بُدئ منه ، وتُجعل روحه نَسمَ طيرٍ يعلق في شجر الجنّة " قال : فذلك قوله تعالى : ( يُثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدُنيا وفي الآخرة ويُضل الله الظالمين ويفعل الله مايشاء ) فاللهم لطفك وعونك لنا في سائر الأمور والثبات في الحياة وبعد الممات . . هذا وصلوا وسلموا . . 








خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...