الجمعة، 16 أكتوبر 2020

خطبة عن اللغة العربية وأهميتها

الحمدلله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان وأنزل الكتاب بالحق والميزان والصلاة والسلام على المبعوث بالفرقان نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والعرفان أزكى الصلوات من الله الكريم المنان وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الرحمن وسيروا لربكم بيقين وإيمان واحذروا سبل الشيطان تبلغوا الجنة دار الأمان وتنجوا من الوعيد والخسران ، عباد الله : 

فضل الله عز وجل آدم وبنيه وكرمهم باللسان والبيان وبالخلق الحسن الذي لاعلة فيه ولا نقصان  وعلّم الله آدم الأسماء كلها ، فعلمه كل شيء من المسميات وفتق اللغة على لسانه وخلقه ناطقاً مبينا ، يبين مافي نفسه ومشاعره وفاضل سبحانه بين اللغات على مر العصور وحفظ بعضها وذهب كثير منها أدراج الرياح ، وذلك حيث أن كثيراً منها لاوحي يحفظها ولا أمةً  تكتبها وتبلغها ولا علماء ألفوا فيها فذهبت كسائر اللغات التي اندثرت وتلاشت مع تطور اللسان الإنساني عبر العصور  .

عباد الله إن عنوان وبريد كل أمة من الأمم لغتها التي تتحدث بها وهي همزة وصل والرابطة بينها  وبين الشعوب الأخرى  ، وعز كل أمة وفلاحها بنجاح لغتها ومسايرتها لكل شؤون الحياة لاجمودُها وانتكاستُها ، وذلك كله بانتكاس أهلها وتضيعهم للغتهم ، والله جعل اللغة العربية لغة الكتاب والوحي المنّزل فقال سبحانه : ( إنا أنزلناه قرءاناً عربياً لعلكم تعقلون ) وجعل هذه اللغة حاكمة للناس بالشرع المحكم إلى أن تقوم الساعة وذلك كله برفع القرآن لها ونزوله بها (وكذلك أنزلناه حُكماً عربياً ولئن اتبعت أهوائهم بعد ماجاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق ) وهذا برهان رفعة وسبيل عزة لهذه الأمة التي أعرضت عن لغتها أو استهانت بها وبما تحويه فيها من مكنونات وذخائر لاتنقضي ولا تخْلِق على مرّ السنين  والأعوام . 

عباد الله : إن كثيراً من أبناء جلدتنا قد غُيّبوا عن الإعتزاز بلغتهم وتمّ إشغالهم بلغات أخرى فلاهم أتقنوا لغتهم ولا لغة عدوهم فصاروا مثل سقط المتاع بين الأمم لايُباع ولا يبتاع  أو مثل الأرض المهجورة لاهي بكرٌ ولا معمورة ، إن هجر الكثير منّا في التعرف على اللغة العربية وعلى الإعتزاز بها وافتخارهم في المقابل بلغة غيرهم وتمجيدهم لثقافة الأعداء هو من أعظم الذل والمهانة التي ابتليت به أمتنا ، ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يتحدث بالفارسية وهو ممن آمن فقال : " أرضيتم بالمجوسية بعد الإسلام " أو كما قال ، وكان يقول : " تعلموا العربية فإنها تُنبت العقل وتزيد المروءة  " وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على حفظ أبناءهم من اللحن والمقصود به : " الخطأ في الحديث بتغيير قواعد اللغة " كأن ينصب المضموم أو يضم المفتوح أو نحوَ ذلك ، وكتب كاتبٌ لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه خطاباً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فبدأه بقوله : " من أبو موسى الأشعري . . . " فغضب عمر رضي الله عنه وكتب إلى أبي موسى : " أن اضربه سوطاً واستبدله بغيره " وذلك لأنه رفع المجرور ، وكان من المفترض أن يقول : " من أبي موسى الأشعري " وكان بعضهم ربما يخاف اللحن في الدعاء ويخشى أن لايُستجاب له ، وكان الحسن البصري يقول : " ربما دعوت فلحنت فأخاف أن لايُستجاب لي " . 

عباد الله : كان الرعيل الأول يعدون اللحن مذمة وكان بعضهم يراه إثماً وذنبا وكان أيوب السختياني إذا لحن استغفر ، فكانوا للغة القرآن الجيل الأبرّ ، وكان لهم في تعليمها وتنشئة أبنائهم عليها والتأليف بقواعدها وأدبها وبلاغتها وأسسها وأساليبها عظيم الأثر . 

عباد الله : إن أعداء الإسلام يشنون على لغتنا ولغة الوحي العزيز حروباً في الخفاء وظاهرة للمتتبعين ويكيدون لها وللأمة كيد قبيحاً دانياً ومكراً سافلاً جانياً يريدون صرف أفراد الأمة عن فهم لغتهم وسبر أغوارها لكي يعزلوهم عن فهم الوحيين القرآنِ والسنة فهم يحيون اللهجات العامية أو يعملون على نشر اللغات الغربية أو غيرها فمنتهى الإرادة عندهم هدم الدين لاهدم اللغة ولكن يعلمون أنه بهدم اللغة لن يفهم قول الله تعالى ولا قول نبيه عليه الصلاة والسلام ، فهل نصحو من غفلتنا ونحث أنفسنا وأبنائنا على تحسين مستواهُم في لغة القرآن وتطوير قدراتهم للأفضل بها فيه مسؤولية على عاتق الجميع . . فاللهم أعنّا على فعل الخيرات وبارك في جهودنا جميعاً يارب الأرض والسماوات أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

========= الخطبة الثانية =========

الحمدلله الذي يهدي من يشاء ويختار ، أحمده وهو الواحد القهار ، وأصلي على النبي  المختار وعلى آله وصحبه البررة الأخيار وعلى من تبعهم بإحسان ٍ ماتعاقب الليل والنهار أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الله : وكونوا من أنصار دينه ولغة كتابه الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولو شاهدتم كيف تنتصر الأمم الأخرى للغتهم وحماسِهم لها ، وفخرهم  واعتزازهم بها مع أنها متهالكة ، وبعضها لايُميز فيها الذكر من الأنثى ولا الجمع من المفرد ولا المثنى ، ولا المخاطب من الغائب على قلة في المفردات وشح في المترادفات حتى مايكادُ أن يجدَ المتحدث بتلك اللغة  بعض الألفاظ التي تعبر في نفسه لقلة كلماتها وفقر هيكلتها ومضمونها وضيق نطاقها . . كل ذلك موجودٌ في تلك اللغة وأهلها يذودون عنها أعظم الذود وأشرس المدافعة ويستميتون في نشرها والفخر بها ، ونحن بين ايدينا لغة هي أعظم اللغات وأوسعها شمولية ونطاقاً ومرادفات واشتقاقات تتولد بين الحين والآخر إلى يومنا هذا لاتكاد ، لغة موسوعية متجددة على مرّ العصور والأعوام مترابط عتيقها وجديدها وكل ذلك بشهادة الأعداء قبل أهلها ، وتجد مع ذلك التقصير والزهد في تعلم الجديد منها واستدراك القديم فما أتانا هذا الخور والضعف ولا الإستكانة وطغيان الأعداء وغلبتهم على أمرنا إلا بسبب قلة الدين ونقص الحمية والغيرة الدينية على تراثنا . . 

فمتى يُفيق الشبل في الإسلام  *  ومتى يعي الكُهال ذو الأحلام 

كاد العدو يحلُ في أبيــــاتنا  *  والنــاس في خورٍ على الآثام

بالله ربي قدعقدت رجائيا  * ثم الشباب على خطى الإقدام 

لغتي وديني عزتي وكرامتي  * بهمــا أقرّع فاجراً متعامي 


الخميس، 15 أكتوبر 2020

خطبة في التحذير من الخلاف بين أفراد الأمة

 الحمدلله الذي أبان سبيله للسالكين وبين سبل مرضاته للمهتدين وحذرهم من الخلاف في ثوابت الدين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الله وخذوا  ماآتاكم الله بقوة على نور من الله واثبتوا على جادة الحق والدين وكونوا من حزب الله المفلحين ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله مافي السماوات وما في الأرض وكان الله غنياً حميداً )  ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

 عباد الله : الخلاف بعد بلوغ الحجة شرّ وبلاء وعلامة هلاك وضعف وذهاب أمر وفتح شرّ وفتنة والخلاف قبل بلوغ الحجة جهل وضيعة  والمحاجة لأهل العلم بلا دليل ولابرهان هو أعظم الجهل وعلامة من علامات النفاق وسوء أدب لمن لايريد اتباع الحق بعد بيانه ، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لايسألون النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء لأن السؤال الكثير يفتح باب الخلاف والنزاع حتى في صغائر الأمور وكانوا يفرحون بمن يأتي من البوادي أو القرى لكي يسأل النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم يسمعوا ويحفظوا ويبلغوا امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " بلغوا عني ولو آية " وكان يقول يذكرهم بقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " لأنه يعلم عليه الصلاة والسلام أن الرجل إن كان من المتقين فسيعلمه الله ثم تقواه وإن كان سوى ذلك فسؤاله إقامة للحجة عليه وسبب لهلاكه إن لم يسمع ولم يُطع وهذا من المحاذير الشرعية التي لابد أن تؤخذ بالحسبان لنجاة المسلم من عذاب الله تعالى . 

عباد الله : من أعظم أسباب الخلاف والإختلاف ووقوع العداوة بين الناس الظلم والبغي وذلك أن الله تعالى يقول كما في سورة البقرة : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الله أوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)  فانظر كيف كان الناس على دين الإسلام وكانوا كلُهم مسلمون ثم حصل الإختلاف وبدأ الشر وبُدل الدين وتغيّر مع الزمان ولهذا كان ابن عباس وأبي بن كعب وابن مسعود وقتادة وغيرهم من الصحابة ومن التابعين يقرأؤن الآية هكذا : ( كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . . ) الآية وقد أورد ذلك الكثير من المفسرين منهم ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم . 

عباد الله : الخلاف في الثوابت والأصول كفر بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم والذي ينفي المسلّمات في الشريعة وما اتفق عليه أهل العلم وأجمع عليه العلماء فقد خلع ربقة الإسلام من عُنقه فإذا علمنا ذلك وأيقنا به فما بقي إلا الفروع والفروع اختلف فيها أهل العلم واختلافهم فيه ظاهر يراه ويسمعه الناس من القرون المفضلة إلى يومنا هذا ولكن ولكن كيف نفرق بين الأصول والفروع حتى نعرف ونحذر من الشك والوقوع في المحظور الشرعي وكلام العلماء فيه كثير والصحيح الذي عليه كثير من أهل العلم وهو الحق إن شاء الله الذي لاينبغي أن يُصار إلى غيره أن الأصول هي المسائل الجليلة الواضحة سواءاً كانت من المسائل العلمية أو العملية هي من الأصول ، وأما المسائل الدقيقة التي تخفى على أكثر الناس فهي من الفروع وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله وكثيرٌ من الباحثين نهج نهجه في ترجيح هذا القول واختياره وهو أسلم وأبين وأوضح حين التطبيق والعمل في مسائل العلم كافة . . فاللهم اجعلنا ممن اتقاك فعلمته واستهداك فهديته ومن كل خيرٍ أعطيته أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من الخطايا والأوزار فاستغفروه يغفر لكم إنه هو العزيز الغفار . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله يهدي من يشاء برحمته ويُضل من يشاء بحكمته وربّى العالمين بنعمته والصلاة والسلام على من بعثه الله بمنته نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على أثره وسنته أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله -  ثم لنعلم أن الخلاف الذي يجري بين أهل العلم خلافٌ في فروع الشريعة والتي يجتهد فيها أهل العلم لكي يبينوا للناس الحق في تلك الفروع ، فإذا علمنا أن من أهل العلم من لم يبلغه الدليل ومنهم من بلغه الدليل ولكنه في رأيه يُعارض دليلاً آخر أثبت منه ، ومنهم من بلغه الدليل ولا يعلم بضعفه ، ومنهم من يخطئ في فهم الدليل فيوقعه على مسألة مشابهة للمعنى الوارد وهي في الواقع لمسألة أخرى بناءاً على المعنى العام للحديث ، ومنهم من يختلف في استنباطه وفهمه للغة الحديث ومنهم من يرى من القواعد الأصولية ومن طرق الإستدلال مايُقدم على غيره وهكذا . 

عباد الله : إذا علمنا ذلك كلَّه وجب علينا أن نُمسك عن تناول العلماء بالنقد أو التجريح ، وأن نحسن الظن فيهم فهم ماأرادوا إلا الخير والرشد ، وطلب الحق وإن الخوض فيهم يُفرح الأعداء ويجلب الفرقة والشقاق في أفراد الأمة ويجمع الناس على رؤوس الضلال لأن الأعداء نجحوا في إسقاط رموز الأمة والمبرّزين منهم فاتخذ الناس رؤوساً جهّالاً . 

ولنحذر جميعاً من أسباب الخلاف واتباع طرق الشهوات والداعين لها في كل مكان ( والله يُريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ) . 

وصلوا وسلموا على الهادي البشير والسراج المنير كما أمركم ربكم فقال عز ذكره وتقدس أمره : ( إن الله وملائكته يصلون على ىالنبي ياأيها الذيم آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 





السبت، 19 سبتمبر 2020

خطبة عن عوامل النصر والتمكين للأمة

الحمدلله الذي أعز من أطاعه وهداه ، وأذل من عصاه وأغواه ، أحمده وهو المقدس في علاه ، وأشكره شكر من يرجو منه المزيد من عطاياه ، وأصلي وأسلم على من دعا لسبيل ربه ومولاه ، وبين سبل مرضاته وتقواه ودرب نصره وعظيم أمره وأدناه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واقتفى أثره إلى يوم نلقاه أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله فبتقوى الله تُنال العقبى الحميدة وتسعد النفوس المجدّة المجيدة ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) .

عباد الله : لو تأملنا في شأن كل أمة من الأمم وكلِّ جيل من البشر أيا كانوا في من حكموا هذه الأرض أو بعضها من أصحاب الحضارات وغيرهم مسلمين كانوا وغير مسلمين لوجدنا أنهم يسعون إلى تحقيق عوامل النصر والتمكين صغيرها وكبيرها ويبحثون ويستشيرون ويخططون ويدربون ويسعون لذلك مااستطاعوا لذلك سبيلاً ، يستثمرون الطاقات البشرية في عز أمتهم وتحقيق مجدهم وعلو رايتهم بين أمم الأرض ، فيتبعهم بذلك غيرهم وتدين لهم الأمم المجاورة وغير المجاورة ، فالإنسان بطبيعته يميل لحب الرئاسة والزعامة ، بل ربما قتل من اجل ذلك أقرب المقربين إليه وسطا على ذوي الأرحام من أجل ذلك ولهذا شواهد كثيرة من التأريخ المعاصر وغيره ولكن الذي يهمنا أن ندرك أننا لايُمكن أن يُكتب لهذه الأمم النصر والتمكين والظفر في الأرض وبسط النفوذ على الأعداء فيدينون لأمة الإسلام عامة إلا بعد تحقيق عوامل النصر التي بينها الله وأرشد إليها في كتابه وعلى لسان رسوله ولعلنا أن نوجز شيئاً منها على عجل فمنها :

- تحقيق تقوى الله من قِِبل كل فرد من هذه الأمة فهذا من أعظم أسباب الفلاح لأن سبل النصر بعد توفيق الله تعالى هي جهود فردية تحت مظلة جماعية فإذا كان كل فرد من المسلمين قام بكل مايجب عليه وابتعد عن كل ماحُرم عليه ونهى الله عنه كان قد تكفل بنفسه فلا مدخل للشيطان ولا للأعداء من قِبله وقد أدى ماعليه

- ومنها نصر دين الله تعالى ألم تر أن الله يقول : ( ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ونصر دينه يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للولاة والتحذير من التعرض لعقوبات الله العاجلة أو الآجلة ، ويدخل في ذلك محبة أهل العلم ومناصرتهم وتأييد قضايا المسليمن في أقطار الأرض وبذل النفس والمال من أجل ذلك إعلاء لكلمة الله في كل بلد يقطنه المسلمون بقدر الإستطاعة والطاقة

- ومنها : الثبات حتى الممات في مواقف الفتن والبلايا سواء كان ذلك في السلم أو في الحرب يقول الحق تبارك وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله نصركم ويثبت أقدامكم ) .

- ومنها : ترك التنازع والخلاف الذي لايأتي إلا بشرّ وهكذا كان صحابة المصطفى عليه السلام فقد كانوا يكرهون الخلاف ، بل كان بعضهم يترك الجدال مع أنه محق خشية الضغائن وإثارة العداوة ولكي يسلم له قلبه ولسانه من الزلل

كل ذلك طاعة لله ورسوله فهم يمتثلون قول الله تعالى : ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع  الصابرين ) .

- ومنها : العدل الذي هو أساس الملك والذي لاقرار للدول كافة إلا به ومتى زاد الظلم أذن الله بتبديل وتغيير من عنده وهي سنة الله في عباده التي لاتتبدل ولا تتغير .

- ومنها : عدم انتهاك محارم الله بالجملة فلا حرام يُحل ولا حلالٌ يُحرّم ولا مترف يفسق ولا فقيرٌ يتكبر قال الله تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) .

ولذا جاء في رسالة كسرى إلى ملك الصين يطلب من النصر والنجدة بعد هزيمته المخزية في معركة نهاوند – كما ورد ذلك في تاريخ الطبري - حيث سأل ملك الصين رسول كسرى عن المسلمين فقال ملك الصين :

أيوفون بالعهد؟ قال :  نعم   ، فقال :  وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ فقال رسول كسرى : يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم، فإن أجبناهم أجرونا مجراهم، أو الجزية والمَنَعة، أو المنابذة .

فقال :  فكيف طاعتهم أمراءهم؟    فرد عليه قائلاً : أطوع قوم لمرشدهم ، فقال فما يُحلُّون وما يُحرِّمون؟ فأخبره ، ثم قال له ملك الصين أيحرِّمون ما حلَّل لهم، أو يحلون ما حرَّم عليهم؟ فقال : لا ، فقال ملك الصينفإن هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يُحلُّوا حرامهم، ويحرّموا حلالهم.

ثم كتب ملك الصين كتاباً إلى كسرى الفرس جاء فيه : "إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوَّله بمَرْو وآخره بالصين الجهالة بما يحقُّ عليَّ، ولكنَّ هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يطاولون الجبال لهدُّوها، ولو خُليَّ سربهم أزالوني، ماداموا على ما وصف، فسالِمْهم، وارضَ منهم بالمساكنة، ولا تهيِّجهم ما لم يهيِّجوك " . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من الخطايا والأوزار فاستغفروه يغفر لكم إنه هو العزيز الغفار .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله القوي النصير العلي الكبير والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه الكرام المغاوير ومن تبعهم بإحسان ٍوعليهم معهم إلى يوم المصير أما بعد :

ومن عوامل النصر - معشر المؤمنين – ترك الإنشغال بالدنيا وإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله وعدم الركون لمتاع الدنيا الزائل ولذا جاء في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلا ً لاينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم " رواه الإمام أحمد وأبوداوود وسنده صحيح .

ومن عوامل النصر : لزوم الكتاب والسنة بالجملة والإختصام لهما عند التنازع والخلاف ومن شذّ عن ذلك فهو متبعٌ لسبيل لغير سبيل المؤمنين وذلك أن الله تعالى يقول في شأن نبيه وفي شأن مخالفيه : ( فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ٌ أو يُصيبهم عذابٌ أليم ) وما فرّق الأمة ياعباد الله التحزب والفرق المناوئة للإسلام الصحيح وخصوصاً الطرق الصوفية التي هي أول من يضع أيديهم في أيدي النصارى واليهود والرافضة ولا يُبالون بعقيدة الولاء والبراء وينتقون من الدين مايوافق هواهم وكثير منهم واقعٌ بالشرك من رأسه إلى أخمص قدميه فهل ترجوا نصراً من قومٍ يفضلون الأولياء على الأنبياء ويصرفون للأولياء من أصناف العبادة مايخرج من الملة وأعداء الدين يفرحون بذلك ويمدونهم ويُصدرونهم للأمة على أن دينهم هو الدين الصحيح مع مايتبعهم من عوام الناس والجهلة المضللين والداعين للباطل ، ولذا لايخاف أعداء الإسلام منهم وما ذلك إلا لأن هؤلاء لقمة سائغة يبتلعها العدو ويسخرها في أهدافه بعكس السلفية والمهتدين المتمسكين بالمنهج الرباني .

مع أن النبيَ صلى الله عليه وسلم أرشد إلى الإستمساك بما جاء عنه وعن خلفائه الراشدين فقال : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عَضوا عليها بالنواجد ، وإياكم ومحدثات الأمور فغن كل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة " والنواجذ هي الأضراس وكل ذلك كناية عن شدة التمسك وعدم المخالفة لنهج النبي صلى الله عليه وأصحابه مهما كانت الأسباب .

خطبة عن كرامات الأولياء

الحمدلله الذي الذي خلق الخلائق من عدم وأكرم عباده بالنعم وأسبغ عليهم من وافر الكرم وأبان لهم طريق الثبات والقيم والصلاة والسلام على النبي الذي بدد بهديه الظُلم وقاد بنور من الله الأمم وعلى آله وصحبه أولي الفضل والشيم عليهم وعلى من تبعهم بإحسانٍ أزكى الصلوات والسلام الأتم ، ثم أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله فالتقوى من الله كرامة وللدين علامة وقد فاز من عباد الله من رُزق الإستقامة ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاءاً بما كانوا يعملون ) . 
عباد الله : درجات التقوى بين العباد متفاوتة والناس متفاوتون في الديانة واتباع الهدى وأعظم قدراً عند الله في الدنيا والآخرة هو المتقي وله العاقبة في الآخرة والله نصيره على من عاداه مهما طال الزمان وأولياء الله هم المتقون وهم أبعد مايكون عن الخوف والحُزن في الآخرة وإن أصابهم ماأصابهم في الدنيا ( ألا إن أولياء الله لاخوفٌ عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقوى 
والله أعطى من اتبع هداه واتقاه من الفضل والكرامة مالايُعطيه لغيره من الخلق وأعظمهم كرامة وأرعلاهم عطيةً وهبة من كانت درجته في التقوى أعلى ، وبقدر العلو في التقى تكون العطايا والمرتقى ، وكثيراً مانسمع من خوارق العادات للأولياء مانستعظم ذلك وهم مع ذلك يُبتلون ويمتحن الله قلوبهم ، فإن أصابهم من الإعجاب والغرور حرمهم الله تلك الكرامة وإن كان الثناء منهم لله والحمد وزاد افتقارهم بين ربهم وانكسارهم زادت عطاياهم ورفع الله شأنهم ولعلنا أن نورد بعضُ القصص التي وردت منذ الرعيل الأول إلى قريبٍ من عصرنا هذا . 
فمن تلك القصص - ياعباد الله - قصة صدّيق هذه الأمة حيث قل عنده الطعام لأضيافه فجعل الطعام يربو من أسفله في القدر وهذه كرامة لأبي بكر رضي الله عنه ، ومنها قصة عمر بن الخطاب حينما جلى الله له جيشاً غازياً في بلاد فارس وقد داهمهم العدو فقال وهو على منبر المصطفى عليه الصلاة والسلام " ياساريةُ الجبل ، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم " وسارية هذا هو سارية بن زنيم الكناني قائد الجيش ، فأمره عمر أن يصعد بالجيش للجبل لئلا يهلك ، ثم مالبثوا حتى انتصروا بعد ذلك  ، ومنها قصة عبّاد بن بشر وأُسيد بن حضير حيث خرجا في ليلة ظلماء من عند النبي صلى الله عليه وسلم فأضاء الله لهما طرفا سوطهما حتى وصلَا إلى منزلهما ، وقد تكون الكرامة رفعة لمحتقر وذكراً بين الناس لايأبه الناس به حينها فيرفع الله ذكره ويُعلي مقامه في الدنيا غير مايدخره الله له في الآخرة كما هو الكثير من كرامات السلف الصالح فمنها : 

قصة أبو الحسن الزاهد المسمى ( بالحمال ) فقد كان عاصر ابن طولون ملك مصر في وقت قوة الدولة العباسية وكان ذات يوم قد أنكر منكراً عليه وكان أبو الحسن عابداً زاهداً لايأخذ من الولاة ولا من الحكام درهماً ولا ديناراًُ ، فلما اشتد إنكاره على ابن طولوت ألقاه في سجنٍ به أسد ليفتك به ، فانطلق ذلك الأسد نحوه ثمّ أحجم عنه ولحسه ثم رجع ، فلما قيل له في ذلك ، بماذا كنت تفكر ؟ 
فقال كنت أفكر هل سؤر السباع طاهر أم نجس ؟ وكان من أرباب التصوف السني الذي لاينحرف معه العبد لبدعة ولا لخرافة ، لاالتصوف البدعي الشركي الذي ينحرف معه العبد ويرسخ للبدعة والخرافة ويُعظم الأولياء ويغلو فيهم ويدعو الناس للإستغاثة بهم ودعائهم من دون الله . . ثمّ إن الحمّال بعد ذلك ارتفع شأنه وانتشر خبره وعلا مقامه بين الناس بعد تلك القصة وكان يقول : " الحر عبدٌ ماطمع ، والعبد حرّ ماقنع " 
ومن تلك الكرامات : مايكون دفع بلاء وشر باستجابة دعوه فقد دعا الحسن البصري على رجلٍ كان يؤذيه في مجلسه فوافته المنية حين تلك الحال وكذلك عُتبة بن غزوان القائد المظفّر الفذّ حينما كان في شمال أفريقيا وتحديداً في تونُس وأراد أن يتخذ أرض القيروان عاصمة له وكانت وادياً كثير الهوام والوحوش فنادى بأعلى صوته : " ياأهل الوادي اظعنوا عنّا فإنا نازلوه " فرأى من معه الحيات تخرج من تحت الصخور والحجارة وهي تحمل أولادها معها وكذلك السباع والكرامات كثيرة ومستمرّة إلى يوم القيامة والإيمان بها من أصول مذهب أهل السنة والجماعة . 
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمنا الله جميعاً وإياه : ( من أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يحيي الله على أيديهم من خوارق العادات ، في أنواع العلوم والماكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات ، والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها ، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة ، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة ) أكرمنا الله وإياكم بطاعته وصرف عنا حب معصيته أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود  .

 ========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الجواد الحميد والصلاة والسلام على المبعوث للخلق والعبيد نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام المديد أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الكثير من الناس يخلط بين المعجزة والكرامة ، وبعض الفرق المنتسبة للإسلام تكذب كذباً لايصدقه عاقل ولا مجنون ويدعي بعض الصوفية المبتدعة أن من الكرامة إلهامٌ لدني يُلهمه الشخص من دون علمٍ يقيني وهذا باطل ومن عمل بإلهامه في أمور الدين فقد عمل بأوهامه وضلّ ، وإن كاداعياً لذلك فقد زلّ وأضلّ ، وللتفريق بين المعجزة والكرامة : 
- أن نعلم أن المعجزةَ دائماً تكون برهاناً في الواقع على صدق النبوة وأما الكرامة فتكون برهاناً على الصلاح والإتباع ، والمعجزة تكون بدون طلب في الغالب من الأنبياء وأما الكرامات فتكون بطلب وحاجة من الأولياء ،  والمعجزة يكون مبناها على التحدي وأما الكرامة فغير مقرونة بالتحدي ، والمعجزة مبنية على الإظهار والإشتهار وأما الكرامة فمبنية على الكتم والستر ، والكرامة تعود بالنفع والفائدة على الغير وأما الكرامة فهي في الغالب تعود بالنفع على صاحبها والمعجزة لايقع مثلها مرة أخرى ولا تتكرر والمعجزة تكرر لعدة رجال صالحين وأولياء متقين فاللهم أكرمنا ولا تُهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولاتؤثر علينا 
وصلوا وسلموا - ياعباد الله - على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 



الخميس، 17 سبتمبر 2020

خطبة عن وحدة الصف واجتماع الكلمة

 الحمدلله ولي المؤمنين وقاهر العباد أجمعين والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي أنار درب السالكين وأبان سبل الغواية للحائرين ودل أمته على خير مايعلمه لهم وحذرهم من شر مايعلمه بالحجة واليقين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . 

عباد الله : الأمم لاتكمن قوتها ولا عزتها إلا باجتماع لاافتراق وبلمٍّ لاشتات وبتآلف لا تنافر وبتوافق لااختلاف ونعمة اجتماع الكلمة ووحدة الصف من أعظم النعم التي تحفظ الأمن في الأوطان والسبل وتقي مصارع السوء والزلل وتحفظ الحقوق لعباد الله من الإنتهاك العام وتسلط القوي على الضعيف ولذا ذكر الله سبحانه وتعالى النبيَّ وأصحابه بذلك بعد أن كانوا قلة خائفين من تربص الأعداء فقال في سورة الأنفال : ( واذكروا إذ أنتم قليلٌ مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون )   فعدّ ذلك نعمة تستوجب الشكر والثناء على الله والإكثار من الحمد له دائماً وأبداً  

معشر المؤمنين : لنتذكر دائماً إخواناً لنا تعجّلوا بما فيه أناة لهم فقاموا على ولي لهم لايخاف  لومة لائم في سبيل الشيطان والهوى وليس في سبيل الله ولا يخاف في مؤمن إلا ولا ذمة فما كان منهم إلا أن نازعوه  فلما أحس بطول القضية استعان بفجرة هم مثله أو أشد كفراً منه فقاموا كلهم على ذلك الشعب بالتنكيل والتشريد وساموهم العذاب الشديد  ، فحرموا نعمة الأمن سنين طويلة وكل ذلك وقع بقدر الله العزيز المتعال فهل نتذكر دائماً تلك النعمة ونتحدث بها في مجالسنا وإن كرهنا ، ولكن لعل ماتكره يكون خيراً لك مما تُحب  . 

عباد الله : مع اضطراب الأمن يفقد المرء كثيراً من مقومات الحياة ويحصل العناء وغلاء الأسعار ويتقاتل الناس على موارد المياه ومصادر المواد الغذائية ونحوها وكثيراً ماترتبط الحروب بالمجاعات التي تفتك بالبشر حتى مايجدُ المرءُ قطرةَ الماء ولا كسرةَ الخبز فاللهم سلمنا من الآفات المهلكة والشرور الحالكة يارب العالمين . 

عباد الله :  الإعتصام بالكتاب والسنة خطابٌ جماعي للأمة وحبل الله هما ، وطوبى لمن تمسك بهما ولا سلامة ولا عافية إلا باتباعهما ، والتحام المسلمين بعضهم ببعض ومد يد العون للمحتاج منهم هي من أواصر المحبة ومن أعظم السبل لتقوية الأخوة الإيمانية التي هي الأخوة الحقيقية لاأخوة النسب ، والتآلف بين القلوب من علام الغيوب ولا يقوى عليه إلا الله جل جلاله ولذا قال الله لنبيه :     ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ماألفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيزٌ حكيم ) فاعتصموا بالله وتذكروا قول الله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يُبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولعامّة المسلمين من الخطايا والأوزار فاستغفروه ثم توبوا إليه إنه هو العزيزالغفار .

========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

عباد الله : إن مما يجلب الشتات ويفرق صف المسلمين ويجلب الخيبة والتباغض والتناحر وتسلط الأعداء هو التنازع  وشق عصا الطاعة على ولي الأمر سواءاً كان صغيراً أم كبيراً والنتيجة هي الفشل وارتفاع الأمن في الأوطان ووقوع الضرر في الأبدان والممتلكات وقد أمر الله بلزوم الجماعة وعدم مفارقة صف الأمة فقال في الطاعة ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا ) . 

عباد الله : قد يرى المسلم من ولي أمره مايكره فعليه أن يصبر ويسعى لنيل حقه بلسانه ولا يحلّ له أن يحملَ السلاح أو يعتدي أو ينتهك ويسفك دماءاً أمرها ولي الأمر بتفيذ أمرٍ يكرهه ، ولذا ورد في الحديث في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : " من كره من أميره شيئاً فليصبر ، فإن من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية " 

وأجمع العلماء المعتبرون المحققون أن لزوم الجماعة وإمام المسلمين واجب حتى لو كان ظالماً ، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد عاصروا فتنة الحجاج بن يوسف طاغية العراق ومع ذلك ماأمر واحدٌ منهم بالخروج عليه وحمل السلاح ضده أو ضد جنده فاللهم ولّ علينا الخيار الأكفاء ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء ولا تسلط علينا بذنوبنا من لايخافك فينا ولا يرحمُنا واكتب لنا العافية في الدنيا والآخرة وأعذنا من شر النفوس الجائرة والأعداء الجبابرة ياذا الجلال والإكرام  . . .  ثم صلوا وسلموا على النبي المختار سيدُ المتقين الأبرار . . 

الجمعة، 14 أغسطس 2020

خطبة عن العام الهجري الجديد

الحمدلله مصرف الدهور ومداولِ الأعوام والشهور أحمده وهو العزيز الغفور وأثني عليه وهو القدير الشكور وإليه تصير الأمور وأصلي وأسلم ُ على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المصير أما بعد : 
فاتقوا الله تعالى فالتقوى دأب المفلحين وبه النجاة يوم الدين     ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ً ) . 
عباد الله : محاسبة النفس وتدراك الأخطاء هو طريقٌ يحتاجه كل مؤمن ومؤمنة وذلك أن الإنسان كتب الله عليه الخطأ منذ ولادته إلى يوم مماته وكتب الله الخطأ بالجملة على ابن آدم حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم قال : " كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذي وابن ماجة وغيرهم . 
وقال سبحانه في وصف عباده المتقين في سورة آل عمران  :  ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) والإصرار أن يستمر على المعصية ولا يتوب إذا أذنب ولذا قال ابن كثير رحمه الله : " قوله : ( ولم يُصروا على مافعلوا وهم يعلمون ) أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويُصروا عليها غير مُقلعين عنها ولو تكررّ منهم الذنب تابوا عنه . 
وفي قبول التوبة قال النووي في شرحه لصحيح مسلم : " لو تكررّ الذنب مائة مرّة أو ألف مرّة أو أكثر وتاب في كل مرة قُبلت توبته وسقطت ذنوبه ، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته " 
عباد الله : إننا نستقبل عاماً هجريا ًجديداً وقد ودعنا عاماً مضى طويت صفحاتُه ورفعت أعماله ودونت بخيرها وشرّها والمؤمن ينبغي أن يكون في كل عامٍ يحلّ عليه أقرب إلى ربه من عامه المنصرم ، وإن لم يكن كذلك فحياته وسنوات عمره وبالٌ عليه وحسرة والزمن والوقت ماضٍ شاء المرء أم أبى ، وهذه سُنة الله في سائر خلقة فيومٌ لك وهذه منّة ونعمة من الله عليك لتتذكر وتشكر ويومٌ عليك لتعود لربك وتستغفر 
( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شُهداء والله لايُحب الظالمين * وليُمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) وورد في صحيح البخاري أن عليَ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : 
" ارتحلت الدنيا مقبلة وارتحلت الآخرة مُقبلة ولكل واحدة منها بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عملٌ ولا حساب وغداً حسابٌ ولا عمل " 
ويقول قس بن ساعدة الإيادي : 
في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر 
لمّا رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر 
ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر 
لايرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر 
أيقنت أني لامحالة حيث صار القومُ صائر 
وانظروا كيف خلّد الله شعره لكونه على الحنيفية ِ ملة ابراهيم عليه السلام  وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : 
" والذي بعثني بالحق لقد آمن قسٌ بالبعث " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع خطبَه عليه الصلاة والسلام وكان يخطب في قومه في الجاهلية ويقول : " يامعشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد ، أين المعروف الذي لم يُشكر ، والظلم الذي لم يُنكر ، أقسم قسّ بالله إن لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا " ويقصد به دين محمد عليه الصلاة والسلام فقد كان قسٌ قارئاً لكتب أهل الكتاب وقيل أنه أدرك سمعان تلميذ المسيح عليه السلام وأنه عمّر طويلاً بحدود الستمائة سنة . 
عباد الله : الدهر والزمن هما صندوق العمل فلابد من إستغلال العمر بما يعود على العبد في دينه أولاً وبما يعود عليه في مصالح عيشه والوقت الذي تقضيه في أمور دنياك إن احتسب ذلك من أجل صلاح دينك وعفة نفسك وإطعام ولدك وسدّ حاجتك لكي لاتفتقر للناس كان ذلك لك لاعليك ، وكل وقتٍ تقضيه فيه فإنك مأجورٌ عليه ولكن لابد من استحضار النية ومراجعة القصد لكي لايكون هم ابن آدم الإستكثار من الدنيا وعدم تسخيرها لأمور الآخرة ولصلاح الدين وحفظ النفس من الآثام فاللهم اجعلنا ممن يستعملُ دنياه لدينه ولا تجعلنا ممن يستعمل دينه لدنياه فيبوء بالخسران يالطيف يامنان ياجواد ياديّان أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======= الخطبة الثانية =======
الحمدلله المبدئ المعيد ذي العرش المجيد الفعّالِ لما يرُيد والصلاة والسلام على من أرسله الله للخلق والعبيد نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتأييد وعلينا معهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المزيد أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وتأملوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال : " ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها " رواه الطبراني والبيهقي بأسانيد أحدها جيد ، وقد يستشكل هذا الحديث بعض الناس فيقول : 
كيف يتحسر أهل الجنة على ساعة لم يذكروا الله تعالى فيها والندامة لاتُصيب أهل الجنة أصلاً فليس في الجنة إلا النعيمُ المقيم والسرور الدائم فيقال : إن تحسرهم على تلك الساعة ليس داخل الجنة وإنما يكون في موقف العرض والحساب ولكن في الجملة استثمار الوقت والعمر في طاعة البارئ سبحانه هو مشروعك في نهجك وسيرك لله تعالى ( ياأيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه ) فالإنسان ماأتى إلى هذه الدنيا إلا ليعمل وكل الناس يغدو فبائع ٌ نفسه فمعتقها أو موبقها فصفقة البيع مع الله لابد فأنت رابحٌ حينها أو خاسر فاعمل بأسباب الربح تغنم ومن عذاب الله تسلم ، واحذر من أسباب الخسارة وأولها الولع بالدنيا ونسيان الآخرة فأسلم وجهك لربك واقنع بما آتاك الله وتذكر حديث نبينا عليه الصلاة والسلام حيث قال : " قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه " . 
فاللهم ارزقنا القناعة وأعذنا من شر الساعة وأدخلنا في الشفاعة وقنا شر طول الأمل ووفقنا لحسن العمل .
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . .   



الخميس، 16 يوليو 2020

خطبة مختصرة عن عشر ذي الحجة _ فضلها وما يسن فيها

الحمدلله الذي أجرى الأزمنة والأعوام وداول بين عباده الأيام  وخص بعضها بالفضائل ورفع الآثام وحثّ على العمل فيها وتحرّيها أهل الإسلام ، والصلاة والسلام على المبعوث للأنام نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ أعطر تحيةٍ وأزكى سلام أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله وابذلوا كل سبب ووسيلة تقربك من خالقكم الإله ( ومن يتق الله يُكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) واعلموا أن خير الجديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور مُحدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : إن من منّة الله على عباده أن يُجري عليهم الأزمنة الفاضلة والأيام الفضيلة ليزادوا من الله قُرباً وليكفر عنهم إثما ً ويزداوا به خشية وعلماً فيجري عليهم النفحات ليرتقوا بتلك الأوقات في عالِ الدرجات والمنازل ، ومن عرف تلك الأيام وفضلها بادر بالعمل وترك التسويف والإغترار بالأمل ومن تلك الأزمنة مايحلّ علينا - بمشيئة الله - بعد أيام معدودة من عشر ذي الحجة التي هي أفضل أيام السنة على الإطلاق بلا شك ولا ارتياب وقد ورد في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام " أي : العشر قالوا يارسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ، قال : " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " وقد أقسم الله بلياليها - من باب ذكر الشيء ببعضه أو بالإشارة إليه تلميحاً لاتصريحاً - فإذا أقسم الله بالمفضول دون الفاضل وإن كان عظيماً عُرف أن الفاضل شرفه أعلى فقال سبحانه : " والفجر * وليالٍ عشرٍ * والشًّفع والوَتر " 
ولمّا كان مقدمة اليوم ليلته التي تحلّ قبله ، قدّمها في القسم وقد ورد أيضاً في بعض أيام العشر أن الشَّفع هو يوم النحر والوَتر هو يوم عرفة وورد ذلك في أكثر من رواية يرويها أصحاب ابن عبّاس عنهُ رضي الله عنهم وعنّا أجمعين وورد أيضاً في ذلك حديث صحح إسناده بعض أهل العلم وورد أن الشفع والوتر هو الشفع والوتر الذي يكون في الصلاة أيضاً 

عباد الله : إن العبرة على كلّ حال بالثمرة والأثر على العبد في تلك النصوص الواردة ، هل هو ممن ينتفع ويبادر إلى العمل والله يحثّه ويحث كل مؤمن ويقول ( وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشّر المؤمنين ) أو يكون ممن يغفل سائر عمُره وتضيع عليه أوقاته عاماً وشهراً ويوماً بعد يوم وهو لايُقدم لنفسه ولا يحرص على ساعات يومه فيتقلّب بين السهر بالليل والنوم بالنهار حتى إذا داهمه الموت وجد حاله مفلساً من الكثير من الصالحات فلذا قال صلى الله عليه وسلم : " بادروا بالأعمال خمساً - أي تعتريكم وتصرفكم خمساً  - هل تنتظرون إلا فقراً منسيا أوغنىً مطغياً أو مرضاً مُفسدا أو هرماً مفنّدا أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشرّ غائبٍ يُنتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمرّ " رواه الترمذي وحسّنه ، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام : " بادروا بالأعمال خصالاً ستاً - أي صوارف ستة - إمرة السُفهاء وكثرة الشُرط وقطيعة الرحم وبيع الحكم واستخفافاً بالدم ونشواً - أي شباب ناشئ - يتخذون القرآن مزامير يُقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم مايُقدمونه إلا ليغني لهم " أخرجه الإمام أحمد وابن أبي الدنيا وصححه الحافظ ابن حجر والألباني . 
عبادالله : كثرت الملهيات في هذا العصر وصارت العبادة على البعض ثقيلة لأنهم رغبوا في اللهو واللعب والإنشغال بما لاينفع أكثر من الحد الموصى به ، وهذا يزرع الغفلة في القلوب ويُلهي عن المسؤوليات الواجبة فضلاً عن عمل الصالحات المسنونة ، وماأفلح كثيرٌ من الناس بجهاد نفسه فكيف يُفلح وينجح بجهاد ولده وأهله وإصلاح قرابته ومجتمعه فالآن على كل واحدٍ منّا أن يُجاهد نفسه ضد الملهيات التي تسببت في التخلي عن المسؤوليات ومن لم يستثمر الأوقات عموماً والفاضلة منها خصوصاً فمتى يسير بخطاه إلى رضا مولاه ويحقق تقواه  . . فلابد من المحاسبة الجادة قبل ذهاب الأعمار وحلول الآجال فالوقت يمضي والزمن ينفضّ ولا تنظر لكثرة اللاهينِ والغافلين ، ولا أتباع الشهوات والمثبطين  
فبادر أخي للخير قبل فواته * ودع غافلاً مستغرقاً في سُباته 

فاللهم ألهمنا رشدنا لتدارك أعمارنا وبارك لنا في أوقاننا وذرياتنا وأصلح سائر أحوالنا ياذا الجلال والإكرام أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======== الخطبة الثانية ========

الحمدلله ولي المتقين الذي هدى النجدين وأبان الخير للثقلين والصلاة والسلام على نبي الهدى واليقين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين أما بعد : 
عبادالله : إن لنا في سيرة السلف الصالح بعد النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وعبرة فكيف كان حالهم مع هذه العشر الفاضلة وماذا قالوا عنها : 
كان السلف الصالح يُعظمون هذه العشر من ذي الحجة أشد التعظيم وكان بعضهم يعتكف فيها في بيوت الله فلا يخرج إلا لحاجة ملحة ولقد كان ابن عمر وأبوهريرة يخرجان إلى السوق فيكبران فيكبر الناس بتكبيرهما لايخرجان إلا من أجل ذلك وقد كان سعيد بن جبير يجتهد فيها إجتهاداً لايكاد يستطيعه أحد ولا يقوى عليه ، وكان الحافظ ابن عساكر يعتكف فيها في المسجد فلا يخرج أو قلّ أن يخرج وروى البيهقي في شُعب الإيمان وابن عساكر في تاريخه عن أنسٍ رضي الله عنه قال : " كان يُقال في أيام العشر : بكل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم - يعني في الفضل . 
وأخرج البيهقي أيضاً عن الأوزاعي قال : بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يُصام نهارها ويُحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة ، وكانوا يصومونها ويقومون ليلها وكان سعيد بن جبير يقول : " لاتُطفئوا سُرجكم ليالي العشر " فهل بعد ذلك تفرّط أو تقصّر في اغتنامها فياخيبة المفرطين وياخسارة المقصرين فاستعيذوا بالله من الحرمان 
عشر ذي الحجة حانت * بالثواب والأجور 
موسم الخير توالى * للمجدّ والصبور 
فاجهدوا فيها بحزم * واطردوا كل الفتور 
يالغبن من توالى * قصّر كل القصور 
إن تُفوّت ذي المواسم * فمتى ترجو الغفور . 
هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير والسراج المنير 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...