الاثنين، 18 يوليو 2022

خطبة عن الوصية وجوبها وآثارها ومنافعها

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : لكل بداية خاتمة ولكل حادثة وقتٌ وزمان ولكل حي فناء وزوال ولكل حياة نهاية وموت فهذه سنة الله في الحياة وفطرته ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم  . . ) ومادام الأمر كذلك فلا بد أن يكون الإنسان على حذر في هذه الحياة مما يكون له في مستقبل أمره في فترة مابعد الموت خاصّة والمؤمن كيّسٌ فطن ومن الحذر الذي هو من شيمة المؤمن الوصية ، فالوصية فيها حفظٌ لحقوق النفس ولحقوق الأهل والأولاد والناس الذين يرتبط معهم الموصي بحقوق واجبة وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماحق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " زاد مسلم : قال ابن عمر : " مامرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي " متفق عليه . 

عباد الله : كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة ثمّ قال بعض أهل العلم أن ذلك نُسخ ففي الآية التي سورة البقرة : ( كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين * فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبلونه إن الله سميع عليم ) حيث أن هذه الآية نُسخت بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقه فلا وصية لوارث " أخرجه أبوداود في سننه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، وقد اشتُرط في النسخ أن لايُمكن الجمع بين الدليلين ، فإن أمكن الجمع بين الدليلين فإنه لايُصار إلى النسخ ، ويمكن الجمع بين الدليلين دليل الكتاب والسنة في هذه المسألة ، وذلك أن الوصية تكون للوالدين الأباعد ( وهم الأجداد والجدات )اللائي لايرثون أو من حُجب بوصف ، وليس المقصود بذلك من كان من الورثة الذين يرثون سواء كان بفرض أو تعصيب ، وبهذا الجمع تجتمع الأدلة ويُعمل بالدليلين  .

عباد الله :  الوصية ياعباد الله خلاص من المشاكل وردٌ للحقوق وتخلّصٌ منها ، فكم ضاعت حقوقٌ بسبب التفريط في كتابتها وإثباتها ، والله امر بكتابة الديون حين قال في أطول آية في كتاب الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بنكم كاتب بالعدل . . ..) الآية ، وإنك لتعجب من أناس ٍ غارقين في الديون إلى هام رؤوسهم ولايوجد عنده سجلٌ أصلاً بالمديونيات التي عليه ، فهذا ماحاله إذا فاجئه الموت وما حاله بعد الموت ، مع علمه أن الدين لايغفره الله مهما كانت الأسباب حتى تُرد الحقوق إلى أصحابها ولو مات شهيداً وقُطعت أوصاله في سبيل الله ، وفي الحديث عند مسلم من رواية عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَّين " وفي رواية : " القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين " . 

إخوة الإسلام : لزوم الحد الشرعي وعدم التجاوز في الوصية أمرٌ واجب ، فالجور في الوصية والظلم أمرٌ خطير يورد الجحيم وفي الحديث في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "  إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضُرُهما الموت ، فيُضارّان في الوصية ، فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه وعنا أجمعين راوي الحديث : ( من بعد وصية يُوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليمٌ حكيم * تلك حدود الله . . ) الآية  ، وعند الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف في وصيته فيُختم له بشرّ عمله فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيُختم له بخير عمله فيدخل الجنة ، ثم قال : واقرؤا إن شئتم : ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يُدخله ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مهين )  . 

فالحذر من الجور في الوصية فالجور في الوصية يُفسد مابين الورثة ويورث الخصومة والتنازع والتدابر والتقاطع وهو كبيرة من كبائر الذنوب وسبب من أسباب عذاب القبر ودخول النار أجارنا الله وإياكم ، والعقوبة تشمل المُوصِي والمُوصى الذي ربما حرّف في الوصية وبدّل ولذا قال الله في هذا الشأن : ( فمن بدّله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميعٌ عليم ) ، والساكت عن الجور في الوصية بعد علمه من الورثة يناله مايناله من العقوبة ، ولذا يجب على من حضر الوصية أن ينصح المُوصي ويخوفه بالله قبل موت الموصي وأما بعد موته فيعظ الورثة أن لايمضوا هذه الوصية التي فيها جور وظلم وأن يُصلح بينهم وذاك قول الله تعالى : ( فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفورٌ رحيم ) والجنف هو الوصية بجورٍ جاهلاً بالحرمة والوعيد ، وأما الإثم : فالمقصود به أن يوصي وصية جورٍ عالماً بالوعيد متعمداً ، وهذا يدلّ على أن الورثة إذا أمضوا الوصية يطالهم الإثم لأن الله استثنى المُصلح فقط بينهم والذي لايرضى بالظلم والعدوان فهو الذي يسلم من الوعيد فينبغي أن يحذر العبد من كل مالٍ أو مكسبٍ لايحل له ليسلم من عذاب الله ووعيده في الدنيا والآخرة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي شرع فأحكم وبيّن وأعلم  وهو العلي الأكرم ، والصلاة والسلام على نبي الرحمة المعظّم ورسوله المكرّم وعلى الآل والصحب الذي تفضل الله عليهم وأنعم وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

عباد الله : الوصيّة منها ماهو واجب ومنها ماهو مستحب مندوب ومن الوصية ماهو محرّم وإثم فالواجب في الوصية أن يوصي بأداء ماعليه من حقوق ويذكر تلك الحقوق ويثبتها بالتفصيل ويبين أنه حين أوصى أنه في كامل عقله ولايلزم وصيته في حال صحته عندما تكون عليه حقوق ٌ واجبة، ومن الوصية ماهو مستحب كأن يوصي لنفسه بأن يُتصدق له على فقير أو يُبني مسجداً أو يدعم مشروعاً خيرياً أو يُفطّر صائم أو نحو ذلك بثلث ماله فأقل فهذا عملٌ صالح مسنون وهو مما يقدمه المرء في حياته ليجد ثوابه بعد مماته ، ومن الوصية ما هو محرم وإثم كأن يوصي بأكثر من الثلث بعد موته فلا يُعمل بهذه الوصية إلا بإجازة الورثة ، فإن أبوا فلا تمضي هذه الوصية إلا بالثلث من ماله فما دونه ، ومن الوصية المحرمة الوصية بحرمان وارث من الإرث حتى لو كان أبوه يكرهه أو كان الإبن عاقاً ، أو أن يوصي لشخص غير وارث أو وارث بأكثر من الثلث وكذلك الوصية للوارث لاتصح إلا إذا أجازوه الورثة لقوله صلى الله عليه وسلم : " لاوصية لوارث إلا أن يُجيز الورثة " رواه الدار قُطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه   

عباد الله : الإشهاد حين الوصية الشفوية أمرٌ واجب وكذلك حين الكتابة لقول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيُقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قُربى ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين * فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيُقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ومااعتدينا إنا إذا لمن الظالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن تُرد أيمانٌ بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لايهدي القوم الفاسقين ) وهذه الآية تدلل على أهمية الشهادة في الوصية وأنها تكون برجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترتتضى شهادته  ، علماً أن المرأة لاتُقبل شهادتها في الحدود خاصة وتُمضى شهادتها في الأموال ، بل إنه يُقبل في الحقوق والأموال شهادة الرجل مع يمين المدّعي وشهادة المرأتين مع يمين المدّعي على الصحيح وهو قول شيخ الإسلام وجمعٌ من أهل العلم وعلى رأسهم الشيخ ابن بازٍ وابن عثيمين رحمهم الله وإيانا اجمعين ، ومن أهمية الشهادة أن الله رخص في قبول شهادة من لم يكن على دين الإسلام إن احتيج له في حال الموت والإحتضار لقول الله تعالى : " اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت . . " الآية فيُحبس الشاهدان من بعد صلاة العصر - وهي الصلاة المذكورة في الآية - فيُقسمان بالله على أداء الشهادة على وجهها وعدم التزوير أو التغيير فيها ، فإن بدلا أو غيّرا في الشهادة فيقوم بدلُهما اثنان فيشهدان أنهما غيرّا وبدلا في الشهادة فتُسقط شهادتُهما ويؤخذ بشهادة من شهد بتكذيبهما من أولياء الميت وذلك كله ليتحقق أداء الشهادة على وجهها فلا يكذب الشهود من غير المسلمين ويهابوا أن تُرد أيمانهم فيأتوا بالشهادة على وجهها وإلا كان رد شهادتهم إن ثبت كذبهم وتغييرهم . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال الحق جل شأنه وعظُم سلطان وصدق بيانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . .  

الاثنين، 11 يوليو 2022

خطبة عن الزيارة للإخوان والأقارب

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الزيارات الأخوية بين الأقارب والإخوان والزملاء عملٌ صالح يكسب المرء به المعارف والخبرات ويؤجر عليه العبد إذا احتسب ذلك عند الله فهو خيرٌ من شخص متقوقعٍ ٍعلى نفسه وانطوائي على أهله وجماعته لايهتم بمن حوله من الناس إلا في إطار مصلحته ، ولو سألت أي مسلمٍ يدب على وجه الأرض ماردة فعلك وكيف سرورك عندما يناديك الآن منادٍ كم السماء " أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلا " فيقول لك مندهشاً أنا أريد ولا أظن أن أحداً يأبى ذلك ، فيقال له : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً "  أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . 

عباد الله : إن الزيارة الأخوية من عوامل جلب محبة الله تعالى ومن أحبّه الله وُضع له القبول في الأرض وأحبه كل أحد ففي الحديث الصحيح : " أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً ، فلما أتى عليه ، قال : " أين تُريد ؟ " قال : أخاً لي في هذه القرية ، قال : " هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها عليه ؟ " قال : لا ، غير أني أحببته في الله تعالى ، قال : " فإني رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته فيه " والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  . 

عبادالله : الناس مع الزيارات بشكلٍ عام على ثلاثة أقسام : 

- فقسمٌ يحتسب هذه الزيارات في الله في كل مرة يغدو ويذهب فيها إلى صاحبه أو أخيه المُزار طلباً للأجر والثواب وحرصاً على نيل الفضل والكرامة من الله وليس ضيفاً ثقيلاً حين الزياة فيطيل المُكث حتى ينفر منه المضيّفُ والحاضرون مع حرصه على حفظ لسانه من القيل والقال والغيبة والنميمة ولغو الكلام فهذا عند الله بأعلى المنازل وأفضل المقامات ، وهو أشد الناس اتباعاً للمصطفى عليه الصلاة والسلام فهذه المجالس التي يجلسها وهذه الزيارات التي يقوم بها نورٌ له وسرور في صحيفة أعماله . 

- وقسمٌ منهم دون الأول فتجد أنه يحتسب بعض تلك الزيارات دون أكثرها وبكونه مطبوعٌ على حب تلك اللقاءات والإجتماعات فتجد أنه اعتاد عليها ، فلا يتخلى عنها حتى في المواسم الفاضلة التي يعتاد الناس فيها على ارتياد المساجد والسعي للعمل الصالح فغالب زياراته من باب الأنس والفضول وحب الإجتماع فقط ، ويفوته أكثر الإحتساب فيها ، ومثل هذا تجد أنه لايسلم من الغيبة واللغو والكلام الباطل والمُزاح الشديد الذي يثير الصدور والحقد بين أصحاب تلك المجالس ، فهذا أفرط في هذه الزيارات وتجاوز الحد المسموح بها مما أوقعه في المحرم مهو مأزور غير مأجور فيما تجاوز به ، ومأجور فيما احتسبه منها ، والسبيل القويم في ذلك الإقلال من هذه الزيارات في حقه وسلوك سبيل الإعتدال فيها فلا إفراط ولا تفريط . 

- وقسمٌ لايعرف لمثل هذه الزيارات سبيلاً وزيارته فقط لاتباع مصالحه ، علاقته مع الناس علاقة دنيا ، لايجيب دعوة ولا يعرف حقاً لكبيرٍ مريض ربما يكون من أقاربه الذين تجب زيارتهم ، مع تحذر النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من قطع الرحم ، وكذلك أخبر أن من الناس من لايألف ولا يؤلف لاخير فيه ، ففي حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يألف ويُؤلف ولا خير فيمن لايألف ولا يؤلف " رواه الإمام أحمد والبيهقي والطبراني وغيرهم  . 

عباد الله : لاشك أن مثل هذه الزيارات تتآلف فيها القلوب وتصلح معها الأنفس وتتواد معها النفوس ، إن سلمت من المنغصات والإثم ، وربما تصالح بسببها متشاحنون وتآلف بها متنافرون ، فطوبى لمن استمثر مثل هذه المجالس وتلك الزيارات بما ينفعُه وينفعُ غيره من الناس ، وسعى في الإصلاح بين متعادين أو زاد في ألفةٍ بين الزائرين مع أن بعض تلك الزيارات هي من حق المسلم على المسلم  ، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حق المسلم على المسلم ست " قيل وما هنّ يارسول الله : " إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصحه له ، وإذا عطس فحمد الله فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه " رواه مسلم ، وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً قال :  " حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس " متفق عليه .

فاللهم وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات واعصمنا من الخطايا والسيئات يارب العالمين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى من تبعه إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أنه مما ينبغي معرفته أن حقوق المسلم التي وردت في الأحاديث السابقة منها ماهو واجب عيني يجب على المسلم بعينه ومنها ماهو واجب كفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ومنها ماهو مستحب ، ولمّا أورد الشوكاني في كتابه " نيل الأوطار " ذلك الحديث الذي فيه إثبات الحقوق الستة الآنفة الذكر قال : " والمراد بقوله : ( حق المسلم ) أنه لاينبغي تركه ويكون فعله إما واجباً أو مندوباً ندباً مؤكداً شبيهاً بالواجب الذي لاينبغي تركه ، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المُشترك في معنييه ، فإن الحق يُستعمل في معنى الواجب كذا ذكره ابن الأعرابي ، وكذا يُستعمل في معنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك ، وقال ابن بطال : " المراد بالحق هنا الحُرمة والصحبة " .

عباد الله : رد السلام واجب إذا كان السلام على واحد ، وإذا كان على جماعة كان فرضاً على الكفاية ، وأما عيادة المريض ففرض كفاية ، وكذلك واتباع وتشييع الجنازة كذلك على الكفاية ، وأما تشميت العاطس فالصحيح أنه واجب على الواحد الذي مامعه أحد ، وفرض كفاية على الجماعة إن شمّت واحد كفى عن الباقين ، وأما بذل النصيحة لمن استنصح أحداً من المسلمين فواجب ، وأما إجابة الدعوة فواجبة إذا دُعي الرجل بعينه ، وأما إذا كانت عامّة فلا يجب إجابتها وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " بئس الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين ، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله " أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، ومع أن طعام الوليمة كما ورد بنص آخر يُمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها وهي شرّ الطعام كما ورد عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يعذر الله ورسوله من يتخلّف عنها كل ذلك لجبر الخواطر وتـأليف القلوب وزرع المودة والمحبة بين الناس ومشاركة أفراحهم إيناساً لهم وكل مافيه جمعٌ للقلوب والتأليف بينها أمر به الشرع ، وكل مافيه فرقة ونزاع وتنافر بين القلوب في المجتمعات المسلمة نهى عنه الشرع ، فاللهم لك الحمد على تمام شرعك المحكم ، ونعمتك وفضائلك ياأعز ياأكرم . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . 

الجمعة، 8 يوليو 2022

خطبة ثانية لعيد الأضحى المبارك

الحمدلله الذي امتن على عباده بمواسم القُربات وأسبغ عليهم النعمة ووفهم للطاعات وبلغهم عشر ذي الحجة ورزقهم من الطيبات والصلاة والسلام على خير البريّات وأرفعهم في الدرجات وأعلاهم في المنازل والمقامات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل التحايا وأزكى الصلوات أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى ينالُ ربَّ العزة والجلال ، ويرفع له العمل الصالح بالليل والنهار مادامت الأزمنة والآجال ومالهم من دونه من وال ، فالتقوى ياعباد الله عليه مدار الأعمال وخير ماتقرب به المتقربون وتنسك به المتنسكون ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم وبشر المحسنين ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : إن أعظم مامن الله به على عباده هو الهداية لهذا الدين وسلوك سبيل المؤمنين ، في وقت ضل عن طريق الله المستقيم خلقٌ لايحصيهم إلا الله فمنهم من حرّم عليه الطيبات من البهائم التي تعارف الكثير من البشر على أن اقتناءَها وذبحَها أمر طبعي وعادة إنسانية فحرّموا عليهم البقر ومنهم من حرّم على نفسه الغنم ، ومنهم من حرّم بعض بهيمة الأنعام من الإبل لأصنامهم وأوثانهم التي ماأنزل الله بها من سلطان فجعلوا منها البَحيرة وهي الناقة التي تُقطع أذنها إذا أنجبت عدداً معيناً وجعلوا منها السائبة وهي الناقة التي تسيّب للأصنام إذا بلغت سناً معيّنة وجعلوا منها الوصيلة التي تصل إنجاب أثنى بأنثى وجعلوا منها الحام وهو فحل الإبل الذي ينتج من صلبه عدد معين فيتركونه ولا يذبحونه وغيره ممن ذُكر كل هذا كذباً وافتراءاً على الله فرد الله ضلالاتهم عليهم فقال : ( ماجعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الكذب وأكثرهم لايعقلون ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : تقديم القرابين سنّة عند جميع الأمم باختلاف دياناتهم ، بل هي سنّة لكل أمة سبقتنا من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ( ولكل أمّة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام . . ) ولكن هذه البهائم إما أن تكون حسرة وعذاب لمن ذبحها بغير حقها وذكر عليه اسم غير الله أو تكون بهجة وفرحاً ونعيماً لصاحبها حينما تأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وشعرها شاهدة لصاحبها وكذلك كون الدم يقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فهنا تعرف نعمة الله عليه بالتوفيق والهداية والعمل الصالح المرضي الذي ارتضاه رب العزة والجلال وأضلّ عن هذا النسك وعن صراط الله المستقيم عامة كثيرٌ من البشر ممن يخبط في هذه البهائم التي سخرها للبشر ولذا ينبغي على كل من يستخدم من العمالة أن يتأكد من ديانته فلا تصح ذبيحة المشرك بأي حال .
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
عباد الله : وفي شأن الأضاحي لابد أن نراعِ السلامة من العيوب فالسلامة من العيوب أمرٌ مطلوب ولا يُجزئ في الأضاحي أربع كما قال عليه الصلاة والسلام : " لاتجزئ في الأضاحي أربعة : العوراء البين عورها ، والعرجاء البين عَرَجها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لاتُنقي " أي الهزيلة التي ليس بها مخ في أركانها وقد أخرج الحديث أصحاب السنن الأربعة من حديث البراء بن عازب ولا يُضحى أيضاً بمكسورة القرن بالكليه أو التي ذهب أكثر قرنها ولا بالعمياء ولا المصابة بصعق أو حرق حتى يزل مابها من عاهة ولا يضحى بالعاجزة عن المشي ولايُضحى أيضا بمقطوعة الإلية ويكره التضحية بمخروقة الأذن ومقطوعة الأذن ، وبعض العلماء يحرّم ذلك وكلما كانت الأضحية أسلم من كل عيب كلما كان ذلك أحب إلى الله وأقبل للأضحية الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ويجب أن يسمي وأن يكبر عند الذبح ولو نسيها لحلت ذبيحته لامتعمدا والأفضل أن يذبح بيده ويطبق السنة ويقول " اللهم عني وعن أهل بيتي " ويجعل رجله على صفحة عنق الذبيحة ويسن أن يوجهها إلى القبلة ويمسح على ظهرها ويهدئ من روعها ويسن شفرته وسكينه ويجهز على الذبيحه رحمة بها قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتله وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته "
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
وأفضل أيام الذبح هذا اليوم الذي هو أفضل الأيام عند الله والذي يُسمّى بيوم الحج الأكبر ويوم النحر ثم اليوم الذي بعده - يوم القرّ - الذي به يقر الحجاج في منى لقوله عليه الصلاة والسلام " أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ " ووقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد ويمتد إلى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر أي يوم العيد وثلاثة ايام بعده
ويجب الصدقة على الفقير من الأضحية ولو بالشيء اليسير والأفضل الثلث فما فوق لقوله تعالى في سورة الحج : " . . . فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير " ولقوله أيضاً : " ... فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون "
وإن أكل ثلثاً وأهدى ثلثاً وتصدق بلثٍ فقد أحسن .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : استشعار هذه الشعيرة أمرٌ ينبغي الحرص عليه وأن يطيب العبد بهذه الذبيحة نفساً وأن يخرج من طور العادات التي مضى عليها السلف إلى طور العبادات ، فهذه عبادة ينبغي للعبد الفطن أن يحرص على التعبد لله بهذه الشعيرة ممتثلاً قول الله تعالى : " فصل لربك وانحر " كل ذلك تعبداً لاعادة مضى عليها الأولون وسار عليها السابقون من الآباء والأجداد عليهم رحمة رب العباد .
=================== الخطبة الثانية =================
الحمدلله ولي المتقين الذي وفق عباده لسلوك طريق المفلحين وأنعم عليهم بوافر النعم في كل وقتٍ وحين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :


عباد الله : الفرح والإبتسامة والسرور في أيام العيد وإظهار الأنس سنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام كيف لا وقد كان أحسن الناس خُلقاً ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفّه عن نفسه وعن أهله وأبناء بنته وغيرهم وروى ابن ماجة عن يعلى بن مرّة : " أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام دُعُوا له ، فإذا حسين - ابن فاطمة يلعب في السِّكة قال : فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم وبسط يديه فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبّله " وكان يمازح أصحابه ويأخذون بأشعار الجاهلية في المسجد ويبتسم ، بل كان الحبشة يلعبون في المسجد ولم يكن ينهرهم ويستر عائشة وهي تنظر إليهم ويقول لهم : " خذوا بني أرفدة ، حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة " ولهذا لاينبغي التثريب والزجر للأطفال في أيام العيد خاصة فرفهوا عنهم وعن أنفسكم بما لايجاوز حدود الشرع فلا إسراف ولا مضرّة
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : الكثير من المسلمين يُعاني خصومات وشحناء وبغضاء في قلبه على رجل من المسلمين أو عدة أشخاص وهذا الرجل أنهك قلبه وفكره بما لايعود عليه إلا بالمضرة في دينه وجسده واعلم أن أي خصومة أو خلاف تدوم في القلب أكثر من ثلاث ليال معرّض صاحبها للوعيد ففي الحديث : " لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار " أخرجه أبوداود عن أبي هريرة بإسناد صحيح فينبغي للعبد أن يُصلح قلبه ويجاهده فلا يستوي ذو القلب السليم مع القلب المشاحن أبداً لاعند الله ولا عند الخلق فليكن العبد كما قال الشاعر :
لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ * أرحت قلبي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته * لأدفع الشر عني بالتحيات
وأُظهر البشر للإنسان أبغضه * كما أن قد حشى قلبي محبات
الناس داءٌ دواء الناس قربِهم * وفي اعتزالهم ُ قطع المودات
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا

معاشر النساء : ماتقربت امرأة لربها بمثل العفة والحياء والقرار في البيوت وتربية الأبناء على الأخلاق النبيلة والأهداف السامية وهدم البيوت يبدأ بإفساد المرأة فإن تمكن العدو من إفسادها فقد تهدم البيت وخارت أركانه فكوني سداً منيعاً ولا تؤتى البيوت من قِبلك ، والحذر من دعاة الفتنة وزعماء تحرير المرأة التي بانت أكاذيبها وألاعيبها ولكن في المرأة الغربية عبرة فقد وصلت إلى منتهى الطريق فكانت سلعة رخيصة تباع بأبخس الأثمان لاقيمة لها ولا وزن في الدنيا مع النكال والعذاب الأليم في الآخرة ، فاللهم من أراد نساءنا وديننا وأهلنا بسوء فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له ياذا الجلال والإكرام .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...