السبت، 19 سبتمبر 2020

خطبة عن عوامل النصر والتمكين للأمة

الحمدلله الذي أعز من أطاعه وهداه ، وأذل من عصاه وأغواه ، أحمده وهو المقدس في علاه ، وأشكره شكر من يرجو منه المزيد من عطاياه ، وأصلي وأسلم على من دعا لسبيل ربه ومولاه ، وبين سبل مرضاته وتقواه ودرب نصره وعظيم أمره وأدناه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واقتفى أثره إلى يوم نلقاه أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله فبتقوى الله تُنال العقبى الحميدة وتسعد النفوس المجدّة المجيدة ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) .

عباد الله : لو تأملنا في شأن كل أمة من الأمم وكلِّ جيل من البشر أيا كانوا في من حكموا هذه الأرض أو بعضها من أصحاب الحضارات وغيرهم مسلمين كانوا وغير مسلمين لوجدنا أنهم يسعون إلى تحقيق عوامل النصر والتمكين صغيرها وكبيرها ويبحثون ويستشيرون ويخططون ويدربون ويسعون لذلك مااستطاعوا لذلك سبيلاً ، يستثمرون الطاقات البشرية في عز أمتهم وتحقيق مجدهم وعلو رايتهم بين أمم الأرض ، فيتبعهم بذلك غيرهم وتدين لهم الأمم المجاورة وغير المجاورة ، فالإنسان بطبيعته يميل لحب الرئاسة والزعامة ، بل ربما قتل من اجل ذلك أقرب المقربين إليه وسطا على ذوي الأرحام من أجل ذلك ولهذا شواهد كثيرة من التأريخ المعاصر وغيره ولكن الذي يهمنا أن ندرك أننا لايُمكن أن يُكتب لهذه الأمم النصر والتمكين والظفر في الأرض وبسط النفوذ على الأعداء فيدينون لأمة الإسلام عامة إلا بعد تحقيق عوامل النصر التي بينها الله وأرشد إليها في كتابه وعلى لسان رسوله ولعلنا أن نوجز شيئاً منها على عجل فمنها :

- تحقيق تقوى الله من قِِبل كل فرد من هذه الأمة فهذا من أعظم أسباب الفلاح لأن سبل النصر بعد توفيق الله تعالى هي جهود فردية تحت مظلة جماعية فإذا كان كل فرد من المسلمين قام بكل مايجب عليه وابتعد عن كل ماحُرم عليه ونهى الله عنه كان قد تكفل بنفسه فلا مدخل للشيطان ولا للأعداء من قِبله وقد أدى ماعليه

- ومنها نصر دين الله تعالى ألم تر أن الله يقول : ( ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ونصر دينه يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للولاة والتحذير من التعرض لعقوبات الله العاجلة أو الآجلة ، ويدخل في ذلك محبة أهل العلم ومناصرتهم وتأييد قضايا المسليمن في أقطار الأرض وبذل النفس والمال من أجل ذلك إعلاء لكلمة الله في كل بلد يقطنه المسلمون بقدر الإستطاعة والطاقة

- ومنها : الثبات حتى الممات في مواقف الفتن والبلايا سواء كان ذلك في السلم أو في الحرب يقول الحق تبارك وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله نصركم ويثبت أقدامكم ) .

- ومنها : ترك التنازع والخلاف الذي لايأتي إلا بشرّ وهكذا كان صحابة المصطفى عليه السلام فقد كانوا يكرهون الخلاف ، بل كان بعضهم يترك الجدال مع أنه محق خشية الضغائن وإثارة العداوة ولكي يسلم له قلبه ولسانه من الزلل

كل ذلك طاعة لله ورسوله فهم يمتثلون قول الله تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع  الصابرين ) .

- ومنها : العدل الذي هو أساس الملك والذي لاقرار للدول كافة إلا به ومتى زاد الظلم أذن الله بتبديل وتغيير من عنده وهي سنة الله في عباده التي لاتتبدل ولا تتغير .

- ومنها : عدم انتهاك محارم الله بالجملة فلا حرام يُحل ولا حلالٌ يُحرّم ولا مترف يفسق ولا فقيرٌ يتكبر قال الله تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) .

ولذا جاء في رسالة كسرى إلى ملك الصين يطلب من النصر والنجدة بعد هزيمته المخزية في معركة نهاوند – كما ورد ذلك في تاريخ الطبري - حيث سأل ملك الصين رسول كسرى عن المسلمين فقال ملك الصين :

أيوفون بالعهد؟ قال :  نعم   ، فقال :  وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ فقال رسول كسرى : يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمَنَعة، أو المنابذة .

فقال :  فكيف طاعتهم أمراءهم؟    فرد عليه قائلاً : أطوع قوم لمرشدهم ، فقال فما يُحلُّون وما يُحرِّمون؟ فأخبره ، ثم قال له ملك الصين أيحرِّمون ما حلَّل لهم، أو يحلون ما حرَّم عليهم؟ فقال : لا ، فقال ملك الصينفإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يُحلُّوا حرامهم، ويحرّموا حلالهم.

ثم كتب ملك الصين كتاباً إلى كسرى الفرس جاء فيه : "إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوَّله بمَرْو وآخره بالصين الجهالة بما يحقُّ عليَّ، ولكنَّ هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يطاولون الجبال لهدُّوها، ولو خُليَّ سربهم أزالوني، ماداموا على ما وصف، فسالِمْهم، وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهيِّجهم ما لم يهيِّجوك " . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من الخطايا والأوزار فاستغفروه يغفر لكم إنه هو العزيز الغفار .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله القوي النصير العلي الكبير والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه الكرام المغاوير ومن تبعهم بإحسان ٍوعليهم معهم إلى يوم المصير أما بعد :

ومن عوامل النصر - معشر المؤمنين – ترك الإنشغال بالدنيا وإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله وعدم الركون لمتاع الدنيا الزائل ولذا جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلا ً لاينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم " رواه الإمام أحمد وأبوداوود وسنده صحيح .

ومن عوامل النصر : لزوم الكتاب والسنة بالجملة والإختصام لهما عند التنازع والخلاف ومن شذّ عن ذلك فهو متبعٌ لسبيل لغير سبيل المؤمنين وذلك أن الله تعالى يقول في شأن نبيه وفي شأن مخالفيه : ( فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ٌ أو يُصيبهم عذابٌ أليم ) وما فرّق الأمة ياعباد الله التحزب والفرق المناوئة للإسلام الصحيح وخصوصاً الطرق الصوفية التي هي أول من يضع أيديهم في أيدي النصارى واليهود والرافضة ولا يُبالون بعقيدة الولاء والبراء وينتقون من الدين مايوافق هواهم وكثير منهم واقعٌ بالشرك من رأسه إلى أخمص قدميه فهل ترجوا نصراً من قومٍ يفضلون الأولياء على الأنبياء ويصرفون للأولياء من أصناف العبادة مايخرج من الملة وأعداء الدين يفرحون بذلك ويمدونهم ويُصدرونهم للأمة على أن دينهم هو الدين الصحيح مع مايتبعهم من عوام الناس والجهلة المضللين والداعين للباطل ، ولذا لايخاف أعداء الإسلام منهم وما ذلك إلا لأن هؤلاء لقمة سائغة يبتلعها العدو ويسخرها في أهدافه بعكس السلفية والمهتدين المتمسكين بالمنهج الرباني .

مع أن النبيَ صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الإستمساك بما جاء عنه وعن خلفائه الراشدين فقال : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عَضوا عليها بالنواجد ، وإياكم ومحدثات الأمور فغن كل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة " والنواجذ هي الأضراس وكل ذلك كناية عن شدة التمسك وعدم المخالفة لنهج النبي صلى الله عليه وأصحابه مهما كانت الأسباب .

خطبة عن كرامات الأولياء

الحمدلله الذي الذي خلق الخلائق من عدم وأكرم عباده بالنعم وأسبغ عليهم من وافر الكرم وأبان لهم طريق الثبات والقيم والصلاة والسلام على النبي الذي بدد بهديه الظُلم وقاد بنور من الله الأمم وعلى آله وصحبه أولي الفضل والشيم عليهم وعلى من تبعهم بإحسانٍ أزكى الصلوات والسلام الأتم ، ثم أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله فالتقوى من الله كرامة وللدين علامة وقد فاز من عباد الله من رُزق الإستقامة ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءاً بما كانوا يعملون ) . 
عباد الله : درجات التقوى بين العباد متفاوتة والناس متفاوتون في الديانة واتباع الهدى وأعظم قدراً عند الله في الدنيا والآخرة هو المتقي وله العاقبة في الآخرة والله نصيره على من عاداه مهما طال الزمان وأولياء الله هم المتقون وهم أبعد مايكون عن الخوف والحُزن في الآخرة وإن أصابهم ماأصابهم في الدنيا ( ألا إن أولياء الله لاخوفٌ عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقوى 
والله أعطى من اتبع هداه واتقاه من الفضل والكرامة مالايُعطيه لغيره من الخلق وأعظمهم كرامة وأرعلاهم عطيةً وهبة من كانت درجته في التقوى أعلى ، وبقدر العلو في التقى تكون العطايا والمرتقى ، وكثيراً مانسمع من خوارق العادات للأولياء مانستعظم ذلك وهم مع ذلك يُبتلون ويمتحن الله قلوبهم ، فإن أصابهم من الإعجاب والغرور حرمهم الله تلك الكرامة وإن كان الثناء منهم لله والحمد وزاد افتقارهم بين ربهم وانكسارهم زادت عطاياهم ورفع الله شأنهم ولعلنا أن نورد بعضُ القصص التي وردت منذ الرعيل الأول إلى قريبٍ من عصرنا هذا . 
فمن تلك القصص - ياعباد الله - قصة صدّيق هذه الأمة حيث قل عنده الطعام لأضيافه فجعل الطعام يربو من أسفله في القدر وهذه كرامة لأبي بكر رضي الله عنه ، ومنها قصة عمر بن الخطاب حينما جلى الله له جيشاً غازياً في بلاد فارس وقد داهمهم العدو فقال وهو على منبر المصطفى عليه الصلاة والسلام " ياساريةُ الجبل ، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم " وسارية هذا هو سارية بن زنيم الكناني قائد الجيش ، فأمره عمر أن يصعد بالجيش للجبل لئلا يهلك ، ثم مالبثوا حتى انتصروا بعد ذلك  ، ومنها قصة عبّاد بن بشر وأُسيد بن حضير حيث خرجا في ليلة ظلماء من عند النبي صلى الله عليه وسلم فأضاء الله لهما طرفا سوطهما حتى وصلَا إلى منزلهما ، وقد تكون الكرامة رفعة لمحتقر وذكراً بين الناس لايأبه الناس به حينها فيرفع الله ذكره ويُعلي مقامه في الدنيا غير مايدخره الله له في الآخرة كما هو الكثير من كرامات السلف الصالح فمنها : 

قصة أبو الحسن الزاهد المسمى ( بالحمال ) فقد كان عاصر ابن طولون ملك مصر في وقت قوة الدولة العباسية وكان ذات يوم قد أنكر منكراً عليه وكان أبو الحسن عابداً زاهداً لايأخذ من الولاة ولا من الحكام درهماً ولا ديناراًُ ، فلما اشتد إنكاره على ابن طولوت ألقاه في سجنٍ به أسد ليفتك به ، فانطلق ذلك الأسد نحوه ثمّ أحجم عنه ولحسه ثم رجع ، فلما قيل له في ذلك ، بماذا كنت تفكر ؟ 
فقال كنت أفكر هل سؤر السباع طاهر أم نجس ؟ وكان من أرباب التصوف السني الذي لاينحرف معه العبد لبدعة ولا لخرافة ، لاالتصوف البدعي الشركي الذي ينحرف معه العبد ويرسخ للبدعة والخرافة ويُعظم الأولياء ويغلو فيهم ويدعو الناس للإستغاثة بهم ودعائهم من دون الله . . ثمّ إن الحمّال بعد ذلك ارتفع شأنه وانتشر خبره وعلا مقامه بين الناس بعد تلك القصة وكان يقول : " الحر عبدٌ ماطمع ، والعبد حرّ ماقنع " 
ومن تلك الكرامات : مايكون دفع بلاء وشر باستجابة دعوه فقد دعا الحسن البصري على رجلٍ كان يؤذيه في مجلسه فوافته المنية حين تلك الحال وكذلك عُتبة بن غزوان القائد المظفّر الفذّ حينما كان في شمال أفريقيا وتحديداً في تونُس وأراد أن يتخذ أرض القيروان عاصمة له وكانت وادياً كثير الهوام والوحوش فنادى بأعلى صوته : " ياأهل الوادي اظعنوا عنّا فإنا نازلوه " فرأى من معه الحيات تخرج من تحت الصخور والحجارة وهي تحمل أولادها معها وكذلك السباع والكرامات كثيرة ومستمرّة إلى يوم القيامة والإيمان بها من أصول مذهب أهل السنة والجماعة . 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمنا الله جميعاً وإياه : ( من أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يحيي الله على أيديهم من خوارق العادات ، في أنواع العلوم والماكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات ، والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها ، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة ، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة ) أكرمنا الله وإياكم بطاعته وصرف عنا حب معصيته أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود  .

 ========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الجواد الحميد والصلاة والسلام على المبعوث للخلق والعبيد نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام المديد أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الكثير من الناس يخلط بين المعجزة والكرامة ، وبعض الفرق المنتسبة للإسلام تكذب كذباً لايصدقه عاقل ولا مجنون ويدعي بعض الصوفية المبتدعة أن من الكرامة إلهامٌ لدني يُلهمه الشخص من دون علمٍ يقيني وهذا باطل ومن عمل بإلهامه في أمور الدين فقد عمل بأوهامه وضلّ ، وإن كاداعياً لذلك فقد زلّ وأضلّ ، وللتفريق بين المعجزة والكرامة : 
- أن نعلم أن المعجزةَ دائماً تكون برهاناً في الواقع على صدق النبوة وأما الكرامة فتكون برهاناً على الصلاح والإتباع ، والمعجزة تكون بدون طلب في الغالب من الأنبياء وأما الكرامات فتكون بطلب وحاجة من الأولياء ،  والمعجزة يكون مبناها على التحدي وأما الكرامة فغير مقرونة بالتحدي ، والمعجزة مبنية على الإظهار والإشتهار وأما الكرامة فمبنية على الكتم والستر ، والكرامة تعود بالنفع والفائدة على الغير وأما الكرامة فهي في الغالب تعود بالنفع على صاحبها والمعجزة لايقع مثلها مرة أخرى ولا تتكرر والمعجزة تكرر لعدة رجال صالحين وأولياء متقين فاللهم أكرمنا ولا تُهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولاتؤثر علينا 
وصلوا وسلموا - ياعباد الله - على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 



الخميس، 17 سبتمبر 2020

خطبة عن وحدة الصف واجتماع الكلمة

 الحمدلله ولي المؤمنين وقاهر العباد أجمعين والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي أنار درب السالكين وأبان سبل الغواية للحائرين ودل أمته على خير مايعلمه لهم وحذرهم من شر مايعلمه بالحجة واليقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 

عباد الله : الأمم لاتكمن قوتها ولا عزتها إلا باجتماع لاافتراق وبلمٍّ لاشتات وبتآلف لا تنافر وبتوافق لااختلاف ونعمة اجتماع الكلمة ووحدة الصف من أعظم النعم التي تحفظ الأمن في الأوطان والسبل وتقي مصارع السوء والزلل وتحفظ الحقوق لعباد الله من الإنتهاك العام وتسلط القوي على الضعيف ولذا ذكر الله سبحانه وتعالى النبيَّ وأصحابه بذلك بعد أن كانوا قلة خائفين من تربص الأعداء فقال في سورة الأنفال : ( واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون )   فعدّ ذلك نعمة تستوجب الشكر والثناء على الله والإكثار من الحمد له دائماً وأبداً  

معشر المؤمنين : لنتذكر دائماً إخواناً لنا تعجّلوا بما فيه أناة لهم فقاموا على ولي لهم لايخاف  لومة لائم في سبيل الشيطان والهوى وليس في سبيل الله ولا يخاف في مؤمن إلا ولا ذمة فما كان منهم إلا أن نازعوه  فلما أحس بطول القضية استعان بفجرة هم مثله أو أشد كفراً منه فقاموا كلهم على ذلك الشعب بالتنكيل والتشريد وساموهم العذاب الشديد  ، فحرموا نعمة الأمن سنين طويلة وكل ذلك وقع بقدر الله العزيز المتعال فهل نتذكر دائماً تلك النعمة ونتحدث بها في مجالسنا وإن كرهنا ، ولكن لعل ماتكره يكون خيراً لك مما تُحب  . 

عباد الله : مع اضطراب الأمن يفقد المرء كثيراً من مقومات الحياة ويحصل العناء وغلاء الأسعار ويتقاتل الناس على موارد المياه ومصادر المواد الغذائية ونحوها وكثيراً ماترتبط الحروب بالمجاعات التي تفتك بالبشر حتى مايجدُ المرءُ قطرةَ الماء ولا كسرةَ الخبز فاللهم سلمنا من الآفات المهلكة والشرور الحالكة يارب العالمين . 

عباد الله :  الإعتصام بالكتاب والسنة خطابٌ جماعي للأمة وحبل الله هما ، وطوبى لمن تمسك بهما ولا سلامة ولا عافية إلا باتباعهما ، والتحام المسلمين بعضهم ببعض ومد يد العون للمحتاج منهم هي من أواصر المحبة ومن أعظم السبل لتقوية الأخوة الإيمانية التي هي الأخوة الحقيقية لاأخوة النسب ، والتآلف بين القلوب من علام الغيوب ولا يقوى عليه إلا الله جل جلاله ولذا قال الله لنبيه :     ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ماألفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيزٌ حكيم ) فاعتصموا بالله وتذكروا قول الله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يُبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولعامّة المسلمين من الخطايا والأوزار فاستغفروه ثم توبوا إليه إنه هو العزيزالغفار .

========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

عباد الله : إن مما يجلب الشتات ويفرق صف المسلمين ويجلب الخيبة والتباغض والتناحر وتسلط الأعداء هو التنازع  وشق عصا الطاعة على ولي الأمر سواءاً كان صغيراً أم كبيراً والنتيجة هي الفشل وارتفاع الأمن في الأوطان ووقوع الضرر في الأبدان والممتلكات وقد أمر الله بلزوم الجماعة وعدم مفارقة صف الأمة فقال في الطاعة ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا ) . 

عباد الله : قد يرى المسلم من ولي أمره مايكره فعليه أن يصبر ويسعى لنيل حقه بلسانه ولا يحلّ له أن يحملَ السلاح أو يعتدي أو ينتهك ويسفك دماءاً أمرها ولي الأمر بتفيذ أمرٍ يكرهه ، ولذا ورد في الحديث في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : " من كره من أميره شيئاً فليصبر ، فإن من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية " 

وأجمع العلماء المعتبرون المحققون أن لزوم الجماعة وإمام المسلمين واجب حتى لو كان ظالماً ، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد عاصروا فتنة الحجاج بن يوسف طاغية العراق ومع ذلك ماأمر واحدٌ منهم بالخروج عليه وحمل السلاح ضده أو ضد جنده فاللهم ولّ علينا الخيار الأكفاء ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء ولا تسلط علينا بذنوبنا من لايخافك فينا ولا يرحمُنا واكتب لنا العافية في الدنيا والآخرة وأعذنا من شر النفوس الجائرة والأعداء الجبابرة ياذا الجلال والإكرام  . . .  ثم صلوا وسلموا على النبي المختار سيدُ المتقين الأبرار . . 

الجمعة، 14 أغسطس 2020

خطبة عن العام الهجري الجديد

الحمدلله مصرف الدهور ومداولِ الأعوام والشهور أحمده وهو العزيز الغفور وأثني عليه وهو القدير الشكور وإليه تصير الأمور وأصلي وأسلم ُ على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المصير أما بعد : 
فاتقوا الله تعالى فالتقوى دأب المفلحين وبه النجاة يوم الدين     ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ً ) . 
عباد الله : محاسبة النفس وتدراك الأخطاء هو طريقٌ يحتاجه كل مؤمن ومؤمنة وذلك أن الإنسان كتب الله عليه الخطأ منذ ولادته إلى يوم مماته وكتب الله الخطأ بالجملة على ابن آدم حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال : " كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهم . 
وقال سبحانه في وصف عباده المتقين في سورة آل عمران  :  ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) والإصرار أن يستمر على المعصية ولا يتوب إذا أذنب ولذا قال ابن كثير رحمه الله : " قوله : ( ولم يُصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويُصروا عليها غير مُقلعين عنها ولو تكررّ منهم الذنب تابوا عنه . 
وفي قبول التوبة قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : " لو تكررّ الذنب مائة مرّة أو ألف مرّة أو أكثر وتاب في كل مرة قُبلت توبته وسقطت ذنوبه ، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته " 
عباد الله : إننا نستقبل عاماً هجريا ًجديداً وقد ودعنا عاماً مضى طويت صفحاتُه ورفعت أعماله ودونت بخيرها وشرّها والمؤمن ينبغي أن يكون في كل عامٍ يحلّ عليه أقرب إلى ربه من عامه المنصرم ، وإن لم يكن كذلك فحياته وسنوات عمره وبالٌ عليه وحسرة والزمن والوقت ماضٍ شاء المرء أم أبى ، وهذه سُنة الله في سائر خلقة فيومٌ لك وهذه منّة ونعمة من الله عليك لتتذكر وتشكر ويومٌ عليك لتعود لربك وتستغفر 
( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شُهداء والله لايُحب الظالمين * وليُمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) وورد في صحيح البخاري أن عليَ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : 
" ارتحلت الدنيا مقبلة وارتحلت الآخرة مُقبلة ولكل واحدة منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عملٌ ولا حساب وغداً حسابٌ ولا عمل " 
ويقول قس بن ساعدة الإيادي : 
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر 
لمّا رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر 
ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر 
لايرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر 
أيقنت أني لامحالة حيث صار القومُ صائر 
وانظروا كيف خلّد الله شعره لكونه على الحنيفية ِ ملة ابراهيم عليه السلام  وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : 
" والذي بعثني بالحق لقد آمن قسٌ بالبعث " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع خطبَه عليه الصلاة والسلام وكان يخطب في قومه في الجاهلية ويقول : " يامعشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد ، أين المعروف الذي لم يُشكر ، والظلم الذي لم يُنكر ، أقسم قسّ بالله إن لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا " ويقصد به دين محمد عليه الصلاة والسلام فقد كان قسٌ قارئاً لكتب أهل الكتاب وقيل أنه أدرك سمعان تلميذ المسيح عليه السلام وأنه عمّر طويلاً بحدود الستمائة سنة . 
عباد الله : الدهر والزمن هما صندوق العمل فلابد من إستغلال العمر بما يعود على العبد في دينه أولاً وبما يعود عليه في مصالح عيشه والوقت الذي تقضيه في أمور دنياك إن احتسب ذلك من أجل صلاح دينك وعفة نفسك وإطعام ولدك وسدّ حاجتك لكي لاتفتقر للناس كان ذلك لك لاعليك ، وكل وقتٍ تقضيه فيه فإنك مأجورٌ عليه ولكن لابد من استحضار النية ومراجعة القصد لكي لايكون هم ابن آدم الإستكثار من الدنيا وعدم تسخيرها لأمور الآخرة ولصلاح الدين وحفظ النفس من الآثام فاللهم اجعلنا ممن يستعملُ دنياه لدينه ولا تجعلنا ممن يستعمل دينه لدنياه فيبوء بالخسران يالطيف يامنان ياجواد ياديّان أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======= الخطبة الثانية =======
الحمدلله المبدئ المعيد ذي العرش المجيد الفعّالِ لما يرُيد والصلاة والسلام على من أرسله الله للخلق والعبيد نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتأييد وعلينا معهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المزيد أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وتأملوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال : " ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها " رواه الطبراني والبيهقي بأسانيد أحدها جيد ، وقد يستشكل هذا الحديث بعض الناس فيقول : 
كيف يتحسر أهل الجنة على ساعة لم يذكروا الله تعالى فيها والندامة لاتُصيب أهل الجنة أصلاً فليس في الجنة إلا النعيمُ المقيم والسرور الدائم فيقال : إن تحسرهم على تلك الساعة ليس داخل الجنة وإنما يكون في موقف العرض والحساب ولكن في الجملة استثمار الوقت والعمر في طاعة البارئ سبحانه هو مشروعك في نهجك وسيرك لله تعالى ( ياأيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه ) فالإنسان ماأتى إلى هذه الدنيا إلا ليعمل وكل الناس يغدو فبائع ٌ نفسه فمعتقها أو موبقها فصفقة البيع مع الله لابد فأنت رابحٌ حينها أو خاسر فاعمل بأسباب الربح تغنم ومن عذاب الله تسلم ، واحذر من أسباب الخسارة وأولها الولع بالدنيا ونسيان الآخرة فأسلم وجهك لربك واقنع بما آتاك الله وتذكر حديث نبينا عليه الصلاة والسلام حيث قال : " قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه " . 
فاللهم ارزقنا القناعة وأعذنا من شر الساعة وأدخلنا في الشفاعة وقنا شر طول الأمل ووفقنا لحسن العمل .
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . .   



الخميس، 16 يوليو 2020

خطبة مختصرة عن عشر ذي الحجة _ فضلها وما يسن فيها

الحمدلله الذي أجرى الأزمنة والأعوام وداول بين عباده الأيام  وخص بعضها بالفضائل ورفع الآثام وحثّ على العمل فيها وتحرّيها أهل الإسلام ، والصلاة والسلام على المبعوث للأنام نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ أعطر تحيةٍ وأزكى سلام أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وابذلوا كل سبب ووسيلة تقربك من خالقكم الإله ( ومن يتق الله يُكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) واعلموا أن خير الجديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور مُحدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : إن من منّة الله على عباده أن يُجري عليهم الأزمنة الفاضلة والأيام الفضيلة ليزادوا من الله قُرباً وليكفر عنهم إثما ً ويزداوا به خشية وعلماً فيجري عليهم النفحات ليرتقوا بتلك الأوقات في عالِ الدرجات والمنازل ، ومن عرف تلك الأيام وفضلها بادر بالعمل وترك التسويف والإغترار بالأمل ومن تلك الأزمنة مايحلّ علينا - بمشيئة الله - بعد أيام معدودة من عشر ذي الحجة التي هي أفضل أيام السنة على الإطلاق بلا شك ولا ارتياب وقد ورد في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام " أي : العشر قالوا يارسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ، قال : " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " وقد أقسم الله بلياليها - من باب ذكر الشيء ببعضه أو بالإشارة إليه تلميحاً لاتصريحاً - فإذا أقسم الله بالمفضول دون الفاضل وإن كان عظيماً عُرف أن الفاضل شرفه أعلى فقال سبحانه : " والفجر * وليالٍ عشرٍ * والشًّفع والوَتر " 
ولمّا كان مقدمة اليوم ليلته التي تحلّ قبله ، قدّمها في القسم وقد ورد أيضاً في بعض أيام العشر أن الشَّفع هو يوم النحر والوَتر هو يوم عرفة وورد ذلك في أكثر من رواية يرويها أصحاب ابن عبّاس عنهُ رضي الله عنهم وعنّا أجمعين وورد أيضاً في ذلك حديث صحح إسناده بعض أهل العلم وورد أن الشفع والوتر هو الشفع والوتر الذي يكون في الصلاة أيضاً 

عباد الله : إن العبرة على كلّ حال بالثمرة والأثر على العبد في تلك النصوص الواردة ، هل هو ممن ينتفع ويبادر إلى العمل والله يحثّه ويحث كل مؤمن ويقول ( وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين ) أو يكون ممن يغفل سائر عمُره وتضيع عليه أوقاته عاماً وشهراً ويوماً بعد يوم وهو لايُقدم لنفسه ولا يحرص على ساعات يومه فيتقلّب بين السهر بالليل والنوم بالنهار حتى إذا داهمه الموت وجد حاله مفلساً من الكثير من الصالحات فلذا قال صلى الله عليه وسلم : " بادروا بالأعمال خمساً - أي تعتريكم وتصرفكم خمساً  - هل تنتظرون إلا فقراً منسيا أوغنىً مطغياً أو مرضاً مُفسدا أو هرماً مفنّدا أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشرّ غائبٍ يُنتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمرّ " رواه الترمذي وحسّنه ، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام : " بادروا بالأعمال خصالاً ستاً - أي صوارف ستة - إمرة السُفهاء وكثرة الشُرط وقطيعة الرحم وبيع الحكم واستخفافاً بالدم ونشواً - أي شباب ناشئ - يتخذون القرآن مزامير يُقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم مايُقدمونه إلا ليغني لهم " أخرجه الإمام أحمد وابن أبي الدنيا وصححه الحافظ ابن حجر والألباني . 
عبادالله : كثرت الملهيات في هذا العصر وصارت العبادة على البعض ثقيلة لأنهم رغبوا في اللهو واللعب والإنشغال بما لاينفع أكثر من الحد الموصى به ، وهذا يزرع الغفلة في القلوب ويُلهي عن المسؤوليات الواجبة فضلاً عن عمل الصالحات المسنونة ، وماأفلح كثيرٌ من الناس بجهاد نفسه فكيف يُفلح وينجح بجهاد ولده وأهله وإصلاح قرابته ومجتمعه فالآن على كل واحدٍ منّا أن يُجاهد نفسه ضد الملهيات التي تسببت في التخلي عن المسؤوليات ومن لم يستثمر الأوقات عموماً والفاضلة منها خصوصاً فمتى يسير بخطاه إلى رضا مولاه ويحقق تقواه  . . فلابد من المحاسبة الجادة قبل ذهاب الأعمار وحلول الآجال فالوقت يمضي والزمن ينفضّ ولا تنظر لكثرة اللاهينِ والغافلين ، ولا أتباع الشهوات والمثبطين  
فبادر أخي للخير قبل فواته * ودع غافلاً مستغرقاً في سُباته 

فاللهم ألهمنا رشدنا لتدارك أعمارنا وبارك لنا في أوقاننا وذرياتنا وأصلح سائر أحوالنا ياذا الجلال والإكرام أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======== الخطبة الثانية ========

الحمدلله ولي المتقين الذي هدى النجدين وأبان الخير للثقلين والصلاة والسلام على نبي الهدى واليقين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين أما بعد : 
عبادالله : إن لنا في سيرة السلف الصالح بعد النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وعبرة فكيف كان حالهم مع هذه العشر الفاضلة وماذا قالوا عنها : 
كان السلف الصالح يُعظمون هذه العشر من ذي الحجة أشد التعظيم وكان بعضهم يعتكف فيها في بيوت الله فلا يخرج إلا لحاجة ملحة ولقد كان ابن عمر وأبوهريرة يخرجان إلى السوق فيكبران فيكبر الناس بتكبيرهما لايخرجان إلا من أجل ذلك وقد كان سعيد بن جبير يجتهد فيها إجتهاداً لايكاد يستطيعه أحد ولا يقوى عليه ، وكان الحافظ ابن عساكر يعتكف فيها في المسجد فلا يخرج أو قلّ أن يخرج وروى البيهقي في شُعب الإيمان وابن عساكر في تاريخه عن أنسٍ رضي الله عنه قال : " كان يُقال في أيام العشر : بكل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم - يعني في الفضل . 
وأخرج البيهقي أيضاً عن الأوزاعي قال : بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يُصام نهارها ويُحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة ، وكانوا يصومونها ويقومون ليلها وكان سعيد بن جبير يقول : " لاتُطفئوا سُرجكم ليالي العشر " فهل بعد ذلك تفرّط أو تقصّر في اغتنامها فياخيبة المفرطين وياخسارة المقصرين فاستعيذوا بالله من الحرمان 
عشر ذي الحجة حانت * بالثواب والأجور 
موسم الخير توالى * للمجدّ والصبور 
فاجهدوا فيها بحزم * واطردوا كل الفتور 
يالغبن من توالى * قصّر كل القصور 
إن تُفوّت ذي المواسم * فمتى ترجو الغفور . 
هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير والسراج المنير 

الخميس، 2 يوليو 2020

خطبة عن طلب الرزق والعمل

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة فأنار به من الجهالة وهدى به من الضلالة ، وفتح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً ، فصلوات وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عبادالله فبالتقوى تَنالوا المكرمات وتبلغوا الحاجات وتُكشف البليات ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) . 
عبادالله : خلق الله الثقلين الجنّ والإنس وأمرهم بعبادته وتكفّل لهم بالرزق هم وسائر الدواب قال جل ذكره وتقدّس أمره : 
( ومامن دابّة إلا على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كلٌ في كتابٍ مبين ) ومن أسمائه الرزّاق والرازق والوهاب والمعطي صاحب العطاء الذي لاينفد ولا ينقطع أبداً سبحانه وتعالى ( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون * ماأريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يُطعمون * إن الله هو الرزّاق ذو القوة المتين ) وقال في الذريّة ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطأً كبيرا ) وقال على سبيل التقرير : 
( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يُخرج الحي من الميّت ويخرج الميّت من الحي ومن يُدبّر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) وقال ( وكأيّن من دابّة لاتحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) . 
عبادالله : إن مسألة الرزق هي من توحيد الربوبية التي أقرّ بها المشركون فهي مسألةٌ اتفق على الإقرار بها الكافر والمسلم ولكن مسألة التوكل هي التي يتباين فيها الناس تبايناً ظاهراً ولذا ورد في الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لو أنكم تتوكلون - وفي رواية كنتم توكّلون - على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " رواه الترمذي وقال : حديث حسن . 
عباد الله : الرزق ضرورة لابد منها للكائن الحي وللإنسان والله أمر عباده بطلب الرزق والمشي في أكناف هذه الأرض للبحث عن الرزق قال سبحانه : (( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور )) وهذا لاينافي كونه سبحانه تكفّل برزق كل عبد ولكن حتى يعلم الإنسان أن بذل السبب أمرٌ مطلوب وواجب على العباد إلا من ألجأته الضرورة فهو معذور وسيأتيه رزقه وهو في بيته فأهل الأعذار لهم شأن آخر ولكن الكثير من الناس لايحب العملَ ولا الأخذَ بالأسباب المشروعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كمثال أسمى وكلّ الصحابة رضوان الله عليهم من الذين يعملون ويبحثون عن لقمة العيش سواءٌ كان ذلك في المهن أو النخل أو البناء وغير ذلك وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم على قراريط - وهي مالٌ يسير - لأهل مكة وكان أبو بكر رضي الله عنه تاجراً وكذلك عثمان رضي الله عنه وكان عمر بن الخطاب يوماً عند النبي صلى الله عليه وسلم ويوماً يعمل فيه لنفسه وولده وعمل علي رضي الله عنه ذات مرّة عند يهودي يستخرج له الماء من البئر كلُّ دلو بتمرة وكان خباب بن الأرتّ حدّادا وعبدالله بن مسعود راعياً وسعد بن أبي وقاص يصنع النبال والزبير بن العوام خيّاطاً وبلال بن رباح وعمار بن ياسر خادمين وسلمان الفارسي كان حلّاقاً ومؤبراً للنخل - أي ملقحاً لها - والبراء بن عازب وزيد بن أرقم تاجرين ، ولقد تميّز المهاجرون بالتجارة وتميّز الأنصار بالعمل في الضيعات والبساتين فكانوا أهل زرعٍ وحرث ، والعمل الشريف من صفات الرجل النبيل وما أفلحت أمة إلا بالعلم والعمل عموماً فبالعمل والكسب الكل يستفيد من الآخر وتقوم شؤون الحياة وتصلح أحوال العباد ، وتصوّر أخي المبارك حياة الناس بلا عمل ولا طلب للرزق وبلا قيام بشتى الوظائف والأعمال كيف تقوم حياة الناس والله سخر عباده بعضهم لبعض ورفع بعضهم على بعض في شأن الحياة والأعمال ليستفيد بعضهم من بعض ويُصلح القوي منهم أعمال وشؤون الضعيف وكل ذلك امتحان واختبار فلنحسن لمن يخدمنا أياً كانت ديانته وأياً كان جنسه  ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريّا ورحمت ربك خيرٌ مما يجمعون ) والعمل خيرٌ وأحب إلى الله من السؤال ولذا قال صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه ) متفق عليه . . فاللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادةً لنا من كل خير والموت راحةً لنا من كل شرّ ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريبٌ مجيب .

======== الخطبة الثانية ========

الحمدلله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لاإله إلا الله إمام المتقين وقدوة الخلق أجمعين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله والزموا السكينة والطمأنينة في شأن الرزق والمؤونة وثقوا بربكم وتذكروا نعمة الله عليكم حين حين تكفّل سبحانه بشأن الأرزاق للعباد وغيرهم من الخلائق ولذا قال ربُنا تقدس في علاه والأمر كلُّه تولاه ( ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لاإله إلا هو فأنى تؤفكون ) ولو فتشت عن القصص التي تتعجب منها في شأن الرزق وكيف أن الله يسوق رزقَ أي مخلوق ٍأو دابةٍ ولو كانت في أطباق الثرى وغياهب الظلمات لوجدت هذه القصص لاتحصى ولا تعدّ وتخيّل أخي المسلم لو كان رزقك بيد فلانٍ من الناس يتصرف فيه بما شاء كيف سيكون حالك معه ؟ وكيف سيكون حال الناس بعضهم مع بعض ؟ وأنتم تعلمون أن الكثير من الناس يبخل حتى على نفسه ببعض الأشياء التي قد تكون ضرورة لابد منها ، فلم يوكل برزقك أحداً سواه ، فهذه نعمة عظيمة غفل عن شكرها الكثير من الخلق وذُكر أن امرأة أرملة في زمن داوود عليه السلام كانت تغزل بمغزلها لتطعم أولادها وكانت تكتسب من ذلك لتطعم نفسها وأولادها وليس لها بعد الله من المال إلا مايأتي من هذا الغزل ، فجاءت الحدأة ذات يوم فأخذت أداة المغزل ومضت فأصابها همٌّ عظيم وجاءت لنبي الله داوود تشكو إليه فأجلسها ، ثمّ إنه دخل عليه قوم من التجار يحكون قصّة لهم عجيبة وذلك أنهم كانوا في عرض البحر فأصاب السفينة خرقٌ ودخل عليهم الماء فجاءت حدأةٌ فرمت لهم أداة مغزل فأخذوه وسدّوا به مكان الخرق فأقسموا أن يتصدق كلّ واحدٍ منهم بعشر دنانير ( والدينار يكون من الذهب ) فسلموا لنبي الله داوود عليه السلام تلك الدنانير ومضوا فأخذ الدنانير عليه السلام وأعطاه تلك المرأة فانظر كيف اتجر اللهُ لها بما هو خيرٌ من رزقها الأول . . 
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 








الخميس، 25 يونيو 2020

خطبة عن الأشهر الحرم

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله أرسله إلى الأنام فأبان به دعائم الإسلام بجوامع الكلام عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه وأتياعه وحزبه إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وأنيبوا إليه واستغفروه وتوبوا إليه واشكروه واجتنبوا حرماته ممّا بين في محكم آياته واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : الأشهر الحُرُم هي أشهرٌ حرّم الله فيها البداءة بالقتال وغلّظ سبحانه المعصية فيها وحثّ سبحانه على عدم ظلم النفس فيها وذلك إما بالشرك أو المعصية أو نشر الضرر وإلحاق الأذى والتعدي بوجه عام وهذا التحريم قديمٌ قدم الزمان فقد قال ربنا جل جلاله في سورة التوبة : ( إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرضَ منها أربعة ٌحرم ذلك الدين القيّم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافّة كما يقالتلونكم كافّة واعلموا أن الله مع المتقين )  . 
وكل هذا يدلّل أن شريعة الأنبياء منذ أن خلق الله آدم شريعة ٌ متشابهة متقاربة إن لم تكن واحدة ، فالدين واضحٌ وجليّ ليس به لبسٌ ولا خفاء ، يهتدي إليه أصحاب الفِطَر السليمة والقلوب الصافية النقيّة بلا عناء . 
عباد الله : إن تحريم هذه الأشهر أخذ به الأنبياء قبل محمدٍ عليه الصلاة والسلام وهذا يدلل أن تأريخ الأشهر القمرية هو المعتمد لكل نبي سبقنا وذلك لكون الله تعالى حرّم الأربعة أشهرٍ القمرية لاالشمسية  وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب مضر ولو ماعرفها الأنبياء قبلنا لكان ذلك أوقعهم بالقتال فيها فهل نتأمل ذلك ولكن قد تختلف التسمية للشهر وأما ذات الشهرِ فلا يتغيّر . 
عبادالله قد ذمّ الله المشركين الذين يحتالون على الناس ويُخادعون الله - وهو خادعهم - وذلك بأن يؤخرون حرمة الأشهر أو بعضها إلى الشهر الذي بعده وأخير سبحانه بأن ذلك كفرٌ على كفر وظلمٌ على ظلم ، وتعدي وضلال ، فكانوا إذا دخل المحرّم استحلوه وحرّموا الشهر الذي بعده وهو صفر عاما ً وفي عام آخر يحرّمون المحرم ويحلّون صفر وهكذا فقال الله عز وجل فيهم : (( إنما النسيء زيادةٌ في الكفر يُضلّ به الذين كفروا يُحلّونه عاماً ويُحرّمونه عاماً ليواطئوا عدّة ماحرم الله فيُحلّوا ماحرم الله زُيّن لهم سوء أعمالهم والله لايهدي القوم الكافرين )) وهذا من التحايل لارتكاب المعصية وذلك أقبح وأغلظ في العقوبة من إتيان المعصية على وجهها ، وذلك من شأن اليهود ومن أطباعهم التحايل ومخادعة الله جلّ سبحانه فيما يحرّم عليهم كما فعلوا في يوم السبت وفي شحوم الميتة ففي يوم السبت حرّم الله عليهم صيد السمك فنصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد وفي شحوم الميتة عندما حرّم الله عليهم تلك الشحوم  أذابوها ثمّ باعوها فأكلوا ثمنها فاستحقوا سخط الله وعقوبته ونقمته نسأل الله العافية  . 
عباد الله : من الحكم التي حرّم الله من أجلها هذه الأشهر أمان الطريق للحج والعمرة وأمان الهدي والقوافل والحاجِّ عامّة والإبل المقلّدة التي ستذبح في الحرم وكان من عادة بعض العرب في الجاهلية قطع الطريق وترويع الحجاج وأخذ زادهم ومتاعهم وتركهم يموتون جوعاً وعطشاً في تلك الصحاري فمن رحمة الله تعالى أن حرّم الله القتال والعدوان في هذه الأشهر وشدّد فيها الإثم وغلّظ فيها المعصية وخصوصاً عندما تكون تلك المعصية تتعلّق بحقوق العباد ،  فالحذر ثمّ الحذر من حقوق الغير واقدُم على ربّك ياعبدالله ولا أحدٌ من عباده يطلبك بمظلمة أو حقّ ٍ أياً كان نوعه . 
وتأمل في قول الله تعالى : (( ياأيها الذين آمنوا لاتُحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد لا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنّكم شنئان قوم ـ أي بغض قوم ٍـ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) 
معشر المسلمين : إن الحج شعيرة ظاهرةٌ وركنٌ من أركان الإسلام وواجب على المستطيع مالم يقُم عذرٌ أو يحول خطرٌ يعرّض فيه الإنسان نفسه للموت - كما في هذه الأيام - فإن الله سيعذره ولو قُدّر أن توفّاه الله قبل أداء هذه الفريضة فالله أرحم بعباده من أن يحاسبهم عن الحج في أيام الوباء والمرض ، ومن عادة الحليم الإمهال والعبرة في التفريط في أيامٍ ماضية وليس هذا العام وذلك لأن الحج في هذه السنة أعدادٌ محدودة والأحكام التي تجري على العبد في الظروف والأزمات ليست مثل الأحكام التي تجري عليه في الظروف الإعتيادية . . فاللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك وعوّضنا بالصالحات في مستقبَل الأوقات وعاملنا بلطفك ياجواد ياكريم . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه غفور حليم . 

======== الخطبة الثانية =========

الحمدلله المحمود بكل لسان ذو الفضل والإمتنان والصلاة والسلام على عبده الذي أنزل عليه الفرقان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أما بعد : 
عباد الله  لو علم العبد مايبلُغ بالنيّة لحرص على إحضارها في كل وقتٍ وحين فمن لم يتمكن على سبيل المثال من الحج في هذه السنة للأسباب المذكورة آنفاً وكان لديه النيةَ الجازمة التي لايصحبها في الرغبة بالحج لكُتب له الأجر الوفير بإذن العلي القدير وذلك لما ورد في صحيح مسلم بن الحجاج من حديث جابرٍ رضي الله عنه أنه قال : " كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : " إن بالمدينة لرجالاً ماسرتم مسيراً ولا قطعتُم وادياً إلا كانوا معكم ، حبسهم المرض " وفي رواية العذر " وفي رواية أخرى رواها وكيع رحمه الله : " إلا شركوكم في الأجر "  وكانت تلك الغَزاة غزوة تبوك فالشاهد من قوله : " إلا شركوكم في الأجر " أن الإنسان يبلغ بنيته أجر الغازي أو الحاج بشرط أن تكون نيّته صادقةٌ جازمة لايطرأ لها الشك وذلك من فضل الله على عباده . 
والقاعدة عند أهل العلم : " كم من عملٍ صغير كبرته النيّة ، وكم من عملٍ كبيرٍ صغرته النية " فالحمد لله على فضله وإحسانه وجوده وعطائه ، فاللهم ضاعف لنا الأجور وآمنا يوم البعث والنشور ياعزيز ياغفور ، وصلوا وسلموا على محمد بن عبدالله فقد قال عزّ من قائلٍ عليما : ( إن الله وملائكته يُصلّون على النبي ، ياأيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ) .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...