الجمعة، 14 أغسطس 2020

خطبة عن العام الهجري الجديد

الحمدلله مصرف الدهور ومداولِ الأعوام والشهور أحمده وهو العزيز الغفور وأثني عليه وهو القدير الشكور وإليه تصير الأمور وأصلي وأسلم ُ على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المصير أما بعد : 
فاتقوا الله تعالى فالتقوى دأب المفلحين وبه النجاة يوم الدين     ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ً ) . 
عباد الله : محاسبة النفس وتدراك الأخطاء هو طريقٌ يحتاجه كل مؤمن ومؤمنة وذلك أن الإنسان كتب الله عليه الخطأ منذ ولادته إلى يوم مماته وكتب الله الخطأ بالجملة على ابن آدم حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال : " كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهم . 
وقال سبحانه في وصف عباده المتقين في سورة آل عمران  :  ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) والإصرار أن يستمر على المعصية ولا يتوب إذا أذنب ولذا قال ابن كثير رحمه الله : " قوله : ( ولم يُصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويُصروا عليها غير مُقلعين عنها ولو تكررّ منهم الذنب تابوا عنه . 
وفي قبول التوبة قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : " لو تكررّ الذنب مائة مرّة أو ألف مرّة أو أكثر وتاب في كل مرة قُبلت توبته وسقطت ذنوبه ، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته " 
عباد الله : إننا نستقبل عاماً هجريا ًجديداً وقد ودعنا عاماً مضى طويت صفحاتُه ورفعت أعماله ودونت بخيرها وشرّها والمؤمن ينبغي أن يكون في كل عامٍ يحلّ عليه أقرب إلى ربه من عامه المنصرم ، وإن لم يكن كذلك فحياته وسنوات عمره وبالٌ عليه وحسرة والزمن والوقت ماضٍ شاء المرء أم أبى ، وهذه سُنة الله في سائر خلقة فيومٌ لك وهذه منّة ونعمة من الله عليك لتتذكر وتشكر ويومٌ عليك لتعود لربك وتستغفر 
( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شُهداء والله لايُحب الظالمين * وليُمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) وورد في صحيح البخاري أن عليَ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : 
" ارتحلت الدنيا مقبلة وارتحلت الآخرة مُقبلة ولكل واحدة منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عملٌ ولا حساب وغداً حسابٌ ولا عمل " 
ويقول قس بن ساعدة الإيادي : 
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر 
لمّا رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر 
ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر 
لايرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر 
أيقنت أني لامحالة حيث صار القومُ صائر 
وانظروا كيف خلّد الله شعره لكونه على الحنيفية ِ ملة ابراهيم عليه السلام  وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : 
" والذي بعثني بالحق لقد آمن قسٌ بالبعث " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع خطبَه عليه الصلاة والسلام وكان يخطب في قومه في الجاهلية ويقول : " يامعشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد ، أين المعروف الذي لم يُشكر ، والظلم الذي لم يُنكر ، أقسم قسّ بالله إن لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا " ويقصد به دين محمد عليه الصلاة والسلام فقد كان قسٌ قارئاً لكتب أهل الكتاب وقيل أنه أدرك سمعان تلميذ المسيح عليه السلام وأنه عمّر طويلاً بحدود الستمائة سنة . 
عباد الله : الدهر والزمن هما صندوق العمل فلابد من إستغلال العمر بما يعود على العبد في دينه أولاً وبما يعود عليه في مصالح عيشه والوقت الذي تقضيه في أمور دنياك إن احتسب ذلك من أجل صلاح دينك وعفة نفسك وإطعام ولدك وسدّ حاجتك لكي لاتفتقر للناس كان ذلك لك لاعليك ، وكل وقتٍ تقضيه فيه فإنك مأجورٌ عليه ولكن لابد من استحضار النية ومراجعة القصد لكي لايكون هم ابن آدم الإستكثار من الدنيا وعدم تسخيرها لأمور الآخرة ولصلاح الدين وحفظ النفس من الآثام فاللهم اجعلنا ممن يستعملُ دنياه لدينه ولا تجعلنا ممن يستعمل دينه لدنياه فيبوء بالخسران يالطيف يامنان ياجواد ياديّان أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======= الخطبة الثانية =======
الحمدلله المبدئ المعيد ذي العرش المجيد الفعّالِ لما يرُيد والصلاة والسلام على من أرسله الله للخلق والعبيد نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتأييد وعلينا معهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المزيد أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وتأملوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال : " ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها " رواه الطبراني والبيهقي بأسانيد أحدها جيد ، وقد يستشكل هذا الحديث بعض الناس فيقول : 
كيف يتحسر أهل الجنة على ساعة لم يذكروا الله تعالى فيها والندامة لاتُصيب أهل الجنة أصلاً فليس في الجنة إلا النعيمُ المقيم والسرور الدائم فيقال : إن تحسرهم على تلك الساعة ليس داخل الجنة وإنما يكون في موقف العرض والحساب ولكن في الجملة استثمار الوقت والعمر في طاعة البارئ سبحانه هو مشروعك في نهجك وسيرك لله تعالى ( ياأيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه ) فالإنسان ماأتى إلى هذه الدنيا إلا ليعمل وكل الناس يغدو فبائع ٌ نفسه فمعتقها أو موبقها فصفقة البيع مع الله لابد فأنت رابحٌ حينها أو خاسر فاعمل بأسباب الربح تغنم ومن عذاب الله تسلم ، واحذر من أسباب الخسارة وأولها الولع بالدنيا ونسيان الآخرة فأسلم وجهك لربك واقنع بما آتاك الله وتذكر حديث نبينا عليه الصلاة والسلام حيث قال : " قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه " . 
فاللهم ارزقنا القناعة وأعذنا من شر الساعة وأدخلنا في الشفاعة وقنا شر طول الأمل ووفقنا لحسن العمل .
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . .   



الخميس، 16 يوليو 2020

خطبة مختصرة عن عشر ذي الحجة _ فضلها وما يسن فيها

الحمدلله الذي أجرى الأزمنة والأعوام وداول بين عباده الأيام  وخص بعضها بالفضائل ورفع الآثام وحثّ على العمل فيها وتحرّيها أهل الإسلام ، والصلاة والسلام على المبعوث للأنام نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ أعطر تحيةٍ وأزكى سلام أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وابذلوا كل سبب ووسيلة تقربك من خالقكم الإله ( ومن يتق الله يُكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) واعلموا أن خير الجديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور مُحدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : إن من منّة الله على عباده أن يُجري عليهم الأزمنة الفاضلة والأيام الفضيلة ليزادوا من الله قُرباً وليكفر عنهم إثما ً ويزداوا به خشية وعلماً فيجري عليهم النفحات ليرتقوا بتلك الأوقات في عالِ الدرجات والمنازل ، ومن عرف تلك الأيام وفضلها بادر بالعمل وترك التسويف والإغترار بالأمل ومن تلك الأزمنة مايحلّ علينا - بمشيئة الله - بعد أيام معدودة من عشر ذي الحجة التي هي أفضل أيام السنة على الإطلاق بلا شك ولا ارتياب وقد ورد في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام " أي : العشر قالوا يارسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ، قال : " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " وقد أقسم الله بلياليها - من باب ذكر الشيء ببعضه أو بالإشارة إليه تلميحاً لاتصريحاً - فإذا أقسم الله بالمفضول دون الفاضل وإن كان عظيماً عُرف أن الفاضل شرفه أعلى فقال سبحانه : " والفجر * وليالٍ عشرٍ * والشًّفع والوَتر " 
ولمّا كان مقدمة اليوم ليلته التي تحلّ قبله ، قدّمها في القسم وقد ورد أيضاً في بعض أيام العشر أن الشَّفع هو يوم النحر والوَتر هو يوم عرفة وورد ذلك في أكثر من رواية يرويها أصحاب ابن عبّاس عنهُ رضي الله عنهم وعنّا أجمعين وورد أيضاً في ذلك حديث صحح إسناده بعض أهل العلم وورد أن الشفع والوتر هو الشفع والوتر الذي يكون في الصلاة أيضاً 

عباد الله : إن العبرة على كلّ حال بالثمرة والأثر على العبد في تلك النصوص الواردة ، هل هو ممن ينتفع ويبادر إلى العمل والله يحثّه ويحث كل مؤمن ويقول ( وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين ) أو يكون ممن يغفل سائر عمُره وتضيع عليه أوقاته عاماً وشهراً ويوماً بعد يوم وهو لايُقدم لنفسه ولا يحرص على ساعات يومه فيتقلّب بين السهر بالليل والنوم بالنهار حتى إذا داهمه الموت وجد حاله مفلساً من الكثير من الصالحات فلذا قال صلى الله عليه وسلم : " بادروا بالأعمال خمساً - أي تعتريكم وتصرفكم خمساً  - هل تنتظرون إلا فقراً منسيا أوغنىً مطغياً أو مرضاً مُفسدا أو هرماً مفنّدا أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشرّ غائبٍ يُنتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمرّ " رواه الترمذي وحسّنه ، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام : " بادروا بالأعمال خصالاً ستاً - أي صوارف ستة - إمرة السُفهاء وكثرة الشُرط وقطيعة الرحم وبيع الحكم واستخفافاً بالدم ونشواً - أي شباب ناشئ - يتخذون القرآن مزامير يُقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم مايُقدمونه إلا ليغني لهم " أخرجه الإمام أحمد وابن أبي الدنيا وصححه الحافظ ابن حجر والألباني . 
عبادالله : كثرت الملهيات في هذا العصر وصارت العبادة على البعض ثقيلة لأنهم رغبوا في اللهو واللعب والإنشغال بما لاينفع أكثر من الحد الموصى به ، وهذا يزرع الغفلة في القلوب ويُلهي عن المسؤوليات الواجبة فضلاً عن عمل الصالحات المسنونة ، وماأفلح كثيرٌ من الناس بجهاد نفسه فكيف يُفلح وينجح بجهاد ولده وأهله وإصلاح قرابته ومجتمعه فالآن على كل واحدٍ منّا أن يُجاهد نفسه ضد الملهيات التي تسببت في التخلي عن المسؤوليات ومن لم يستثمر الأوقات عموماً والفاضلة منها خصوصاً فمتى يسير بخطاه إلى رضا مولاه ويحقق تقواه  . . فلابد من المحاسبة الجادة قبل ذهاب الأعمار وحلول الآجال فالوقت يمضي والزمن ينفضّ ولا تنظر لكثرة اللاهينِ والغافلين ، ولا أتباع الشهوات والمثبطين  
فبادر أخي للخير قبل فواته * ودع غافلاً مستغرقاً في سُباته 

فاللهم ألهمنا رشدنا لتدارك أعمارنا وبارك لنا في أوقاننا وذرياتنا وأصلح سائر أحوالنا ياذا الجلال والإكرام أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======== الخطبة الثانية ========

الحمدلله ولي المتقين الذي هدى النجدين وأبان الخير للثقلين والصلاة والسلام على نبي الهدى واليقين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين أما بعد : 
عبادالله : إن لنا في سيرة السلف الصالح بعد النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وعبرة فكيف كان حالهم مع هذه العشر الفاضلة وماذا قالوا عنها : 
كان السلف الصالح يُعظمون هذه العشر من ذي الحجة أشد التعظيم وكان بعضهم يعتكف فيها في بيوت الله فلا يخرج إلا لحاجة ملحة ولقد كان ابن عمر وأبوهريرة يخرجان إلى السوق فيكبران فيكبر الناس بتكبيرهما لايخرجان إلا من أجل ذلك وقد كان سعيد بن جبير يجتهد فيها إجتهاداً لايكاد يستطيعه أحد ولا يقوى عليه ، وكان الحافظ ابن عساكر يعتكف فيها في المسجد فلا يخرج أو قلّ أن يخرج وروى البيهقي في شُعب الإيمان وابن عساكر في تاريخه عن أنسٍ رضي الله عنه قال : " كان يُقال في أيام العشر : بكل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم - يعني في الفضل . 
وأخرج البيهقي أيضاً عن الأوزاعي قال : بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يُصام نهارها ويُحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة ، وكانوا يصومونها ويقومون ليلها وكان سعيد بن جبير يقول : " لاتُطفئوا سُرجكم ليالي العشر " فهل بعد ذلك تفرّط أو تقصّر في اغتنامها فياخيبة المفرطين وياخسارة المقصرين فاستعيذوا بالله من الحرمان 
عشر ذي الحجة حانت * بالثواب والأجور 
موسم الخير توالى * للمجدّ والصبور 
فاجهدوا فيها بحزم * واطردوا كل الفتور 
يالغبن من توالى * قصّر كل القصور 
إن تُفوّت ذي المواسم * فمتى ترجو الغفور . 
هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير والسراج المنير 

الخميس، 2 يوليو 2020

خطبة عن طلب الرزق والعمل

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة فأنار به من الجهالة وهدى به من الضلالة ، وفتح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً ، فصلوات وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عبادالله فبالتقوى تَنالوا المكرمات وتبلغوا الحاجات وتُكشف البليات ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) . 
عبادالله : خلق الله الثقلين الجنّ والإنس وأمرهم بعبادته وتكفّل لهم بالرزق هم وسائر الدواب قال جل ذكره وتقدّس أمره : 
( ومامن دابّة إلا على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كلٌ في كتابٍ مبين ) ومن أسمائه الرزّاق والرازق والوهاب والمعطي صاحب العطاء الذي لاينفد ولا ينقطع أبداً سبحانه وتعالى ( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون * ماأريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يُطعمون * إن الله هو الرزّاق ذو القوة المتين ) وقال في الذريّة ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطأً كبيرا ) وقال على سبيل التقرير : 
( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يُخرج الحي من الميّت ويخرج الميّت من الحي ومن يُدبّر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) وقال ( وكأيّن من دابّة لاتحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) . 
عبادالله : إن مسألة الرزق هي من توحيد الربوبية التي أقرّ بها المشركون فهي مسألةٌ اتفق على الإقرار بها الكافر والمسلم ولكن مسألة التوكل هي التي يتباين فيها الناس تبايناً ظاهراً ولذا ورد في الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لو أنكم تتوكلون - وفي رواية كنتم توكّلون - على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " رواه الترمذي وقال : حديث حسن . 
عباد الله : الرزق ضرورة لابد منها للكائن الحي وللإنسان والله أمر عباده بطلب الرزق والمشي في أكناف هذه الأرض للبحث عن الرزق قال سبحانه : (( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور )) وهذا لاينافي كونه سبحانه تكفّل برزق كل عبد ولكن حتى يعلم الإنسان أن بذل السبب أمرٌ مطلوب وواجب على العباد إلا من ألجأته الضرورة فهو معذور وسيأتيه رزقه وهو في بيته فأهل الأعذار لهم شأن آخر ولكن الكثير من الناس لايحب العملَ ولا الأخذَ بالأسباب المشروعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كمثال أسمى وكلّ الصحابة رضوان الله عليهم من الذين يعملون ويبحثون عن لقمة العيش سواءٌ كان ذلك في المهن أو النخل أو البناء وغير ذلك وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم على قراريط - وهي مالٌ يسير - لأهل مكة وكان أبو بكر رضي الله عنه تاجراً وكذلك عثمان رضي الله عنه وكان عمر بن الخطاب يوماً عند النبي صلى الله عليه وسلم ويوماً يعمل فيه لنفسه وولده وعمل علي رضي الله عنه ذات مرّة عند يهودي يستخرج له الماء من البئر كلُّ دلو بتمرة وكان خباب بن الأرتّ حدّادا وعبدالله بن مسعود راعياً وسعد بن أبي وقاص يصنع النبال والزبير بن العوام خيّاطاً وبلال بن رباح وعمار بن ياسر خادمين وسلمان الفارسي كان حلّاقاً ومؤبراً للنخل - أي ملقحاً لها - والبراء بن عازب وزيد بن أرقم تاجرين ، ولقد تميّز المهاجرون بالتجارة وتميّز الأنصار بالعمل في الضيعات والبساتين فكانوا أهل زرعٍ وحرث ، والعمل الشريف من صفات الرجل النبيل وما أفلحت أمة إلا بالعلم والعمل عموماً فبالعمل والكسب الكل يستفيد من الآخر وتقوم شؤون الحياة وتصلح أحوال العباد ، وتصوّر أخي المبارك حياة الناس بلا عمل ولا طلب للرزق وبلا قيام بشتى الوظائف والأعمال كيف تقوم حياة الناس والله سخر عباده بعضهم لبعض ورفع بعضهم على بعض في شأن الحياة والأعمال ليستفيد بعضهم من بعض ويُصلح القوي منهم أعمال وشؤون الضعيف وكل ذلك امتحان واختبار فلنحسن لمن يخدمنا أياً كانت ديانته وأياً كان جنسه  ( أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريّا ورحمت ربك خيرٌ مما يجمعون ) والعمل خيرٌ وأحب إلى الله من السؤال ولذا قال صلى الله عليه وسلم في ذلك : ( لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه ) متفق عليه . . فاللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادةً لنا من كل خير والموت راحةً لنا من كل شرّ ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريبٌ مجيب .

======== الخطبة الثانية ========

الحمدلله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لاإله إلا الله إمام المتقين وقدوة الخلق أجمعين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله والزموا السكينة والطمأنينة في شأن الرزق والمؤونة وثقوا بربكم وتذكروا نعمة الله عليكم حين حين تكفّل سبحانه بشأن الأرزاق للعباد وغيرهم من الخلائق ولذا قال ربُنا تقدس في علاه والأمر كلُّه تولاه ( ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لاإله إلا هو فأنى تؤفكون ) ولو فتشت عن القصص التي تتعجب منها في شأن الرزق وكيف أن الله يسوق رزقَ أي مخلوق ٍأو دابةٍ ولو كانت في أطباق الثرى وغياهب الظلمات لوجدت هذه القصص لاتحصى ولا تعدّ وتخيّل أخي المسلم لو كان رزقك بيد فلانٍ من الناس يتصرف فيه بما شاء كيف سيكون حالك معه ؟ وكيف سيكون حال الناس بعضهم مع بعض ؟ وأنتم تعلمون أن الكثير من الناس يبخل حتى على نفسه ببعض الأشياء التي قد تكون ضرورة لابد منها ، فلم يوكل برزقك أحداً سواه ، فهذه نعمة عظيمة غفل عن شكرها الكثير من الخلق وذُكر أن امرأة أرملة في زمن داوود عليه السلام كانت تغزل بمغزلها لتطعم أولادها وكانت تكتسب من ذلك لتطعم نفسها وأولادها وليس لها بعد الله من المال إلا مايأتي من هذا الغزل ، فجاءت الحدأة ذات يوم فأخذت أداة المغزل ومضت فأصابها همٌّ عظيم وجاءت لنبي الله داوود تشكو إليه فأجلسها ، ثمّ إنه دخل عليه قوم من التجار يحكون قصّة لهم عجيبة وذلك أنهم كانوا في عرض البحر فأصاب السفينة خرقٌ ودخل عليهم الماء فجاءت حدأةٌ فرمت لهم أداة مغزل فأخذوه وسدّوا به مكان الخرق فأقسموا أن يتصدق كلّ واحدٍ منهم بعشر دنانير ( والدينار يكون من الذهب ) فسلموا لنبي الله داوود عليه السلام تلك الدنانير ومضوا فأخذ الدنانير عليه السلام وأعطاه تلك المرأة فانظر كيف اتجر اللهُ لها بما هو خيرٌ من رزقها الأول . . 
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 








الخميس، 25 يونيو 2020

خطبة عن الأشهر الحرم

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله أرسله إلى الأنام فأبان به دعائم الإسلام بجوامع الكلام عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه وأتياعه وحزبه إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وأنيبوا إليه واستغفروه وتوبوا إليه واشكروه واجتنبوا حرماته ممّا بين في محكم آياته واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : الأشهر الحُرُم هي أشهرٌ حرّم الله فيها البداءة بالقتال وغلّظ سبحانه المعصية فيها وحثّ سبحانه على عدم ظلم النفس فيها وذلك إما بالشرك أو المعصية أو نشر الضرر وإلحاق الأذى والتعدي بوجه عام وهذا التحريم قديمٌ قدم الزمان فقد قال ربنا جل جلاله في سورة التوبة : ( إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرضَ منها أربعة ٌحرم ذلك الدين القيّم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافّة كما يقالتلونكم كافّة واعلموا أن الله مع المتقين )  . 
وكل هذا يدلّل أن شريعة الأنبياء منذ أن خلق الله آدم شريعة ٌ متشابهة متقاربة إن لم تكن واحدة ، فالدين واضحٌ وجليّ ليس به لبسٌ ولا خفاء ، يهتدي إليه أصحاب الفِطَر السليمة والقلوب الصافية النقيّة بلا عناء . 
عباد الله : إن تحريم هذه الأشهر أخذ به الأنبياء قبل محمدٍ عليه الصلاة والسلام وهذا يدلل أن تأريخ الأشهر القمرية هو المعتمد لكل نبي سبقنا وذلك لكون الله تعالى حرّم الأربعة أشهرٍ القمرية لاالشمسية  وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب مضر ولو ماعرفها الأنبياء قبلنا لكان ذلك أوقعهم بالقتال فيها فهل نتأمل ذلك ولكن قد تختلف التسمية للشهر وأما ذات الشهرِ فلا يتغيّر . 
عبادالله قد ذمّ الله المشركين الذين يحتالون على الناس ويُخادعون الله - وهو خادعهم - وذلك بأن يؤخرون حرمة الأشهر أو بعضها إلى الشهر الذي بعده وأخير سبحانه بأن ذلك كفرٌ على كفر وظلمٌ على ظلم ، وتعدي وضلال ، فكانوا إذا دخل المحرّم استحلوه وحرّموا الشهر الذي بعده وهو صفر عاما ً وفي عام آخر يحرّمون المحرم ويحلّون صفر وهكذا فقال الله عز وجل فيهم : (( إنما النسيء زيادةٌ في الكفر يُضلّ به الذين كفروا يُحلّونه عاماً ويُحرّمونه عاماً ليواطئوا عدّة ماحرم الله فيُحلّوا ماحرم الله زُيّن لهم سوء أعمالهم والله لايهدي القوم الكافرين )) وهذا من التحايل لارتكاب المعصية وذلك أقبح وأغلظ في العقوبة من إتيان المعصية على وجهها ، وذلك من شأن اليهود ومن أطباعهم التحايل ومخادعة الله جلّ سبحانه فيما يحرّم عليهم كما فعلوا في يوم السبت وفي شحوم الميتة ففي يوم السبت حرّم الله عليهم صيد السمك فنصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد وفي شحوم الميتة عندما حرّم الله عليهم تلك الشحوم  أذابوها ثمّ باعوها فأكلوا ثمنها فاستحقوا سخط الله وعقوبته ونقمته نسأل الله العافية  . 
عباد الله : من الحكم التي حرّم الله من أجلها هذه الأشهر أمان الطريق للحج والعمرة وأمان الهدي والقوافل والحاجِّ عامّة والإبل المقلّدة التي ستذبح في الحرم وكان من عادة بعض العرب في الجاهلية قطع الطريق وترويع الحجاج وأخذ زادهم ومتاعهم وتركهم يموتون جوعاً وعطشاً في تلك الصحاري فمن رحمة الله تعالى أن حرّم الله القتال والعدوان في هذه الأشهر وشدّد فيها الإثم وغلّظ فيها المعصية وخصوصاً عندما تكون تلك المعصية تتعلّق بحقوق العباد ،  فالحذر ثمّ الحذر من حقوق الغير واقدُم على ربّك ياعبدالله ولا أحدٌ من عباده يطلبك بمظلمة أو حقّ ٍ أياً كان نوعه . 
وتأمل في قول الله تعالى : (( ياأيها الذين آمنوا لاتُحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد لا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنّكم شنئان قوم ـ أي بغض قوم ٍـ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) 
معشر المسلمين : إن الحج شعيرة ظاهرةٌ وركنٌ من أركان الإسلام وواجب على المستطيع مالم يقُم عذرٌ أو يحول خطرٌ يعرّض فيه الإنسان نفسه للموت - كما في هذه الأيام - فإن الله سيعذره ولو قُدّر أن توفّاه الله قبل أداء هذه الفريضة فالله أرحم بعباده من أن يحاسبهم عن الحج في أيام الوباء والمرض ، ومن عادة الحليم الإمهال والعبرة في التفريط في أيامٍ ماضية وليس هذا العام وذلك لأن الحج في هذه السنة أعدادٌ محدودة والأحكام التي تجري على العبد في الظروف والأزمات ليست مثل الأحكام التي تجري عليه في الظروف الإعتيادية . . فاللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك وعوّضنا بالصالحات في مستقبَل الأوقات وعاملنا بلطفك ياجواد ياكريم . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه غفور حليم . 

======== الخطبة الثانية =========

الحمدلله المحمود بكل لسان ذو الفضل والإمتنان والصلاة والسلام على عبده الذي أنزل عليه الفرقان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أما بعد : 
عباد الله  لو علم العبد مايبلُغ بالنيّة لحرص على إحضارها في كل وقتٍ وحين فمن لم يتمكن على سبيل المثال من الحج في هذه السنة للأسباب المذكورة آنفاً وكان لديه النيةَ الجازمة التي لايصحبها في الرغبة بالحج لكُتب له الأجر الوفير بإذن العلي القدير وذلك لما ورد في صحيح مسلم بن الحجاج من حديث جابرٍ رضي الله عنه أنه قال : " كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : " إن بالمدينة لرجالاً ماسرتم مسيراً ولا قطعتُم وادياً إلا كانوا معكم ، حبسهم المرض " وفي رواية العذر " وفي رواية أخرى رواها وكيع رحمه الله : " إلا شركوكم في الأجر "  وكانت تلك الغَزاة غزوة تبوك فالشاهد من قوله : " إلا شركوكم في الأجر " أن الإنسان يبلغ بنيته أجر الغازي أو الحاج بشرط أن تكون نيّته صادقةٌ جازمة لايطرأ لها الشك وذلك من فضل الله على عباده . 
والقاعدة عند أهل العلم : " كم من عملٍ صغير كبرته النيّة ، وكم من عملٍ كبيرٍ صغرته النية " فالحمد لله على فضله وإحسانه وجوده وعطائه ، فاللهم ضاعف لنا الأجور وآمنا يوم البعث والنشور ياعزيز ياغفور ، وصلوا وسلموا على محمد بن عبدالله فقد قال عزّ من قائلٍ عليما : ( إن الله وملائكته يُصلّون على النبي ، ياأيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما ) .

الأربعاء، 17 يونيو 2020

خطبة قصيرة عن الحياء

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله فتح الله به أعيناً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفا ، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وحزبه إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً . .  أما بعد : 
فاتقوا الله - معشر المصلين - وكونوا من عباد الله المخبتين الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ماأصابهم ومما رزقناهم ينفقون . 
عباد الله خصلة حميدة وصفة مجيدة من أعظم خصال الدين ومن أنبل صفات المؤمنين وهي صفة من أكرم أواصر الأخلاق منالُها بعيدٌ على أهل النفاق ، قريبة ٌ من عباد الله المتقين ومن حزبه المفلحين ، من نال مراتبها ارتفع ، ومن هجرها وُضع ، هي صفة مكتسبة بالتعلّم والتعليم والتربية والتوجيه والإرشاد إلى سلوك خير السبيل ، مع اصطحاب الخوف من الجليل ، مبدؤها التوقير والإحترام ومراعاة الأنام ، مع ضبط الكلام والبعد عن المشين من القول والعمل ، ومكنونها سلامة الفؤاد من الأحقاد والضعائن والبعد عن كل قبيح شائن ، لعلكم أدركتم مضمونها وعرفتم كنهها ألا وهي صفة ( الحياء ) . 
دلّ عليها خير الورى صلى الله عليه وسلم وتحلّى بها وكان أشد حياءاً من العذراء في خدرها وقال عنها : 
( الحياء لايأتي إلا بخير ) متفق عليه وفي رواية لمسلم : " الحياء خير كلّه " ورواية أخرى " الحياء كلّه خير " ، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل دين خلقاً ، وخلق الإسلام الحياء ) رواه ابن ماجة والطبراني وصححه الألباني ، وأوصى صلى الله عليه وسلم سعيد بن يزيد عندما طلب الوصية فقال له عليه الصلاة والسلام " ( أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح ) رواه الإمام أحمد في المسند والبيهقي في شُعب الإيمان . 
وفي صحيح البخاري رحمه الله وإيانا ، أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن قول الله تعالى : (( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم مايُسرون وما يعلنون إنه عليمٌ بذات الصدور ))  فقال : " أناسٌ كانوا إذا أرادوا أن يتخلّوا - أي يذهبوا إلى الخلاء لقضاء حاجتهم - فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء "  
عباد الله : لقد كان الرعيل الأول أكثر حياءاً ومروءة من أفراد عصرنا هذا فكانت أخلاقهم سائدة في الكثير من المواقف ، بل كان حتى المشركين من الأوائل يخافون على سمعتهم ومروءتهم ونبلهم من الدنس والتلويث وخير شاهدٍ في ذلك قصة أبي سفيان رضي الله عنه قبل أن يُسلم فعندما سأله هرقل ملك الروم آنذاك عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم وقرّب أصحابه وقال لهم : " إني سائلٌ هذا - أي أبا سفيان - عن هذا الرجل - أي النبي ُصلى الله عليه وسلم  فإن كذَبَني فكذّبوه ، فقال أبو سفيان " فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عليه " فانظر لمن لم يدخل الإسلام والإيمان في قلبه بعد ، فكيف يكون من دخل الإسلام والإيمان في قلبه فلاشك في أنه سيكون أكثرَ حياءاً وأرفع أخلاقاً وأنبل سلوكاً . 
عبادالله : الأمة بحاجة للحياء في هذا الزمان أكثرَ من أي وقتٍ مضى وذلك بسبب تكاثر أدوات الهدم التي تهدم الحياء وتقوّضه من وقتٍ مبكر ، فتنشأ - أعاذنا الله وإياكم - في هذا العصر مقوّضات الحياء من طفولة الإنسان المبكرة ، فيعيش مرحلة إنفلاتية ، ويتدرّج في أخطاءٍ سلوكية لايفعلها من كان في سِنّه في ما مضى ، وغفلة الآباء والأمهات عن التوجيه تؤجج مثل هذه الأخطاء فتزداد في الأبناء والبنات فيكونون أبعد الناس عن الحياء في سلوكهم وعلاقاتهم وتعاملهم مع الناس فكيف حالهم مع الله ، فلابد أن يُربّى الأبناء والبنات تربية تقيم سلوكَهم على الحياء من الله أولاً ومن الناس ثانياً ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه : " من لم يستحيي من الناس لايستحيي من الله " وذلك أن الحياء من الناس تجعل المعصية في طيّ الستر عند العبد لايطلع عليها إلا هو ، ومن ثمّ يدخل في العفو المراد نيلُه من الله فقد عُفي لأمة محمد إلا المجاهرين منهم كما أخبر المصطفى عليه السلام . . فاللهم ارزقنا الحياء منك والإنابة إليك وأهلينا وذرارينا ياسميع الدعاء واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال ياواسع العطاء . . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنّة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين إنه هو كريمٌ جوادٌ متين 

======== الخطبة الثانية ========

الحمدلله الذي قسم بين عباده أخلاقهم كما قسم أرزاقهم والصلاة والسلام على خير عباده وأزكاهم وأنبلهم خُلقاً وأسماهم نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن والاهم أما بعد : 
عباد الله : إن هناك أعمالٌ تميت الحياء وتخدشه ينبغي لكل فردٍ منّا مسؤولاً أو كان غير مسؤول أن يتنبّه لها ومنها : 
- المجاهرةُ بالمعصية فإن المجاهرة بالمعصية يتجاوزُ مسألة الحياء وكأن المجاهر يتحدى ربّه ومجتمعه وهو معرّض لمكر الله أكثر من غيره . 
- ومنها صحبة الفسّاق وأصدقاء السوء حتى لو كانوا كبارَ سنّ فإن الصاحب السيء - أعاذنا الله وإياكم - يجرّئ على الحرمات والإنسانُ بطبعه يميل للتقليد ويتأثر حتى لو كان راشداً وذلك لايأتي إلا من كثرة المخالطة . 
- ومنها البعد عن كل مظهر من مظاهر الريبة والفتنة فإن ذلك يفسد الخلق ويرفعُ الحياء 
- ومنها : إجتناب كل مايخدش الحياء من الأعمال والأقوال فبعض الفضوليين هداهم الله إذا جلس في مجلس ما أخذ بقبيح الألفاظ فدنّس بها أسماع الحاضرين وأمرض بها قلوب الناشئة 
- ومنها أيضاً : تجنّب الألبسة التي يستقبحها الشرع والفطرة للرجال والنساء وقد ظهرت مثل هذه الألبسة  في زمننا هذا كثيراً وظهر ذلك خاصة في فئات الشباب من يلبس لباساً يبين العورة ويمشي مفتخراً بذلك أمام الناس في المضامير والطرق فبالله عليك يامن تصنع ذلك أين الحياء من الله ؟ وأين الحياء من الناس بالدرجة الثانية ؟ وأين الحفاظ على السمعة والكرامة والمروءة والشهامة 
يعيش المرء مااستحيا بخير * ويبقى العود مابقي اللحاء 
فلا والله مافي العيش خيرٌ  * ولا الدنيا إذا ذهب الحياء  

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 
. . . 

الخميس، 11 يونيو 2020

خطبة مختصرة عن التمحيص للعبيد


الحمدلله الذي أتم على عبيده نعمته ، وسخر لهم  مايستعينوا به على طاعته ، ويسر لهم سبل عافيته ، وابتلاهم بما فيه تمحيص لهم بحكمته ، والصلاة والسلام على نبيه الكريم خير خلقه وبريته ، وعلى آله وصحبه وعلى من سار على طريقه ومنهاجيته أما بعد :
فاتقوا الله حق تقواه فبقواهِ النجاة وصلاح الحال والذات وهو طريق الفلاح والثبات حين السراء وحين الضراء في المدلهمات ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .

أيها المسلمون : سنّة التمحيص في المحن والبلايا سنة قائمة منذ أقدم العصور يجريها الله على عباده ليمحصهم ويغفر لهم ماسلف من ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم
ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور قال جل ذكره : ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) وقال جل جلاله وعم العالمين نوالُه : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسأء والضراء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) وهي مرحلة يسيرة على الراضي بما يُجري الله من الأقدار صعبة عسيرة على من طبعه السُخط والكره ، ( أولما أصابتكم مصيبة ٌقد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيءٍ قدير ) وهذه الآية تفسر حدثاً وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبالتحديد في غزوة أحد وذلك أنه قُتل من المسلمين حوالي سبعون نفراً منهم فاستنكر ذلك الصحابة  رضوان الله عليهم فأنزل الله هذه الآية ليبين لهم أنهم قد أصابوا من المشركين يوم بدر مثلي هذا العدد أي ضعفه فقتلوا سبعين وأسروا سبعين ، ومن ثمّ بين الله لهم أن ماأصابهم كان بسبب عدم طاعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، خاصة الرماة منهم الذين امرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لاينزلوا من الجبل حتى يناديهم ويأمرهم ، فاستعجلوا بالنزول فوقعت الهزيمة وقد أورد ذلك المعنى ابن جرير وغيره من المفسرين .

فطوّع - أخي - قلبك دائماً وأبداً على الإستسلام والإنقياد لله تعالى والصبر مهما كان عُسر الأمور ، واعلم علم اليقين أن الله مايبتلي العبد إلا لأمرين إما رفعة درجات له لصلابة في دينه وقوة ٍ في إيمانه وإما تطهيراً لنفسه وتكفيراً لكافّة سيئاته حتى يكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " مايزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعند البخاري في رواية أخرى مشابهة : " فما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " .

وتعلق ّ بمن له الأمر كلّه ففي التوكل عليه طمأنينة والرضا بقضائه سعادة وأنسٌ وانشراح وعزّ وفلاح واستبشر بوعد الله الذي لايُخلف ولا يتبدّل من الله القدير الأول : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) وإن أصابك كدر وتنغيص فاستبشر وسلّ نفسك بقول الله الحكيم : ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالايرجون وكان الله عليماً حكيماً ) فاللهم بدّل حال الشاكينِ والمرضى بالعافية والأحزان بسعادة الوجدان والأتراح بالأفراح وداوِ المصابين والجراح واحفظ على الأمة دينها وإيمانها ومكن لها وأصلح اللهم حالها

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم في سائر الأحوال والأمور فاستغفروه يغفر لكم إنه غفور شكور .

========  الخطبة الثانية ========


الحمدلله الذي قدر فهدى وخلق وسوى وأخرج المرعى فجعله غثاءاً أحوى والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والهدى الذي أبان للناس سبل التقوى وحذرهم من سبل الغواية والردى وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والنهى ومن تبعهم بإحسانٍ ومن بهديهم اهتدى أما بعد :

عباد الله : الحياة دروسٌ وعبر وذكرى وتفكر لمن ادّكر تأمل أخي حالنا قبل بداية هذا الوباء كان الرجل منا يذهب متى شاء ، ويعود متى شاء ، ويزور من شاء ، أي وقتٍ شاء ، ويسلّم على من شاء ، آمن ٌلايخاف وقريب لايُجاف وكل ذلك نعمة ٌعظيمة رُفعت برهة من الزمن ابتلاءاً من الله وتذكيرٌ للناس بنعمة الله على عباده التي نسُوها ولم يشكروا الله ويحمدوه عليها أو قلّ شكرهم له عليها ، فتذكروا تلك النعم وأكثروا من حمد الله تعالى عليها وعلى كل حالٍ فابن آدم لايدري أي الحالين خيرٌ له ، مع البلاء أو مع العافية ، والزموا الحمد فبالحمد والصبر تدوم النعم وتعود وتزيد وبالتقوى تصلح الأحوال وترفع الكروب وتغفر الذنوب ، وما الإنسان إلا كما قال الرب سبحانه :

( ولئن أذقتا الإنسان منّا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوسٌ كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضرّاء مسته ليقولن ذهب السيئات عنّي إنه لفرحٌ فخور * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبير )

هذا وصلوا وسلموا على الرسول البشير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . . .




الخميس، 12 مارس 2020

خطبة عن أسباب الإنتكاسة وعلاجها

الحمدلله الواحد الديّان الكريم المنّان الذي هدى إلى سبيل الإيمان وحذّر من سبل الشيطان وأظهر دينه على سائر الملل والأديان والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والبيان نبينا محمدّ عليه وعلى آله وصحبه أهل الثبات والإحسان ومن تبعهم واقتفى أثرهم بصدقٍ وإيمان أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله - فتقوى الله بحقّ سفينة النجاة وسبيل الثبات إلى الممات ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتنّ إلا وانتم مسلمون ) . 
عباد الله : الإنتكاسة والرجوع بعد الإستقامة ،  والزيع بعد الضلال ، وقسوة القلب بعد لينه وانكسارِه كلّ ذلك داءٌ ابتُلي به بعضٌ من أفراد أمتنا من فئات الشباب في الغالب فياتُرى ماسبب هذه الإنتكاسة وياأولي الألباب ماأسباب الضياع والحيرة بعد الهداية والرشد ؟ 
عباد الله : تأملوا معي قول الله تعالى : (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون )) هذه الآية نزلت في رجلٍ من بني إسرائيل يُقال له : " بلعام ابن باعوراء " أو " بلعام ابن أُبرَْ " هذا الرجل أكرمه الله بأن علّمه اسمه الأعظم - سُبحانه - الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى ، وأكرمه بإجابة الدعاء وكان إذا رفع رأسه نظر إلى العرش فبعثه موسى - عليه السلام - إلى ملك مدين فدعاه إلى دين موسى ، ولكن ملك مدين أغواه وطمّعه بالدنيا وأقطعه أرضاًَ فاتبع بلعامُ دينه وترك دين موسى وانسلخ من الدين بالكليّة وقد روى ذلك القرطبي في تفسيره عن ابن مسعود وابنِ عباس ، وقيل :  أنه كان طلب منه بنواسرائيل - وقيل الجبّارون الذي استولوا على بيت المقدس - وكان مُجاب الدعوة - سألوه أن يدعو على موسى عليه السلام فنهاه الله عن ذلك ، فأصرّ على ذلك فسقط لسانه على صدره . . وذلك مثلٌ من أمثال الإنتكاسة والضياع ، وروي أيضاً أن الله سلبه ذلك بسبب عدم شكره على تلك النعمة التي أوتيها . . 
عباد الله : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " وهو حديث رواه الصحابي عبدالله بن سرجس رضي الله عنه وهوعند ابن ماجه وأورد مثله النسائي في سننه ، ومعنى الحور بعد الكور : أي الرجوع إلى الضلال بعد الهداية وفسّره بعض المحدثين بأنه : الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان ، والكور مأخوذ من تكوير العمامة ومناسبة ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم شبّه الذي يرجع إلى الضلال بعد الهداية بصاحب العمامة الذي قام يفلُّها بعد أن عقدها على رأسه ، وكذلك هذا الذي عقد الإيمان في قلبه رجع للضلال فأخرج ذلك الإيمان من قلبه ونفسه نسأل الله العافية . 
عبادالله هناك أسبابٌ للإنتكاسة نُجملها باختصار : 
- منها عدم شكر الله على الهداية فمن لم يشكر الله على الهداية من خالص قلبه وصميم نفسه أوشك أن يعود للفسق والضلال من جديد . 
- ومنها عدم سؤال الله الثبات والعزيمة على الرشد وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل برّ والفوز بالجنة والنجاة من النار ، فأكثر من هذا الدعاء دائماً وأبداً في سجودك وصلاتك ووقتِ إجابة الدعاء 
- ومنها طول الأمل وكم من أناس أوردوا القبور وكانوا يؤملون فتخطفتهم يد المنون قبل أن يحوزوا مايؤملون . 
- ومنها اتباع الهوى فاتباع الهوى مُضلّ ومن اتبع هواه زلّ ، وكما ورد في شأن بلعام الآنف الذكر حيث قال الله عنه : " ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه "  . . وذكر أسباب الإنتكاسة على سبيل الذكر لاالحصر فاحرص أن تقع في شيء منها واحذر أسبابها وخطوات الشيطان فيها  . . أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============
الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد : 
عباد الله : إن مما يُنجي من الإنتكاسة أن يحذرالعبد من الوقوع في أسبابها وأن يحرص الإنسان على صلاح قلبه الذي إذا صلُح صلح سائر الجسد وأن يدعو الله دائما وأبداً أن يهديه ويدلُه على صراطه المستقيم وأن يثبت قلبه ولا يزيغُه وأن يحرص على دعاءٍ ورد في القرآن وهو قول الله تعالى : ( ربّنا لاتُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) يقوله ربّنا ليُعلّم عباده أن يلجؤا إليه متضرّعين داعين مبتهلين منيبين تائبين من كل ذنبٍ هاجرين لكل معصية ، فسرّ الهداية تكمُن في التخلص من كبائر الذنوب أولاً ، فمن تاب منها كان أقرب إلى الهداية من غيره وأبعد عن الإنتكاسة ، ومن أصرّ على كبيرة أو جمع كبائر عدة ، فهذا أبعدُ عن الهداية وأقربُ من الإنتكاسة مادام أنه يُعاقر تلك الكبائر ( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مُدخلاً كريما ) وسرّ الثبات تكمُن بعد توفيق الله في طهارة القلب من كل أمراضه سواءً كان مرض شهوة أم مرض شُبهة 
فوالذي أبان للناس طريق الهداية وحذرهم من الغواية وهداهم النجدين إن طهر قلبُك من تلك الأمراض أفلحت وهُديت وثبتّ ومن كل شرٍ وُقيت . . 
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه .  .  .  .  .  .  

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...