الاثنين، 11 سبتمبر 2023

خطبة عن العشرة المبشرين بالجنة ( طلحة بن عبيدالله رضي الله )

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 

واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : الصحابة رضوان الله عليهم لهم فضلٌ كبيرٌ على هذه الأمة نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي غضّاً طريّاً للأمة بعدهم وفضيلتهم تكمُن في سابقيتهم للإسلام وجهادهم مع المصطفى عليه الصلاة والسلام وعلمهم ومنزلتهم عند الله ورضا الله عنهم حتى قال المصطفى عليه الصلاة والسلام : " لاتسبّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً مابلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه " فعملهم القليل يساوي عمل الكثير ممن يأتي بعدهم فلهم منزلةٌ وفضل ، ومن لم يعرف لهم فضلهم ومنزلتَهم ويشهد بعلو مكانتهم ومنزلتهم فهو مكابر معاند في قلبه مرض ، يُحذر منه وتُحذّر الأمة من شرّه وكيده ، وإذا كان الصحابي من السابقين أو من العشرة المبشرين بالجنة فلهم مزيّة أكثر من غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، لأنهم تسبّبوا بإسلام من بعدهم وسبقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف قبل إسلام من تأخر من الصحابه وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لبعضهم بالجنة رضي الله عنهم وعنّا أجمعين ، ومثلُ هؤلاء ينبغي الوقوف على سيرتهم واستلهام الدروس من حياتهم وكفاحكم وجهادهم للإقتداء بهم ونهج سبيلهم الأرشد ، وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه : " من كان مستنّاً فليستن بمن قد مات فإن الحي لاتُؤمن عليه الفتنة " .

ولعلنا نقف على سيرة صحابي من أفاضل الصحابة وممن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو ( طلحة بن عبيد الله ) رضي الله عنه .  

عندما نتحدث عن طلحة رضي الله عنه عن سيد من سادات قريش ووجهائهم وأسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو من الثمانية الذين سبقوا للإسلام ، وهو أحد الستة أهل الشورى الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض  واشتهر بالغنى والكرم والسخاء ، وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم بطلحة الخير في يوم أحد وفي غزوة ذي العشيرة بطلحة الفيّاض وقيل أنه نزلت فيه قول الله تعالى : ( من المؤمنين رجالٌ صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " طلحة ممن قضى نحبه " . وقد سجلت له مواقف كثيرة تدل على سخائه وجوده ومنها : أنه اشترى بئراً لسقي المسلمين ، وافتدى عشرة من أسرى بدر بماله ، وباع ارضاً له بسبعمائة ألف فلم يهنأ له النوم ليلاًُ والمال عنده ، فلمّا طلع عليه الصُبح وزّعه ، وأنفق مالاً كثيراً في تجهيز الجيش في ساعة العُسرة حين غزوة تبوك ، وتصدّق بمائة ألف درهم ثم لم يجد مايلبس إلا ثوباً قديماً ، وكان يرسل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كل عام عشرة آلاف درهم لتوزّعها على فقراء المسلمين ، وكان لايترك غارماً من قومه بني تيم إلا سدّد عنه دينَه وقضى عنه ، فقد سدّد عن عبيد بن معمر ثمانين ألف درهم ، ودفع عن رجلٍ آخر ثلاثين ألفاً رضي الله عنه ، وكان يقول رضي الله عنه : " إنا لنجد بأموالنا مايجد البخلاء ولكنّنا نتصبر " .

عباد الله : هاجر طلحةُ رضي الله عنه إلى المدينة وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلّها عدا غزوة بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وجهه وسعيد بن زيد يتحسّسان الأخبار ، فلم يرجعا إلا وقد انتهت وقعة بدر ، وضرب لهما النبي صلى الله عليه وسلم معه بسهم لكل منهما ، وأكثر ماأبلى طلحة رضي الله عنه يوم أحد ، ففي صحيح النسائي أن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : " لمّا كان يوم أُحد وولّى الناس ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية في اثني عشر رجُلاً من الأنصار وفيهم طلحة ؛ فأدركهم المشركون ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من للقوم ؟ " فقال طلحة رضي الله عنه : " أنا " . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كما أنت " فقال رجل من الأنصار : " أنا يارسول الله " فقال : " أنت " فقاتل حتى قُتل " ، ثم التفت فإذا المشركون ، فقال : " من للقوم ؟ " فقال طلحة : " أنا " . قال : " كما أنت " . فقال رجل من الأنصار : " أنا يارسول الله . فقال : " أنت " فقاتل حتى قُتل ، ثم لم يزل يقول ذلك حتى ويخرج إليهم رجلٌ من الأنصار ؛ فيقاتل قتال من قبله حتى يُقتل ، حتى بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلحة بن عبيد الله ، فقال رسول الله : " من للقوم ؟ " فقال طلحة : أنا ، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر - أي الذين سبقوه - حتى ضُربت يده فقُطعت أصابعه ، فقال : " حسّ " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو قلتَ بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون " ثم رد الله المشركين . 

عباد الله : ومن مناقب طلحة ماورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء ، هو وأبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ، فتحرّكت الصخرة : " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اهدأ ، فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد " ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " طلحة والزبير جاراي في الجنة " .

أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله الذي يخلق مايشاء ويختار ، ويعطي ويمنع وكل شيءٍ عنده بمقدار وهو العزيز الغفار والصلاة والسلام على سيّد الأبرار نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار أما بعد : 

عباد الله : عاش طلحة رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولمّا نشب خلاف بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان  رضي الله عنه حول مقتل عثمان وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرى عدم التعجل بإقامة الحد على قتلة عثمان لكي يتم اقتناصهم واحداً واحداً بلا فتنة تنشب بين المسلمين في هذا الأمر وكان معاوية يرى التعجل وقتالِهم قبل أن يرجعوا إلى أهليهم ، وكان طلحة رضي الله عنه مع رأي معاوية ولمّا خرجوا في معركة الجمل ، ناشد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب طلحة أن يرجع عن رأيه فرجع وانسحب من المعركة رضي الله عنه ، ولكنّه جاءه سهمٌ غادر من قومٍ لايريدون الصلحة ولا يريدون إلا نشوب الفتنة ؛ فاستُشهد رضي الله عنه وكان ذلك في عام ستة وثلاثين من الهجرة النبوية ولمّا انتهت المعركة دعا علي رضي الله عنه للذين كانوا من جنده والذين كانوا من جند معاوية ممن قُتل ولمّا فرغ من دفن طلحة والزبير رضي الله عنهما ، قال رضي الله عنه : " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم : ( ونزعنا مافي صدورهم من غلٍّ إخواناً على سررٍ متقابلين ) . 

عباد الله : أولئك الجيل من الصحابة ومن يأتي بعدهم من التابعين وأتباع التابعين هم قدوة لنا بسيرتهم نعرف كيف عاشوا وكافحوا وجاهدوا أنفسهم وأعداء دين الله جل وعلا ، وفضيلتُهم لم تأتِ عبثاً ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على فضيلتهم وخيريتهم فقال عليه الصلاة والسلام : " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . . " رواه الشيخان . 

عباد الله : من استلهم من مواقف أولئك الجيل قوة الإيمان وشدة العزم والحزم مع النفس والصبر على المصاعب والمشاق التي يواجهها في الدعوة أو في جهاد النفس كان حريّاً بأن يقوى إيمانه ويشتد عزمه وتكبُر همّته وتُشحذ نفسه لأهداف عالية المنال يُرضي بها ربَّه جل وعلا وينال بذلك كرامة الدارين ( والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبُلنا وإن الله لمع المحسنين ) . . جعلنا الله وإياكم منهم . . ثم صلوا وسلموا على صاحب الحوض والشفاعة وشفيعُنا يوم تقوم الساعة فاللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد . . .  

الجمعة، 1 سبتمبر 2023

خطبة عن قصة أصحاب الأخدود وغلام الملك .

 الحمدلله الذي منّ على عباده بإرسال الرسل ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون ، وأنزل الكتب - سبحانه - ليُعلّم أهل الجهالة فيتقون ، وأهل الزيع فيهتدون ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد الذي فضلّه وأمته على سائر الأمم ليشكرون ومن حمده يُكثرون ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم يبعثون . . أما بعد : 

عباد الله : اتقوا الله تعالى فكل عزٍّ بتقواه وكل ذُلٍّ بالإعراض عن سبيله وهداه ( … ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقْه من حيث لايحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبُه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيءٍ قدرا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتُها وكل محدثة في دين الله بدعة وكلُ بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : يجب على المسلم أن يوطّنَ نفسَه ويُلزمَها الرضا بما يقضي به الله تعالى من سنن وحكم في الحياة ومن تلك السنن تعرّض المسلم والمؤمن للإبتلاء والفتنة والله جل وعلا عتب على أناسٍ يظنون أنهم سينجون بإيمانهم من الفتنة والإبتلاء وأخبر أن سنّة الإبتلاء ماضية إلى قيام الساعة مادام الإسلام في الأرض ( أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايُفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) . 

عباد الله : قد قص الله علينا في كتابه العزيز بعضٌ مما حلّ به البلاء والفتنة في الدين من الأمم السابقة ، ومنهم قصة أصحاب الأخدود التي وقعت في نجران ، حيث ذكر ابن الأثير في كتابه ( الكامل في التاريخ ) وغيره من المؤرخين خبرهم وأورد عن ابن عباس أنه قال : " كان بنجران ملكٌ من ملوك حِميَر ، يُقال له ذو نوّاس واسمُه : يوسف بن شُرحبيل ، وكان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين سنة "  ثم ساق القصة رضي الله عنه وعن أبيه وهي قصة أوردها الإمام مسلم في صحيحه وارتبطت قصة أصحاب الأخدود بقصة الغلام مع الساحر والملك ،  ففي حديث صهيب الرومي رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : " كان ملكٌ فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلمّا كَبِر قال للملك : إني قد كبِرتُ فابعث لي غلاماً أعلّمُه السحر ، فبعث إليه غلاماً يُعلّمه ، وكان في طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه وسمع كلاماً فاعجبَه ، وكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقُل حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل حبسي الساحر ، فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال اليوم أعلم الساحر أفضل ؟ أم الراهب أفضل ؟ فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتُل هذه الدابّة حتى يمضي الناس ، فرماها فقتلها ومضى الناس ، فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب : أي بُني ، أنت اليوم أفضلُ مني ، قد بلغ من أمرك ماأرى ، وإنّك ستُبتلى ، فإن ابتُليت فلا تدلّ عليّ ، وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص ، ويُداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمِع جليسٌ للملك قد عمِي فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال : ماهاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني ، فقال : " إني لاأشفي أحداً إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك " فآمن بالله تعالى ؛ فشفاه الله تعالى ، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ، فقال له الملك : من رد إليك بصَرك ؟ قال : ربي ، قال : ولك ربٌّ غيري ؟ قال : ربّي وربك الله ، فأخذه فلم يزل يُعذّبه حتى دلّ على الغُلام ؛ فجيء بالغلام ، فقال له الملك : قد بلغ من سحرك ماتبرئ الأكمه والأبرص وتفعلُ وتفعل ، فقال : إتي لاأشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب ، فجيء بالراهب ، فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فدعا بالمنشار فوضع المنشار على مفرِق رأسه ، فشقه به حتى وقع شقّاه ، ثمّ جيء بالغلام ، فقيل له ارجع عن دينك فأبى ، فدفعَهُ إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتُم ذِرْوَته ؛ فإن رجع عن دينه وإلا فاطرَحوه ، فذهبوا به فصعدوا به الجبل ، فقال : " اللهم اكفنيهم بما شئت " فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : مافعل أصحابُك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور - أي سفينة كبيرة - وتوسّطوا به البحر ؛ فإن رجع إلى دينه وإلا فاقذفوه ، فذهبوا به ، فقال : " اللهم اكفنيهم بما شئت " فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك . فقال له الملك : مافعلَ أصحابُك ، فقال : " كفانيهم الله تعالى " .  فقال للملك : " إنك لست بقاتلي حتى تفعل ماآمرُك به " . قال : ماهو ؟ قال : " تجمعُ الناس في صعيدٍ واحد ، وتصلُبُني على جذع ، ثم خذ سهماً من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبِد القوس ، ثم قل : بسم الله رب الغُلام ، ثم ارمني ، فإنك إن فعلتَ ذلك قتَلْتَني . فجمع الناس في صعيدٍ واحد وصلَبَه على جذع ، ثم أخذَ سهماً من كنانته ، ثمّ وضع السهم في كبِد القوس ، ثم قال : بسم الله ربِّ الغُلام ، ثم رماه فوقع السهم في صُدغِه ، فوضع يدَهُ في صُدغه فمات ، فقال الناس : آمنّا برب الغلام ، فأُتي الملك فقيل له : أرأيت ماكُنتَ تحذَر ؛ قد والله نزل بكَ حذرُكْ . قد آمن الناس . فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخُدّت وأُضرم فيها النيران ، وقال :  من لم يرجع عن دينِه فأقحموه فيها ، أو قيل له : اقتحم ، ففعلوا حتى جاءت امراة ومعها صبي لها ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام : " ياأماه اصبري فإنّك على الحق " .

فثبت الله ممن ابتُلي على الحق حتى لقي الله صابراً محتسباً ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويُضل الله الظالمين ويفعلُ الله مايشاء ) فليس أعداء الله عذابهم مثل عذاب الله ولا يُقاربُه ، ولذا من الجهل أن يعتقد البعض أن مايملكُه أعداء هذا الدين وأعداء أهله من السطوة والتعذيب وإن طال ذلك أنه يستحق أن يرجع المرء عن دينه بسببه يقول جل وعلا : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصرٌ من ربك ليقولُّن إنا كنّا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين ) أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=============== الخطبة الثانية ============== 

الحمدلله له حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على المبعوث بالبرّ والتقوى ، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ، ومن على الحق استقام ومن معينه ارتوى .. أما بعد : 

عباد الله : العدوان والظلم ليس هو حصرٌ من طرف الكفار والمشركين على المؤمنين فقط ولكنه يكون بين الكفار أنفسهم ، والواقع والتأريخ يشهد ويروي ، والمؤرخون يدونون ويكتبون ، وكلٌ لربهم يبعثون ويحاسبون ، والله قد تكفل بالنصرة لعباده وأوليائه وهو عزيزٌ ذو انتقام ( أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيزٍ ذي انتقام ) والله يُدافع عن الذين آمنوا كما أخبر في كتابه ومن اعتدى على ولي من أولياء الله فقد آذنه ربه بالحرب ، وذلك نص الحديث القدسي : " من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب . .. " والله قد توعّد من يفتن المؤمنين في دينهم بالعذاب الشديد والنكال ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذابُ جهنّم ولهم عذاب الحريق ) ومن فتنة المؤمنين ظُلمهم وأذيتهم فاحذر أن تقع في مثل ذلك بأي سبيل . . ومن المبشرات لهذه الأمة مع وجود الفتن ماروى الإمام أحمد في مسنده وأبوداود في سننه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أمتي أمّةٌ مرحومة ، ليس عليها في الآخرة عذاب ، إنما عذابُها في الدنيا القتل والبلابل والزلازل " قال أبو النضر : " بالزلازل والقتل والفتن " أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه الحاكم والذهبي . 

وقد أخبر بعض أهل العلم  بأن الحديث مصحح وأنه يجرى مجرى الغالب في هذه الأمة وأنه ثبت العذاب في الآخرة لأهل الكبائر من هذه الأمة في أحاديث . . فاللهم عاملنا بلطفك وجنبنا المنكرات واقتراف الخطايا والسيئات وأصلح قلوبنا وأعمالنا في الخلوات والجلوات يارب الأرض والسماوات . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .   

السبت، 26 أغسطس 2023

خطبة عن وصف الجنة ونعيمها

الحمدلله الذي وعد عباده المتقين بدار النعيم وأوعد الفجار بدار الذل والجحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم نبينا محمدٍ الذي دل على صراط الله المستقيم وسبيله القويم وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فهي وصية الله للأولين والآخرين ( . . ولقد وصينا الذين من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله مافي السماوات ومافي الأرض وكان الله غنياً حميدا ) ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

إخوة الإيمان : دار النعيم سلعةُ الله تعالى تكد لها النفوس وتجهد لها الأرواح لطلبها وهي غالية لاينالها إلا المتقون ولا يحوزها إلا المجاهدون لأنفسهم المتغلبون على هواهم أمر الله بالمسارعة لها حيث قال جل شأنه : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) وقال في سورة الحديد : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم )   

عباد الله : وصف الله جلّ وعلا في كتابه أنواع النعيم وقسم الناس مع هذا النعيم إلى فئتين وهما : السابقون ، وأصحاب اليمين ، وذكر الله صنوف النعيم للسابقين فقال : ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ، في جنات النعيم * ثلّةٌ من الأولين * وقليلٌ من الآخرين * على سررٍ موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكوابٍ وأباريق وكأس من معين * لايصدّعون عنها ولا ينزِفون * وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحورٌ عين كأمثال اللؤلؤ المكنون * جزاءً بما كانوا يعملون ) ونعيمهم هذا أفضل من أصحاب اليمين وأرفع درجة ومنزلة عند الله وذلك يتبين في معرفة نعيم أصحاب اليمين حيث قال الله فيهم جلا وعلا : ( وأصحاب اليمين ماأصحاب اليمين * في سدرٍ مخضود * وطلحٍ منضود * وظلٍ ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة لامقطوعة ولا ممنوعة * وفرشٍ مرفوعة * إنا أنشأناهن إنشاءً * فجعلناهن أبكاراً * عُرباً أتراباً * لأصحاب اليمين * ثلة من الأولين * وثلّة من الآخرين ) ومعنى السرر الموضونة : هي السرر المنسوجة بأفضل النسج ، والمقصود بقوله : " وكأس من معين " أي من نهر خمر جارية ظاهرة لاتضعف ولا تنقطع والخمر في الدنيا - أجاركم الله - فيها أربع آفات تصيب ابن آدم وهي ذهاب العقل والصُداع والقيء والبول ، وقد نزّه الله خمر الآخرة عن هذه الآفات ولذا قال جلّ وعلا : ( لايُصدّعون عنها ولا يُنزفون ) أي لايصيبهم الصداع ولا تنزف عقولهم أي تذهب ، والسدر المخضود الذي ذكره لأصحاب اليمين هو شجر النّبق المخضود الذي نُزع شوكه ، وجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ماهي " قال : " السدر فإن له شوكاً مؤذياً " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أليس الله يقول : ( في سدرٍ مخضود ) خضد الله شوكَهُ فجعل مكان كل شوكة ثمرة ، فإنها لتُنبت ثمراً تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لوناً من طعام ، مافيها لون يشبه الآخر " والطلح المنضود وهو فاكهة الموز المتراكب بعضه فوق بعض . 

عباد الله : يتبين الفرق بين النعيمين أن قرب السابقين من الله أكثر من غيرهم وكذلك أنهم قلّة في هذه الأمة وأكثر هذه الأمة من أصحاب اليمين ، وروي في حديث عن الحسن البصري مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سوّى بين أصحاب اليمين من الأمم السابقة وبين أصحاب اليمين من هذه الأمة وكان السابقون من الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة وكذلك في ذات النعيم وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه عند قول الله تعالى : ( عيناً يشربُ بها المقربون ) شُرباً وتمزجُ لأصحاب اليمين مزجاً وكذلك في النساء فرقٌ بين أصحاب اليمين والسابقين ، فقال بعض المفسرين : إن الحور العين للسابقين ، والعُربُ الأتراب لأصحاب اليمين ، والعَروب من النساء المتحببة لزوجها والأتراب من النساء هنّ المتساويات في السن وروي في أثر عند قول الله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) قيل : " جنتان من ذهب للمقربين أو قال : للسابقين ، وجنتان من ورِق - وهي الفضة - لأصحاب اليمين وهذا يدلل على التفاضل الكبير بين السابقين وأصحاب اليمين . 
عباد الله : إن أفضل درجات الجنة  الفردوس ولذا أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح أن نسأل الله الفردوس في دعائنا فقال عليه الصلاة والسلام : " إذا سألتُم الله فاسألوه الفردوس فإنها وسط الجنة وأعلاها وفوقُها عرش الرحمن ومنها تفجير أنهار الجنة " وفي الحديث الآخر : " في الجنّة مائة درجة مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجّر أنهار الجنة الأربعة ، ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس " أخرجه الترمذي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه . 
والله جل وعلا بين صفات من يرثون الفردوس كما في سورة المؤمنون فقال جل شأنه : ( قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانُهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلوتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) فتفقد أخي نفسك في تلك الأوصاف وهي أوصاف أهل الفردوس وطبق تلك الأوصاف على نفسك فإن كنت من أهلها فأبشر وأحسن بقيّة عمُرك وسابق إلى الخيرات واستعن بالغدوة والروحة وشيء من الدُلْجة كقيام الليل ، وكما قال المصطفى عليه السلام : " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة " ومعنى قوله : " من خاف أدلج " أي سار في الليل وفي وقت هجوع الناس لكي لايُدركه قُطاع الطرق وهو كناية عن المبادرة لفعل الخير والسباق في العمل لئلا يفجع ابن آدم الموت ويفوته الكثير من الخير وربما تحيط به سيئاته فيكون من أهل النار وكل عمل صالح إذا تقرّب ابن آدم لربه به ، وأكثر منه أبعده ذلك عن مزالق الفتنة ومهاوي الردى . 
عباد الله : كان النبي صلى الله عليه وسلم يشحذ همم أصحابه ويحثهم أن يشمّروا لجنة الرحمن وييبن شيئاً من صفتها فيقول كما عند ابن ماجة وابن حبان رحمهما الله قال عليه الصلاة والسلام : " ألا هل مشمرٌ للجنة ؟ فإن الجنة لاخطرَ لها ، هي ورب الكعبة ! نورٌ يتلألأ وريحانةٌ تهتز ، وقصرٌ مشيد ونهرٌ مطّرد ، وفاكهة كثيرةٌ نضيجة ، وزوجةٌ حسناء جميلة ، وحللٌ كثيرة في مقامٍ أبداً . في حَبْرَةٍ ونَضرَة . في دار عالية سليمةٍ بهيّة " قالوا : نحن المشمّرون لها يارسول الله ، قال : " قولوا : إن شاء الله  " فقالوا : " إن شاء الله " والحديث له روايات متعددة . 
جعلنا الله وإياكم منهم وعاملنا بلطفه وإحسانه وزرقنا الفرودس دارَ رضوانه أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
================= الخطبة الثانية ===================
الحمدلله المنّان ذو الفضل والإحسان والصلاة والسلام على النبي من نسل عدنان وعلى من تبعه إلى يوم الدين بإحسان ، أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الفوارق كثيرة بين هذه الدار الدنيوية ودار النعيم التي هي دار أخروية فما في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء ولذا يروي الإمام سفيان الثوري ابن عباس رضي الله عنهما عند قول الله تعالى : ( وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل وأوتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواجٌ مطهرة وهم فيها خالدون ) قال : " ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء " وكذلك عند وروي عن يحي بن أبي كثير قال : " يُؤتى أحدهم بالصحفة من الشيء ، فيأكل منها ثمّ يُؤتى بأخرى ، فيقول : " هذا الذي أوتينا به من قبل " فتقول الملائكة : " كل فاللون واحد ، والطعمُ مختلف " .
وذُكر عند قول الله تعالى في وصف الجنة : ( . . تجري من تحتها الأنهار . . ) ماروي عن ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنها الجنّة تفجّرُ من تحت تلال المسك أو من تحت جبال المسك " . وروى الإمام احمد والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلنا يارسول الله إنا إذا رأيناك رقّت قلوبُنا وكنّا من أهل الآخرة وإذا فارقناك أعجبتْنا الدُنيا وشممنا النساء والأولاد ، قال : " لو تكونون - أو قال - لو أنّكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ، ولزارتكم في بيوتكم ، ولو لم تُذنبوا لجاء الله بقومٍ يُذنبون كي يغفر لهم ، قال : قلنا : يارسول الله ، حدثنا عن الجنّة : مابناؤها ؟ قال : لبنة ذهب ولبنة فضة ومِلاطها المسك الأذفر - أي ما اشتدت رائجته وراجت - وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وتُرابها الزعفران ، من يدخُلُها ينعمُ ولا يبأس ويخلُدُ ولا يموت ، لاتبلى ثيابُه ولا يفنى شبابُه " وصحح الحديث جمعٌ من أهل العلم . 
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إني لأعلم آخرأهل النار خروجاً ، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة ، رجلٌ يخرجُ من النار حبواً ، فيقول الله تبارك وتعالى له : اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيُخيّل إليه أنها ملأى ، فيرجع فيقول : يارب وجدُتها ملأى ، فيقول تبارك وتعلى به : اذهب فادخل الجنة ، قال : فيأتيها فيُخيّل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول : يارب وجدتُها ملأى فيقول الله له : اذهب فادخل الجنة ؛ فإن لك مثل الدنيا وعشرُ أمثالها أو إن لك عشر أمثال الدنيا ، قال فيقول : أتسخر بي أو تضحك بي وأنت الملك " قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجده ، قال : فكان يقال : ذاك أدنى أهل الجنة منزلة . أخرجه البخاري ومسلم .  
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه حيث قال جل شأنه : ( إن الله وملائكتَه يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . 

الأربعاء، 23 أغسطس 2023

خطبة عن الحرائق والنيران والبراكين والعقوبات المتعلقة بها .

الحمدلله ذو الفضل والمنة له الحمد تترى في الكتاب والسنة وخلق النار والجنّة والصلاة والسلام على المبعوث للخلق كافة من الناس والجِنّة ، أنذرهم ليرشدوا وأبان لهم ليقتدوا وجعلهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك فصلوات الله وسلامه عليه وعلى من سلك سبيله وسار على نهجه إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فبالتقوى لمقام ربكم تخافون ولوعيده تتقون ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : النار - أجارنا الله وإياكم - خلقٌ من خلق الله عظيم حذر الله منها ومن أسباب ولوجها ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم واهليكم ناراً وقودُها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون ) وأخبر الله عنها بأنها يجاء بها يوم القيامة أمام الناس ينظرون إليها فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " رواه مسلم ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ( وبرّزت الجحيم للغاوين ) وعلى متن الصراط المنصوب عليها يمر الناس مسلمهم وكافرهم بحسب أعمالهم يقول الحق تبارك وتعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً * ثمّ نُنجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا ) ويقول في آية أخرى لبني اسرائيل : ( سأريكم دار الفاسقين ) وذلك ليعلم الناجي منها فضل ومنة الله عليه بالسلامة والعافية من شرّها وعذابها .

عباد الله : نار الدُنيا عذاب يسلطه الله على من يشاء من عباده ورحمة للمؤمنين من الخلق ونذير عقوبة وقعت أو ستقع حتى يلجأ العباد إلى ربهم ويتوبوا وينبوا لخالقهم وهي قارعةٌ يصيب بها ربنا جل وعلا أقواماً كفروا به وباليوم الآخر ( ولا يزال الذين كفروا تُصيبُهم بما صنعوا قارعةً أو تحلّ قريباً من ديارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لايُخلف الميعاد ) كما يحصل الآن في بعض الدول الأوروبية وجزر هاواي وغيرها ومما ذُكر عن هذه الجزر بأنها كانت أفضل وجهة سياحية للشواذ - أعزكم الله - ولكن الله عاجلهم ببعض عقوبة بسبب إظهارهم للفساد ونشر للرذيلة والعهر ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) مع أن هذه النار جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم ، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ناركم هذه جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم " قيل : يارسول الله ، إن كانت لكافية ، قال : " فُضّلت عليهن بتسعة وستين جزءاً كلُّهن مثل حرّها " .

عباد الله : من حق عليه القول ممن يسمع وعيد الله جل وعلا وتحذيره ونذيره ولا يرجع عن غيّه ولا عن ضلاله مع عطاء الله له كلَّ وسائل الإنتفاع من السمع والبصر والقلب والعقل السالمان من العلل فمن عدل الله تعالى أن يُعذّبه ؛ لأنه في الحقيقة لم ينتفع بهذه الأعضاء ويعتقدُ أن الله خلقها عبثاً ( أفحسبتم انما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لاتُرجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) وكذلك كان الكثير من الخلق يُفكرون بالوجود إما عن سبيل الصدفة وإما أن يعيشون دورة حياة كما تعيش البهائم ، وإما أن بعضهم يعلمون ولكنهم معرضون شاكون مستبعدون للبعث والنشور ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لايعقلون بها ولهم أعينٌ لايُبصرون بها ولهم آذانٌ لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) .

عباد الله : وصف الله النار وما فيها بأبشع الأوصاف فمن ذلك قول الله تعالى : ( إذا رأتهم من مكانٍ بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا ) وقال : ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم ) فالتغيظ : الغضب والحنق والإندفاع والزفير : الصوت الشديد والمهل : المعدن المذاب وفي الحديث الصحيح من حديث ابن عبّاس رضي الله عنه : " إن الرجل ليُجرّ إلى النار فتشهق إليه شهوق البغلة إلى الشعير وتزفر زفرة لايبقى أحدٌ إلا خاف " . 
عباد الله : إن من حكمة الله تعالى أن جعل النار عذاباً لمن حق عليه القول لأن لهم قلوب لاتلين لذكره ولا تلين لآياته ولا يصهر الحديد ولا الشيء الصلب إلا النيران مع أن أخبر في كتابه أن من الحجارة لما يتشقق فيخرج منها الماء ومنها من يهبط من علو إلى أسفل من خشية الله تعالى ولكنَّ كثيراً من الناس لايتصدع ولا يلين فؤاده وقلبه ولا يخشى مقام ربه ولا يخاف من مكره وعقوبته واستدراجه وذلك من شقاوته وإعراضه ( . . فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلالٍ مبين ) وقساوة القلب وجفاء الطبع من عقوبات الله على ابن آدم المعرض المعاند نعوذ بالله من الخذلان ومن القسوة والغفلة والضلال عن الملّة ياذا الجلال والإكرام .. أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  .

=============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله ذي العزة والجلال والصلاة والسلام على الرسول والصحب والآل وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم المصير والمآل أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واحذروا من الوقوع في أسباب سخطه وعقوبته ودار نقمته واطلبوا أسباب مرضاته والفوزَ بدار كرامته واعلموا أن الله يبعث من الآيات العظام مايخوّف به أهل النهى والأحلام ومن مظاهر قدرة الله وآياته وهي نوعٌ من أنواع النيران الظاهرة على الأرض تلك البراكين المنتثرة على وجه الأرض والتي تُبِين مافي بطنها وجوفها وتخرج من سجين التي فيها عذاب أهل الجحيم وأعمالهم السيئة في دار البرزخ إلى قيام الساعة ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ماسجين * كتابٌ مرقوم * ويلٌ يومئذٍ للمكذبين ) . 
هذه البراكين التي تخمَدُ وتثور بين الفينة والأخرى لهي من أعاجيب خلق الله والتي تُصيّر الحجارة الصلدة الجامدة سائلاً يتدفق ويندفع ويمشي على الأرض يراه الناس بأعينهم ولا يستطيعون القرب منه لشدة حرارته ، قد كان منها شيء في هذه القارة العربية ( جزيرة العرب ) وكان منها في بلدان أخرى ، ومن آخر ماوقع من ثوران هذه البراكين ماكان في جبل الملساء في حرّة رُهاط حيث ثار في عام 654 للهجرة في أواخر الدولة العباسية وسارت منه حمم بركانية سائحة لأكثر من عشرين كيلو متراً حتى توقف قبل المسجد النبوي بحوالي ثمانية كيلو مترات وقد سبق ذلك زلزالٌ شديد ووصف ثورانه جمعٌ من المؤرخين علماً أن بلاد الحجاز مليئة بمثل هذه البراكين ، وقد أشار بعض العلماء أن هذه النار هي التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه حيث قال عليه الصلاة والسلام : " لاتقوم الساعة حتى تخرجَ نارٌ من الحجاز تُضيء أعناق الإبل ببُصرى " أي بُصرى الشام  وهي بلدةٌ اليوم في جنوب غرب سوريا . 
عباد الله : إن مثل هذه الأحداث يُذكر بالنار التي تخرج في آخر الزمان من اليمن وفي رواية من قعر عدن وفي رواية أخرى : من حضرموت تطرد الناس إلى محشرهم وهي أرض الشام وأن الناس حينها يُحشرون فمنهم الراغب ومنهم الراهب فاثنان على بعير وثلاثة على بعير وعشرةٌ على بعير وأن هذه النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيتُ معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتُمسي معهم حيث أمسوا ويُذكّر بتسجير البحار وأهوال يوم القيامة أجارنا الله وإياكم من شرّ أهوالها وجعلنا ممن لاخوفٌ عليهم ولاهم يحزنون وإلى ربهم يرغبون ,غلى الخيرات يُسابقون . . ثم صلوا وسلموا على خير خير عباد الله محمد بن عبدالله فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز شأنه : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عيله وسلّموا تسليما ) . 

الخميس، 10 أغسطس 2023

خطبة مختصرة عن الهجرة النبوية

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه الذي اصطفاه ربه واجتباه وما قبضه حتى أقام به الملة العوجاء وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور وأصلح به الفساد وسائر الأمور صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وعلينا معهم إلى يوم النشور وسلّم تسليماً كثيرا أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة ٍفي النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : كان المسلمون في صدر الإسلام حين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يُمتحنون في دينهم ويفتنون والبعض منهم يُعذبون ليرجعوا عن دينهم ، ليرجعوا إلى الوثنية بعد الحنيفية وإلى الضلال بعد الهداية ، ثم إن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة بعدما زاد أذى كفار قريش للنبي صلى الله عليه وأصحابه فخرج ومعه صديق هذه الأمة مهاجرَين مستخفِيَيَن ، فلمّا علمت قريش بذلك رصدت مائة من الإبل كجائزة لمن يأتي بهما حيين أو ميتين ، وما كان الله ليُمكن أحداً من ذلك ، فطمع سُراقة بن مالك رضي الله عنه قبل إسلامه أن يظفر بهذه الجائزة فلحقهما بفرسه ، فلمّا رآه أبو بكر رضي الله عنه قال : " الطلب وراءنا يارسول الله " قال : " لاتخف " ، قال أبوبكر : " الطلبُ قاب قوسين " فقال صلى الله عليه وسلم : " اللهم اكفنيه بما شئت " يقول أهل السير : فغاصت قوائم فرسه الأربع في الأرض ، وكانت أرض صلبة وليست رملية ، ولاطيناً تلزق ولا ماء بل قاعدة صلبة جامدة ، فإذا بها تتفتح لقوائم الفرس وتنزل قوائم الفرس إلى الأسفل ، وفي بعض الروايات الأخرى فعَثرت به فرسُه فسقط عنها ، وما كان من خلُقِها ، وفي بعض الروايات : أخذ الأقداح وعمل القُرعة قبل ذلك والأقداح هي الأزلام المنهي عن استعمالها وكتب على بعضها تضره وبعضها لاتضره فخرج أربع مرات لاتضره وذلك من تقدير الله وحفظه لنبيه ولا يعني جواز استعمالها ولكن لكي تكون حجة على سُراقة فلم يقبل لأنه طمع بالإبل ، وبعدما دعا الله نبينا عليه ورأى مابه نادى سُراقة النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه لكي يُنجيه مما هو فيه فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وعرف سُراقة بن مالك أن هذا من تدبير الله لحفظ نبيه فآمن به وعرض عليهما الزاد فلم يقبلاه وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تلك الحال بأنه سيلبس سواري كسرى وهذه آية عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم تحققت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي دعاه لما فُتحت المدائن وألبسه إياهما ، فانظروا إلى هذه النفس العظيمة يخرج عليه الصلاة والسلام مُطارداً مطلوباً وهو مع ذلك يُبشّر ويدعو لدين الله وهو في تلك الظروف العصيبة وتلك نفوس الكبار ، ولمّا وصل المدينة عليه الصلاة والسلام فرح بذلك المسلمون وكانوا ينتظرون قدومه عليه الصلاة والسلام لأن من الأنصار من آمن به قبل الهجرة وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يُحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولوا كان بهم خصاصة ومن يوق شُح نفسه فأولئك هم المفلحون ) فأقام صلى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية الأولى ووطد أركانها وما زال المسلمون في مكة يُعانون من أذى كفار قريش فجاء الفرج من الله ونزلت أول آية في النُصرة والقتال في سبيل الله وهي قول الله تعالى في سورة الحج : ( أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبِيَع وصلوات ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرَنَّ الله من ينصرُه إن الله لقوي عزيز )  فعرف أبو بكر رضي الله عنه أنه سيكون قتال فكانت الهجرة باب فتح ونصر للإسلام والمسلمين وكانت فرجاً للمظلومين من المسلمين ومن مُنع من الهجرة ولما جاءت غزوة بدر فرق الله بها بين جند الحق والباطل وأوقع رجزه على الذين كفروا وكل ذلك اجتماع المسلمين على نبيه بعد الهجرة ولهذا أوجب الله الهجرة على كل مستطيع من الرجال أو النساء وأوعد من لم يُهاجر قبل الموت من بلاد الكفار بالعذاب الأليم حيث قال جلا وعلا : ( إن الذين تتوافهم الملائكة ظالمي أنفُسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتُهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفوَ عنهم وكان الله عفواً غفوراً ) والهجرة خيرٌ من الإقامة في دار الذلة والهوان ووعد الله من يهاجر في سبيله وفراراً بدينه وإن كانت هي أرضه في الأصل أن يعوّضَه خيرا وإن مات في الطريق فأجره على الله وله من الثواب اجزله وفي ذلك يقول ربُنا جلّ جلاله : ( ومن يُهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى ورسوله ثم يُدركه الموت فقد وقع أجره وكان الله غفوراً رحيما ) ومعنى قوله : " مُراغماً " أي : مُتحوّلاً وأرضاً يقرّ فيها ويتحول لها عما يكره . 
عباد الله : المهاجر أفضل من غيره وأرفع درجة عند الله ولهذا لايتساوى المهاجرون والأنصار في الفضل والدرجة وفقراء المهاجرين هم أول من يدخل الجنة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لأصحابه أن يكتب لهم تمام الهجرة وأن يثبتوا ففي صحيح البخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم " يقول سعد : " لكن البائس سعد بن خولة رثى له النبي صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة " وكان جل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة هاجروا غير سعدُ بن خولة . 
عباد الله : مما يدلل على وجوب الهجرة إلى بلاد الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن يُقيم بين ظهراني المشركين ، ففي حديث جرير بن عبدالله البجلي الذي أخرجه أبوداود والترمذي في سننِهما قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريّة إلى خثعم فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل ، قال : فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال : " أنا بريء من كل مسلم يُقيم بين أظهر المشركين " قالوا : " يارسول الله لم ؟ قال : " لاتراءى ناراهما " أي تتباعدان ولا تتقاربان فلا يرى أحدهما الآخر ولا يجتمعان في مكان واحد بل يفترقان وفي حديث جرير أيضاً عند النسائي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " بايعني واشترط " فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعبدُ الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتُفارق المشركين " وقال صلى الله عليه وسلم : " لايقبل الله عز وجل من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يُفارق المشركين " وفي حديث آخر : " لايقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يُفارق المشركين " وهذا الحديث في حق من ارتد ثم أراد أن يُسلم وعلى وجه العموم ، فإن البقاء في بلاد اليهود والنصارى فيه خطرٌ عظيم على دين العبد وذريته حيث أن الخطورة تكمن في اختلاف الدين في المستقبل وذلك بسبب تأثر من يُقيم في أرض الشرك أو أرض اليهود والنصارى فالمجتمع يؤثر في دين الأفراد ولا يصمد الكثير من الأفراد بسبب ضغط المجتمع وتأثيره عليهم في اعتقادهم وسلوكهم وإن كانوا من أهل الإيمان فإذا كان الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام وهو نبي شرّفه الله بالرسالة وكمال الدين على الخلق يقول له : ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركنُ إليهم شيئاً قليلا ) فكيف بمن دونه من الخلق ، جنبنا الله وإياكم مضلات الفتن ماظهر منها وما بطن أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
=============== الخطبة الثانية ===============
الحمدلله ذو المحامد والقول المبين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن في الهجرة منافع شتى لكافة أفراد الأمة فبه صلاح دينهم ودنياهم وبه أمان مستقبل أولادهم وحفظ دين الذريّة وبها يتحصل العبد على أعلى المنازل في دار النعيم ، ولذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لولا الهجرة لكُنتُ امرأً من الأنصار " وهذا يدلل على أن المهاجر المناصر لدين الله أفضل من غيره ممن يملك النصرة لدين الله فقط وكذلك كان الفرق بين المهاجرين والأنصار ، والهجرة فيها فراق للبلاد لوجه الله تعالى وبعدٌ عن مراتع الصبا ومكان العيش الأول ففيها مشقة على النفس وهي من جهاد النفس طلباً لرضا الرب سبحانه . 
عباد الله : إن وقت الهجرة النبوية من مكة للمدينة ليس كما يظن البعض أنه في أول السنة الهجرية أي في محرم وإنما هو في شهر صفر وبالتحديد كما ذكر ابن اسحاق في كتابه ( السيرة النبوية ) في السابع والعشرين منه وما وصل إلى المدينة إلا في الثاني عشر من شهر ربيع الأول الهجرة النبوية ولكن عمر بن الخطاب جعل بداية السنة الهجرية من شهر الله المحرم ، وإن في الهجرة لدروس وعبر نلخص شيئاً منها في مايلي : 
فمنها استحضار النيّة التي هي مدار الأعمال ولذا ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ مانوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوجها فهجرتُه إلى ماهاجر إليه " . 
ومنها التضحية بمفارقة الأوطان طلباً لرضا الرحمن ولذا عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة توجه إليها وقال : " والله إنك لأحب البلاد إلى الله ولولا أن قومك أخرجوني ماخرجت " وما كان من تضحية أبي بكر بماله في سبيل الله وخدمة لنبي الله عليه الصلاة والسلام ، وكذلك الفداء الذي يتفانى فيه الصحابة رضوان الله عليهم وما كان من علي رضي الله عنه حيث نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة تعمية على المشركين ، ومنها الصبر في سبيل الله الذي يتجلى في كامل قصة الهجرة وكذلك التخطيط للرحلة وخداع المشركين الذي يريدون إيقاع الأذى بالمصطفى عليه الصلاة والسلام وصاحبُه رضي الله عنه وذلك في نوم علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وخروج النبي ليلاً جهة الجنوب لغار ثور على غير العادة واختبائه فيه ثلاثة أيام قبل بدء الهجرة تعمية لخبره على المشركين وكذلك من الدروس حسن الظن بالله والثقة به واليقين والتوكل عليه وترك اليأس والعمل بلا ملل وبجد وهمة بلا عجز ولا توانٍ ولا كسل مع حسن الفأل وعدم الإستكانة والضعف بسبب الظروف المحيطة وغير ذلك من العبر ، ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز جلاله وكمُلت صفاته وأفضالُه : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 

الأربعاء، 9 أغسطس 2023

خطبة عن الألعاب الرياضية والسباقات

 الحمدلله الذي لم يخلق سدى وبصرهم بطرق الخير والردى والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والهدى عليه وعلى آله أفضل الصلوات والتسليم من الجواد الرحيم أما بعد : 

 فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الرياضة والمسابقات والسباقات بشكل عام لها ترويحٌ للنفس واستجمام وإذهابٌ للملل وتُعالج كثيراً من الأمراض النفسية والجسدية وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يمارسون بعضاً منها كرياضة الفروسية والرمي بالنبل وكان يُجري الخيل من تجهيزها لقتال الأعداء ولكن الكثير يجهلون عن أحكام هذه السباقات وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاسَبَقَ إلا في خف أو نصل أو حافر " أخرجه أبوداود والترمذي والنسائي وأحمد والسَبَق هو العوض بفتح الباء وأما بسكونها فالمقصود به المسابقة وقد ذكر الفقهاء وشرّاح الحديث أن المسابقات التي بعوض تكون في هذه الثلاثة وهي في سباق الإبل والرمي والخيل فالخف في الحديث المقصود به خف الإبل وهو كناية عن المسابقة بها والنصل هو رأس السهم الحاد وهو كناية عن الرمي والحافر المقصود به سباق الخيل وذكر أهل العلم العلّة في جواز ورصد العِوض في هذه الرياضات الثلاثة وقالوا : أنها سبيل لتدريب النفوس والدواب على الجهاد في سبيل الله والإستعداد لقتال الأعداء بناءاً على قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لاتعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لاتُظلمون ) . . . يتبع 



الأربعاء، 5 يوليو 2023

خطبة عن أسباب السعادة والإنشراح

 الحمدلله الذي بنعمته يسعد العباد ويُسرون  ، وبعدله يشقى أهل الضلالة ويبأسون ، وبفضله يقرب المتقون الذين لاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي أرسله ربه إلى الثقلين محذراً ومبشراً حتى يفوزون ويُفلحون وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعثون أما بعد : 

 فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن من أسباب سعادة العبد وانشراحه في هذه الحياة الدنيا أن يعرف الهدف الذي أوجد من أجله وخُلق له وهو : عبادة الله تعالى فهو الهدف الأسمى ومن أجل هذا الهدف خُلق الجن والإنس كما أخبر العلي العظيم بقوله : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " أي إلا ليعبدوني فحذفت الياء التي تسمّى ( ياء المتكلم ) كما هو في مواضع في القرآن كثيرة ، وكذلك في قول الله تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت . . ) وقال في موضع آخر : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا أنا فاعبدون ) فهذا الهدف من أجله بُعث الرسل ومن أجله قامت السماوات والأرض ، وبهذه الكلمة وغيرها من كلمات التعظيم والتنزيه كالتسبيح قامت السماوات والأرض وهذه الكلمة التي هي كلمة التوحيد أعظم كلمة وترجَحُ بالسماوات والأرض من عِظَمِها  فعبادة الملأ الأعلى هي التسبيح والصلاة وعبادة أهل الأرض الصلاة المشتملة على التوحيد وفي حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال موسى : يارب علمني شيئاً أذكُرك وأدعوك به ، قال : قل ياموسى لاإله إلا الله ، قال : كل عبادك يقولون هذا ، قال : ياموسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفّة ولاإله إلا الله في كفة مالت بهن لاإله إلا الله " رواه ابن حبّان والحاكم وصححه . 

عباد الله : من عرف وحدد هذا الهدف ورد النفس إليه كلما تاهت في دهاليز هذه الحياة عرف معنى السعادة والإنشراح ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبو ولنجزينهم بأحسن ماكانوا يعملون) وإن ضياع الهدف والتخبط في هذه الحياة بلا بصيرة والإعراض عن هذا الدين هو من أسباب الشقاوة والتعاسة والحزن والهم ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشُره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كُنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى ) وإن هذه ياعباد الله تُعدّ قاعدة وسُنة من سنن الله تعالى في هذه الحياة ولهذا نجد الشعوب الكافرة يكثُر فيها الإنتحار بنسب مُخيفة ولا تجد من بين هذه الدول دولة إسلامية وتجد أن الكثير من هذه الدول يرتفع لديهم نسبة الأمراض النفسية كالإكتئاب والخوف والقلق ولا يعلم الكثير منهم أسبابه ويداوونه بأدوية ومهدئات لاتُجدي نفعاً فكثير منهم يعيشون في بحر من الهموم والأحزان والضغوط النفسية ولا يجدون منها مخرجاً ومن ثمّ يلجؤون إلى الإنتحار ، وهم مع ذلك يعطونك صورة برّاقة في الإعلام ليوهموا الشعوب الأخرى بأنهم شعبٌ ينعم بالسعادة والهناء وهم في أسوأ حال ، قد خلت حياتُهم من المعاني الروحية والإتصال برب البريّة يعاقرون الشهوات ويداوون بها الأمراض والأسقام بما يزيدُهم حسرات وأنّات ، قد زُيّن لهم فعلُهم وسوءُ عملهم وصدق قول الشاعر حينما قال : 
علاجُ الضُرّ بالمحظور سوءٌ * ويُذكي اليأس في النفس الجريحة 
ولكن النفوسَ إذا تعامــت * تُحسّنُ في القلــوب لها القبيحــة 
عباد الله : إن من أسباب السعادة والإنشراح هو الرضا بقضاء الله وبما يُجريه من القدر عليك ، وكثيراً ماترى أناساً لديهم تنغيص في حياتهم وكدر ، وعندما تُفتّش عنه تجد أن الرجل لديه عدم رضا وتسخط من أقدار جرت عليه في الماضي ومضى عدةُ سنوات وهو مازال يعيش معها أكثر أحيانه فهذا نوعٌ من التنغيص في الحياة يصنعه هو بسبب عدم الرضا بما يُجريه الله من أقدار عليه أو على من يهُمّه أمرُه ، فياعبدالله لاتُحمّل نفسك مالا تحتمل ولا تشتغل بما ينغص عليك حياتك ويُكدّرها وأنت لاحيلة لك في دفعه أصلاً ، فإن هذا من أسباب الهموم التي تأكل وقتك وتضيّعُ عُمُرك ، وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزَن كثيراً ، وهو يعلم أن الهم يقطع عن ذكر الله ويُشغل ومن ثمّ تفقد أسباب محبة الله تعالى ، فإنك لاتسطيعُ أن تكثر من ذكره إلا غمرت قلبَك محبته ، فإن الإنسان لايكثر من شيء إلا عندما يستولي قلبُه على محبته ، يقول ابن قيّم الجوزية : " محبة الله وحده ومحبّة ماأحب ، وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسُها " وقال : " المحبّة روح الإسلام وقطبُ رحى الدين ومدار السعادة والنجاة " وقال أيضاً : " أعظم سعادة العبد تفريغ قلبه لحب الله ، ولسانه لذكره " .
وإن جَمَعَ العلم النافع والعمل الصالح فذلك غاية المنى وبلغ الذروة والهنا وذلك يتمثل في قول الله تعالى في سورة العصر : ( والعصر * إن الإنسان لفي خُسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) 
يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله وإيانا أجمعين : " الخير والسعادة والكمال والصلاح منحصرٌ في نوعين : في العلم النافع والعمل الصالح "  انتهى كلامه 
فأما العلم النافع فهو يمتّع العقل والفكر  وأما العمل الصالح فيمتّع الجوارح والقلب والعبد يفرح بما يُقدّم ويجد بذلك للحياة طعماً ويشعُر بالطمأنينة والإرتياح وصدق شيخ الإسلام حينما قال : " إن في الدنيا جنّة من لم يدخُلها لم يدخُل جنة الآخرة " وهي جنّة الإيمان فالمؤمن منّعم وغيره معذب وإن أكل أحسن المآكل وشرب أحسن المشارب وركب احسن المراكب فالعذاب يلاحقه في صدره أينما حلّ ورحل ، فاللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكرّه إلينا المفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين يارب العالمين ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============== الخطبة الثانية ==============

الحمدلله الذي عم العالمين بنواله وأعطى ومنح كثيراً بكرمه وإفضاله والصلاة والسلام على المبعوث للعباد رحمة من ربه جلّ جلاله ، وعلى أزواجه وصحبه وآله وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 
عباد الله : اتقوا الله تعالى واعلموا أن من أسباب السعادة والإنشراح : القناعة لأن الذي لايقنع بما أعطاه الله يعيش في ضيقٍ ونكد وإن كان لديه مال وعيشه يُسر وفي الحديث الصحيح في صحيح مسلم  : " انظروا إلى مَن أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدرُ أن لاتزدروا نعمة الله عليكم " وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام : " اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لاينفع ومن قلبٍ لايخشع ومن نفسٍ لاتشبع ومن دعوة لايُستجاب لها " .
وإن من أسباب السعادة الإتزان في العلاقة مع الناس فبعض الناس لايكون للتصرف مع الجاهل ولا للتغافل عن الزلل فيكون على اضطراب في علاقته مع الناس أو مع بعضهم ، فيعيش في ضيقٍ وهم من كلمة قيلت له أو زلل من بعضهم واجهه ، والله أرشد لحسن التعامل والإعراض عن الجاهين والقول الحسن ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزَغُ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوّاً مبينا ) 
ولذا في دراسة طويلة الأمد لأحد الجامعات في الخارج أن العلاقات الجيدة والحميمة التي يكتنفها المودة ومن ذلك العلاقة الزوجية التي تُحاط بالحب والرضا هي من أكبر الأسباب للسعادة والعيش الهنيء وسبب من أسباب العافية والصحة الجيدة وروى أحمد في مسنده وابن حِبّان في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أربعٌ من السعادة : المرأة الصالحة ، والمسكن الواسع ، والجار الصالح ، والمركب الهنيء وأربعٌ من الشقاوة : الجار السوء والمرأة السوء والمسكن الضيّق والمركب السوء ) وصححه جمعٌ من أهل العلم . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...