الجمعة، 23 مارس 2018

خطبة عن الإنتكاسة

الحمد لله الذي بيده قلوب العباد ، وهو الهادي إلى سبل الرشاد هدى بمنته وفضله وأضل بحكمته وعدله وهو الحكيم الجواد ، والصلاة والسلام على المبعوث بالحكمة  والسداد إلى الثقلين عامة ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه واستن بسنته إلى يوم التناد ، أما بعد : 

عباد الله : إن مما يلحظه الكثير من الناس في عصرنا وأفراد جيلنا وشبابنا على وجه الخصوص بعد أن ينشأ الناشئ منهم على دين الله وعلى الإستقامة ويضع له قدماً في سلوك الطريق المستقيم ويُعجبك في مقاله وحاله وصحبته لأهل الخير والصلاح والصحوة والفلاح والهدى والنجاح ، يجري عليه قدر الله تعالى فينتكس بعد أن ثبتت قدمه في طريق الحق ويرجع لحال مخزيه ويركب الطرق الملتويه قد هوى به هواه وأضله بغير هدىً من الله ، قد أعماه هواه وشهوته عن تمييز طريق النجاة وغشى بصره من الغشاوه ، وقلبه تمكنت منه القساوة ، حتى عاد مفلسا ً خائبا وعن دروب العقل والرشاد غائباً ومُجنّبا ، وفي سبل الغي معذّبا  ، يتلاعب بفرائض الله وثوابت هذا الدين ويتهكم بالملتزمين ويسخر من المحافظين ويتهمهم بالرجعيين المتخلفين ، وهو لايدري أن الله يمكر به وقد حال بينه وبين رؤية الحق فأعمى بصيرته كما أعمى قلبه وعقله ، يبصر بعينيه كل مايُرى إلا السبيل القويم والصراط المستقيم ، وصدق الحكيم سبحانه حين قال : " فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " .

قد أراد الله فتنته وغوايته وضلالته لانحراف نيته وفساد طويته  " ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ً أولئك الذين لم يُرد الله أن يطر قلوبهم لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذاب عظيم " .  
قد أكنّ الله قلبه وفي أذنيه وقرٌ من سماع الآيات بعد أن كان يسمعها بأعذب الأصوات يفرّ من الكلام والحوار أثناء النقاش عن أسباب الضلال والإنحراف ويعتذر بجملة من الأعذار الواهيه وترى الظلمة في وجوه بعضهم باديه ، كرمه الله ونعّمه في أول نشأته حتى إذا وصل بُغيته تنكب للطريق وأصبح في بحر اللذات غريق  . 
فما الدواعي والأسباب لضلال هؤلاء ؟ ؟ معشر الفضلاء 
إن من أعظم أسباب الإنتكاسه عدة أمور منها : 
  • بقاء القلب متعلقاً بالمعصية وهو من أعظم الأسباب التي تصرف عن سلوك الصارط المستقيم ومن يتأمل الآية السابقة يجد مصداقَ ذلك جلياً واضحاً فقد قال الله : " أولئك الذين لم يرد الله أن يُطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم ، فالقلب ملك الأعضاء وعليه المعول في صلاح النفس والخلق والثبات والإنتكاسة ولهذا كان أثبت الناس حين الفتن والأراجيف هم الذين طهروا قلوبهم من حب المعصية وشؤمها ، يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلُحت صلُح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب "  . 
  • ومنها : عدم شكر الله على الإستقامة والهداية والنعم تنقض أو تضمحل بترك شكر الواهب سبحانه وتعالى
  • ومنها : ترك الدعاء الله تعالى بالثبات على دينه ، ومن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام :  " اللهم يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " وقوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم يامصرف القلوب صرّف قلبي إلى طاعتك "  وقوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل برّ والفوز بالجنة والنجاة من النار " فكل ذلك وارد عنه عليه الصلاة والسلام . 
  • ومنها : قرين السوء الذي يزين المعصية ويكرّه في الطاعة وذلك أن قرين السوء ذراع الشيطان الذي يعمل به فالصاحب الفاسق بعمل الشيطان يعمل علم ذلك أم لم يعمل ، وكم من أناس أدمنت المعصية حتى ألفتها فصار إنكار الغير لها منكراً في نظر هؤلاء وصدق حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أمين سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : " الضلالة حق الضلالة أن تعرف ماكنت تنكر وتنكر ماكنت تعرف وإياك والتلّون فإن دين الله واحد " أخرجه البيهقي في السنن الكبرى والمعنى : أنك إذا وصلت إلى مرحلة يكون فيها المنكر عنك معروفاً والمعروف عندك منكراً فقد ضللت وغويت فالحذر كل الحذر من ذلك . 
  • ومنها : ذنوب الخلوات التي تعود في أصلها إلى السبب الرئيس الذي ذُكر وهو مكوث القلب متعلقاً بالمعصية وذنب الخلوة أمره فضيع وهو في الواقع فساد في الضمير يقول سحنون التنوخي - رحمه الله - وهو فقيه مالكي : " إياك أن تكون عدواً لإبليس في العلانية ، صديقاً له في السر " ويكفي في ذلك حديث النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي أخرجه ابن ماجه من حديث ثوبان رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لأعلمن أقواما ًمن أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تُهامة بيضاء يجعلها الله عز وجل  هباءً منثوراً ) قالوا : " يارسول الله صفهم لنا ، جلّهم لنا أن لانكون منهم ونحن لانعلم ، فقال : ( أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم أقوامٌ إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ) وهذا من أعظم الزواجر عن في ذنوب الخلوات ورادعٌ للنفس عن هدم سعيها وعملها الصالح الذي تقدمه 
  • ومنها : عدم استصحاب مخافة الله في سائر الأحيان وخصوصاً عند الولوج في الذنب ، فإن استصحاب مخافة الله هو في ظاهر خوفٌ وخشية وفي باطنه أمن وأمان وثمرة ذلك : حصول الأمن في الآخرة والثبات على دين الله في الدنيا ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي أخرجه ابن حبان والبيهقي وابن المبارك في الزهد وصححه ابن حجر وحسنه الألباني . . . فاللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة واجعلنا ممن يخشاك كأنه يراك وومن يلزم نهجك وهداك يارب العالمين ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم .                                  
============ الخطبة الثانية ============
الحمد لله أمان الخائفين ومجيب دعوة المضطرين والصلاة والسلام على المبعوث للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعنّا معهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . أما بعد : 
عباد الله إنه مما ينبغي أن يكون عليه المؤمن لزوم الخوف والرجاء في كل أحيانه مستصحباً إياهما دائما ً وأبداً والخوف يكون من عذاب الله تعالى ونكاله ووعيده وعقوبته ومن كل ذنب صغير أو كبير والرجاء يكون في ماعند الله من كريم الثواب وعظيم النعيم وهذه الحالة تُرضي الله ، ولا بد فيهما من التوازن في النفس ، فإن الذي لايعرف في حياته إلا الخوف من الله ولا تجد في نفسه الرجاء ففيه شبه بالخوارج الذين غلوا في جانب الخوف ، والذي يلزم الرجاء في كل أحيانه ولا يدخل الخوف في حياته فهو آمن من مكر الله ، وهذه كبيرة من كبائر الذنوب تصل بصاحبها للخسارة والندامة والضلال في الآخرة ، قال تعالى : " أمنوا مكر الله فلايأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " . 
فاللهم الطف بنا واعف عنا ولا تتوفانا إلا وأنت راضٍ عنا ياذا الجلال والإكرام 

الثلاثاء، 20 مارس 2018

خطبة عن استغلال الشبكة وبرامج التواصل الإجتماعي في اصلاح المجتمع ونشر الفائدة

الحمدلله الذي علم الإنسان مالم يعلم وأبان طريق الهدى والشر وأفهم وحذر من دروب الشر والفتنة وسلم والصلاة والسلام على النبي الأكرم والرسول الأعظم نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد
فاتقوالله عباد الله : " ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " . . " ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً
عباد الله : نحن نعيش في زمن متسارع وحقبة من الزمن تملؤها أجهزة رقمية وأخرى الكترونيه ملأت البيوت والدور والمنازل والقصور حتى صار البعض إن لم يكن الكل لايستغني لحظة واحدة عنها بل صارت عند بعض الناس ليست كماليات ولا حاجيات بل ضروريات فالله المستعان ، حتى ضيع الكثير من فرائض الله ومن حقوق عباد الله ماكان سبباً في هلاكه وخسارته في الآخرة وضياع عمره في الدنيا في حالة لايفيد فيها ولا يستفيد ، ويلهث مع ذلك سريعاً خلف جديد تلك الأجهزة ، ويتتبع بشعف مسعور عن ماينزل بالأسواق قبل نزوله ودخوله البلاد ويبحث من أجل ذلك في كل الآفاق لكي يفاخر خلانه ويباهي أقرانه بجهازه الحديث لايجاوز عقله عينيه ولا أرنبة أنفه ووجنتيه
مــابال قومي يلهثون بلا وجل * قِـبَل الشرور بحالة لاتُحتمل
يتتبـعون جديدها وحـــديثها  * فنأى بنفسك قبل تجريح المُقل
  ويتصفح ليله ونهاره في أودية الرذيلة قد أثرت فيه أفكار دخيلة ويلحقه مايلحقه وهو يتصفح من هذه المواقع ومن مكتبات مرئية وآخر صوتيه وصور عبثية من الآثام مايعلم به البصير العلام ، فلابد حينها من مزاحمة الباطل المنشور بالحق الظاهر المنصور ، حتى لايتصدر أهل الباطل بباطلهم الرجيم ويُقصى أهل الحق ويتجمهر العامة على السقيم واللئيم من أرباب الفسق وقلة الديانة وأصحاب التفاهات وسوء الأخلاق والخلاعات ، فمتى ينشط عباد الله في نهج طريق الخير والنشر المفيد والإعلان اللافت الهادف في زمن لايتصدر فيه إلا من صُدّر بإعلان على وجه قد خطط له مسبقاً في منتج مثير ينافس على الصدارة في كثرة المشاهدات ويقضي الناس به أوقاتهم بدلاً من أن يلفهم لفيف أهل الباطل  . 
إن الإنتاج المفيد والمتميز الذي أصبح ضرورة في عصرنا في كتابة مقال نافع أو نشر فتوى أو تأسيس موقع شبكي شرعي أو فتح قناة دينية أو نشر علم أو مقطع دعوي وغير ذلك بجهد فردي أو جماعي له ثأثيره الإيجابي على نطاق واسع في المجتمعات المسلمة العربية وغير العربية ويضرب أصقاع الأرض في لحظات معدودة ويكتب الله له القبول والإنتشار بإخلاص صاحبه إذا كان من أهل الإخلاص والصدق ، ينبه الغافل ويعلم الجاهل ويذكّر الناسي ويدعو لدين الله ويدل التائه الحيران إلى معالم الهداية والإيمان ، ويبني بيوتاً ويصنع مجداً ، ويُدخل فرحاً وأنساً لبيوت ضائعه في وقت فُرص سانحة ، فلا بد معشر الإخوة المصلين أن نستغل هذا الفيض التقني ونجنده لدين الله وبكل ماأوتينا من قوة وليكن زادنا في ذلك تقوى الله والحرص على تبليغ الدعوة والخير في أطراف من الأرض لم يصلها صدى الإسلام ، ولم يبلُغهم هذا الدين وإن كان الله تكفّل ببلوغ هذا الدين مشارق الأرض ومغاربها في قوله صلى الله عليه وسلم من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" ليبلغنّ هذا الدين مابلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزاً يُعز الله به الإسلام وذلاً يُذل الله به الكفر  " رواه أحمد في مسنده والطبراني في مسند الشاميين والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى
وهذا لايعني أن الرجل منّا يتوانى أو يتكاسل عن نشر هذا الدين والبذل لتبليغه ، لأنه لاشك في أن الله يُبلغ دينه بأيدي يستعملها في طاعته وطلب مرضاته ، فاستبق الخيرات وكُن منهم ، وسارع وبادر وانهض واعزم على نية الخير والسعي الجاد في كسب الوقت واعمل في صلاح نفسك وإصلاح مجتمعك ومن حولك كي تكون نبراساً يُحتذى وقدوة في الخير يُقتدى ، ويدعو له الناس ويكون لبنة هداية وبناء يفيض بالعطاء  وذلك بسعيه في محاربة الفساد ونشر الخير في البلاد ودرء الفتنة والنصح لكل مسلم ، فكن كل يوم ترتقى في درجات الفضائل وتبتعد وتحذر من دروب الرذائل ، وكن ممن خيره إلى الناس واصل مستديم وكذا طبع الكريم : " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسُبحان الله وما أنا من المشركين " . . " ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين "
وتمثّـل دائماً قولَه عليه الصلاة والسلام : " بلغوا عني ولو آيه " وقوله صلى الله عليه وسلم : " نضّر الله امروأ ً سمع منّا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه  ورُب حامل فقه ليس بفقيه  "  أخرجه الترمذي في سننه وحسّنه  من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه
أي أن البعض فقط بتبليغه للحديث لايدري ماالذي يُجري الله على يديه من استنباط الأحكام وإن كان استنباطها من غيره - أي من قِبل غيره من العلماء والفقهاء وطلاب العلم - فيجري له من الخير مالايُحصى فقط بنشره ذلك الحديث أو تلك الفائدة التي تعود في أصلها لدين الله . . أجرى الله على يدي وأيديكم الخير وضاعف الله لنا ولكم الأجور يوم البعث والنشور إنه قدير غفور حليمٌ شكور وأمننا
نفعني الله وإياكم بالكتاب والسنة وتفضل علينا بالعلم والهدى والحكمة وبارك لنا في الأعمار والأعمال التي تُوصل لرضوانه والجنة ، أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي غفور رحيم .



========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله الذي وعد عباده الطائعين بالنعيم المقيم وحذر العاصين من دار الجحيم وأرسل رسوله للعالمين حجة على الخلق أجمعين ، صلى الله عليه وعلى آله ومن تبعه بإحسان وعنا معهم إلى يوم الدين أما بعد :  
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن خير منازل الناس في الدنيا والآخرة هم العالمون العاملون والداعون الباذلون المناصرون لدين الله والمبلغون عن رسول الله مايهتدي به الناس لكل الخلائق والأجناس وقد مثّل النبي صلى الله عليه وسلم الناس في ذلك وقسمهم في هذا الشأن إلى ثلاث طوائف مشبهاً إياهم بالمطر الذي يصيب الأرض :

    ·     فطائفة قبلت هدى الله فعلمت وعلّمت ونفعت ونشرت الخير ودعت لدين الله وحثتالناس ودلتهم على كل خير وجاهدت في ذلك فهؤلاء بأفضل المنازل 
    ·        وطائفة علمت ولم تعمل ولكن نفعت غيرها بإيصال العلم له فنفع الله بها بإيصالها للعلم فقط مع وجود التقصير فهؤلاء نفعوا غيرهم ولم ينفعوا أنفسهم فهم أقل بكثير من الطائفة الأولى وعليهم أن يبادروا بإصلاح أنفسهم حتى يتقبل الله منهم
ويضاعف لهم المثوبة والأجر 
·        وطائفة لم تعلم ولم تعمل وإن علمت ماعملت ولا توصل الخير والهدى والنفع لأحد فهؤلاء بأخبث المنازل وأدنى المراتب ولا يسلمُ مثل هؤلاء من عذاب الله إلا من تداركه الله ووفقه للتوبة النصوح قبل الممات ومغادرة الحياة فاللهم تداركنا بلطفك .
وقد ورد ذلك مفصلاً في حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مثلُ مابعثني به الله عز وجل من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورزعوا ، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لاتُمسك ماءاً ولا تُنبت كلأً ، فذلك مثلُ من فقِه في دين الله ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلّم ، ومثلُ من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به "  . 
اللهم أصلح على أيدينا واستعملنا في طاعتك ورضوانك ونجنا من عذابك ونيرانك واجعلنا مباركين أينما كنا ياودود ياكريم ياذا الفضل العظيم ، وأعذنا اللهم من علم لاينفع وقلبٍ لايخشع وعين لاتدمع ودعوة لايُستجاب لها . . 

هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير والسراج المنير كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه


الأربعاء، 28 فبراير 2018

خطبة عن اللعن وخطورته

الحمدلله الذي أنعم على الإنسان بالبيان وعلمه الحكمة والقرآن والصلاة والسلام على المبعوث بالبينات والفرقان نبينا محمد وعلى آله وصحبه أولي الفضل والعرفان وعلى  كل من تبعهم بإحسان وإيمان وسلم تسليماً كثيرا أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله ، " ولقد وصينا الذين من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله مافي السموات ومافي الارض وكان الله غنياً حميداً " . 
واعلموا أن أحسن الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة في دين الله بدعه وكلّ بدعة ضلاله وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
معشر المسلمين - إن شر مايُبتلى به المسلم هو لسانه وكلامه وحديثه وبيانه وإن من آفات اللسان ظاهرة بدأت تكثر في زماننا ويغذيها الجهل والإستهانة بها وآثارها ويعلمها ويورثها مع الأسف بعض الآباء للأبناء وبعض الأجداد للأولاد والأحفاد وذلك شأن يؤلم القلب والفؤاد وهذه اللظاهرة هي اللعن الذي استمراه بعض الناس على تحذير الله ورسوله منه ومن آثاره وخطورته على اللاعن في مستقبل أمره وآخرته ، وقد حذا البعض حذواً في ذلك خطيراً ومنحى ًجليلاً مريرا حتى أصبح له عادة ومفاخرة وتحية في مجلس ناديه ومجاهرة حتى أصبح طبعا له وسليقة آسرة نعوذ بالله من الخذلان ومن انتكاس الموازين في النفوس والأذهان ، فكم يسع ذلك الرجل من الوقت كي يتمكن من ترك هذا السلوك الخطير وهذه العادة السيئة التي رسخها في طبعه ونفسه بمرور زمن نرجو أن لايكون طويلاً ، فعلى كل من ابتلي بذلك أن يبادر لمجاهدة نفسه ومحاسبتها قبل ذهاب عمره ويتحرى في ذلك الأسباب ويرغب في ذلك بالدعاء والتوبة للسميع التواب يقول سبحانه : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين )  .
- معشر المسلمين : إن خطورة اللعن ومحاذيره تتجلى في أمور : 
  • أن الرجل عندما  يُطلق اللعنة - فإن لم يكن الملعون أهلاً لها - فسوف تعود لصاحبها الذي أطلقها وهذه من أشد العقوبات وأنكى المصائب والويلات على ابن آدم فقد ثبت في سنن أبي داوود من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الرجل إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء ، فتُغلق أبواب السماء دونها ، ثم تهبط إلى الأرض فتُغلق أبوابها دونها ، ثم تأخذ يميناً وشمالاً فإن لم تجد مساغاً ، رجعت إلى الذي لُعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها )) وقد جود اسناده بعض أهل العلم منهم ابن حجر العسقلاني . 
  • وكذلك أن لعن المسلم كقتله وسفك دمه نعوذ بالله وهذا أشد ماورد في اللعن ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده من حديث ثابت بن الضحاك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لعن المؤمن كقتله " ورواه البخاري بلفظ : " ومن لعن مؤمناً فهو كقتله ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله " 
  • ومنها أن اللعن كبيرة من كبائر الذنوب وذلك إجماع من المرسلين والصحابة والمسلمين عامة ، فقد أورد الطبراني عن سلمة بن الأكوع - الصحابي الجليل - قال : " كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أنه أتى باباً من الكبائر " .  
  • ومنها : أن اللاعن لايكون شفيعاً ولا شهيداً يوم القيامه فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن اللعانين لايكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامه " وفي ذلك حرمان وعقوبة في يوم ٍ شديد الفاقه والحاجة لعمل صالح يرفع في المنازل أو يُنجي من عذاب النار وهو يوم القيامه ، فتصور حالك في موضع ترى فيه والدك أو ولدك يُعذب - لاسمح الله - ثم تريد أن تتكلم وتشفع فلا يُسمع منك ولا يُلتفت إليك . 
  • ومنها أيضاً : أن الذي يلعن ليس مؤمناً معتدلاً بل هو من فساق المسلمين وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء " رواه الترمذي وابن حبان وأخرجه الحاكم وجود اسناده الذهبي وحسن اسناده الحافظ العراقي وذلك من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه . 
  • أن اللعن سبب لدخول الجحيم وذلك فيمن يلعن شيئاً لايستحق اللعنة ومن يُكثر منه على وجه الخصوص ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( يامعشر النساء تصدّقن وأكثرن الإستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار ، فقالت امرأة منهن جزلة : وما لنا أكثر أهل النار ؟ قال : " تكثرن اللعن وتكفرن العشير ، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن ، فقالت : وما نُقصان العقل والدين ؟ قال : " أما نُقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ، وتمكث الليالي ماتُصلي وتفطر في رمضان فهذا نُقصان الدين " . 
  • ومنها أن لعن الشيء يُذهب بمنافعه كما ذكر بعض العلماء ويقطع خيره وهو يقع إذا وافق ساعة اجابة وكان الشخص ممن يستحق بسبب فسقه ، فلو أن والداً لعن ولده - لاقدر الله - لأنه ماأطاعه في أمر ما ، وقام الوالد بلعنه ووافقت ساعة اجابة فقد شقي الإثنان الوالد والولد ، وذلك أن الولد حصل له الشقاء بسبب لعن أبيه له ، والوالد شقي بشقاء ابنه ودعاءه عليه . 
فاللهم  أعذنا من شر أنفسنا وألهمنا رشدنا وألزمنا العدل في الفعل والقول ، أقول ماسمعتم فما كان منه صواباً فمن الله وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان  وأستغفر الله لي ولكم ولعامة المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي غفور رحيم 

 ========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله العظيم الشان القدير المنان الرحيم الرحمن والصلاة والسلام على من أبان الديانة أحسن بيان للإنس والجان نبينا محمد وعلى آله وصحبه أولي الألباب والأذهان وسلم تسليماً كثيرا . . أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أنه كان ممن قبلكم من السلف الصالح ومن صالحي الأمة ممن مضوا وقضوا نحبهم أن الرجل كان يحسب كل كلمة يتلفظ بها في يومه ، وكل ذلك مخافة الزلل والندم يبتغون بذلك طريق السلامة والعافية ، فكانوا أبعد الناس عن اللعن والشتيمة والوقوع في الأعراض والولوغ في الحرمات ، فسلموا وظفروا بجيرة الله تعالى في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
 معشر المسلمين : ليكن نصب أعيننا في ذهابنا ورواحنا وغدونا ومسيرنا قوله صلى الله عليه وسلم " وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم " ومن قُدر له أن يلعن أحداً لايستحق اللعنة ، فليكثر له من الإستغفار ، وليكثر من الدعاء له في ظهر الغيب في أوقات الإجابة من جوف الليل وأدبار الصلوات وبين الأذان والإقامة لعل الله أن يغفر لكلا الإثنين إنه سميعٌ مجيب .
وهنا تساؤل ربما يطرحه البعض فيقول : كيف نجمع بين قول الله تعالى في شأن من يكتم ماأنزل الله من البينات والهدى حيث يقول : ( إن الذين يكتون ماأنزل الله من البنات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) وبين الحديث : " المؤمن ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء " أو قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : " إني لم أبعث لعّانا ً وإنما بُعثت رحمة "
فيُقال : أن الآية في شأن من يستحق اللعنة وأما الحديث ففي شأن من لايستحقها .

يامن بُليت بقــولك الفتـّان * واللعـن أرع ِالسمــــع للـتبيــان ِ

أعرض عن الأعراض وارع كرامةً * فلربّ قولٌ جرّ للكفران ِ

هذا وصلوا وسلموا على البشير الهادي في الحواضر والبوادي محمد بن عبدالله صاحب الحوض والشفاعة وشفيعنا يوم تقوم الساعة ، اللهم أحيا على سنته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته وأدخلنا في شفاعته وأوردنا حوضه واسقنا منه شربة لانظمأ بعدها أبداً ياسميع الدعاء .

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

خطبة عن الأغاني وحرمتها وخطرها على المجتمع الإسلامي

الحمدلله رب البريات الذي أباح للناس الطيبات وحذر من انتهاك الحرمات ، والصلاة والسلام على المبعوث بالبينات وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والكرامات وعلى من تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماوات أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمولار محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعه وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة في النار وعليكم معشرالمؤمنين بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذ في النار . 
 عباد الله : إن مما ابتليت به هذه الأمة واستمرته بعض النفوس وصار مرضاً إجتماعياً للبعض وجاهر به بعض الناس به مجاهرةً يُخشى بسبب رضا البعض على المجتمع كلّه من نشوء فتنة لاتصيب الذين ظلموا خاصة بل تعمّ الجميع ليتعدى الضرر والعقوبة والعذاب من الله إلى المجتمع كلّه بسبب ترك انكار البعض على المجاهر بهذا الداء وعدم الأخذ على يديه من قِبل ولي الأمر أو ولي أمره وهذا الداء هو الغناء الذي هو بريد الزنا والسبيل إلى الفجور والخنا وهو من ما يُنبت النفاق في القلب ويغذي شجرته في النفوس وثمر ذلك فساد القلوب وخبث النوايا وجلب المصائب والبلايا للبيوت والدور فتظهر الخفة والطيش في أوساط النساء والشباب عامة بعدما كانوا على نهجٍ سوي وحياة رضيّة ينتهكون فيها بعد ذلك حرمات الله ويعتدون فيها على أعراض المسلمين إما بالتحرش والإبتزاز وإما بالمعاكسات التي تُغيظ الغيورين عموما ًمن أفراد الهيئة وغيرهم من طرف النساء أو من طرف الشباب بحيث ينتهي بهم الحال إلى  اقتياد من الجهات الأمنية أو سجن أو مأساة في الأعراض وفضيحة في البيوت فيرفع الله ستره عن أناس كان ربنا قد ستر عليهم وجنبهم مثلَ هذه الطرق  بسبب ماذا ؟ ولم كان هذا ؟   
بسبب ادخالهم لبيوتهم هذا المنكر العظيم وهذه الكبيرة التي هي من كبائر الذنوب قد استهانوا مع من استهان بها في الأول ثم تدرج بهم الحال حتى انحرف الأبناء والبنات عن جادة الصواب وطريق الهداية وصاروا منغمسين في الضلال والغواية ، يصدون من حيث يشعرون أو لايشعرون عن سبيل الله ويتخذون دين الله هزواً ولعبا يقول الحق تبارك وتعالى : " ومن الناس من يشتري لهوالحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذابٌ مهين " ويقسم ابن مسعود الذي هو من أعلم الصحابة بالقرآن وأقرأهم ومن الأربعة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ منهم القرآن ، يُقسم رضي الله عنه أنه الغناء ، ووافقه الكثير من الصحابة والتابعين في ذلك .
ولا شك أن من أكثر من سماعه واعتاد عليه استباحه واستنكر حرمته وذهب نور وجهه وأظلم فؤاده وكثُر من الخير زاده وصار مايُسخط الله عنده أمراً مألوفــاً . . كما ورد البخاري من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه : ( ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الحرّ - أي الزنا - والحرير والخمر والمعازف ) . 
ولا شك أن من محاذيره أنه يُذهب الغيرة على الحق ومن ثم على المحارم والأهل فلنتق الله عباد الله فالتقوى يعصم من المنكرات ويرضي رب البريات . 
ومن محاذيره العشق والهيام المحرم بالمعشوق والحبيب الذي ينافس محبة الله في القلب ، بل تزيد عليه احياناً فيقع في تأليه الهوى وتعظيم المحبوب الذي هو عنده غاية المطلوب نعوذ بالله العظيم من شقاء أهل الأهواء ومن شر الأدواء . 
شر السماع هو الغناء والطرب * يُقصي الديانة والرجولة والأدب 
ويـُزٍيغ أقواماً بقـولٍ ماجــــن ٍ * مـــزمار شيطانٍ وللشرّ انتسب 
قد خاب من كانت بضاعته الغناء   * ويلٌ لـه مما جناه واكتسب  
وقد روي من قصص الهالكين في لحظات احتضارهم مايُذهل القلوب ويفجع الأنفس من خواتيم سيئة حدثت لهؤلاء الذين أدمنوا هذه الكبيره والتي توعد الله بالعذاب على من أصر عليها ولم يتب وذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام كم ثبت في صحيح البخاري أن قوما من أمته سينزلون بجانب علم - أي جبل - يغدون بسارحة لهم - أي من الغنم - فيبيتهم الله - أي يُهلكهم ويضع الجبل ويمسخ آخرين قردة وخنازير . 
وذلك بسبب مااستحلوه من المعازف ومحارم الله تعالى نعوذ بالله من العقوبة وشؤم الأشرار وبطش العظيم الجبار ومن عذاب الجحيم والنار . 
فعلى كل من أبتلي بهذه الكبيره من صغير أو كبير أن يتقي الله تعالى ويفكر فيما يفعل  وأن يُطيب سمعه من هذا الداء قبل أن يصدّه هذا البلاء عن ذكر الله وعن الصلاة وليتذكر أن ذكر الله أكبر من ذكر غيره لو عقل ذلك ، وفهم مراد الله في كلامه وذكر الله لعباده أكبر من ذكر الناس لله كما ثبت ذلك عن المفسرين فهل ينشغل بذكر غير الله على حساب ذكر الله تعالى ذو الفضل الواسع والعطايا الجزال . 
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=======  الخطبة الثانيه =======

الحمدلله الذي أبان سبل الهدايه وجنب العباد طرق الضلال والغوايه والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والشفاعه والصلاح والطاعة بين يدي الساعه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأزكى تحية  وعلى من تبعه بإحسان وسلم تسليما كثيرا  . 
أما بعد : فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن مما يُلحق بالغناء وتوسع الناس فيه في هذا الوقت وفي هذه الأحايين  مايسمى بالشيلات التي يصحبها ايقاعات تُشبه الموسيقى بصوتها المُطرب المحدث للنشوة والطرب والتي تعمل وتحدث بسامعها مايحدثه الغناء من نشوة ولهو يُضل عن سبيل الله ويصد عن الصراط المستقيم ، ويملأ الفؤاد بترهات وسفاسف هو في غنى عنها وقد سئل ابن باز عن حكم الشيلات التي  فيها دف ٌ أو طبل أو ايقاع مشابه للمزمار فحرمها وجرى على ذلك كبار أهل العلم من الشيخ اللحيدان والفوزان والبراك والخثلان والطريفي  وغيرهم والقاعدة الفقهية في ذلك أن ( الشريعة لاتفرّق بين المتماثلات ) فلنتق الله عباد الله وأما الشعر الملحن بلا آله فجائز وقد لُحن الشعر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان له غلام أسود يقال له أنجشه يحدو في السفر كما ورد ذلك في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وذلك من دون آلة ولا طبل وهو المسمى بالكوبة في بعض الأحاديث ، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في السنن الكبرىقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله حرن الخمر والميسر والكوبة )) وفي رواية : (( والكوبة : الطبل ))  فنسأل الله لنا ولكم العافيه في الأسماع والأبصار والقلوب والأبدان من كل شر وبلية وسوء ودنيّه واكتب لنا عيشة رضية وميتة سويّه ومرداً غير مخزٍ ولا فاضح . 
ثم صلوا وسلموا على محمد بن عبدالله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . 

الثلاثاء، 19 ديسمبر 2017

خطبة عن الإختبارات



الحمدلله رب العالمين القوي المتين والموفق المعين ، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقدوة الخلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى أفضل نجاح وأعظم فلاح وصى به الله ورسوله في الكتاب والصحاح من الأحاديث الفِصاح ( ولله ملك السماوات والأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله مافي السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا ًحميدا ) .
عباد الله : إن مما يَهـُم فئة الشباب في شؤونهم التعليمية والتحصيلية حضور موسم الإختبارات سواءً كانت في مدارس عامة أو جامعات أو مؤسسات تعليمية في جهات أخرى ومما ينبغي للجميع علمه ومعرفته تذكّر الحساب في هذا الشأن حين تـُنصب الموازين لدى رب العالمين يتبين خلالها الإمتحان الحقيقي الذي به سعادة الإنسان وشقاءه وعذابه ونعيمه قال ربنا في محكم الآيات : " والوزن يومئذٍ الحق فمن ثقـُلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون " وإن تذكّر مثل ذلك اليوم المهول والمصير المجهول يُهوّن الكثير من الأمور عامة وشأن همّ الإمتحانات خاصة ويُعد العدة ويحسب الحساب لذلك اليوم الآتي والوعد المرتقب الذي تسقط فيه كل العلائق والشفاعات حتى يأذن بها الله جل جلاله وعظـُم سلطانه في يوم لايتكلم به الملائكة فضلاً عن البشر : " يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لايتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا * ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا " .
إذا تذكر الإنسان ماهو مُقدم عليه وذاهب إليه أعدّ العدة ولزم الدعاء في الرخاء والشدة ، لايغفل عن هم الآخرة الذي هو الهم الحقيقي يقول سبحانه لهول الساعة : " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لايجلّيها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لاتأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله وما يُدريك لعل الساعة تكون قريباً "
ومن ثم لايعني أن يفرّط صاحب الشأن من طالب أو باحث في أداء مالزمه من تعليم وامتحان في حياته الدنيا ولا أن يترك الإبداع والتميز في ذلك بحجة العمل للآخرة ، فإن ذلك إذا طلب به وجه الله ونفع المسلمين بما قدم أو سيقدم فإنه يؤجر ويثاب عليه في الآخرة ، ولا شك أن سبيل وطريق لرضا الوالدين وإدخال للسرور عليهم ، ولو قُـدر له أن ضعُف أو أخفق بعد أن بذل السبب واجتهد وصابر وقدم ، فلا يتسخط ولا يتذمّر ولا يسب ولايفري في عرض فلا وفلان بحجة واهية ، بل إن ذلك يحرم عليه بلابينة ولا دليل وليعلم أن ذلك كله بقدر الله ، قال نبينا عليه الصلاة والسلام : " واعلم أن ماأصابك لم يكن ليخطئك وأن ماأخطأك لم يكن ليصيبك ، وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يُسرا " .

وليطلب من الله العوض والخير والتوفيق والفلاح في الدنيا والآخرة وليعتمد على الله في كل أموره ، ومن أسمائه " الوكيل " الذي تُوكل إليه الأمور ( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء ٍ وكيل * له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) وهو الحكيم في قضائه والمسدد والمعطي للطالبين والمجيب للسائلين .
ومن ثم اعلم أن التوفيق له أسباب شرعية وأسباب مادية فمن الأسباب الشرعية : 


* المحافظة على الفرائض وخصوصاً صلاة الفجر مع جماعة المسلمين قال سبحانه : " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى "
* ومنها السعي في رضا الوالدين بكل وسيلة فهما باب من أبواب التوفيق والفلاح في الدنيا والآخرة ، قال عليه الصلاة والسلام : " رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما " رواه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم .
* التوكل على الله حق توكلّه والناس في هذا متفاوتون تفاوتاً كبيرا .
* اجتناب الظلم ودعوات الناس التي تصدر عن مظلوم ظلمه فلان من الناس فأصبحت هذه الدعوة وهو لايدري تهدم دينه ودنياه ولايعلم سبب ذلك ولا يذكره وهنا تكون الحيرة والإضطراب ويتوب الله على من تاب ورد الحقوق لأصحابها .

* ومن الأسباب الشرعية كثرة الدعاء وتلمس الأوقات التي يُجاب فيها الدعوة وهو سبحانه يُدعى في أمر الدنيا ويُدعى في أمر الآخرة لأن مما من شيء إلا عنده خزائنه ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) وتطييب المأكل والمشرب سبب من أعظم الأسباب في إجابة الدعوه .
ومن الأسباب المادية التي تعين على التوفيق في شؤون الإمتحانات والأعمال عامة :
* بذل الجهد المطلوب كما هو مقرر على الدارس أو الطالب أو صاحب العمل الذي يسعى من أجله .
* ومنها : التخطيط المُسبق قبل الدخول في أي أمر كان فإنه ذلك يُعين على قطع المشوار بغير كلفة أو تبعات .
* ومنها : الإهتمام والحرص على المنافسة في التحصيل والعلم فروح المنافسة وقود لاينطفئ لوجود التنافس في طلب المعالي في كل الأمور ومجاراة الأقران
وفي الحديث : " إن الله يُحب معالي الأمور ويكره سفساطها " .
* ومنها : الطموح الذي يبعث على البذل والعطاء لتحقيق الهدف المرجو ونيل المرام * ومنها : التفاؤل ونبذ التشاؤم في كل أحوال ابن آدم وماقام لمسلم حق أو ماتحقق أمل إلا بالتفاؤل الذي ينبعث في النفس المطمئنة ويبعث على الفرح والسرور لنيل المطلوب وتفريج الضيق والكروب .
* ومنها : تذكر القدوات فتذكر القدوة يحث النفس ويشجعها على التشبه بفعلها ويهون على النفس مايتعرض له من متاعب في التحصيل والبذل والسعي في ذلك .

إذا لم يكن توفيق ربي مساندا * فلن ينتفع مرءٌ بسعي جاهدا
تالله لو هتك السماء بحرصه * وأتى بكل العـالمين مُجــالدا

فاللهم أصلح ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير والموت راحة لنا من كل شر . . واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي غفور رحيم .


=========== الخطبة الثانية ===========


الحمدلله رب العالمين وإله المتوكلين وخالق الخلق أجمعين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

عباد الله : إن مما ينبغي تربية النفس عليه وتأنيبها في التقصير فيه ومحاسبة النفس في ذلك والسعي وراء ترسيخه في القلوب وجبر الخلل الواقع فيه وهو من أعظم مايُتعبد الله به هو : " عبادة التوكل " التي اهتزت في قلوب خلق وأقوامٍ من المسلمين ، لركضهم وراء الماديات والإعتناء بالأسباب وتهميش المسبب سبحانه وتعالى الذي عم بالخلق النوال وحقق بالدعاء الآمال فكيف يُغفل عن الإعتماد عليه وتفويض الأمور إليه ، وقد يصل حال الإنسان إلى الشرك بالله تعالى من حيث لايشعر وذلك أمرٌ يتسلل إلى القلوب بسبب الغوص والركض في جلب المصالح الدنيوية والإبتعاد عن حياض الدين ، ومما قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ، ألا أخبرك بأمر يُذهب صغاره وكباره " قال : بلى يارسول الله ، قال تقول كل يوم ثلاث مرات : (( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لاأعلم )) رواه ابن حبان وصححه وابن أبي حاتم .

قال الشيخ عبدالرحمن البراك غفر الله له : " إن الإعتماد بالقلب على الأسباب شركٌ في التوحيد ، وإن كانت صحيحة وثابتاً تأثيرها لأن ذلك نوع توكلٍ عليها ، ويتضمن الغفلة عن الله الذي خلقها وجعل فيها ماشاء من التأثير في مسببًّاتها ، فإنه تعالى خلق الأسباب والمسبًّبات ، وهو الذي جعل التأثير في الأسباب والقابلية في المسبًّبات " ا.هـ كلامه وخلاصة القول أن الإعتماد على السبب بالكلية بحيث أنه هو المسبّب للحدث شرك أكبر وأما الإعتماد عليه كسبب مع التعلق به فهو شرك أصغر ، وصاحب النهج القويم من يعتمد على الله ويتعلق به ويبذل السبب ولا يعتمد على السبب في تحصيل المطلوب بل على ربه جل جلاله وهذا هو التوكل المأمور به في كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم " وعلى الله فليتوكل المتوكلون " وقال : " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " فجعل التوكل شرط للإيمان ودلالة عليه .

اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، وبيدك الخير والتدبير والفرج لكل أمر عسير ياعزيز ياقدير .

اللهم وفق شبابنا بتوفيقك في دينهم وتعليمهم ودنياهم ويسر أمورهم يامولانا ومولاهم .

الجمعة، 24 نوفمبر 2017

خطبة عن مولد النبي عليه الصلاة والسلام ومعجزاته

الحمدلله الجواد التواب الكريم الوهاب الذي أنزل الكتاب وأجرى السحاب وهزم الأحزاب ، بيده البطش والرحمة والعذاب والصلاة والسلام على النبي والعِترة والأصحاب ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب أما بعد :
عباد الله اتقوا الله تعالى فالتقوى أكرم نسب وأفضل حسب وأسمى طلب " ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثنى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير " .

عباد الله : إن أفضل من سبق الناس بالتقوى والديانة والعقل والأمانة والرزانة وحسن البطانة هم الرسل وأفضل الرسل وخمسة وهم أولوا العزم من الرسل : نوحٌ وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمدٌ صلى الله عليهم أجمعين وخير البرية ابراهيم عليه السلام وأفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم الذي كرمه ربه وأعلى مقامه وهو القائل عن نفسه عليه الصلاة والسلام : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " .
فهذه وقفة وتأمل مع مولده وحياته ومعجزاته والكلام في سيرته وحياته ودعوته يطول ولكن حسبنا أن نستطلع بعض الجوانب التي تفيدنا أكثر في ديننا وسلوكنا ، فقد ولد عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول عام الفيل وقد أختلف في يوم مولده فقيل في اليوم التاسع وقيل الثامن وقيل الثاني عشر وفي ذلك حكمة لعل من يحتفل بمولده الآن يرتدع عن غيه في إقامة الموالد النبوية وإن كان الأكثر يذكر أن مولده في اليوم الثاني عشر وفي مولده معجزة فقد رأت أمه نورا ً أضاء لها قصور الشام ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنا عبدالله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك إني دعوة أبي ابراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا رأت أمي ، وكذلك أمهات الأنبياء يرين ، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاء لها قصور الشام " أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان .

وقد ُذكر أنه وُلد مختوناً ولم يثبت في ذلك حديث يستند إليه في ذلك وقد لاقى في صغره مالاقى وإنه عاش طفولته يتيماً فقد مات والده قبل ولادته بأشهر وماتت أمه وله من العمر ست سنين ومات جده وله من العمر ثمان سنوات وكان يرعى الغنم لأهل مكة وقبل بعثته عليه الصلاة والسلام حبب إليه التعبد والخلوة في غار حراء وكان على طريق الغار حجر يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث وقد ذكر ذلك عليه الصلاة والسلام وقد لاقى في دعوته بعد البعثة من أذى قريش وثقيف ومن ثم الأحزاب أذىً كثيراً وعمه أبا طالب كان يدافع عنه ويقول :
وعرضت دينا قد علمتُ بأنه * من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذارِيَ سُبّة ٍ* لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
ويقول في الدفاع عنه :
والله لن يصلو إليك بجمعهم * حتى أوسّد في التراب دفينا
ثم توفي بعد ذلك كله عمه أبو طالب قبل هجرته بثلاث سنوات وقد فقد رسول الله عليه الصلاة والسلام تلك اليد التي تمده بالعزيمة فحزن على عمه حزناً عظيماً ومن ثم عوضه الله بإسلام عدد من كفار قريش بعد ذلك وبالهجرة فجاء الفرج له من الله بعد أن طورد وحوصر عليه الصلاة والسلام حصاراً ظالماً غاشماً من بطون قريش بشعب أبي طالب ثلاث سنين وقطعت عنهم الميرة أي الطعام فبلغ بهم الجهد مبلغاً عظيماً حتى أرسل الله الأرضة فأكلت تلك المعاهدة الجائرة وكل ذلك ليجري البلاء على نبيه ويستحق تلك الدرجة الرفيعة بين الأنبياء ويُعلّم أمته على الصبر وتحمل المشاقّ في سبيل الدعوة إلى الله والله قادر أن ينصره بلمح البصر ويعّزه بسويعات معدودة فكم تعب عليه الصلاة والسلام من أجل أمته وفي الأخير يأتي أناس يتجرؤون على جنابه من أراذل الناس وليتهم من الأمم الأخرى بل ممن ينتسبون لأمته فويل ٌلهم من عذاب يوم شديد ومن عقوبة الله والوعيد .
ولنقف وإياكم مع بعض ٍمن معجزاته التي تظهر مقامه وعلو قدره عند ربه والتي وردت في كتب السنة والتاريخ لتروا مدى نصرة الله له ومدّه بالمعجزات والكرامات التي لم تكن لغيره عليه الصلاة والسلام وأعظمها انشقاق القمر فرقتين يراهما القريب والبعيد على حدٍ سواء يقول الحق في ذلك : " اقتربت الساعة وانشق القمر " وتلك أكبر معجزة ظهرت في عصره وفي العصور المتأخرة إلى قيام الساعه وإن الإنشقاق ليتبين للباحثين وللناظرين الفلكيين بالمناظير الفلكية الحديثه .
- ومنها : حادثة الإسراء والمعراج التي وقعت في شهر رجب على الصحيح وفيها من عجائب قدرة الله بقطع المسافات بجسد من طين بلمح البصر يقطع فيها النبي عليه الصلاة والسلام أطباق السماوات ومفاوز الأرض بوقت يسير في ليلة واحدة ، يذهب إلى موقع يُسمع فيه صريف الأقلام على الصحف وذلك تحت العرش ثم يرجع من ليلته وينام على فراشه ولم يختل عقله ولم يعتلّ جسده إن في ذلك لآيه وأحدنا لو صعد إلى الفضاء قليلاً لأحس باختناق شديد بسبب نقص الهواء والأكسجين في ذلك المكان .
- ومنها : إخباره بانتصار الروم على الفرس بعد انتصار الفرس على الروم ووقع ذلك بعد حوالي سبع سنوات .
- ومنها : نُطق الذئب بنبوته عليه الصلاة والسلام : فعن الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " عدا الذئب على شاةٍ فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه قال : ألا تتقي الله تنزع مني رزقاً ساقه الله إلي فقال : " ياعجبي ذئبٌ مقعٍ على ذنبه يكلمني كلام الإنس " فقال الذئب : " ألا أخبرك بأعجب من ذلك ، محمدٌ صلى الله عليه وسلم بيثرث يخبر الناس بأنباء ماقد سبق " قال : فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة " فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وأسلم . رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في دلائل النبوة ، وقال : " اسنادٌ صحيح " ورواه أحمد والبزار بنحوه مختصرا ً وذ ُكر عن ابن اسحاق أن الذي كلم الذئب سلمة بن الأكوع الصحابي الجليل رضي الله عنه .
- ومنها شهادة شجرة السلم وعذق النخلة برسالته عليه الصلاة والسلام فقد أخرج المحدث الدارمي رحمه الله في سننه عن أبن عمر رضي الله عنهما قال : " كنا في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين تريد ؟ " قال : إلى أهلي ، قال : " هل لك من خير ؟ " قال : وما هو ؟ قال : " تشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمدا ً عبده ورسوله " قال : ومن يشهد على ماتقول ، قال : " هذه السلمه " فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثلاثاً أنه كما قال ، ثم رجعت إلى منبتها . والحديث أخرجه ابن حبّان في صحيحه وصححه الألباني .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بمَ أعرف أنك نبي ؟ فقال : " إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله " فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " ارجع " فعاد " فأسلم الأعرابي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبّان في صحيحه وصححه والحاكم كذلك وقال بعض المحدثين : اسناده صحيح على شرط الشيخين .
- ومنها : تكثير الطعام بين يديه ليكفي الجيش والفئام من الناس ونبع الماء بين يديه وتسبيح الحصى وحنين الجذع وسجود البهائم وشكواهم له وكذلك الطير والمعجزات كثيره وحسبنا من ذلك بعضها وذلك غيض من فيض ونهر من بحر وقلة من كثرة ونقطة من جرّه ، فاللهم بصرنا بالسنة والكتاب وبسيرة النبي الأعظم والآل ذوي الألباب ياكريم ياوهاب أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============= الخطبة الثانية ===============

الحمدلله خلق خلقه من عدم وهدى بالكتاب والقلم وفضل هذه الأمة على سائر الأمم والصلاة والسلام على النبي ذي الفضائل والكرم الذي أنار ربنا به الظُلـَم وعلى آله وصحبه ذوي البصائر والقيم ومن تبعهم بإحسان صلاة ًوسلاماً بعدد اللفظ والكلِم أما بعد :

عباد الله : اتقوا الله تعالى واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
واعلموا أن لنبينا حقوقاً كثيرة أوجبها الله علينا وعلى رأسها الإيمان به واتباع سنته ونهجه في الحياة والممات والدفاع عنه عند من يشوه جنابه وينال من عرضه ويشتمه رفع الله قدر نبينا وأعلى مقامه ولايجوز السكوت أبداً بمجلس يُنال فيه من عرضه عليه الصلاة والسلام والله قد كفى نبينَا من يفعل ذلك على وجه الإطلاق " إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون ". فلاتحزنوا ولاتهنوا ولا تضعفوا وجاهدوا في الله حق جهاده واحذروا من الإبتداع في دين الله الذي أكمله نبينا نبي الرحمة ولا شك أن ذلك يُغضبه ولا يرتضيه ومما خالف فيه كثير من هذه الأمة ماكان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين بدعة " الإحتفال بالمولد النبوي " التي ماأنزل الله بها من سلطان ، وماأمر بذلك أحدٌ من علماء هذه الأمة المعتبرين ولكن هي بدعة محدثة أحدثها الفاطميون الباطنيون في مصر في المائة الرابعة من الهجرة ودعوا الناس لذلك على يد الشقي المدعو ( المعز الفاطمي ) ومن ثم انتقلت هذه البدعة عبر العصور ومثلها التشيع والزندقة إلى أن وصلنا هذا الداء ، ومن المؤسف أن بعض الدول تولي هذه البدعة عناية منقطعة النظير وتمنح إجازة رسمية لأجهزتها الحكِِومية والتعليمية ، ليتفرغوا - بحسب زعمهم - لأداء الطقوس البدعية ، وبعض علِمائهم ذكر أن صيام هذا اليوم سنة وهو الثاني عشر من ربيع الأول فحسبنا الله ونعم الوكيل . . فياللعجب من حال هؤلاء المتعالمين وأهل الجهل الذين ماأُتي هذا الدين ولا انخرم إلا من قِبـَلهم فذلّوا ولُعنوا وضلوا وأضلوا وتسلط عليهم وعلى غيرهم أعداء الإسلام فصاروا بذلك كما قال الشاعر :
تجهموا أدنى المنازل بعد أن كانوا قمم * صاروا بذا أضحوكة بين الخلائق والأمم
ومما يندى له الجبين والقلب لحال أولئك لايستكين أنهم يجتمعون على المعازف والطبول والتوسل بجاه الرسول وطلب المدد منه والعون وحالهم هناك هو حالهم لو ظفروا بالوصول لقبره والتمسح به وهو القائل عليه الصلاة والسلام :" اللهم لاتجعل قبري وثناً يُعبد " فجمع أولئك بين الكبائر والشرك والبدعة فهل ترجو هذه الأمة نصراً وعزاً وكرامة .
فاللهم تول أمر هذه الأمه واهد ضالهم وبصر تائهم وأرشد حائرهم للعض على الكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعه في القول والعمل وجنبنا ربنا الزلل والضلال والعلل وتأويل المبطلين وتحريف الجاهلين .
هذا وصلو وسلموا على نبي الرحمة والهدى والحكمة محمد خاتم النبيين ورسول رب العالمين .

الأربعاء، 15 نوفمبر 2017

خطبة عن الشهرة

الحمدلله هدى بالبينات والهدى ولم يخلق الخلق سُدى وحذر من سلوك سبل الردى والصلاة والسلام على نور الدجى وغيظ العدا نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضائل والفداء وعنا معهم ومن اهتدى أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فالتقوى من الله نور وبرهان ونجاة من المهالك والنيران ، ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً 
تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ) .
عباد الله : إن من نعم الله على العباد أن جنبهم السبل الردية وهداهم لسلوك السبل السوية الموصلة إلى رضوانه سبحانه وتعالى وإن من شقاء بعض العبيد سلوك سبلٍ لاتُرضي الله جل جلاله ولاتهديه إلا إلى الهلاك والبوار وإن كان يتحصل بتلك الطرق على مرغوبه وشهوته حينا وزمانا في الدنيا ومن ثم يؤول به الحال لسوء العاقبة والمصير ومن هذه الطرق " طريق الشهرة " الذي افتتن به كثير من الناس على حساب الدين وضياع الديانه والسقوط في أوحال الفتنة وذهاب الوازع الديني من أجل الإرتقاء إلى منبر الكلمة وإن كان الضحية دينُه وأمانته بل وأسرته وأولاده أعاذنا الله وإياكم من هذا الطريق ، إن الذي يريد هذه الشهرة المقيته هو في الواقع يسلك سبيل السخط من الله والعقوبة وأول من يدخل في حديث : " وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم " وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لايُلقي لها بالاً ، يهوي بها في جهنم أبعد مابين المشرق والمغرب " فالكتابة في الواقع في برامج التواصل الإجتماعي التي هي كما يعتقد الكثير بابٌ للشهرة تجري مجرى الكلام باللسان وإن لم يتلفظ بذلك بلسانه ، فما الكتابة في الواقع إلا تعبير عما يجول في الفؤاد وتصدقه الجوارح واللسان ولكن مالذي يدعو هؤلاء لمثل هذه الأفعال العظيمة من تناول لثوابت الشريعه أو رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام
 بالثلب والسب والشتم من قِبل هؤلاء المهووسين بالشهرة والراكضين وراء تلك الفتنة المغرية والسوءة البالية . 
عباد الله : إن من أكثر الأسباب التي تجعل مثل هؤلاء يلهثون وراء سراب الشهرة  ولايرعوون ولا يحسبون لدينهم ولايُحسّبون لسوء مصيرهم هوعدم ترشيد وإشباع هذه الشهوة بطريق مباح وميسور ، ولأن تكون ذنب في الحق خيرٌ من أن تكون رأساً في الباطل . . وكان السلف رضوان الله عليهم يعتقدون مثل ذلك 
وقال أيوب السختياني رحمه الله: ما صدق عبدٌ قط فأحب الشهرة، وقال بشرٌ الحافي : ما اتقى الله من أحب الشهرة، وقال يحيى بن معاذ : لا يفلح من شممت منه رائحة الرئاسة، وقال ابن الحداد: ما صدّ عن الله مثل طلب المحامد وطلب الرفعة: المنصب، والرياسة وكذلك الشهرة . وفي الحديث  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه "  يعني على حساب دينه وعقيدته والمعنى :  أن حرص المرء على المال والشرف ويدخل في الشرف الشهرة كأشد من ذئبان أرسلا في الغنم ؟  فماذا تتوقعون أن يصنعا ، فلا شك أنها سيفسدان في الغنم ويعيثان بها أشد الفساد ، فكذلك حرص الرجل على الشهرة والمال يعيث ذلك بدين المرء فسادا ً ويدمر خلق الإنسان ويفسد عليه كيانه وديانته ، فيوالي من أجل ذلك ويعادي لذلك ويكون ولاءه مدخولاً لاخالصاً للحق سبحانه وذلك يدخل في شرك المحبة الذي هو نوع من أنواع الشرك فلنحذر عباد الله من هذه الآفة التي سرى خلفها الكثير بلا تمعن ولاتروي .
عباد الله : وإن من أسباب ذلك أيضاً شح النفوس وطغيان الشهوة ومرض الشهرة من أمراض الشهوات فالنفس بطبعها تميل لحب الشهرة والرئاسة بسبب شح النفس وحب الظهور وقد حُذرنا من الشح وأخيه الهوى ففي حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم أمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا " رواه أبو داوود وكذلك حديث معاوية رضي الله عنها والذي جاء فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : " وإنه ليخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلـَبُ بصاحبه ، فلا يبقى مفصل ٌولا عرق إلا دخله " وسنده صحيح  ، والكـَلَب داء يصيب الإنسان من عضة الكلْب فيهلكه ويصيب الكلْب بحالة من الجنون والهوس بعض الناس ومهاجمتهم - حمانا الله وإياكم .

عباد الله :  ومن أسباب ذلك التشبه بمن سلك هذا الطريق وإن كان من أشقى الناس والصاحب ساحب والهوى سالب ولكل فضيلة محارب ، ثم اعلموا عباد الله أن من هداه الله ووفقه سخر ووظف هذه الشهوة بما يخدم دينه ويرضي خالقه ويزيد من نفع المجتمع الذي يعيش فيه فيعلو بذلك شأنه ويكسب قبول ومحبة الناس ودعاءهم ، ويتفانى في سباق محموم بنصرة قضايا المسلمين في كل مكان والبخيل في هذا الشأن من بخل بجاهه وفقنا الله وإياكم لكل خير ورشد وصلاح واستعملنا في طاعته وجعلنا من خدام دينه ومن يجاهد في الله جق جهاده . . 
أقول ماتسمعون فما كان من رشد وصواب فمن الله وإن كان سوى ذلك فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله الغفور لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي غفور رحيم . 

============ الخطبة الثانية =============


الحمدلله ذو الجلال والإكرام الملك القدوس السلام والصلاة والسلام على المبعوث للأنام وعلى آله وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان وعنا معهم إلى على مدى السنين والأعوام أما بعد : 
إن مما يجدر الإشارة إليه في هذا الموضوع أن المجتمع في زماننا هذا يُفسد بسبب اصرار الكثير من الناس على تداول مواضع عن الشهرة وتصرفات غير مدروسة وخصوصاً من طبقة الشباب هداهم الله وكذلك الخوض في تداول أخبار القدوات السيئة في بلادنا كالفنانين وبعض اللاعبين ولو كان هؤلاء من بلدان لاتنطق باللغة العربية أصلاً فيقوم بتمليع منهجهم بعض المعتوهين والمغفلين المحسوبين على أمتنا من الشباب خاصة وغيرهم على وجه العموم ، ومما ينبئ بهشاشة وسفه بعض المراهقين هداههم الله عدم التروي والتؤدة وإعمال الفكر في جدوى ميتناول أو يرسل من أخبار عن هؤلاء المشاهير حتى أنه يتمنى بعض الصالحين أن يكون أمثال هؤلاء المشاهير وإن كانوا على ضلال مبين (( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون )) مع أن البعض من هؤلاء يركب مركب الكذب والإفتراء لكي يكون ذلك طريقه إلى الشهرة بأسرع طريق فخابوا وخسروا وذلوا وما ربحوا ، ولم يسلم حتى النساء من هذا الداء ولعل البعض سمع عن فتاة قامت بتصوير نفسها زاعمة أنها ستنتحر من أجل أن تقطع للشهرة أسرع طريق فضج بعض الناس ووقع في مصيدة هذه وقام  من قام بالنشر والإرسال على نطاق واسع ومن ثم في الأخير تبين كذب هذه الفتاة وأمثالها ممن باعوا دينهم وضميرهم وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام أشد التحذير من كذبة تبلغ الآفاق . 
عباد الله : إن علاج مثل هذا الداء المستشري هو بالوقوف عند المسلمات والثوابت في الشريعة التي تُحذر من هذا الصنيع ووتوعد صاحبه بأشد العقوبة وتتم أيضاً بنصب خشية الله بين الأعين ومراقبة الله جل جلاله في السر والعلن والتخلص من عامة أمراض الشهوات التي فتكت بالسواد الأعظم من المسلمين إلا من رحم الله والناس فيها مابين مقلّ ومكثر وجريح ومخدوش وغارق بعضه أو كله في مستنقع الشهوات وفي أنهار المنكرات والبلايا والسيئات ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : " فإن لم يستجبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين " 
فاللهم اصرف عنا كل فتنة ونجنا من كل سوء ومحنة واجعلنا ممن يعض على الكتاب والسنة فيوصله ذلك لدار النعيم والجنة ياذا الفضل والمنة . 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...