الأحد، 2 أبريل 2023

خطبة أخرى عن العشر الأواخر من رمضان وزكاة الفطر

الحمدلله الذي من على عباده بالفضائل والخيرات أحمده فهو أهل الثناء والمكرمات وأشكره على تتابع العطايا والهبات والصلاة والسلام على المبعوث للخلائق والبريّات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل السلام والتحيات من رب الأرض والسماوات أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون وسبق المفردون ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : من منّ الله عليه بإدراك مواسم فاضلة وأوقات جليلة فمن الحرمان والخسران أن يتشاغل عن العمل الصالح فيها وبذل الخير وتقديم الصالحات طلباً لرضا رب البريات فالعشر الأواخر من رمضان التي نعيش اليوم بموسمها المبارك فرصة عظيمة لتدارك الأعمار قبل الفوات والخسار فمن أعظم الخذلان أن تنسلخ هذه العشر أو ينسلخ رمضان ولم يُغفر لك وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغِم أنفُ رجلٍ ذُكرت عنده فم يصلّ عليّ ورغم أنفُ رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يُغفر له . . " أخرجه الترمذي .

 عباد الله : العشر الأواخر من رمضان تمتاز عن بقية الشهر بوجود ليلة من أعظم الليالي ألا وهي ليلة القدر حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تُلتمس في العشر الأواخر ففي حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال : " من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، فقد أريت هذه الليلة ثم أُنسيتُها ، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر " فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش ، فوكف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين " وقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالايجتهد في غيرها من بقيّة الشهر وقد ( كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين - أي من رمضان - بصلاة وصوم ونوم فإذا كان العشر شمّر وشد المئزر ) كما روته عائشة رضي الله عنها ورواه أحمد رحمه الله في مسنده ، وفي الحديث المتفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم بن الحجاج أنه : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر " وأما شدّهُ للمئزر فهو كناية عن التفرغ للعبادة واعتزال النساء في هذه الأيام الفاضلة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضيلة الرباط وأن من اعتكف في المسجد فهو ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون أجره كأجر المرابط في سبيل الله ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أدلكم على مايمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ " قالوا : بلى يارسول الله ، قال : " إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط " فسمّاه رباطاً عليه الصلاة والسلام لفضله وثوابه . 

عباد الله : الناس في هذه الحياة إما أن يتقدم أو يتأخر ، فيتقدم بفعل الطاعة ويتأخر بفعل المعصية ويتقدم بصعود الدرجات في الجنان أو يتأخر بنزولٍ في دركات الجحيم أجارنا الله وإياكم ( لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخر ) وهذا الأمر يحفّز ابن آدم على المسابقة للخيرات وتنظيف الصحائف من الذنوب والسيئات صغيرها وكبيرها طمعاً في رضا ربه ومولاه ، وموسم رمضان موسم الإقلاع عن الذنوب وخصوصاً الكبائر منها ، فلا خلاص من عذاب الله يوم القيامة إلا بترك الكبيرة واجتنابها ( إن تجتنبوا كبائر ماتُنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم ونُدخلكم مُدخلاً كريما ) وإن هنا شرطية فإذا تحقق الشرط حصل التكفير وإن لم يتحقق لم يحصل ، فينبغي أن يحرص العبدُ كل الحرص على اجتناب الكبائر التي توبق وتُهلك الإنسان ، وقد سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات ( اجتنبوا السبع الموبقات . . ) فمن كان مصرّاً على كبيرة فليدَعْها مادام في زمن الإمهال وباب التوبة مفتوح ولن يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسُط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفرُ الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ياتيكم العذاب ثمّ لاتُنصرون ) . . وكذلك الإصرار على الصغائر أمره عظيم وفي الحديث : " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن حتى يُهلكنه " فأكثروا من الإستغفار وطلب العفو فما عُبد اللهَ في هذه الأيام بأفضل منه ، تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر ماأقول فيها ؟ " قال : " قولي اللهم إنك عفو تُحب العفو فاعف عنّي " ..  فكونوا أكياساً فُطَناً - ياعباد الله - ولا تكونوا عاجزين فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ==============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين . . أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الله افترض عليكم صدقة هي خيرٌ لكم من أنفَس الأموال وخيرٌ لكم من حُمُر النَّعم وهي زكاة الفطر أو صدقة الفطر وفي الحديث المتفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أنه قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير . . " وكثيراً مايُطلق اسم الصدقة على الزكاة ، وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : " فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم " .. ولا تؤدى على الصحيح إلا للفقير والمسكين فقط دون أصحاب الزكاة الآخرين من الأصناف الثمانية التي ذكرهم الله في كتابه ، والأفضل أن تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة وهو وقت الفضيلة ، فمن فعل ذلك فقد أصاب السُنّة ، ويجوز أن تدفع للفقير أو المسكين قبل العيد بيوم أو يومين ، ولا يجوز دفع القيمة لصريح الحديث فقد حصرها في الطعام دون غيره وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء قديماً في المملكة ، حيث قالت : " ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقوداً ، لأن الأدلة الشرعيّة قد دلّت على وجوب إخراجها طعاماً ، ولا يجوز العدولُ عن الأدلة الشرعية لقول أحدٍ من الناس " ومقدارها حوالي ثلاثةُ كيلوّات من قوت البلد جبراً للكسر ، وهي تجب عليك أخي الصائم ومن تعول ويُتستحب إخراجُها عن الجنين في بطن أمّه . . فطيبوا بها نفساً وهي غُنية للفقير والمسكين عن السؤال في هذا اليوم . . أغنانا الله وإياكم وفقراء المسلمين من واسع فضله وعطائه إنه جوادٌ كريم . . ثم صلوا وسلموا على المصطفى البشير والسراج المنير فقد قال عز من قائلٍ وتقدس : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً ) 

الاثنين، 27 مارس 2023

خطبة عن عمارة المساجد معنوياً وحسياً

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من شعائر الله هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه وإن تعظيمها وعمارتها علامة على الإيمان بالله واليوم الآخر ( إنما يعمُر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) ونفى سبحانه أن يبني هذه المساجد غير المؤمنين بناءاً حسياً ومعنوياً ( ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) . 
عباد الله : عمارة المساجد معنوياً بالذكر والدعاء أهم من عمارتها بأدوات البناء والله امتدح سبحانه رجالاً بالتعبد بها وترك لهو الدنيا من أجل عمارتها طلباً لمرضاته ولما عنده من الثواب العظيم ( في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يُسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار * ليجزيهم الله أحسن ماعملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) 
ومن السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله رجلٌ قلبه معلّقٌ بالمساجد وهذا فضل ٌ كبير وأجرٌ وفير بعملٍ يسير . 
عباد الله : وإن عمارة المساجد حسيّاً ببناءها وإعادة ترميمها وتسهيل السبُل لإقامتها وإصلاح المتهدم أو المتهالك منها من أجلّ الأعمال وهو من أسباب دخول الجنّة وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من بنى مسجداً لله كمَفْحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنّة " أخرجه ابن ماجه ، والمراد بمفْحَص القطاة : أي مثل عشّ القطاة وهو نوع من الحمام لايبني عشّه إلا على بسيط الأرض بعكس الطيور الأخرى التي تبني أعشاشها على مرتفع من الأرض أو على التلال والأشجار وفي الصحيحين أن عثمان بن عفان أراد بناء وتوسيع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعَه على هيئته ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثلُه " متفق عليه ، ولكن المكروه في عمارتها زخرفتها وتزيينها وعدّ ذلك النبيُ صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة ففي الحديث : " من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد " أخرجه الإمام النسائي وابن خُزيمة ، وفي حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لاتقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " أخرجه الإمام أحمد وأبوداود . 
ومانُهي عن الزخرفة والتباهي بتزويقها وتزيينها إلا لمقصد شرعي وهو عدم إشغال المصلي بهذه الزخارف والنقوش التي تُشغله عن جوهر العبادة وهو الخشوع أو تصرف بصره للتأمل في هذه الزخارف والتزيينات على الجدران والأعمدة والمحاريب ، وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " ماساء عمل قومٍ قط إلا زخرفوا مساجدهم " ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه : " يتباهون ثم لايعمرونها إلا قليلا " . 
 
عباد الله : كان المسجد في صدر الإسلام هو مكان الصلاة والعلم والمعرفة والمدرسة والجامعة ومنطلق إرسال الجيوش في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومأوى للوفود والضعفة فكان كل شيء في حياة الرعيل الأول ولذا كانت أهميته عالية الشأن ، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله : " وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده على التقوى ، ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء وفيه يجتمع المسلمون لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم " بل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد كما ورد في الصحيحين ، وهذه سنّة مهجورة قلّ من يفعلُها في هذا الزمان . 
عباد الله : إن من تعظيم المساجد عدم إلقاء المخلفات فيها ولو في حرم المسجد الخارجي وأحواشه فإن في ذلك امتهان لها وقلة حياء مع الله جل وعلا أو ترك مايجب إخراجه من قوارير وبواقي طعام ونفايات وغيرها ، وإننا وجدنا مع الأسف من يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله فتجد أنه يتحايل لكي يدس مناديل حول المساند أو تحت الفرْش متعاجزاً ومتضايقاً ان يضع مخلفاته في جيبه الذي ضاق عنها ، وما ضاقت بيوت الله عنها ، فهل هذا عمل مسلم يخشى الله في السر والعلانية ، فهل يمثتل من يصنع هذا الصنيع لقول الله تعالى : ( فلا تخشوا الناس واخشون . . ) وإن الإتيان بالأطفال للمساجد ممن دون السابعة هو في الواقع من أذيّة المصلين فينبغي أن لايؤتى بالطفل ممن كان دون السابعة إلا من اضطر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بأن يؤمر الطفل بالصلاة إلا إذا بلغ السابعة ففي حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند أحمد وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع " فيؤمر إذا أتمّ السابعة وليس إذا دخل السابعة من عمُره وهذا ملحظٌ مهم للتمييز والفهم لمعنى الصلاة وإدراكها لدى الطفل .. فاللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا ياسميع يامجيب أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============== الخطبة الثانية ===============

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشهد أن لاإله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه من أمته ون كان على ملته أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن تطييب المساجد وصيانتها من الأقذار والأوساخ سنة قائمة دعا لها المصطفى عليه السلام ففي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تُنظّف وتُطيب " اخرجه أبودود والترمذي ، وفي حديث سمُرة بن جندب رضي الله عنه قال : " أمرنا    رسول الله أن نتخذ المساجد في دارنا وأمرنا أن ننظفها " أخرجه الإمام أحمد رحمه الله ، والمقصود بالدور أي الأحياء والحارات في المدينة أياً كانت . 
عباد الله : من عمارة المساجد المكوث فيها قبل وبعد الصلوات وكثرة الدعاء والذكر والتبكير للصلاة فيها والمسابقة على الصف الأول ، وهذا الأمر مع الأسف نشاهده بعض الأحيان في رمضان ، وتجد من عباد الله من آخر من يأتي للصلاة وأول من ينصرف وكأنه داخل المسجد في سجن وكبت والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم الناس مافي النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ولو يعلمون مافي التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون مافي العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً " وهذا الحديث يبّيّن فضل التبكير للصلاة وإجابة النداء وإدراك الصف الأول حتى أنه لو علموا مافيه من الأجر والكرامة لتخاصموا حتى تُقام بينهم القُرعة لمن يكون الأجر والفضيلة ، وكذلك فضل التهجير والمراد به التبكير في الذهاب للمسجد وكذلك فضل صلاة العشاء والفجر خاصة فحُجب فضل هاتين الصلاتين عن الناس ليفوز المؤمن الصادق المُخلص الذي يرجو ما عند الله بقلبٍ راغب ونفسٍ مُجاهدة على الطاعة والخير ، فهل هناك وصفٌ للحرص على الشيء إذا عُرف ، أن يأتي طالبُه يحبو حبواً لنيله ، وهذا دليلٌ على أن تلك الكرامة والأجر فوق مايُتوقع ، وكما وصف الله جنته على لسان رسوله بوصفٍ لا أبلغ منه : " فيها مالاعينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر " فهل من مشمّر لتلك الكرامة الكبرى والأمنية الأسمى 
دار السلام لها وصفٌ بتبيان * فازوا بها أهل إيمانٍ وإحسان 
ينافسون لها والناس غافلةٌ * قد آثروا لذة الباقي على الفاني 
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 

الثلاثاء، 21 مارس 2023

خطبة عن القرآن وفضائله - خطبة رمضانية -

الحمدلله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً ، وأرسل الرسل للعباد منة وفضلاً إنه كان جوداً قديراً ، والصلاة والسلام على النبي المختار الذي بعثه الله داعياً لربه وسراجاً للناس منيراً ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان وسلّم تسليماً كثيراً . . أما بعد :
فاتقوا الله تعالى - معشر الصائمين - فالتقوى سبيل لمرضاة رب العالمين ونجاةً لمن سلك درب المتقين ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وانتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : من نعمة الله على هذه الأمة أن أنزل لهم كتاباً به يهتدون وإليه يتحاكمون ولحكمه يسلمون ، وبه يستنيرون إذا وقعوا في السبل الملتوية والطرق الزائغة ، وعليه يُعولون أسباب الفلاح والنجاح ، يعتقدون بما فيه ولا يرتابون ، ويهدون إليه ولا يُخذّلون ، يطلبون مرضاة الله بتلاوته ويتعبدون لربهم بقراءته ولا يملون ، جعلوا القرآن نهجهم وسبيلهم وسعادَتهم فرب القرآن العظيم تكفّل لهم بأقوم سبيل وأكمل نظام ونهج ليس فيه ميلٌ ولا اعوجاج ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويُبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيرا ) وارتبطوا به في رمضان خاصة وأدمنوا تلاوته لأن رمضان شهر القرآن ففيه أُنزل ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . . ) يتاجرون مع الله بتلاوته وتدبره فهي تجارة لاتكسد ولا تبور ، ويعمرون به القلوبَ والصدور ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدَهم من فضله إنه غفورٌ شكور ) .

عباد الله : امتاز القرآن عن غيره من الكتب السماوية أنه الكتاب الخاتم لما قبله من الكتب وهو مهيمنٌ على جميع الكتب السابقة فيه خبرُها ومواعظها وزيادة عليها ، يقول الله جلا جلاله مُخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام : ( وأنزلنا إليه الكتاب بالحق مُصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عمّا جاءك من الحق . . ) فهو الكتاب الأمثل بين الكتب السماوية يجمع بين السهولة والمعاني العميقة وتجدد المفاهيم والمعاني والأساليب البلاغية وفي حديث موقوف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن المخرج من الفتن فقال : " أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستكون فتن ، قلت وما المخرج منها ؟ قال : " كتاب الله ، كتاب الله ، فيه نبأ ماقبلكم ، وخبر مابعدكم ، وحُكم مابينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي من تركه من جبّارٍ قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله ، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لاتزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلَق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبُه ، وهو الذي لن تنته الجن إذ سمعته أن قالوا ( إنا سمعنا قراءاناً عجباً ) من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمِل به أجر ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم " .

جعله الله بلغة تتدفق فصاحة وحكمة جذورها ممتدة وتفريعاتها واشتقاقاتها مستجدّة في كل حين لكي تحوي معاني القرآن ومراد الله تعالى ومقاصد الشرع المطهّر بعكس اللغات الأخرى التي ليس لديها المرادفاتِ اللغوية والثراء اللغوي والتعبيري عن الأشياء ، فمن أجل ذلك جعله الله حُكماً عربياً ولساناً عربياً حاكماً وناسخاً لما سواه من الكتب ( وكذلك أنزلناه حُكماً عربياً ولئن اتبعت أهوائهم بعد ماجاءك من العلم مالك من الله من وليٍّ ولا واق ) ( وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذكرا ) .

عباد الله : من صور شمولية القرآن وهيمنته على الكتب السابقة قول الله تعالى : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) ( أفغير الله أبتغي حكما وهوالذي أنزل إليكم الكتاب مُفصّلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّلٌ من ربك بالحق فلا تكوننّ من الممترين ) ومن سنّة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أُعطيت مكان التوراة السبع - أي الطوال - وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفُضّلت بالمفصل " أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير والطيالسي في مسنده .

والسبع الطوال تبدأ من البقرة إلى نهاية سورة التوبه على الصحيح وقد روي هذا القول عن عثمان بن عفان الخليفة الراشد ، والمئين كل سورة عدد آياتها مائة أو تزيد والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل وقد ذكر ذلك البيهقي رحمه الله وغيرُه من العلماء ويدل لذلك القول وهو أن السبع الطوال تنتهي بالتوبة حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال لعثمان رضي الله عنه : " ماحملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فقرنتم بينهما ؟ ولم تكتبوا بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ، ماحملكم على ذلك ؟ قال عثمان رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان يُنزل عليه من السور ذوات العدد ، كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده ، فيقول ضعوا هذا في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا ، وينزل عليه الآيات فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا ، ويُنزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما أُنزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن فكانت قصتها شبيهاً بقصتها فقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيّن لنا أنها منها فمن ثَمّ قرنتُ بينهما ، ولم أكتب بينهما سطرَ بسم الله الرحمن الرحيم " رواه الترمذي وأبوداود .
اللهم انفعنا وشفعنا بالقرآن العظيم وارفع به منازلنا وودرجاتنا في دار النعيم ياسميع ياعليم ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============= الخطبة الثانية =============

الحمد لله على فضله وإحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد ان لاإله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد ان محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً

كثيراً أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن فضل قراءة القرآن وتعلمه وتعليمه من أفضل الطرق وأكثرها خيرية ففي الحديث
الذي رواه عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خيرُكم من تعلّم القرآن وعلّمه " ومن فضل تلاوته وفضل بذل النفس في تعلّمه ، وإن كان ينال العبدَ مشقةً في ذلك ما روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، ووالذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران »
وروى مسلم عن حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟» فقلنا: كلنا نحب ذلك، قال: « أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل »

وروى أبو داوود من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يُقال لصاحب القرآن : اقرأ وارتق ِورتّل كما كُنت ترتل في الدنيا فغن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها "

قال الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى درج الجنة " وفي فضل التقرب إلى الله بكلامه ماورد في الأثر عن خبّاب بن الأرت رضي الله عنه قال : " تقرّب إلى الله مااستطعت فإنّك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه " . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

الخميس، 16 مارس 2023

خطبة في استهلال شهر رمضان المبارك

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : هانحن نعيش في استقبال نفحة إيمانية ومنّة ربانية باستقبال شهر فضيل وموسم جليل تضاعف فيه الأعمال ويتقرّب فيه للكريم للمتعال ، بفريضة عظيمة القدر كثيرة الأجر وهي فريضة الصيام الذي كتبه الله على هذه الأمة كما كان مكتوباً على الأمم من قبلِنا ( ياأيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشّر به أصحابه فقد أخرج النسائي في سننه وأحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنّفه وعبدُ بن حميد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " لمّا حضر رمضان ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشّر أصحابه : " أتاكم رمضان شهرٌ مُبارك فرض الله عزّ وجل عليكُم صيامه ، تفتح فيه أبواب الساء ، وتُغلق فيه أبواب الجحيم ، وتُغلّ فيه مردة الجن ، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر ، من حُرم خيرها فقد حُرم " والحديث روي بأسانيد بعضُها صحيح ، وصححه بعض أهل العلم والتهنئة بتجدد النعمة الدينية والدنيوية جائز كما هنأ الصحابة رضوان الله عليهم كعب بن مالك رضي الله عنه بتوبة الله عليه وكان بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك التهنئة برمضان لأنه من النعم الدينية العظيمة ، يقول ابن القيّم في زاد المعاد عندما أورد حديث الثلاثة الذين خُلّفوا : "  وفيه دليلٌ على استحباب من تجدّدت له نعمة دينيّة والقيام إليه إذا أقبل ، ومُصاحفته فهذه سنّة مستحبة وهو جائز لمن تجدّدت له نعمة دنيوية " ولذا كان بعض العلماء المتأخرين الراسخين في العلم يهنئ بالشهر الفضيل . 

عباد الله : كان السلف الصالح - ياعباد الله - يدعون الله ليلاً ونهاراً أن يُبلغهم رمضان وأن يُعينهم على صيامه وقيامه ، لما يرون فيه من الخير الفضيل وتنزل الرحمات ورفع الدعوات وقضاء الحاجات ومغفرة الذنوب والزلات ، ويستبشرون بقدومه ويفرحون ، يخلون فيه بأنفسهم ، يصومون نهاره ويقومون عليه ، فرمضان مدرسة إيمانية وروحية تعلمّ الكثير ويتفرغ فيها الغني ويتزود منها الفقير ويُبذل فيها الخير والبر والإحسان ويتذكر فيها الصائم إخوانه المحتاجين من الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات والمعوزين ، ويتذكر أن صيامه إيماناً واحتساباً سبب لدخول جنّة الرحمن ، ويتذكر المقصد الأسمى من الصيام وهو تحقيق التقوى في السر والنجوى ، فمن انقلب به بعد رمضان وتبدّلت حالته فقد نفعه الصوم وانتفع بهذه الشعيرة ، ويتذكّر الصائم أيضاً أن الله فيه يزيّن جنته بعرْفها وحللها وجواهرها وحورها ، ويتذكر فيه مضاعفة الثواب والأجور الذي قلّ أن يتسنّى في غيره من الأزمنة ويتذكّر فرحه بصومه ولحظات فِطره كما ورد في الحديث الصحيح  : " للصائم فرحتان فرحة عند فِطره وفرحة عند لقاء ربه " . 

عباد الله : من الوصايا القيّمة التي أوصي نفسي بها وإياكم - معشر الإخوة - في استقبال هذا الشهر المبارك أن تُحافظ فيه على الوقت ، فالوقت فيه يمضي وهو ثمين يبدأ الخير فيه من أول ليلة ، فمن كان منشغلاً بالأسواق من رجل أو امرأة فليعجل بقضاء حاجته منها قبل دخول الشهر ، ومن كان لديه عملٌ في هذا الشهر الفضيل يستطيع تأجيله فليؤخره لما بعد رمضان كي لايفوت عليه هذا الموسم الفضيل ، واحذر من سُرّاق وقتك من شاشة أو جوال أو صاحب لهو ٍ أو لعبٍ وعبث ، فالمؤمن كيّسٌ فِطن ، والعمل في هذا الشهر فواتُه لايتدارك ، لأنه يتضاعف وقد ورد في السنة بأن الفريضة فيه بسبعين فريضة والنافلة فيه بأجر فريضة وكل العمل الصالح يتضاعف فيه ويُرفع فأروا الله فيه من أنفسكم خيراً والصدق والإخلاص لتتم لكم المغفرة وتكفير الأوزار والعتق من النار وكما ورد في السنة عن رمضان أن لله فيه عتقاء من النار في كل ليلة ، فاللهم بلغنا إياه وامنن علينا بجودك فيه واجعلنا فيه ووالدينا من عتقاءك من النار ووفقنا فيه لتدراك الأعمار وحط الخطايا والأوزار والإكثار من الصالحات ياعزيز ياغفار ، أقول بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

================ الخطبة الثانية ================

الحمدلله الذي يُعطي ويمنع ويخفض ويرفع له الأسماء الحسنى والصفات العلى والصلاة والسلام على المبعوث إلى سائر الملا ، نبينا محمد عليه وعلى آله السادات الأُلى ، وعلى من تبعه بإحسان وسار على نهجه واهتدى أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - وابذلوا إليه الوسيلة وتقربوا بكل دقيقة وجليلة من الأعمال الفضيلة ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تُفلحون ) فالعمل الصالح وسيلة نافعة وقُربة لله شافعة وإذا علم العبد أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد توسّل لله بهما وحث الخطى لبذلهما على الوجه الأكمل والنهج الأمثل وكذلك سائرُ الأعمال ، وكلّما كان العمل نافعاً متعدّياً يُحتاج إليه فهو أفضل ولذلك كانت الصدقة من أجل القربات ومثلها تفطير الصائمين للمحتاجين ، كما في الحديث : " من فطّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لاينقص من أجر الصائم شيئاً " فليبذل العبد مالديه وإن كان شيئاً يسيرا ولا تحقرن من المعروف شيئاً  .

عباد الله : الصدقة بابٌ عظيم من أبواب الخير يتمناها فعلها الموتى لو رجعوا إلى الدنيا سواءاً كانت سرّاً أو علانية إن صلُحت النية ( وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي َ أحدكم الموت فيقولَ ربِّ لولا أخرتني إلى أجلٍ قريب فأصدّق وأكن من الصالحين ) وإن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لقول الله جل وعلا : ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ويُكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ) وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله - وهو حديث متفق عليه - وذكر منهم : " ورجلٌ تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه " ومثل هذا الفعل يكون إذا كان العبد حين أداء الصدقة يهتم بجانب الإخفاء حرصاً على أن لايراه أحد ، فلو سألته بأي يدٍ أعطيت مالك فهو لايعلم من شدّة انشغاله بإخفاء الصدقة أو لو كانت يمينه رجلاً متيقظاً ماعلمت بما تُنفق شماله من شدة إخفائها وهذا هو المراد في الحديث ، والمقصود إخفاء الصدقة بأي حال . 

عباد الله : هناك من الأسر من فقدت رب أسرتها بسبب ديون تراكمت عليه وهو يقبع في السجون الآن لاجناية له إلا بسبب هذا الدين وكان سبب تلك الديون حاجة رب الأسرة في الأصل ، وإن الوقوف مع هؤلاء في تفريج كربتهم بسبب حاجتهم الشديدة وحرمانهم لهو أمر يجدر العناية به وهو أفضل من تفطير الصائم غير المحتاج ، فالحاجة والضرورة هي التي تبيّن فضل الصدقة والصدقات كلها مأجورٌ صاحبها ولكنّها تتفاوت في الفضل ويحدد ذلك الحاجة والضرورة ، كما أن الإنفاق عند حصول المجاعة أفضل من الإنفاق في الأحوال العادية ، ويكون التبرع عبر المنصات الرسمية كمنصة فُرجت ومنصة إحسان وساهم وغيرها . .  فاللهم اجعل هذا المال شاهداً لنا وسبيلاً لمرضاتك ويمن كتابنا ويسر حسابنا بفضلك وإحسانك ياجواد ياكريم . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 

الثلاثاء، 21 فبراير 2023

خطبة عن الغش التجاري والإحتكار

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : شرع الله المطهّر أتى بكل خيرٍ للبشر ونهى عن كل شر وكل مافيه ضرر وغالباً مايكون الخير والشر في تعاملات الناس مع بعضهم البعض والإنسان كما أخبر عنه الخلّاق العليم جُبِل على حبّ المال واقتنائه والسعي في سبيل كسبه ( وإنه لحب الخير لشديد ) والخير هو المال كما ذكر المفسرون ولايُنكر أحدٌ أنّه عصب الحياة وبه قَوام عيش الإنسان ، ولكنّ الكثير جعل اقتناء المال هو الغاية والثراء هو الهدف من هذه الحياة ، فسلك سبُلاً ملتوية وطُرقاً محرّمة في اقتناء المال وجمعه ، فمن ذلك الغش في البيع والشراء وهو سبيلٌ مقيتٌ مذموم ينافي الإيمان الكامل ، ومن كان ذلك سبيله فهو على غير طريقة النبي صلى الله عليه وأصحابه ، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حمل علينا السلاح فليس منّا ، ومن غشّنا فليس منّا " وفي رواية أخرى عند مسلمٍ أيضاً : " من غشّ فليس منّي " وفي حديثٍ آخر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على صُبرة طعام ، فأدخل يده فيها فأصابت أصبابعه بللاً ، فقال : " ماهذا ياصاحب الطعام ؟ " قال : أصبته السماء يارسول الله ، قال : " أفلا جعلتَه فوق الطعام كي يراه الناس ، من غشّ فليس مني " .والغش ينافي الأمانة وهو نوع خيانة ، وذلك أن المشتري يأمن البائع فيعطيه مالَه مُقابلَ سلعةٍ يصفها له سالمة من العيوب ومن ثمَّ يتبيّن عدمُ سلامتها ، فإن ذلك قلة أمانة وكذبٌ والمؤمن لايكذب وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال : " لا إيمان لمن لاأمانه له ، ولا دين لمن لاعهد له " أخرجه أحمد في مُسنده أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرُهم . 

عباد الله : والغش بأنواعه مُحرّمٌ سواءاً كان تجارياً في السلع أو طعاماً أو بضائع معينّة وكذلك الغش في التعليم والإمتحانات والكثير من العلماء عدُّوا الغش كبيرة من كبائر الذنوب لأنه من الكذب ، ولا بركة في المال مع الغش بل إن المال الذي يجنيه العبد من وراء الغش ممحوق البركة لاينتفع البائع به وذلك مصداق ماأخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : " البيّعان بالخيار مالم يتفرّقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما " وإن من الغش كتمُ العيب او إخفائه عن المُشتري ففي حديث عُقبة بن عامر رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بيّنَه له " أخرجه الطبراني والبيهقي . 

  عباد الله : ولما كان المجتمع المسلم يعيش كالمجتمع الواحد بلا أنانية ولا استئثار عن الغير كما قال صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدُكم حتى يُحب لأخيه مايُحب لنفسه " من أجل ذلك حرّم السلوكيّات التي تدعو للشح والأنانية ومن ذلك الإحتكار في البيع والشراء ففي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن معمر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من احتكر فهو خاطئ " وفي رواية أخرى : " لايحتكر إلا خاطئ " أي آثمٌ ظالم لنفسه . 

والإحتكار ليس هو مايظنه بعض الناس من احتكار التجار لمنتجات جلبوها من الخارج أو صنّعوها بالداخل أو كانوا وُكلاء لمنتجات وبضائع أجنبية في وقت الرخاء ، وإنما المراد بذلك مايكون في استيلاء واحتكار للسلعة وقت ضيق الناس وشدّتهم وخصوصاً في المواد الأساسية كالطعام وقت المجاعة والماء وقت الشدّة والظمأ والمواد التي يحتاجها الناس في وقت الكوارث ونحوِ ذلك وهذا هو المقصود في الحديث ، يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وإيانا أجمعين : ( أمّا الذي يشتري الطعام أو غير الطعام مما يحتاجُه الناس في وقت الرخاء وكثرته في الأسواق وعدم الضرر على أحد ، ثمّ إذا تحرّكت السلع باعه مع الناس من دون أن يُؤخرّه إلى شدة الضرورة ، بل متى تحرّكت وجاءت الفائدة باعه فلا حرج عليه ، وهذا عمل التجار في قديم الزمان وحديثه ) انتهى كلامه . . فنسأل الله أن يدفع عن المسلمين كافّة الشدّة والبلاء والكوارث واللأواء إنه سميع الدعاء واسع العطاء ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 

================= الخطبة الثانية ================

الحمد لله رزق من فضله وهدى ، وأولى وأعطى وأخرج المرعى فجعله غُثاءاً أحوى والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والهدى نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ وبشرعه اهتدى أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الشرع الحنيف حذّر من الحلف في البيع عامّة ومن الحلِف الكاذب خاصّة ففي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إياكم وكثرة الحلِف في البيع فإنه يُنفّق ثمّ يمحق " وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثةٌ لايكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظرُ إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم " قال : فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثَ مِرارٍ ، قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه : خابوا وخسروا ، من هم يارسول الله ؟ قال : " المُسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " .

واعلموا - ياعباد الله - أن البيع والشراء بشكل عام يشوبه مايشوبه من اللغو والحلف على السلع ، فالإكثار من الصدقة يحمي العبد بإذن الله من الكسب المحرّم ويُصفي ماله من الشُبَه التي ترد عليه ، يقول قيس بن أبي غرزة رضي الله عنه - وكان من التجار على عهد النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " كنّا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نُسمّى السماسرة فمرّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمّانا باسمٍ هو أحسن منه فقال : ( يامعشر التُجار ، إن البيع يحضُره اللغو والحلِف ، فشوبوه بالصدقة ) وفي رواية : " يحضُره الكذب والحلِف " .

عباد الله : إن التستر التجاري خطأ وإثمٌ ومُخالفة للأنظمة التي سنّتها الدولة - وفقها الله وهداها لكل خير - وفيه إضرار كبير بالمستهلك وذلك لما يجنيه التستر التجاري من عواقب وأضرار يجهلها الكثير من الناس ، وربّما كان بسبب التستر أضراراً حتى على قيَم المجتمع ودينه وإن قلّة المراقبة لمن لديه عمالة لكفيلٌ بأن تكون هناك تبعات يُحاسب عليها في الآخرة إن سلم من العقوبة الدنيوية والتي هو في غنىً عنها لو إلتزم بالأنظمة والتي فيها مصلحة للمواطن والعامل ، ووفق الله الجميع لمرضاته ونيل فضله وكرامته إنه سميعٌ مجيب . 

الأحد، 12 فبراير 2023

خطبة عن الشك والوسواس وأثرُهما على المسلم

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الشك والريبة أمرٌ يمر على ابن آدم منذ خلقه الله بطبيعته البشرية وذلك أن القلب متقلّبٌ بخلقته التي فطرها الله تعالى ولكنّ أشد الشك خطراً وأعظمه أثراً هو الشك في الدين ، سواءٌ كان ذلك في قدرة الله أو وجوده أو البعث والنشور أو الجزاء والحساب أو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحداث والوقائع والفتن ، والشاكون يُعدّون من مرضى القلوب وهو مرض معنوي لاحسي والمعنوي أعظم شرّاً من الحسي وذلك أن المرض المعنوي به هلاك الإنسان وعذابه وجحيمه وحسرته وفي كتاب الله عندما تكون المحاورة بين المؤمنين والمنافقين : ( يوم يقول المنافقون والمنافقون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضُرب بينهم بسورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرُه من قِبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفُسكم وتربصتُم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور * فاليوم لايؤخذُ منكم فديةٌ ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ) ومن أقبح الشك ، الشك في الخالق فمن يشك في وجود الله أو يشك في قدرته فهو أشد كفراً من المشركين وذلك أن الله يقول : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يُجير ولا يُجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنّى تسحرون ) 

عباد الله : الشك والظن والوهْم بينهما تشابه ، فمن ناحية لغوية ، يُعرّف الشك : خلاف اليقين وبتعريف أدق هو ترددٌ في الذهن بين أمرين لايتميز أحدهما على الآخر ، فإن تميّز ورجح أحدُهما على الآخر صار الأمر الراجح ظنّ ، وإن ترجّح الأمر المرجوح فهو وهم ، والشك كلّه مذموم إلا ماكان خارجاً عن إرادة الإنسان بخلاف الظن فبعضه مذموم وبعضه ممدوح ، ففي الظن الممدوح يقول الله تعالى في شأن الخاشعين ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربِّهم وأنهم إليه راجعون ) وقال في المذموم في شأن المشركين ( وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يُهلكنا إلا الدهر ومالهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) . 

عباد الله :  الشك عذابٌ وفتنة لمن ابتُلي به ، و نَشْرُه ووضع منهجيَّةٍ تدعوا إليه مذهبٌ فكري غربي ، دعا له ونافح عن فكرته فلاسفة حمقى من الغرب الكافر حتى وصل بهم الحال إلى الشك في وجودهم هم بأنفسهم ، وتأثر أناسٌ من بني جلدتنا بنهجهم وضلالاتهم ، بل إنه في الماضي خاض ودعا للشك أناسٌ يُعدَّون من علماء المسلمين مع الأسف بسبب تعريب كتب اليونان والإعتقادات الفكرية المقتبسة من غير الشرع كالعقل والمنطق كالغزالي مثلاً والجاحظ وغيرهم ،وتاب منهم من تاب وكان الغزالي صاحب كتاب - إحياء علوم الدين - كان يقول عن الشك : " من لم يشك لم ينظر ، ومن لم ينظر لم يُبصر ، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلالة "  ثم تحدّث عن توبته فقال : " وعادت النفس إلى الصحة والإعتدال ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنورٍ قذفه الله تعالى في الصدر " .

وأثّرت موجة الشك على بعض المتكلمين ، مما جعلهم يقولون : " إن أول واجب على المكلف المعرفة أو النظر أو القصد إلى النظر " وليس التوحيد كما يدّعون ، ولا شك أن هذا كفرٌ وانحراف وزيغ ، والشك في الواقع لايُفيد العلم ولايُثْبِت الحقائق ولا يمكن أن تقوم حال الإنسان إلا باليقين والعلم ، وما قامت السماوات والأرض ولا فطرة الله التي فطر الناس عليها في الأصل على شك وظنون ، بل على علمٍ  بالرب وعلى حقيقة المعرفة بآياته ومخلوقاته الدالّة عليه والعقل الموصل إليه والله هو الحق المبين ويدعوا إلى الحق ويحرّم لبس الحق بالباطل ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وانه على كل شيء قدير ) ( بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ) ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) والشك حيرة ووهم وتخبط وضلال وظلمات وضياع عمر واستهواء من الشيطان للعبد ( قل أندعوا من دون الله ما لاينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه غلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنُسلم لرب العالمين ) ( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثلُه في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زُين للكافرين ماكانوا يعملون ) . 

عباد الله :  ينبغي للمسلم أن يُعرض عن من ينشر الشك ويثير الشُبه ولو كان مقرّباً منه لأن أكثر من يثير مثل هذه الشكوك هو في الواقع مُغرضٌ وليس متبعٌ للحق ، وناشرٌ للجدال بلا ثمرة ولا نتيجة ، وكثيرٌ من أعداء الدين ينشرون ويثيرون مثل هذه الشكوك قصداً منهم لزعزعة عقيدة المسلم ، وكسر قوة إيمانه بربه ونبيّه ونبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم يقول كما ورد في صحيح مسلم : " أشهد ان لاإله إلا الله وأني رسول لايلقى بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة "  وأشد مايورد أعداء الدين على عامّة هو قذف الشُبَه لجلب الشكوك فيما لاعلم لهم به ولا تُدركه عقولهم ، وقذف الشُبه على عوام الناس داءٌ خطير لكون البعض من الناس هشَّ الإيمان رقيقَ الديانة فتؤثر في من أراد الله أن تؤثر فيه هذه الشبهة ، وتضرّه لقلة علمه وسطحية عقله ، وغلبة جهله والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى التعوذ بالله من هذه الشُبه والشكوك فقال صلى الله عليه وسلم : " يأتي الشيطان أحدَكُم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربّك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينتَه " وهذا الطريقة من أسلم الطُرق وأفضلِها للتعامل مع كيد الشيطان وأذنابه من شياطين الإنس والجن ، فاللهم احفظ علينا ديننا وإيماننا وزدنا توفيقاً ويقينا وجنبنا كيد الشيطان ياذا الفضل والإحسان أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفرلكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=============== الخطبة الثانية ================

الحمد لله رب الأرض والسماء يهدي من يشاء ويضل من يشاء وبيده الفصل والقضاء والصلاة والسلام على المبعوث بالبينات والهدى نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضلُ الصلوات وأزكى التسليم من الله والتحيّات أما بعد : 

عباد الله : أخرج النسائي وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول  : " اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشِقاق وسوء الأخلاق " وروي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله عند الركن العراقي من الكعبة وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود ، وذلك من أدعيته عليه الصلاة والسلام  . 

عباد الله : يطرأ الشك على المسلم في وضوءه وصلاته ويجب أن يتعامل معه المسلم بمنهج شرعي حتى لايتمادى مع هذه الشكوك التي تطرأ عليه ، ففي الوضوء ينبغي أن يحذر المسلم أن يزيد على الثلاث بأي حال من الأحوال فإن من استيقن أنَّه غسلَ العضوَ من أعضاء الوضوء ثلاثاً ، فلا ينبغي أن يلتفت لإملاءات الشيطان والنفس وإلا دخل في حالة مرضيّة تسمى الوسواس القهري - أجارنا الله وإياكم - فيجب على المسلم أن يكون صارماً مع نفسه ،  فإن أناساً من هذه الأمة سيعتدون في الوضوء  حيث روى مُغفّل المُزني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطَهور والدعاء " وفي الحديث أن أعرابياً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء ؟ فأراه ثلاثاً ، ثلاثاً ، قال : " هذا الوضوءُ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم " وفي الصلاة - ياعباد الله - يحصل الشك من الكثير وأكثر مايجلبُه عدم الخشوع وحضور القلب ، وفي حديث عثمان بن أبي العاص في صحيح مسلم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله ، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبِّسُها عليّ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك شيطانٌ يُقال له خِنْزَب : فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفُل عن يسارك ثلاثاً " قال ، ففعلتُ ذلك فاذهبه الله عنّي ، وقد يأتي الشك بعد الصلاة وهذا لايؤثر فيها ولا يلتفتُ إليه وهو إجماع من أهل العلم وفي ذلك يقول الناظم : 

والشك بعد الفعل لايؤثرُ * وهكذا إذا الشكوك تكثُر 

وكل ذلك قطعاً لتسرّب الشك إلى النفس وحزماً في دفعه ورداً لكيد الشيطان ووسوسته وأبعد الناس منه هم المستعيذون بربهم والذاكرون المستغفرون . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلِام عليه فقال عز من قائل سبحانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) .  .

الاثنين، 6 فبراير 2023

خطبة عن كثرة الزلازل والفتن في آخر الزمان

الحمدلله الذي له مافي السماوات ومافي الأرض وهو الحكيم الخبير ، يقدّر مايشاء ويختار وهو الحليم القدير ، وعنده مفاتح الغيب وبيده الأمر كله وإليه المصير ، والصلاة والسلام على النبي الكريم والسراج المنير نبينا محمد الذي أرسله ربه بالفرقان والبينات عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات من رب الأرض والسماوات أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى سبيل النجاة في الحياة وبعد الممات ( ألا إن أولياء الله لاخوفٌ عليهم ولاهم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لاتبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم )   واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : روى البخاري بسنده عن أبي اليمان قال : أخبرنا شعيب قال أخبرنا أبوالزناد عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لاتقوم الساعة حتى يُقبض العلم وتكثُر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل القتل حتى يكثر فيكم المال فيفيض " . 
فهذه خمس علامات من علامات الساعة وهي علاماتٌ صغرى وليست كُبرى وكثرة الزلازل في هذا الوقت خاصة أمرٌ مُلفت في النظر فلقد سمعتم بعدة زلازل وقعت في بلاد الشام وتركيا تضرر منها خلق كثير وتضررت مبان ومدن بهزات تعد بالثواني ، وفي بلد واحد في أمريكا الجنوبية حدثت تسعة عشر ومائتين هزة أدى ذلك لإثارة الرعب والقلق لسكان تلك المناطق وتضرر الكثير من الناس وتشرّد خلقٌ لايحصيهم إلا الله وهذه الزلازل والهزات الأرضية لاشك أنها ابتلاء للمؤمن وعذاب ونكال للكافر وذلك يُذكّر بقول الله : ( قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لايشعرون * ثم يوم القيامة يُخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) . 
عباد الله : كثرة الزلازل أمرٌ من ثوابت علامات الساعة وغالباً أنها يُقصد بها الزلازل المحسوسة وهو الأظهر من النصوص الشرعية لاتزلزل الأفكار والعقائد كما يعتقد البعض فإن شكوك واهتزاز العقائد والأفكار نوعٌ من الإنحراف والإرجاف والزيغ والمعنى الحسي أقوى احتمالاً من المعنوي ، وفي حديث سلمة بن نُفيل السَّكوني رضي الله عنه - وله صُحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بين يدي الساعة مُوْتان شديد ، وبعده سنوات الزلازل " أخرجه أحمد والدارمي وفي رواية أخرى لأحمد رحمه الله : " وبين يدي الساعة سنوات الزلازل "  . 
عباد الله : لاشك أن هذه الزلازل سبب نقمة من الله جل جلاله ، فعلى العباد أن يحذروا من أسباب سخط الله جل وعلا ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) وفي حديث مرسل عن شهربن حوشب رحمه الله قال : " زُلزلت المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ربكم يستعتِبُكم فأعتبوه " وهو حديث فيه ضعف أورده ابن أبي شيبة في مصنفه لكنه ثبت هذا القول عن ابن مسعود رضي الله عنه عندما وقعت زلزلة بالكوفة فقال رضي الله عنه : " إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه " ومعنى استعتاب الرب سبحانه وتعالى لعباده : أي يطلب منهم أن يزيلوا ماعتب عليهم فيه من ذنوب موبقة ومعاصٍ قائمة ، وأما عتبى العبيد لربهم : فهو طلبهم منه جل وعلا أن يمهلهم ليتوبوا لكي يزيلوا أسباب السخط ولا يُعاجلهم بالعقوبة  وعن عبيد الله بن عمر عن نافع عن صفية بن أبي عبيد قالت : " زلزلت المدينة على عهد عمر رضي الله عنه فقال : أيها الناس ، ماهذا ؟ ما أسرع ما أحدثتم ، لئن عادت لا أساكنُكم فيها " وكتب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله إلى الأمصار : " أما بعد : فإن هذا الرجف شيٌ يعاتب الله عز وجل به العباد ، وقد كتبت إلى سائر الأمصار يُخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا فمن كان عنده شيءٌ فليتصدق به ، فإن الله عز وجل قال : " قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلى " . 
عباد الله : إن الزلازل والأراجيف والهزات الأرضية يذكر بشيء قليل من أهوال يوم القيامة ، فيوم القيامة فيه أهوال وشدائد لايُطيقها ولا يحتملُها ابن آدم إلا من ثبته الله ويصبحُ فيها أكثر الناس أشبه بالمجانين من شدة الخوف وهول المطلع ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم * يوم ترونها تذهلُ كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وماهم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد ) وفي ذلك اليوم يرى يصدُرُ الناس كلهم ليَروا أعمالهم بعدما وردوا لهذه الدُنيا وهي دار الإمتحان والإبتلاء لادار الجزاء وفي ذلك اليوم تحدّث الأرض بما وقع فيها من خيرٍ أو شرّ ، ومن أراد أن يتصوّر ويرى يوم القيامة كرأي العين فليقرأ سورة التكوير وسورة الإنفطار وسورة الإنشقاق كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام . 
عباد الله : الناس عند وقوع المصائب يختلف حالُهم وتتباين أفكارهم وتفسيرُهم لهذه الظواهر فمن الناس من يعدّ هذه ظواهر طبيعيّة وحوادث سببها فقط انزلاق بطبقات الأرض أو بسبب أنشطة بركانية أو بسبب تحرّك صفيحة صخرية أو اصدام صفيحة بأخرى ويقفون عند هذه الأسباب المادية ويغفلون عن الأسباب المعنوية والتي منها ذنوب العباد وبغيهم وانتشار الفواحش والرضا بالمنكر والترويج له مع الله تعالى عمّم حصول المصائب بسبب الذنوب فلم يستثن من ذلك شيء وعفوه كثير فقال جلّ وعلا : ( وما أصابكم من مُصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفوا عن كثير ) وفي المُقابل أيضاً من تجري عليه هذه المصائب فيسترجعُ ويحمدُ الله على ذلك في السراء أو الضرّاء فهو مع الله في كل أحيانه يرضى بقدره ويقنع بعطائه ولا يسخط من قدره حين وقوع المصيبة ، فيقوم بعد حدوث كارثة أو مصيبة قد نال أجرين أجرٌ على المصيبة في نفسه وأجرٌ على مافقد من ماله أو عياله ، ويقضي بقيّة حياته يمشي على الأرض ماعليه خطيئة مع درجة عالية ومنزلة رفيعة حازها عند الله وفي الحديث : " إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله فما يبلُغها بعمله ، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبلّغه إياها " وفي الحديث الآخر أيضاً من حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرِّضت في الدنيا بالمقاريض " رواه الترمذي وحسّنه جمعٌ من أهل العلم ولا يُبتلى العبد إلا على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان غير ذلك خُفف عنه ، والصابرون يُعطون أجرهم كاملاً بلا حساب ( إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب ) فاللهم وفقنا للصبر حين البلاء وأعظم لنا الأجر والعطاء ياسميع الدعاء أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التوّاب الرحيم . 
============= الخطبة الثانية =============
الحمدلله له المحامد كلُّها كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على المبعوث بالبر والتقوى ، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات والتسليم من الكريم المولى أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله -  فبالتقوى تُستدفعُ البلايا وتُستمنح العطايا ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يُسرا ) . 
عباد الله : كلٌ منا يرغب ويرجو معيّة الله له في كل أمره وأن يكون الله له معيناً ونصيرا في شأنه كل وهذه تتحقق بأن تكون مع أخيك حين يمسّه الضر والحوادث والنكبات وفي الحديث : " والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه " والإنفاق في السرا والضراء من صفات المتّقين ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنّة عرضها السماوات والأرض أُعدّت للمتقين * الذين ينفقون في السرّاء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يُحب المحسنين )  وفي الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " . 
عباد الله : وأشدّ مايكون المسلم في حاجة أخيه عندما تحصل له نكبة فيُهدم بيته ويذهب ماله وتشّرد أسرته فيكون بلامأوى ولا طعام  معرّضاً للموت ، قد اجتمع عليه التشرّد والخوف والهم والبرد وجهالة المصير قد أتته اقدار الله جل وعلا ونفسه كانت مطمئنة مع أسرته فتحول حاله بلحظات إلى أفقر حالات العبد وأذلّها ، فاللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك 
فمثل من ابتُلي بذلك كان لزاماً على المسلم أن يواسيه بماله ويقف معه بمدّ يد العون له وفي الحديث : " يابن آدم إنك إن تبذل الفضل -خيرٌ لك وأن تمسكَه  شرٌّ لك ، ولا تُلام على كفاف . . " الحديث والفضل من المال هو الزائد عن حاجات الإنسان الأساسية والكثير منا ولله الحمد عنده فضلٌ من ماله فلا يبخلنّ به حينما يُفتح له باب الخير والإنفاق ليكون هذا المال شاهداً له وأجراً ويُرفع به عند الله منزلة وقدرا . .  ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائلٍ عليما : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...