الخميس، 18 مارس 2021

خطبة عن شهر شعبان وما ورد فيه

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فبلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله -عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلُ محدذة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من الأزمنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعنيها ويهتم بها ويكثر فيها من الصيام شهر شعبان وقد سُمي بذلك لأن الناس تتشعب بالأودية فيه وينتشرون ، وهو شهرٌ يغفل عنه الناس وهو شهرٌ يسبق رمضان كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه كله وقد يترك منه يوم أو يومين فقد روى الإمام أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : " مارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرين متتابعين إلا أنه كان يصلُ شعبان برمضان " وفي حديث عائشة الذي أخرجه مسلم أنها قالت : " ولم أره صائماً من شهر قطّ أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كلّه كان يصوم شعبان إلا قليلاً " والمختار الذي عليه أهل العلم أنه النبي لم يكن يستكمل الشهر صياماً بل يخرم منه يوم أو يومين لئلا يشبهه برمضان ويشهد لهذا ماورد من أثر ابن عباس رضي الله عنهما والذي أخرجه البخاري ومسلم أنه قال : " ماصام النبي صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً قطّ غير رمضان " وأما ماورد في الرد على حديث أم سلمة الآنف الذكر فقد ورد أنه يجوز في كلام العرب أن يُقال فلان صام الشهر إذا صام أكثر الشهر ولذا ورد عن ابن المبارك كما نقل الترمذي أنه قال : " جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كلَّه " ومن الحكم في صيامه أنه شهرٌ ترفع فيه الأعمال فكان عليه الصلاة والسلام يحب أن يُرفع عمله وهو صائم وأورد ابن رجب في كتابه ( لطائف المعارف ) أنه قال : " صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكُلفة ، بل قد تمرّن على الصيام واعتاده ووجد بشهر شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته ، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط " وقال أيضاً : " لمّا كان شعبان كالمقدمة لرمضان شُرع فيه مايُشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن " ا.هــ
وقد كان السلف يجتهدون فيه بقراءة القرآن حتى كانوا يسمونه بـ( شهر القراء) بل كان منهم من يُغلق حانوته ودُكانه ويتفرغ فيه للقراءة ومما روي من أقوال السلف فيه مقالة أبو بكر البلخي رحمه الله فكان يقول : " شهر رجب شهر الزرع وشهر شعبان  للسقي وشهر رمضان شهر الحصاد " وقال أيضاً : " مثلُ شهر رجب مثل الريح ومثلُ شهر شعبان مثل الغيم ، ومثل شهر رمضان مثلُ المطر " .
وتعددت عبارات العلماء فيها فقال بعضهم : " السنة مثل الشجرة وشهر رجب أيام توريقها وشعبان أيام تفريعها ورمضان أيام قطفها " وقال بعضهم : " شهر رجب شهر التوبة وشهر شعبان شهر المحبة ورمضان شهر القربة " . 
والمقصود أن على العباد أن يتقوا الله في هذه المواسم التي تمر عليهم وأن لايفوتوا فيها السباق إلى الخيرات ونيل الكرامات والسباق لرفيع الدرجات فمن فوّت تلك المواسم فمتى يلتفت إلى آخرته وقد أشغلته دنياه ومتى يصلح نفسه وقد أشغله شيطانه وهواه . 
عباد الله : ولنعلم أن ليلة النصف من شعبان لم يرد بها حديث صحيح فلا تُخص بدعاء ولا قيام ليل وكل ماورد فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة وهذا الذي عليه كبار أهل العلم وهم أهل الفهم والبصيرة في الدين فاللهم اهدنا لسبيلك القويم واهدنا صراطك المستقيم واجعلنا من أهل دار النعيم ياقريب يا مجيب أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ثم أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - وتقربوا إليه بكل عملٍ صالح يرضيه وكل متقرب إليه يُعليه ومن سبق إليه يُدنيه : ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ) . 
عباد الله : لقد أصبح الناس مع شهر رجب وشعبان ورمضان على ثلاثة أنواع : 
- فمنهم من يجتهد في رجب أو بعضه ويقلّ اجتهاده في رمضان وهم الرجبية وبعض الفرق الصوفية التي زاغت عن جادة الصواب ومنهم من يجتهد في رمضان ولا يعرف الله في بقية الشهور وهم كثير من عوام المسلمين ومنهم من يجتهد في شعبان بالصوم وقراءة القرآن وفي رمضان يزيدُ اجتهاده وجلَدُه ويهجر الكسل والراحة وذلك من أنار الله بصيرته ووفقه لاغتنام الأوقات قبل الممات فتجده يتقلب بين صيام وذكر ودعاء وقراءة قرآن وإكثار من النوافل وإطعام للطعام مع عمل المعروف والإحسان إلى كل محتاج وله عمل سرّ خفي وخبيئة عند الله لايعلمها الناس يرجوا ماعند الله من الثواب والأجر فلله درّه وليعلم أن الله لايضيع أجر المحسنين ( ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) وفي محكم التنزيل ( من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) . 
واحرصوا معشر الإخوة على الدعاء بأن يبلغكم الله شهر رمضان وأن يتقبل منكم صيامه وقيامه فكم من أناس تخطفتهم يد المنية قبل أن يبلغوا الشهر الفضيل وكم من أناس أتاه رمضان وهو عليل لايستطيع الصيام والصوم خيرٌ له إن استطاع   ( وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون ) ثم صلوا وسلموا على نبينا محمد فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . 

الخميس، 11 مارس 2021

خطبة عن تقديم العقل على النص وآثار ذلك .

الحمدلله الذي خلق الإنسان فعدله ، وبالعقل جمّله ، وكرمه على سائر المخلوقات وفضلّه والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أرسله للعالمين  فأزاح عن القلوب عِلَله وأزاح الضلالاتِ عن عقول الجهلة وأبان الدين وسبُله  ، عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أزكى صلاة وسلام وأكمله أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )  . 
عباد الله : في خضم الإنفتاح الذي نعيشه هذا اليوم والذي يدعو إلى ترسيخ الثوابت وحفظ الدين والحذر من الوقوع في الفتن التي تعصف بالمجتمعات كافّة ورحاها تطرح الناس مابين قتيلٍ وجريح ومخدوش وسليم ، تظهر فتنة تقديم العقل على النصوص الشرعية بين طوائف من المنتسبين للعلم وبين شرائح من المثقفين والمفكرين يدّعون سلوك سبيل التنوير - حسب مازعموا - ويسيرون بمكر من الله بهم إلى الهاوية . 
قد عجز الشيطان أن يخرجهم من الدين بالكليّة فدخل عليهم من باب العقل والمنطق ومن باب الفكرة والتأمل وما علم هؤلاء أن كل دواخل العقل ومخارجه قد أحاط الله به علما وكان به شيءٍ محيطاً وهو القوي المتين سبحانه ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتسوس به نفسُه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) . 
عباد الله : العقل نعمةٌ عظيمة ينبغي أن تُسخر في مرضاة الله تعالى وفي طاعته وأن يكون العقل يأمر صاحبه بالخير ويرشده له وإلا كان وبالاً على صاحبه ولذا تجد كثيراً من المشركين عندما يؤمرون بالتوحيد وإخلاص الدين لله أو اتباع ماأنزل الله يحتجون بعقولهم على أن كل رجل يتبع أبيه في دينه حتى لو كان على خطأ أو كان لايعقل ( وإذا قيل لهم اتبعوا ماأنزل الله قالوا بل نتبع ماألفينا عليه آبائنا أولوا كان آباؤهم لايعقلون شيئاً ولا يهتدون ) ولذا كان مصيرهم كما قال الله في شأن قومٍ لايعقلون بقلوبهم - والعقل والقلب مرتبطان ببعضهما - قال فيهم : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لايعقلون بها ولهم أعينٌ لايُبصرون بها ولهم آذانٌ لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون ) . 
عباد الله : تقديم العقل على النقل خطيئة كبرى يقع بها كثيرٌ من المنتسبين للإسلام بحجج واهية ، علماً أنه من القواعد المقررة في دين الله  أنه ( لا اجتهاد مع النص ) وكذلك القاعدة المقررة عند أهل العلم حين التعارض لو وُجد وهي تنص على ( تقديم النقل  على العقل  ) والله جل وعلا أعلم وأحكم وله الحجة البالغة سبحانه على عباده ( وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له ومالهم من دونه من وال ) فلذا يجب أن نحذر من سلوك سبيل من يؤله العقل أو يُقدمه على مسلّمات شرعية فضلاً عن ثوابت أساسية في دين الله لاتقبل النقاش ولا الجدل ، وهكذا إذا استُعمل العقل في غير ماشرع الله أو في غير ماأباحه الله فإنه يحط بصاحبه في أدنى المنازل ويورده المهالك والشرور ويصليه عذاب الجحيم . 
عباد الله : العقل يقصُر عن فهم ماحجب الله علمه عن العباد وهي أشياءٌ كثيرة ولذا من العقل والعلم والفطنة أن يُرد علم ذلك إلى الله ولا يضرب ويخرص بالظنون ويرجم بالغيب ، ولذا لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح أتى الرد من الله سبحانه بأن العقل قاصر عن كننها وأمر برد أمرها إليه فقال تقدست ذاته وكملت صفاته : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) . 
عباد الله : زاغ بتقديم العقل على النقل فرقٌ كثيرة من المعتزلة والمرجئة وكثير من الملل والنحل لعدة أسباب منها : قلة العلم والفقه وانتشار الجهل وتصدر الجهال وتسفيه العلماء والعدول عن تأمل النصوص الشرعية وعدم معرفة منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التعامل مع النص والإستهانة بالنصوص أو التعلق بالشبهة من غير دليل صريح أو الجهل بمراد الله ومراد رسوله من هذه النصوص ، مع الإعراض عن تأمل النصوص وفهمها فهماً تاماً ، أو التلقي من مصادر لاتمت للإسلام بصلة من شياطين الإنس والجن وكأن الله يخاطبهم بهذه الآية : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) ولذا كان الجدال بغير علم بابٌ للضلال ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم  قال : ( ماضلّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) ثم قرأ : ( ماضربوه لك إلا جدلا )  . 
فاللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا وأقوالنا وأفعالنا ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله يهدي من يشاء برحمته ويُضل من يشاء بحكمته وحذّر العباد من عذابه ونقمته والصلاة والسلام على المبعوث بدين الله وشرعته وعلى آله وصحبه وأهل ملته ومن تبعهم بإحسان ٍإلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الوحي معصوم لايتطرق إليه الخطأ مهما كانت الظنون فيه ومهما تطاول بعض العقلانيين عليه وأن متبعيه هم المهتدون المهديون السائرون على النهج القويم ومن شكّ في عدم عصمته فقد كذّب الله ورسوله وأسقط الشرائع وجحد دعوة الأنبياء حيث أن الله يقول :( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . . . ) وكذلك قول الله تعالى : ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتابٌ عزيز لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد ) وكذلك قول الله تعالى : ( ولو أنهم فعلوا مايوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا * وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيما * ولهديناهم صراطاً مستقيما ) فدين الله عزيٌز غالب ولو قل بسلوك دربه السالكون أو تخاذل عنه المفتونون أو قذف بالشبهات فيه الضالون من أهل الكتاب وغيرهم وليُعلم أنهم لايضلون إلا أنفسهم ولايزيدون إلا حيرة على حيرتهم وزيغاً على انحرافهم والبصير العاقل يحذر ويُحذر من كيد الأعداء وشرَهم ( ودت طائفة من أهل الكتاب لو يُضلونكم وما يُضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ) وقال سبحانه في بعض أولئك ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يُضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) . 
عباد الله : مازال أعداء الدين من اليهود والنصارى والرافضة وغيرهم  يقذفون بالشبهة تلو الشبهة وبالفرية والكذب زوراً وبهتاناً وهناك مع الأسف سمّاعون لهم من بني جلدتنا ، ممن احتوى قلبه الأمراض المعنوية من سائر الشهوات واستحوذ الران على قلبه فبدأ دينه يخفّ وعقله يزيغ عن الجادة والصواب ، قد زيّن الشيطان له سوء عمله وبريق قوله فمثلُ هؤلاء تُقام عليهم الحجة ويُبين لهم سبيل المحجة البيضاء التي لايزيغ عنها إلا هالك ، ومتى قامت عليه الحجة فلاتذهب نفسك عليهم حسرات إن لم يهتدوا فالله يحتاجه كل أحد وليس يحتاج لأحد ودين الله عزيزٌ بأهله والعصمة بحبل الله أمرٌ مطلوب وقد فاز من لربه يؤوب فاللهم اجمع على دينك القلوب ويسر لعبادك كلََ مرغوب وخلصنا من المعاصي والذنوب ياذا الجلال والإكرام . 

الخميس، 4 مارس 2021

خطبة عن أهوال يوم القيامة

الحمدلله الذي إليه المصير وإليه المآب ، الكريم التواب الغفور الوهاب الذي ذلت لعظمته الرقاب ولانت لقدرته الشدائد الصلاب ، والصلاة والسلام على النبي والأصحاب ومن تبعهم بإحسان وعلى كل من لربه أناب ثمّ أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم توُفى كل نفسٍ ماكسبت وهم لايُظلمون ) واعلموا أن ذلك اليوم الذي يرجع فيه الناس إلى ربهم يومٌ عظيم ، يوم الفاقة والسكرة يقول فيه ربنا جلا وعلا : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عمّا أرضعت وتضعُ كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) ومن شدّته يريد الإنسان أن يفتدي منه ومن عذابه بابنه وقرابته . وقد صوّر الله ذلك الموقف حيث قال سبحانه في سورة المعارج : ( يودّ المجرم لو يفتدي يومئذٍ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعاً ثمّ يُنجيه ) .
عباد الله : قد صّور الله مايجري في الكون إذا كانت النفخة الثانية وهي نفخة البعث فقال جلا في أوائل سورة التكوير : ( إذا الشمس كوّرت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سُيّرت * وإذا العشار عُطّلت * وإذا الوحوش حُشرت * وإذا البحار سُجّرت * وإذا النفوس زوّجت * وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنبٍ قُتلت * وإذا الصُحف نشرت * وإذا السماء كُشطت * وإذا الجحيم سُعرت * وإذا الجنّة أزلفت * علمت نفسٌ ماأحضرت ) . . فالشمس في ذلك الموقف يذهب ضؤها ومصيرها إلى النار لأنها عُبدت من دون الله ( وذلك مصداقاً لقول الله تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) والنجوم تتساقط وتنتثر والجبال تزال عن مكان وتُسيّر على رسوّها وصلابتها ، والعشار وهي النوق الحوامل المُعشّرة ( وهي من أنفس أموال العرب ) تهجر وتترك ، وسائر الوحوش تُجمع للفصل بينها - مع أنها بهائم مُعجِمة - ومن ثمّ تكون تراباً والبحار توقد وتلتهب ناراً ، ويُضم المؤمنون مع بعضهم البعض والكفار وسائر ملل الكفر مع بعضهم وذلك مع تزويج النفوس الوارد في الآية ، والبنت الصغيرة تُسأل ويُحاسب حساباً شديداً من وأدها وهي صغيرة ، والسماء تنشق وتزال وتنفطر كما ورد في سورة الإنفطار والجحيم تُسعر والجنة تُقرّب وتدنو من المؤمنين ففي ذلك الموقف يتذكر الإنسان ويعلم ماذا كان عليه وماهو عمله وما مصيره ( يوم تجدُ كل نفسٍ ماعملت من خيرٍ مُحضرا وما عملت من سوءٍ تودّ لو أن بينه وبيها أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوفٌ بالعباد ) ، واختصت سورة التكوير والإنفطار والإنشقاق بتصوير أهوال يوم القيامة أكثر من غيرها من سور القرآن ، ولذا أخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيُ عينٍ فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت ) .
عباد الله : النار وماأدراك ما النار ؟ عذاب الله المُحتّم على العباد إلا من رحم الله والورود عليها أمر لن يسلم منه أحد ، حتى الأنبياءِ وأتباعهم ولكن الله ينجّي المؤمنين ويلقي فيها من حقّ عليه القول ، فيمرّ عليها العباد بحسب أعمالهم ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيّا * ثمّ ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا ) وفي وصف النار يقول الله تعالى : ( إذا رأتهم من مكانٍ بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا ) وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه قال : " يؤتى بجهنم يومئذٍ - أي يوم القيامة لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها ) بعيدة القعر خبيثة الطعام طعامهم من الزقوم -وهي شجرة تنبت في الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين والضريع وهو نبات كريه الطعم ذو شوك وشرابهم عليه الحميم الذي بلغ في الحرارة منتهاها ( وسقوا ماءاً حميماً فقطّع أمعاءهم ) نعوذ بالله من مصير أهل النار وبؤسهم وشقاءهم .
عباد الله : أخرج الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ سمع وجبةً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أتدرون ماهذا ؟ قال قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا حجرٌ رُمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها " . . وإن سألتم عن أهل النار فقد ورد في السنة أنه يعظّم فيها جسد الكافر وضرسه فقط يكون بمثل جبل أحد وليس ذلك تعظيماً لشأنه ولكن لكي يُزاد في عذابه وفي حديثٍ أخرجه ابن ماجه وصححه بعض أهل العلم من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يُرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع " وفي حديث آخر : " إن أهل النار ليبكون حتى لو أُجريت السفن في دموعهم لجرت وإنهم ليبكون الدم " فاللهم عافنا والطف بنا وارض عنّا وتجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا ياذا الجلال والإكرام أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله ذو البأس الشديد الفعّال لما يريد والصلاة والسلام على خير العبيد نبينا محمد وعلى آله وصحبه وعنّا معهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المزيدأما بعد : 
 فاتقوا الله عباد الله فالتقوى عباد الله يعصم العبد من وعيد الله إذ لاعاصم من أمره إلا هو ( قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً ) . عباد الله : يمرّ الناس يوم القيامة بمراحل فيعيشونها مرحلة مرحلة وحالة حالة وهي التي أقسم الله في القرآن بتحقق وقوعها لامحالة فكل نفسٍ تمرّ بها ولا ريب ( فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبنّ طبقاً عن طبق * ) أي حالاً بعد حال ، فيبعث الناس من قبورهم ويأتون إلى أرض المحشر ويقومون قياماً طويلاً في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، يطول على الكافر ويشق عليه ويقصُر على المؤمن حتى يكون كمثل الوقت الذي بين صلاة الظهر والعصر ، وتدنوا منهم الشمس قدر ميل فيعرقون ، وعرقُهم على قدر أعمالهم ومن ثم يكون الورود على حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيرد عنه كل منافق وكافر ويشرب منه المؤمنون شربة لايظمؤن بعده أبداً ، ومن ثمّ يؤذن بالشفاعة وهي الشفاعة الأولى التي يشفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم لكي يأتي الله للفصل والقضاء بين العباد ، ثم يكون عرض الأعمال ثم يكون الحساب وبعد ذلك تتطاير الصحف فآخذٌ كتابه بيمينه وآخذٌ كتابه بشماله ثم يكون الميزان فتوزن الأعمال ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون ) ثم يضرب الله الصراط على متن جهنم ويكونون في الظلمة دون الجسر فيمرون على الصراط على قدر أعمالهم فمنهم كالبرق ومنهم كالريح العاصفة ومنهم كالجواد السريع ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يحبو حبواً ومنهم من تخدشه النار ومنهم من تخطفه الكلاليب فيُلقى في جهنم والنبي صلى الله عليه وسلم يكون على طرف الصراط يدعوا الله : " اللهم سلّم سلّم " فالكفار والمنافقون لاينجون ، ولا يبقى إلا المؤمنون ومن ثم يبقى الإستفتاح لدار النعيم فيفتتحها النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم يدخلها المهاجرون الأول ومن ثم الأنصار وبقية الناس والفقراء يدخلون الجنة بنصف يوم من أيام الله أي بنحو خمسمائة عام من أعوامنا كما ورد بذلك السنة ، فلا تفرح بالمال فطوبى للمنفق والباذل وياخسارة الشحيح والبخيل ، فاللهم آمنا يوم يخاف الناس وأسعدنا يوم يحزن الناس وأعذنا يوم القيامة من الشقاء والإفلاس ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام . .

الأربعاء، 17 فبراير 2021

خطبة عن الزواج وتسهيل المهور

الحمدلله الذي نزل الفرقان عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وخلق كل شيء فقدره تقديرا ، وخلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان قديرا ، والصلاة والسلام على المبعوث إلى الثقلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ وسلم تسليماً كثيراً أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ومن ثمَّ اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ مُحدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وتميل إليه بطبعها البشري أمر النكاح والنكاح أمر محبب للنفوس تميل إليه النفس وهو من متاع الحياة الدنيا وبه يكون النسل والذرية وبه يجد العبد راحة من هموم الدنيا وشُغلها ويجد السكينة والطمأنينة وقد أخرج النسائي والإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( حبّب غلي من دنياكم النسالء والطيب وجُعلت قرة عيني في الصلاة ) وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ) .

عباد الله : قد حثّ النبي صلى الله عليه وسلم فئة الشباب على الزواج فقال : " يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ومعنى وجاء أي : يقطع عن الشهوة ولكنّ كثيراً من الشباب يعزف عن النكاح ويرغب عنه بسبب عدة أمور إما مالية أو عادات اجتماعية أو عجز أو فجور وهو أشنعها وأقبحها ، وحثّ الشباب في هذه الفترة على الزوج حين الإقتدار - ولو أن يستدين العبد - خيرٌ له من أن يبقى معرّضاً للفتنة أو ينجرّ لفعل الحرام إذا كان ممن لايحفظ فرجه أو يخاف على نفسه وليتوكل على الله في ذلك ووليعلم أن الله مُعينه لامحالة وقد ورد ذلك في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله والمُكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف ) ولا أفضل من هذه القربة لفئة الشباب خاصّة .

عباد الله : حثّ النبي صلى الله عليه وسلم على التزويج لمن يرُضى عن دينه وخُلُقه وإلا كانت الفتنة في الأرض والسطو على الأعراض والفساد المستطير والشر والفواحش فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) وفي رواية : ( وفسادٌ كبير ) .
وظهرت مؤخراً عادة سية لايقرها الشرع ولا العرف وهي منع المرأة من النكاح - معشر الإخوة - وهو مايسمى بالعضل مع بلوغِ بعضهن إلى حد العُـنوسة ، وكل ذلك مع الأسف يتم بحجج واهية إما طمعاً في مالها أو أمور خفية لايقرّها العقل ولا صاحب الفطرة السليمة ، وتعدّ هذه جريمة وإثم وقد نهى الله عن ذلك في حق الثيب والبكر حيث قال الله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لاتعلمون ) .

فاللهم إنا نسألك لنا وللمسلمين العفاف والحشمة والخير وشكر النعمة والمغفرة والرحمة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .

========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لاإله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله ( واتقوا يوماً تُرجعون إلى الله ثمّ توفى كل نفسٍ بما كسبت وهم لايظلمون ) - عباد الله : إن تسهيل أمور الزواج هي مسؤولية تقع على كل ولي أمر ومن حق الولد أن يتزوج وكذلك الفتاة والنسل والذرية مطلبٌ شرعي وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تزوجوا الودود الولود فإني مُكاثرٌ بكم الأنبياء يوم القيامة " أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الأوسط ، وذات مرة جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أصبتُ امرأة ذات حسبٍ وجمال وإنها لاتلد أفأتزوجها ، قال : لا ، ثم أتاه الثانية فنهاه ، ثم أتاه الثالثة فقال : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثرٌ بكم الأمم " أخرجه أبوداود والنسائي رحم الله الجميع . 
عباد الله : إن أكبر عائق يعوق الشباب والفتيات عن الزواج هو المغالاة في المهور وهذا يفتح على المجتمع عادةً سيئة وخصلة ذميمة ويتنافس بعض الناس في ذلك طمعاً في المال وحثالة الدنيا ولا يدري أنه قد نزع البركة والفضل والخير عنه وعن ابنته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة " أخرجه  الإمام أحمد والنسائي وغيرُهم ، وفي حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن من يُمن المرأة تيسير خِطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحِمِها " ومعنى " تيسير رَحِمِها " أي للولادة فلا تبخل أو تضن به على زوجها وهو يريد الذرية والنسل . 
وليست المهور في الواقع هي ثمن للنساء كما يظن البعض فإن بعض النساء ليس لها ثمنٌ ، وهي عظيمة مكرمة عند الله قبل خلقه ، ولو كانت المهور ثمن للنساء فكم ثمن عائشة التي هي أفضل نساء هذه الأمة وكم ثمن فاطمة الزهراء بنتُ محمد وكم ثمن الكثير من الصالحات التي بُشرت بأعلى الدرجات في الجنة قبل الإنتقال للدار الآخرة من زمن المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا ولكن هذا الصداق من أجل العقد ومن أجل أن لايُستهان بأمور النكاح في الجملة وهو برهانٌ على صدق الناكح ومن أجل ذلك سُمي صداقاً ، جعلنا الله من الصادقين الموفقين الواقفين عند حدود الله وأحكامه وأوامره ونواهيه . . 
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 

الخميس، 11 فبراير 2021

خطبة عن آداب الإستئذان في الإسلام

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فبلغ الرسالة وأدى الأمانة فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يياوم الدين أما بعد : 

(  ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ) (  ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً  ) . . ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : ديننا دينٌ عظيمٌ شاملٌ لكل جوانب الحياة ومنظومة مثالية شرعها رب البرية وهو أحكم الحاكمين ، أدهشت بآدابها ومُثُلها الأعداء ، صاغها الحكيم سبحانه رب الأرض والسماء ( قل إنني هداني ربي إلى صراطٍ مستقيمٍ * ديناً قيَماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) وقال سبحانه في دستور هذه الأمة وهو كتاب الله المعظم : ( إن هذا القرانَ يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ) ومما أرشد له الكتاب ونبه عليه وصاغ آدابه مسألة الإستئذان التي شرعها الله لهذه الأمة حفاظاً على العورات وحفظاً للبصر واحتراماً لخصوصيات الآخرين ، وكذلك ورد في السنة بعضٌ من جملة آدابه . 

فمن ما ورد في القرآن من ذلك قولُ الحق تبارك وتعالى : ( ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين يبلغوا الحُلم منكم ثلاث مرّات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عوراتٍ لكم ليس عليكم ولا عليهم جناحٌ بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يُبّين الله لكم الآيات والله عليمٌ حكيم ) فهذا في الإستئذان لمن لم يبلغ سن الحُلُم - وهو البلوغ -  بعلاماته الثلاثة والتي هي بلوغ خمسة عشر سنة أو إنبات العانة أو إنزال المني - أكرمكم الله - وما كان هذا الإستئذان لهذه الطائفة الصغيرة الناشئة من المجتمع مع أنهم لايدركون في الغالب معنى العورة وليسوا مكمناً للشهوة . . ماكان ذلك إلا لحرص الشارع الحكيم على حفظ العورات وإلباس الأسر لباس الستر والحشمة والعفاف والحفاظ على أعراض المجتمع عامة . 

وأما البالغون فقال في شأنهم بعد هذه الآية : ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحُلُمَ فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يُبين الله لكم آياته والله عليمٌ حكيم ) فالإستئذان يطال الصغير والكبير ممن يتررد على البيوت في هذه الأوقات المذكورة التي ذُكرت سلفاً وهي : من قبل صلاة الفجر ، وحين وضع الثياب من الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء ، وكذلك من يتردد على البيت غالباً كالخادم مثلاً وهذا يسمونه الإستئذان الخاص . 

عباد الله : مفهوم الإستئذان العام ورد في كتاب الله أيضاً وأمر الله به الجميع في قوله : ( ياأيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يُؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) والإستئناس والإستئذان بمعنى واحد ، وكان ابن عباس يقرأها ( حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها ) والإستئذان واجب للبيوت المسكونة ولو كانت ملكه مادام فيها غير محارمه والإستئذان يكون ثلاثاً وفي الصحيح أن أبا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب ثلاثاً فلم يؤذن له فانصرف بعد ذلك ، ثم قال عمر رضي الله عنه : " ألم أسمع صوت عبدالله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له ، فطلبوه فوجدوه قد ذهب فلمّا جاء بعد ذلك قال له : ماأرجعك ؟ قال :إني استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف) . 

عباد الله : من جهِل الإستئذان فليُعلّم آدابه من صغيرٍ أو كبير فهو واجبٌ وربما في بعض الأحيان بتركه يُفضي إلى عداوة واعتداء على منتهك حرمة البيوت بعدم الإستئذان وذلك أن الناس يغارون على محارمهم وأهليهم ويكون الإستئذان بالسلام أولاً ثم الإستئذان بالدخول مرة واحدة فقط فإن لم يجبه أحد فليستأذن ثلاث مرات ولايزيد ودخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه : أخرج إلى هذا فعلمه الإستئذان فقل له : " قل السلام عليكم أأدخل ؟ " فسمعه الرجل فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل . رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح . . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

===============  الخطبة الثانية ===============

الحمدلله الذي هدانا سواء السبيل ودلّنا على القيَم والخُلق الفضيل والصلاة والسلام على النبي الجليل وعلى آله وصحبه خير أمة وجيل وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الله جلا وعلا شدّد في أمر الإستئذان لكي لايُعطي مجالاً لذوي النفوس الضعيفة للتلاعب بالحرمات فحرمة بيوت المسلمين واحدة وأهدر - سبحانه وتعالى - قَوَدَ عين ٍنظرت إلى حرمة بيت بغير إذن أهلها أو اطلعت على عوراتهم وهم غافلون ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ماكان عليك من جُناح ) أي إثمٌ وحرج .

وقد ذكر شرّاح الحديث أنه لاقصاص على الخاذف الذي خذف ولادية ، وهذا يدلّل على شناعة ذلك العمل وقُبحه ، وفي الحديث الآخر : " يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه لاتغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم  اتبع الله عورته ومن يتّبع الله عورته فضحه ولو في بيته " وفي رواية " ولو في جوف رحله " . رواه الإمام أحمد وأبوداود بإسناد صحيح . 

عباد الله : وكما ينبغي الإستئذان عند الدخول فالإستئذان عند الخروج مطلوب وقد عتب الله على قومٍ لم يستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم عند الخروج والذهاب بعد الإتيان وشهد للمستأذنين بالإيمان فقال سبحانه : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفورٌ رحيم ) . 

وعندما يريد الخروج يسلم وهذا هو السنة لاكما يفعل بعض الناس فيسلّم عند الدخول ولا يسلم عند الخروج وهذا خلاف الهدي النبوي ، ولذا ورد في السنة عند الترمذي وأبوداود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس فليسلّم ، فإذا أراد أن يقوم فليسلّم ، فليست الأولى بأحق من الآخرة ) وهو حديثٌ حسن . 

اللهم إنا نسألك حسن المعشر وطيب السيرة ونقاء السريرة ونعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء ياسميع الدعاء . . وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الجمعة، 29 يناير 2021

خطبة عن ضرب الأمثال وفوائده من القرآن

الحمدلله الكبير المتعال ذو الأنعام والأفضال والقدسية والجلال والصلاة والسلام على المبعوث إلى أهل الحق والضلال نبينا محمد مثال وخير سالفٍ للخلف في سائر الأحوال وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المآل أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله فمن اتقى الله نفعه عقله وعلمه وتقواه ومن أعرض عن تقوى الله أضله علمه وعقله وأغواه . .
( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويُكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلُ محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : ضرب الأمثال في القرآن من أساليب البلاغة والبيان ومن أسس الفصاحة والتبيان وهو من ما يقرب المعاني إلى الأذهان ويزيدُ اليقينَ والإيمان ويفضح أساليبَ الجهال وأهلَ الضلال ويقرر سبحانه بها ضرورة العقل في أغلب الأحوال مالم يتعارض مع شرع الله المطهر ويضرب الله المثل لمن يعتبر ويتذكر ويعقل ويتفكر ولا يعقل هذه الأمثال إلا العلماء وأهل الأحلام وذوو الألباب ( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) وقال سبحانه : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) وقال جل ذكره : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) وهكذا ينوع الله تعالى حينما يضرب الأمثال كل ذلك من أجل التفكر والتذكر والإعتبار وهو يوافق الغرض الذي أنزل من أجله القرآن وهو التدبر والعظة ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها)  ( كتاب أنزلنا إليك مباركٌ ليدبّروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)  . 
عباد الله : الأمثال في كتاب الله كثيرة تتناول قضايا متعددة وجوانب متنوعة من المعاني والمثل ولعلنا أن نأتي على بعضها فمن الأمثلة التي ضربها في كتابه سبحانه قول الحق في شأن الشرك وهو أعظم مايُضرب به المثل لكونه أعظم ذنب عُصي به الله فقال في شأنه تبارك وتعالى : ( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعقلون ) وهذا يدل على معنى عظيم مفاده تصور حالك أن لك شريكٌ بالقوة في غلام لك أو في أمة وجارية تملكها هل تهدأ نفسك وترضى بهذا الأمر أم أنك ستحارب وتقضي على خصمك فكيف بمن يجعل لله معه في ملكه وعبودية الخلق الله شريكاً فماذا يظن أن الله سيعاملُه ويجازيه وكذلك الشركاء قد يحصل بينهم الخصومة في الملك الواحد والله جل وعلا منزه عن ذلك وليس له كفواً أحد في قوته وقهره ، وبين الله اختصامَ الشركاء في مثل آخر فقال تبارك وتعالى : ( ضرب الله مثلا رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمدلله بل أكثرهم لايعلمون ) .
- وضرب الله مثلاً في شأن المنافقين فقال : ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلماتٍ لايُبصرون ) فشبه الله هذا نور هذا الدين بالنار بجامع الإضاءة والتنوير وشبه النفاق والضلال بالظلمات فصار المنافقون يترددون في الحيرة والضلال بعد انطفاء هذا النور
- ومنها في شأن الكفار قوله تعالى : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع إلا دعاءاً ونداءاً صمٌ بكم عمي فهم لايعقلون ) ومعنى ذلك أن سماع الكفار لآيات الذكر والكتاب كمن يسمع صوتاً أو يسمع منادياً يهتف ، ولكن لايفهم مايقول ولا يعقله لالأنه لايسمع ولكن بسبب طبعِ الله على قلبه وختمه عليه ، فلو أتيه بكل آية فلن يتبع ماجاء به القرآن ولن يعتبر ، وشبه أعمالهم سبحانه بقوله : ( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ) فهم ينفقون وأجرهم كمثل ذرة الرماد التي طارت بها الريح نسأل الله العافية وهذا يشبه قول الله تعالى ( وقدمنا إلى ماعملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً ) .
- ومنها : مثلُ الذي انسلخ من آيات الله بعد أن آتاه الله شيئاً منها فقال سبحانه :
( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولوشئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أن تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) فكما أن الكلب عندما تلاحقه يخرج لسانه ويخرجه حين لاتلاحقه فيثبت على تلك الحال في هذه الصورة فكذلك هذا الرجل من بني اسرائيل لم يتغير حالُه من الضلال إلى الهداية حتى مع وهبِ الله له آياتٍ معجزة ودلائل ظاهرة .
عباد الله : من الأمثال التي ضربها الله في كتابه قوله تعالى : ( ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لايقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً هل يستوون الحمدلله بل أكثرهم لايعلمون ) وهذا المثل يبين فضل الإنفاق وعظيم نفعه للناس وللمنفق وفي المثل الثاني في الآية التي بعدها يبين الله فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال جل وعلا : ( وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لايقدر على شيءٍ وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجهْه لايأتي بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم ) وهذا يدلل على البون الشاسع بين من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبين من لايستطيع ذلك ولا ينويه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  . 
============= الخطبة الثانية ============= 

الحمدلله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على المبعوث من نسل عدنان نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضائل والإيمان وعلى من تبعهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفّى كل نفس ماكسبت وهم لايُظلمون ) . 
عباد الله :   ومن الأمثال في كتاب الله قول الحق تبارك وتعالى : ( ياأيها الناس ضُرب مثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لايستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) وهذا المثال يدل على حقارة وضعف كل مايدعى من دون الله ، ويدل على انعدام الن فمن لايتنقذ مايؤخذ منه كيف سينقذ غيرَه من الخلائق وكيف ينفع من يطلبُ منه النفع أو يدفع الضر حين الطلب  ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلايملكون كف الضر عنكم ولا تحويلاً ) وقد ذكر أحد الإخوة من أهل مكة أنه كان يستهين بهذا المثل ولم يستوعبه وكان من العاملين في مجال إصلاح الساعات وذات مرة أراد الله أن يؤدبه فجاءته ساعة من أحد الملوك ليصلحها ، وعندما كان منهمكاً في إصلاحها جاء ذبابُ فوقع على أحد المسامير الدقيقة التي لاتعمل الساعة إلا به فطار به ومن ثم أخذ يُلاحقه مندهشاً مستغرباً ، ومن ثمّ اختفى ولم يعثر عليه فحزن لهذا الموقف العجيب ، وأخذه الهم بما يردّ على صاحب تلك الساعة ؟ وبماذا يخرج من ملامته ؟ فما كان إلا أن اشترى له ساعة مثلَها وكانت باهضة الثمن وأعطاها إياه ، فانظروا إلى هذا المثل الذي جرى مع مخلوق حي فكيف بمخلوقٍ ميّت كالأصنام ( ولكن أكثر الناس لايؤمنون )   . 
ومن الأمثال أيضاً من كتاب الله قوله تعالى : ( ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ) وهذا يدل على أثر الكلمة الواحدة فكيف بالنصيحة والموعظة التي تحيي القلوب وتنير البصائر ، وفي المقابل كم من كلمة خبيثة كان لها أثر سيء بمعنى الكلمة وعمقها ، وكم من كلمة خبيثة حرّضت على منكر مع أن قائلها كان مقصده المزاح ، ولكنها وافقت قلباً مريضاً فأضلته عن سواء السبيل ، وكم من كلمة واحدة ولكنها خبيثة كان سبباً في نشوب حربٍ بين المسلمين وغير المسلمين فأدت آثارها إلى دمار طال العباد والبلاد والحيوان والنبات فالله رحمتك . 

الثلاثاء، 26 يناير 2021

خطبة عن الشعوذة والسحر والروحانيين والنظر في البروج

 الحمد لله الذي له الدين الخالص والملةُ الحنيفية رب الأرباب وخالق البرية ، له الصفات العليّة والأسماء الحسنى الزكية والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والشمائل والمثل النقية ، الذي حقق العبودية ، وقد جاءنا بها بيضاء صافية نقية  لايزيغ عنها إلا هالك ٌ وساقط في الأوحال الدنيوية وغافٌل معرض عن الأمور الأخروية عليه وعلى آله وصحبه أزكى التحايا والصلوات المرضية وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى هو سبيل الموحدين وذخر أولياء الله الصالحين وسبيل النجاة يوم الدين ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم ) 

- عباد الله : أهم مطلوبٍ وأعظم هدف خُـلق العبد من أجله هو توحيد الله وعبادته والبراءة من كل مايناقض هذا الهدف العظيم ، وكان كل توجيهات ربنا سبحانه وأمره ونهيه تدور حول هذا الهدف من تأصيل التوحيد في النفوس وتحقيق العبودية في الناس لربهم وخالقهم وتُحذر من سوى ذلك وتدعو لحفظ جناب التوحيد والإتيان بالوسائل المعينة عليه والدالة إليه وتنذر بأشد النذُر من خالف هذا الهدف الأسمى الذي خُلق الناس من أجله منذ أن نزل على هذه الأرض أول بشر وهو أبونا آدم حتى يرث الله الأرض ومن عليها ( ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ومن ثمَّ يجب علينا جميعاً أن نحذر أشدّ الحذر من كل أمرٍ يخدش عقيدة العبد وتوحيده لله ومن كل ضلالة أو شركيات تهشم أو تجتث توحيد الله وإفراده من القلوب ، فوالله لو ضاع هذا التوحيد وأصبح العبد من عداد المشركين لكان ممن خسر الدنيا والآخرة فياطول ندامته وماأشد عذابه ونكاله في الآخرة وليس له أي شأن ولا قدرٌ عند الله ولا عند ملائكته ولا بقية الخلق ( ومن يُشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهــوي به الريح في مكانٍ سحيق ) . 

عباد الله : السحر والشعوذه هو من أعظم الشرك وأكثره إفساداً في العباد والبلاد وذلك أن السحر والشعوذه أذية لعباد الله بالضرر الحاصل للمسحور المظلوم من جراء السحر والشعوذة مع جمع الطالب للسحر والساحر الشركَ بالله وذلك بالتقرب للشياطين بالذبح لهم مع الإستعانة بهم وطلب الغوث والنجدة منهم ، بينما المشرك الذي لايتعامل بالسحر ضرره على نفسه وهذا يُبين خطورة السحر وضرره على المجتمعات وأن ضرره متعدٍّ ولذا كان حد السحر في شرع الله ضربة بالسيف كما ورد ذلك في السُنّة ولا يُمهل مثل المشرك العادي صاحب الذمة أو المعاهد أو المستأمِن - بكسر الميم - . 

عباد الله : السحرة والمشعوذون عموماً يتسمى بعضهم الآن بأسماء يوهمونها على العامة فيسمون أنفسهم بالشيوخ الروحانيين أو الشيخة فلانة للأنثى أو الشيخ الرحماني كل ذلك من باب التمويه على الناس وهم في الواقع يتعاملون بالسحر الصريح المحرم ، وبعضهم يُصرّح بذلك فيقول ( لجلب الحبيب ) أو ( للتوفيق في الزواج ) أو ( لرد المطلّقة ) أو ( لعلاج العقم وللإنجاب ) اتصل على كذا ، وغير ذلك كل ذلك قد انتشر معشر الموحدين في زماننا هذا - ولهم إعلانات يتباهون بها ينشرونها في كل مكان في مواقع البحث وبرامج التواصل الإجتماعي يستنزفون أموال الناس ويخسر فيها المرء دينه ودنياه ، فياحرّاس العقيدة وحماة التوحيد لابد من الحذر والتحذير منهم ولا يستدرج البعض منّا الشيطان فيأتيه من باب التجربة والإطلاع والفضول ، فالتوحيد أمره عظيم وشأنه كبيرٌ فلا تجعله عُرضة للتجربة ولا لاستمالة الشيطان وكيده فالأمر خطيرٌ ولا يستهان به وقد قال ربنا في شأن السحر ( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ماشروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) فالذي يتعامل به ويشتريه في دنياه ماله نصيب ولا حظ في أخراه ، وقد بيّن أهل العلم أنه يحرم حلّ السحر بسحرٍ مثله  - مع أنه في نظر البعض ضرورة وذلك في اعتقاد البعض أنه دفعٌ للضرر - ولكن في الواقع ماحرّم الله ذلك إلا لأنه يعلم سُبحانه طبيعة الجنّ وهو خالقهم وبصنعه أعلم وهو أحكم الحاكمين جل وعلا ومن الحكم الإستناطية في ذلك أن عالم الجن عالم كيدي عنيد مارد متسلط في الغالب ولا يخدم إلا بمقابل وهو أن يُشرك بالله أو يذبح له أو لسيدهم أو لغير الله وفي فك السحر بالسحر ركون لقدرة الجن مع ترك دعاء الله والتوسل بأسمائه كالشافي . 

وفي فك السحر بالسحر أيضاً فتح باب المخادعة من الجن للإنسي بالجملة ومن المشعوذ والساحر لعامة الناس وذلك أن من طلب فك السحر بسحرٍ مثله بمقابل مادي ، ففي كثير من الأحيان يعود السحر مرة أخرى ثمّ يُصبح المصاب والمريض عُرضة للإستنزاف المادي وبذل الأموال ، وفي الأخير لاهو ظفر بصحة دائمة ولا هو حفظ ماله من هؤلاء المستغلين من السحرة والمشعوذين ، فمن أجل هذه الأسباب وغيرها حرّم الله فك السحر بسحرٍ مثله ومابقي إلا الإستشفاء بالرقية الشرعية التي تحوي بين جنباتها عدداً من الآيات والأدعية النبوية المأثورة والتي هي كالحمم على الشياطين والسحرة والمشعوذين  .

عباد الله : ومن صفات السحرة أن يسأل المريض عن اسمه أو اسم أمه أو يطلب أثراً منه كثوب أو طاقية أو ملابس داخلية أو شعراً أونحوَ ذلك والهدف لكي يتعرّف الجني على الإنسي من خلال ذلك أو يتمتم حين العلاج بكلام غير معروف أو يوهم المريض بقراءة آية ومن ثم يفصل قراءته  بكلام خافت غير معروف من باب التمويه على المريض أو يمسك براحة الكف لكي يقرأ مافيها أو يطلب من المريض أن يضع هذه الورقة تحت وسادته وتجد فيها آيات مع رموز أو يجعلها في جيبه باستمرار أو يأمر المريض أن يجتنب استعمال الماء مدة طويلة من الزمن أو يأمره بأمرٍ صريح كإلقاء المصحف في المرحاض وهذا من أصرح أعمالهم الفاجرة ، فلا بد من التنبه بمثل هذه العلامات والحذر من إتيان هؤلاء مع الإبلاغ عنهم في حال التعرف عليهم لينالوا عاقبة ووبال فعلهم ، اللهم احفظ بلاد المسلمين من أعمال وشر السحرة والمشعوذين ومن شر المردة والشياطين يارب العالمين ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من الخطايا والأوزار إنه هو العزيز الغفار . 

============== الخطبة الثانية =============

الحمدلله معز من أطاعه واتقاه ، ومذل من خالف أمره ،  وعصاه والصلاة والسلام على عبده ومولاه ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - ثم اعلموا أن من الأمور التي يستهين بها البعض وما كان الناس يعرفونها وهي دخيلة على البلاد وهي مما يهدم أصل التوحيد ويوقع في السحر ألا وهو النظر في دائرة البروج أو التعامل مع كاهن أو عراف ينظر في ذلك ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه : ( من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر ، زاد مازاد ) رواه الإمام أحمد وأبوداوود وفي رواية : " علماً من النجوم "  . . والمقصود بذلك أن من ينظر في دائرة البروج ويربطه بالحظ أو ينظر فيها بحجة استطلاع المستقبل كما يفعل بعض الحمقى من المتنبئين أو ينظر فيها ليخبر عن غيبٍ قد وقع أو سيقع وكل ذلك جعله الله مثل السحر والشرك وبينهما ارتباط من ناحية استخدام الشياطين وتسخيرهما والركون إلى قدرتهم ، وقد عوّض الله المؤمنين بالرؤيا الصالحة التي يطلعهم الله فيها على علم المستقبل عند الحاجة ، وعلماء العقيدة يقسّمون النظر في النجوم إلى علمين : 

الأول : علم التسيير وهو النظر إلى النجوم ومساراتها من أجل معرفة الفصول والتعرف على القبلة ومن أجل الإستدلال على الطريق والإستناد عليها في أنظمة الملاحة البرية والبحرية والجوية وهذا كلّه جائز ، وقد ذكر الله مصداق ذلك في كتابه على سبيل الإقرار فقال : ( وعلامات وبالنجم هم يهتدون ) أي أنه جعل في الأرض علاماتٌ من جبال وطرق يستدل بها الناس وهداهم إلى معرفة الجهات عن طريق التعرف على النجوم والإهتداء بها في ظلام الليل .

- العلم الثاني : علم التأثير : وهو العلم المحظور المحرّم شرعاً والذي يحوي ربط الأبراج والنجوم بالحوادث الأرضية فيعتقدون أنه من وُلد في البرج الفلاني فهو من أهل السعادة ومن وُلد أو مات في البرج الفلاني فهو من أهل الشقاء والعذاب وهذا باطلٌ أشد البطلان وكذبٌ وافتراء وكثيرا ً مايحدث خلاف مااعتقدوا وتوقعوا فهذا الأمر لابد أن يُنبذ ولا يُلتفت إليه ويحذر من التعامل به ، والأمر كلّه بيد الله وعلى العبد أن يُخلص توحيده وعقيدته من شوائب الشرك ومن أكاذيب وخزعبلات الكهنة والعرافين وليتذكر حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام : " من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " . . . اللهم احفظ علينا عقيدتنا وديننا وأمننا وأهلينا وأصلح ولاة أمورنا ووفقنا لخير الدنيا والآخرة وجنبنا المنكرات والآثام ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقد قال عز من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .




خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...