الخميس، 12 أغسطس 2021

خطبة عن الإسبال واللباس

 الحمدلله الذي أنعم على عباده بوافر النعم وهو أهل الجود والكرم أوجد عباده من العدم وأسبغ عليهم من ستره وعافيته من نشأته في باطن الرحم إلى انتقاله لبيت الدود والرِّمم والصلاة والسلام على المبعوث لسائر الأمم نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله -عباد الله - فالتقوى من حقّقه كان معصوماً من الموبقات يردُ آمناً في يوم العرصات إلى رب الأرض والسماوات ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون )   ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فُرقاناً ويُكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) . واعلموا - رحمكم الله - أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكلُّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : أنعم الله على ابن آدم نعماً كثيرة منذ أن نزل أبونا آدمَ عليه السلام من الجنة إلى هذه الأرض ومن تلك النعم نعمة الملبس والذي أباح الله لابن آدم لبسه واقتناؤه والزينة التي حث الله على التزين بها مما أباحه الله حيث قال سبحانه : ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعلمون ) وجعل الله ذلك اللباس من آياته سبحانه الدالة على وحدانيته فقال سبحانه :   ( يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) يقيه من الحر ومن البرد ويستر عورته به ويفرق عيشه عن البهائم والحيوان واللباس من الله كرامة لأنه من الطيبات حيث يقول سبحانه :    ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) واللباس حلّة وزينة وأباح الله للإنسان أن يلبس ماشاء وجعل لهذا اللباس ضوابط أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا مالم يُخالطه إسراف أو مخيلة " أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد رحمهم الله وإيانا جميعاً . 

عباد الله : من الضوابط المهمة جداً في اللباس هي أن لايكون الثوب أو القميص مُـسبَلاً فالإسبال في الثياب هو كبيرة من كبائر الذنوب موجب للعذاب والعقوبة من الله لصاحبه إذا لم يتب حيث يُحذر المصطفى عليه الصلاة والسلام من ذلك وتأمل كيف رُتبت هذه العقوبة بأشد أنواع الألفاظ التحذيرية منها لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد حيث قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم ، المسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب  " أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه 

وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماأسفل من الكعبين من الإزار ففي النار "   فانظر كيف توعد الله هذا المسبل بالعذاب الأليم والذي يبدأ من عذاب القبر إلى ويمتدُّ إلى ماشاء الله فهل من معتبر وهل من متعظ معشر المسلمين ، ولو فكرت وتأملت في كيفية التوقي من هذا الأمر لوجدته سهلاً يسيراً فبضعة ريالات تتوقى هذا الأمر والوقوع فيه ولكن ماأضل ابنُ آدم إلا هواه ونفسُه الأمّارة بالسوء وأكثر مايستهين به من الناس من فئة الشباب . 

عباد الله : يعتقد بعض الناس أن من مسبلاً ولم يُصاحب إسباله خيلاء ولا كبر أنه يسلم من وعيد الله وعذابه يوم القيامة وهذا معشر الإخوة اعتقادٌ خاطئ جانب الصواب لمن فقِه في دين الله وتتبّع النصوص الشرعية فالإسبال محرّم بذاته وإن صاحبه كبرٌ أو خيلاء تضاعفت على العبد العقوبة والدليل على ذلك أن الله جمع  التحذير من الإسبال والخيلاء جميعاً في حديث واحدٍ ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج أو لاجناح فيما بينه وبين الكعبين ، ماكان أسفل من الكعبين فهو في النار ، من جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه " أخرجه الإمام أحمد وأبوداود وابن ماجه وقال النووي في المجموع : " إسناده صحيح "  .  

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجلٌ يجرّ إزاره إذ خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة " ولم يُذكر أنه جرّ إزاره خيلاء فدلّ أن الإسبال بذاته محرّم وأما من يستدل بقصة أبي بكر رضي الله عنه حينما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لست ممن يصنع ذلك خيلاء ) فالجواب عليه أن يُقال : إن أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يُسب إزاره أصلاً ولكن مع الحركة ينزل أحد شقي الإزار مع كثرة الحركة بعكس من لبس الثوب الطويل وهو يرى أنه طويل لأنه تعمد الإسبال فأسبل إزاره من اللبسة الأولى ولا يستطيع أن يتعاهده كل مرة وأجاب ابن حجر صاحب كتاب " فتح الباري شرحُ صحيح البخاري " عن هذه الشبهة وقال : " وهذا إن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه على جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم ، وقد يتجه من ناحية التشبه بالنساء وهذا أمكن من الأول وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة ، وقد يتجه المنع من جهة أن لابسه لايأمن من جهة تعلق النجاسة به  " انتهى كلامه  .  

 وتحريم الإسبال يُعتبر من البيّن الواضح حرمته في المسائل الفقهية ومن كبائر الذنوب ومن يتتبّع المشتبه من النصوص لكي يُحل ماحرّم الله أو يحرم ماأحل الله ففي قلبه مرض ومريدٍ للفتنة سواءاً لنفسه أو لغيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر من اتباع المشتبه من النصوص في الحرام خاصة وأن من فعل ذلك فقد وقع في الحرام ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشُبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشُبهات وقع في الحرام ) فالحذر من التهاون في ذلك رزقني الله وإياكم اجتناب المحرمات وعمل الصالحات أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلاة على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واحرصوا كل الحرص على تعويد الأبناء والبنات على اللباس المحتشم والمنضبط بضوابط الشرع ، واحذروا وحذّروا من الألبسة العارية أو التي فيها خدش للحياء والعفة أو فيها نشر للفتنة والرذيلة بين المسلمين ومن يفعل ذلك ويصرّ عليه ويتباهى به في محافل الناس بحضور الجموع من النساء والرجال فإن له نصيبٌ من قول الله تعالى : " إن الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لاتعلمون " . 

وعلى المرء أن يحفظ حياءه وعفته وهذا للرجال والنساء على حد سواء وإن كان في اللباس يُشدد فيه على المرأة أكثر من الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت " . 

ومما ينبغي أن يحرص عليه من يقتني الألبسة أن يحذر من الكلمات الشركية أو الكفرية أو التي تعني الفجور والفسق أو الرموز المحرمة شرعاً في تلك الألبسة التي يشتريها أو أحد أفراد أسرته أو أهله ونحن في زمن ووقت هاجمت فيه الثقافة الغربية تلك الألبسة ونشرت وروّجت لها الشركات المتواطئة معها أو التي لاتؤمن إلا بالمادة والربح على سبيل نشر المنكر ونبذ الأعراف والتقاليد التي أقرها المجتمع المسلم وهذبها الشرع الحنيف ، ومن المفترض أن يعتز المرء بلغته ودينه ولا يسمع للغة غربية أوشرقية أن تخترق كيانه أو كيان أسرته ، لأن من أرخص لغته صار عالة على الأمم الأخرى وانسلخ من هويته وصار تبعاً لتلك الأمة التي تأثر بلغتهم  حتى يتطور به الأمر مع الوقت بسبب تساهله فيتبعهم في عاداتهم وطبائعهم ومن ثم دينهم فاللهم أصلح شباب وبنات المسلمين واحم حوزة الدين وانصر من نصر دينك وكن عوناً لأوليائك حرباً على أعداءك يارب العالمين 



الأحد، 8 أغسطس 2021

خطبة عن تعظيم الصلاة وفتح المحلات حينها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونتذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : يعظ الواعظون ويلحون ، وينبه الناصحون ويسعى الغيورون بكل ماأوتوا من قوّة لتنبيه الخلق وتذكيرهم بشأن ركن الدين الأعظم وعموده المتين ، كل ذلك النصح يتم بالقول الواضح المكين والدليل المبين ، وتجد كثيراً من عباد الله من يتغافل عن عظيم شأن الصلاة ومن يهمشها في حياته أو يبيع ويشتري خلال وقت الصلاة ويتشاغل عنها بأتفه الأسباب ، فيامسلم وياعبدالله من ضيع الصلاة أو تشاغل عنها وأهملها فهذا لاوزن له عند الله ولا يبالي الله به في أي وادٍ هلك وهذه حقيقة من عرفها عرف أنه في هذه الحياة مخلوقٌ لعبادة ربه ومولاه ومن لم يكن الله مولاه فالشيطان وأرباب السوء أولياءه .
هذه الصلاة - ياعباد الله - وصية الله لمن قبلنا ووصية الله لهذه الأمة ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة ) ومن لم تقم له صلاته ولم يقيمها كما أمر الله وشرعَ نبيه عليه الصلاة والسلام لم تقم له أموره وتعسّرت عليه أحواله وخسر دينه ودنياه فياصاحب التجارة وياصاحب العمل وياصاحب المؤسسة وياصاحب المحل يعدك الله بالرزق وحسن العاقبة والأفضل من ذلك مغفرة الذنب وتكفير الخطايا والسيئات إن أقمت صلاتك كما يريد ربك ، وأمرت بها من تحت ولايتك ، ومن يعمل لديك ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
عباد الله : يهون أداء الصلاة والقيام لها والحرص عليها على من كان يخشى الله ويخافه ويتقيه ويرجو ماعند الله ويعلم أنه راجعٌ إليه ومحاسب على أعماله إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ وذلك أن الله يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) فلابد أولاً من الحرص على كل وسيلة تزيد في خشية العبد وتزيد إيمانه وتقواه ومن لم يكن عنده خشية وخوف من الله فإنه لايبالي بضياع هذا الركن العظيم من الدين فأكمل الناس خشية وخوفاً من ربه هو أعظمهم حرصاً على الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت يحرص على الصلاة مع أنه يوعك كما يُوعك رجلان أشداء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتقول عائشة رضي الله عنها كما أورد البخاري رحمه الله : " لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه ، استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي فأذنّ له ، فخرج تخط رجلاه في الأرض - أي من المرض بين عباس ورجل آخر - قال عبيد الله وهو من رواة الحديث : فأخبرت عبدالله - أي ابن عباس - بالذي قالت عائشة ، فقال لي عبدالله بن عباس : " هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة ، قال : قلت : لا ، قال : " هو علي بن أبي طالب " ، وكانت عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تُحدّث أ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا دخل بيتي واشتدّ به وجعه ، قال : " هريقوا علي من سبع قِـرب لم تُحلّ أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس ، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القِرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتُن ، قالت ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم " فتأملوا كيف يحرص على أن يحضر إلى الصلاة مع أنه لايستطيع القيام إلا بمشقة ومساندة من الغير ومع ذلك أمرهم أن يصبوا عليه سبع قرب لم تُحل أفواههن لبرودتهن لكي يحضر الصلاة لكي وينشط للخروج للناس فأين الأصحاء الذين يضيعون هذه الصلاة من أجل تفاهة من تفاهات الدنيا أو تغافلاً وكسلاً ولا تسل عن حرص السلف الصالح في ذلك فقد سُطّر عنهم أروع الأمثلة في حرصهم العظيم على إدراك أول الوقت فضلاً عن تكبيرة الإحرام مع إتمام وضوئها وخشوعها وركوعها وسجودها وسننها ومن ذلك :
* أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رحمه الله صلى وجرحه يثعب دماً
* ماقاله وكيع بن الجراح عن الأعمش قال رحمه الله : " اختلفت إلى الأعمش قريباً من سنتين مارأيته يقضي ركعة "
* وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة أحيا بقيّة ليلته لاينام حتى يصبح .
* ويقول سعيد بن المسيّب رحمنا الله وإياه : " ماأذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد "
* وكان ابراهيم بن ميمون المروزي صائغاً فكان إذا سمع المؤذن يؤذن بالصلاة وفي يده مطرقة وضعها وترك عمله مباشرة وذهب للصلاة .
* ومحمد بن سماعة التيمي مكث أربعين سنة لم تفته تكبيرة الإحرام إلا يوم أن ماتت أمه فصلى خمساً وعشرين صلاة يريد التضعيف .
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي رحمه الله وإيانا أجمعين أن عامر بن عبدالله بن الزبير وهو من كبار التابعين سمع المؤذن لصلاة المغرب وكان في سكرات الموت فقال لمن حوله خذوا بيدي إلى المسجد ، فقالوا له :إنك عليل ، قال : أسمع داعي الله فلا أجيبه ؟ فأخذوا بيده ، فدخل مع الإمام في الصلاة فركع ركعة ثمّ مات رحمه الله .
والأمثلة كثيرة ياعباد الله ولو أردت أن تُحصي بعضاً منها لطال بك المقام ولكن ماالذي قرب أولئك السلف الصالح إلى الله ؟ وصار لهم محاسن تروى في التأريخ ؟ وفي المُقابل ماالذي أبعد الكثير من عباد الله عن الله وعن الحرص على الآخرة التي فيها فصل القضاء والحساب والجزاء والنعيم أو العذاب .
ماقربهم ولا أبعدهم إلا الصلاة والتي هي رأس مال المسلم عند ربه بها الفوز والنجاة أو العذاب والخسران .
ويدلل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول مايحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر " والحديث عند أبي داوود والترمذي والنسائي رحمهم الله وإيانا أجمعين .
فاللهم أيقظنا لتدارك التفريط في الصلوات وأصلح ياكريم قلوبنا وأعمالنا قبل الممات أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل الخطايا والأوزار فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو العزيز الغفار .

=========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم وبارك على الهادي الأمين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله -عباد الله - وخذوا على أنفسكم عهداً بالحرص على هذه الشعيرة العظيمة التي هي الحبل المتين الذي بينك وبين الله فلا تقطعه بالتهاون والكسل أو بترك الصلاة في المسجد ، فالصلاة في المسجد فرضٌ واجب فلا تُقبل صلاة من صلى في بيته إلا من عذر كمرض مقعد وخوف شديد وأما المسافر فهو من أهل الأعذار أيضاً ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عُذر " أخرجه أبوداوود وابن ماجه ، ولم يُرخّص النبي للأعمى الذي أتاه وشكى له أنه لايجد قائد يقوده إلى المسجد بل أمره أن يأتي مع أنه أعمى فكيف يكون حال المبصرين ؟ ويذكر رجلٌ ثقةٌ من أهل هذه المدينة أنه يعرف اثنين كانا آيتين في المحافظة على الصلاة قد كبُرا فعندما كانا لايستطيعان الذهاب للمسجد مشياً أصبحوا يأتون إليها زحفاً على الركب حتى توفاهما الله عز وجل ، فهل لنا في السلف قدوة وفي الصالحين من الخلف ، ومن لم يكن له واعظٌ من نفسه لن تنفعه المواعظ ولا الدروس ( إنما تُنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشرّه بمغفرةٍ وأجر كريم )
صلاة المرء عنوانُ الفلاح * وأصلٌ للسعادة والنجاحِ
فلا يُرجى لمهمـلِها نجاةٌ * ولا فرحٌ وليس بمستراح ِ
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليما : " إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " .

الأربعاء، 28 يوليو 2021

خطبة عن الفرقة التيجانية الصوفية - سلسلة الفرق

الحمدلله الذي هدانا لهذا الدين وما كنا لنتهدي لولا أن هدانا الله وأتم على عباده فضله وهداه وحذّر من التفرق أهل دينه وتقواه فلاإله إلا الله مخلصين له الدين ولا نعبد إلا إياه والصلاة والسلام على رسوله ونبيه وعلى آله وأهل بيته وصحبه وأتباعه وحزبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله -عباد الله -( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ( ياأيها الذين الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
عباد الله : التفرّق في الدين واتباع الحزبيات وأصحاب الفرق سواءاً كانت صوفية أوقبورية أو شركية أو بدعية يتفح شرّاً ويهدم سنّة ويحيي بدعة ويصدع وحدة الأمة ويقوّض بنيانها المتين ولو وقفت على كثير من تلك الفرق لوجدت أنهم يعظمون غير الله كتعظيم الله ويرفعون المخلوق ويقدّسونه كتقديس الخالق سبحانه ويصرفون من أنواع العبادة للأولياء مايحرمُ أن يُصرف لغير الله ومن تلك الفرق التيجانية والتي هي فرقة صوفية تعتقد بأكثر اعتقادات الصوفية ومؤسس الفرقة هو أحمد بن محمد بن المختار التيجاني الذي وُلد في الجزائر في عام 1150 من الهجرة النبوية ويُقال أنه حفظ القرآن وهو صغير ودرس العلوم الشرعية وارتحل في طلب العلم .
وأسس فرقته في أواخر القرن الثاني عشر في حدود عام 1196 هجري ودرّس في ذلك وأسس أصولاً لها حتى كوّن له أتباع ينشرون بدعته وضلالاته والتي منها :
* القول بوحدة الوجود وهذا كفر صُراح وأن الله يتجسد في المخلوق وينبني على هذا القول أن الله يكون في الأرض ويخلو منه العرش وأنه ليس فوق سماواته ومستوٍعلى عرشه ومن المعلوم أن الله فوق سماوته ومستوٍ على عرشه وهو مع الخلق بعلمه لابذاته وهذا هو مذهب أنبياء الله وأتباعهم وماعداه فهو طريق الباطل الذي منتهاه لجهنم وبئس المصير .
* يزعم التيجاني أن من رآه دخل الجنة وأن من رآه يوم الإثنين والجمعة على وجه الخصوص ضمن الجنة كما يدعي وأنه سيدخل الجنة وأتباعه بلا حساب ولا عذاب نسأل الله العافية .
* ويزعم أنه يوضع له يوم القيامة منبر من نور ويُنادى له في يوم الموقف .
* ومنها : يدّعي التيجاني أنه التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم لقاءاً حسياً مادياً وأنه كلمه مشافهة ومعاينة وأنه تعلّم منه - كما يزعم - مايسمّونه صلاة الفتح لما أُغلق وهي قولهم : " اللهم صلّ على محمدٍ الفاتح لما أُغلق ، والخاتمِ لما سبق ، ناصر الحق بالحق ، الهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم " ولهم في صيغة الصلاة هذه اعتقادات يعتقدونها ومن ذلك :
- أن ذكر الواحدة منها تعدل قراءة القرآن ست مرات وقال بعضهم ستة آلاف مرة .
- أنها أفضل من كل ذكر ودعاء وأفضل من كلمة التوحيد ( لاإله إلا الله ) .
- أن من تلى هذه الصيغة المذكورة وقرأها خير ممن لم يقرأها ولو عاش من يقرأها ألف سنة . - يزعمون في هذه الصيغة التي ذكروا أنها من كلام الله وأنها كالحديث القدسي .
- وأن تاليها لايحصل له فضل إلا بعد أن يأخذ الإذن من صاحب السند المتصل إلى التيجاني وإلا لم ينتفع بذلك كما يقرّرون .
- وأن من قرأها مرّة كفّرت ذنوبه وإن كانت من كبار الذنوب .
* ومن أصول طريقتهم أن التيجاني عندهم آخر الأولياء كما أن النبي صلى الله عليه آخر الأنبياء أبان الله فريتهم وعوارهم وكشف الله لعوام المخدوعين زيفهم .
وُيلاحظ من أتباعه كثرة نسبة معرفة الغيب للتيجاني وأن له بصيرة نافذه وعنده علم بأحوال الأصحاب ويكشف له عواقب الحوائج وأحداث الوقائع وغير ذلك من خرافاتهم التي يوهمون بها العامة وتساعدهم أحوال الجهال على نشر دعوتهم وإغراء السطحيين من الناس باتباعهم وتعظيم وليهم .
ومن كذب أتباع التيجاني وافتراءاتهم أنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى التيجاني أن يدعو بأسماء الله الحسنى وأمره أن يدعو بصلاة الفاتح لما أُغلق الآنفة الذكر وكذلك يزعمون أن طائفة من أصحابهم لو وزنوا بأمة محمد لكانوا أفضل منهم فكيف بالولي الأعظم عندهم كما يقولون وأن أتباعهم تخفف عليهم سكرات الموت وأن يُظلون بظل الله تعالى يوم القيامة وحدهم وأنهم يدخلون الجنة مع الزمرة الأولى يوم القيامة وغير ذلك من وحي الشيطان لهم فنسأل الله أن يهدي الضلّال منهم وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم اتباعه ويريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه وأن يكف إضلالهم للعوام ويرزق المسلمين التمسك بعرى الإسلام إنه ولي ذلك والقادر عليه . . أقوم مانسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي يُضل من يشاء بحكمته ويهدي من يشاء برحمته ، منه النعمة السابغة وله الحكمة البالغة وهو قائم على كل نفس ٍبقدرته والصلاة والسلام على من أرسله الله بمنته نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أكمل الصلوات وأزكى التسليم والتحيات إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من عباد الله من يُضله ويغويه مع أنه من حملة الكتاب والسنة ومن حفاظ الوحيين ولكنه في الواقع كان مستودعاً لهما ولم يفقه مافيهما من علم وبصيرة أو كان عنده هوى يُفسد عليه الهدى والنور الذي قد سعى لجمعه في صدره ، فلم ينتفع بذلك النور الذي حفظه في صدره واستظهره فأظلّه الله لأنه اتخذ إلهه هواه وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة . . وعند تتأمل بعض أرباب الطرق الصوفية كالتيجاني والهرري وغيرهم تجد أنهم من حفظة القرآن وممن لديهم علم بالسنة ولكن لم ينفعهم ذلك لأن عندهم دخل إما شهوة وإما شبهة ويتسرعون بتكفير من خالفهم ، قد زيّن لهم الشيطان أعمالهم فتجد أن الصغير من الناس ممن فهم القرآن يرد عليهم وينتقدهم في مسلّمات وثوابت في الشرع كانوا يحيدون عنها ، فالله ماأنزل على رسوله ماأنزل إلا ليفهم قبل أن يُحفظ ومن سبق بحفظٍ وأهمل التدبر والفهم فهو عُرضة لكل فتنة وعلمٍ خاطئ وسوء فهم وتحميل للنصوص مالاتحتمل أو تفسيرها بغير مراد الله تعالى ، والواجب السؤال عند الإشكال والتباس الأمر وعدم التسرّع في تفسير النصوص ولذا قال الله تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " وأولي الأمر هنا المقصود بهم هم العلماء وأمناء الوحيين الكتاب والسنة وانظروا كيف أشار إلى أن عدم ردِّ المشكلِ من العلم أو المسألة المختلف فيها أو التي يجهلها الناس عدمُ ردّها إلى أهلها وهم العلماء الربانيون أن ذلك يلزم منه إتباع الشيطان وذلك كلّه بسبب الأهواء والإنتصار للرأي ولو كان على غير هدى ونور من الله ولذا قال الله لنبيه : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين ) . . وصلوا وسلموا عباد الله على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عزّ من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 

الأربعاء، 21 يوليو 2021

خطبة عن دروس من حجة النبي صلى الله عليه وسلم

الحمدلله الولي الحميد الكريم المجيد الذي هدى سبُل السلام وأبان منار الإسلام والصلاة والسلام على المبعوث للأنام نبينا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه الكرام الصفوة الأعلام ومن تبعهم واقتفى أثرهم على مدى الأيام خير الصلوات وأزكى السلام أما بعد :
فاتقوا الله ياعباد الله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
عباد الله : مابعث نبي من الأنبياء في كل جيل وفي كل قرن وحقبة من الزمن إلا كان له أصحاب وخلفاء وحواريون يسيرون على نهجه ويقتفون أثره في جميع نسكهم ويأخذون من ذلك الدروس والعبر ويلتمسون الفوائد وسبل العلم والمعرفة من ذلك منهجاً ومعرفة وسلوكاً وحجة النبي صلى الله عليه وسلم - ياعباد الله - فيها من الدروس والعبر الشيء الكثير والجمَّ الغفير من الفرائد والفوائد وإصلاح النفس والسلوك وتهذيب النفوس وجهادها في ذات الله تعالى ولعلنا أن نلتمس منها ماتيسّر في هذه الخطبة نلتمس تلك الفوائد من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه الطويل الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والذي هو أطول أحاديث السنة فمنها :
* كان تأخير حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة بوحي من الله ولحكمة عظيمة وقد كان بعث النبي صلى الله عليه لأبي بكر في السنة التاسعة مع علي بن أبي طالب رضي الله حتى لايطوف بالبيت عريانٌ ولا مشرك بعد هذا العام وأن من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته ولكي يخلو العام العاشر من الهجرة من أي معاهد ويدخل بقية العرب في دين الله كلهم وينقلوا مناسك الحج والعمرة غضة طرية إلى الأجيال القادمة .
* حرص الصحابة رضي الله عنهم على الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم وشدّة اقتداءهم به وهم قدوة في حرصهم رضي الله عنهم ولذا قال جابر : " ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به " وهو القائل " خذوا عني مناسككم " فدلّ على أن شأن العبادات لابدّ للإنسان فيه من اتباع السنّة وترك الإبتداع لافي نقص ولا زيادة ، ومن زاد أو نقص فعمله عليه مردود وهو عن الحقّ مصدود حتى يدع بدعته .
* ومن ذلك تيسير العبادات على الحائض والنفساء فالمرأة النفساء تستطيع أن تحج وكذلك الحائض غير أن لاتطوف النفساء والحائض بالبيت وتدع الصلاة مدة حيضها ونفاسها وعندما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجت معه أسماء بنت عميس رضي الله عنها فولدت ابنها محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصنع ؟ فقال : " اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " .

* ومنها : أن يدعو الحاج أو المعتمر وهو متوجه للكعبة على الصفا والمروة مع الذكر الوارد وليس يقتصر على الذكر الوارد فقط كما يعتقد البعض من الناس .
* ومنها : أن أفضل الأنساك التمتع وهو خيرها وأيسرها حين وجود مدة طويلة بين العمرة والحج ولذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلّ الناس وأخبرهم أن مامنعه من الحلّ إلا أنه ساق الهدي فكانت سنّة يُهتدى بها والتمتع خير الأنساك لمن لم يسق الهدي .
* ومن تلك الفوائد النفيسة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة والحج معاً وقال : " دخلت العمرة في الحج " قال ذلك مرتين أو ثلاثاً وفي رواية " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأن أهل الجاهلية لايرون جواز أن تدخل العمرة في الحج أبداً ، فإذا دخل شوّال فعلى الرجل إن أراد البيت أن يحج فقط ولا تجوز العمرة عندهم ولذا قال ابن عبّاس رضي الله عنه : " كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور " ولذا قال جابر رضي الله عنه يصف لحظة خروج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم : " لسنا ننوي إلا الحج ، لسنا نعرف العمرة " فصحح رسول الله ذلك النهج الخاطئ وأرشدهم إلى الصواب " .
* ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه وجوب السعي على الحاج بين الصفا والمروة وكان بعض العرب يكره السعي بينهما ويرون انهما من شعائر أهل الجاهلية لوجود صنم على الصفا يقال له " إساف " وعلى المروة آخر يُقال له : " نائلة " كما أخبر بذلك الشعبي وهو من المحدثين والمفسرين رحمه الله وكما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه الذي قال : " كنا نرى ذلك - أي السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا " فأتى الإسلام وأنزل الله في كتابه السعي بينهما حيث قال جل وعلا : " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوف بهما ومن تطوّع خيراً فإن الله شاكرٌ عليم " وإنما قال " فلا جناح عليه أن يطوّف بهما " على سبيل رفع الحرج كما يظنه السامع لأنهم يعتقدون الحرج والإثم بالسعي بينهما فصحح الإسلام هذا ولذا لمّا قال عروة بن الزبير لعائشة رضي الله عنها : " فوالله ماعلى أحد أن يطوف بهما " ظنّاً منه عدم وجوب ذلك قالت له عائشة رضي الله عنها : " بئسما قلت يابن أختي ، إنها لوكانت على ماأولتها عليه كانت : " فلا جناح عليه ألاّ يطوف بهما ، ولكنها إنما نزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يُهلّون لمناة الطاغية ( الصنم المعروف ) التي كانوا يعبدونها بالمشلل - وهي الآن عند وادي قُديد -وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة فأنزل الله الآية الآنفة الذكر 
فاللهم سلّمنا والمسلمين من الشرك صغيره وكبيره والإثم باطنه وظاهره أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============= الخطبة الثانية ==============
الحمدلله هو أهل الثناء والحمد والصلاة والسلام على خير البشر من حرّ وعبد وعلى آله وصحبه أهل الفضائل والسعد ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - فإن أخشى الناس لله هو أعلمهم وأحفظهم هو أفقههم إلا من جمع بين العلم والفقه والفهم فقد نال قصب السبق والنصوص النبوية فيها من الإستنباطات والفوائد التي لاتُحصر لمن حرص عليها وفهمها فأين من يجني الفائدة ويبحث عنها فبعض الفوائد تغيّر حال ابن آدم وتُعليه في عالِ المنازل لأنها أورثته خشية وعلماً واستكمالاً لما في حديث جابر رضي الله عنه من الفوائد والعِبر فقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما خطب في يوم عرفة : " إن دماءكم وأموالكم - وفي رواية  وأعراضكم  عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " يدلل على أن الإنسان إن سُلّم من الجناية في الدم والمال والعرض فقد سلم من موبقات عظيمة وطريق الجنة سهل عليه وميسّر بعكس من لم يسلم فقد أوشك ان يدركه الهلاك ولذا ابتدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم . 
* ومنها أيضاً : كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم دماء الجاهلية كلّها وأمور الجاهلية برمتها وقال : " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذيل .  . " فانظروا كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع الشرّ كله تحته قدمه إهانة للشر والكفر الذي كانت عليه أهل الجاهلية وإيقافاً لاستمرار الشر والقتل والفجور في الأرض لكي لايُطالب أحدٌ بالثأر أبداً ويؤجل تلك المظالم ليوم الدين ليقضي الله فيها بين العباد وبدأ بدم أقرب الناس إليه وكان بإمكانه أن يُطالب به ويأمر الناس بقتال هُذيل أو غيرها من القبائل ولا أحدٌ يُخالفه في ذلك ولكنه رسول الله ولا يُخالف أمر ربه سبحانه وتعالى فكان إماماً للمرسلين وقدوة للخلق أجمعين . 
* ومن ذلك أيضاً : أنه لما أتى الموقف جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه وهذا ليعلم أمته التنظيم وإفساح الطريق للمارّة وهو مبدأ سامٍ مهم ماأحوجنا إليه وإلى تطبيقه عملياً في عصرنا هذا الذي كثُر فيه المخالفون والسلبيون وأصحاب الهوى ممن لايُبالي بآداب ولا يعتريه حياء لافي مايختص بنفسه ولا مركبته فتجد أنه إما أن يغلق الطريق أو يؤذي المارّة بمركبة أو وقوف خاطئ أو نحو ذلك فهل نتأدّب بآداب الشرع في هذا الأمر ونعيريه اهتمامنا ، هذا بعضٌ من فوائد وفرائد ذلك الحديث الذي نحن بحاجة لسبر غوره واستخراج فوائده 
فتلك فوائدٌ فيها ضياءُ * وفيها نهج رشدٍ يُستقاءُ 
ومن لايستضيء بنور خير * فمسلكه وذو الجهل سواءُ
نفعنا الله وإياكم بما في الكتاب والسنة من نور وحكمة وهدىً ورحمة ثم صلوا وسلموا على المصطفى الأمين والنور المبين فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 






السبت، 26 يونيو 2021

خطبة عن القاديانية وخطرهم - سلسلة الفرق -

الحمدلله الذي له الحمد في السماوات والأرض وهو الحكيم القدير ، يُضل من يشاء ويهدي من يشاء وإليه المصير أبان طريق الهداية وحذر من سبل الغواية وهو السميع البصير والصلاة والسلام على المبعوث بالرشد والخير العظيم الوفير نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ ومن على نهجهم يسير أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى رأس الأمر كلّه فمن اتقى الله كفاه وهداه ومن تنكب عن التقوى أضله الله بهواه ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ) ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) . واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : وفي حديثنا عن الفِرق التي ظهرت في شبه القارة الهندية والتي كانت متزامنة مع الإستعمار البريطاني للهند ظهرت فِرقة ( القاديانية ) نسة إلى قاديان في ولاية البنجاب في الهند ويسمون أنفسهم بالأحمديين أو الفرقة الأحمدية نسبة مؤسسها ميرزا غلام أحمد القادياني وقد نشأت هذه الفرقة في الربع الأول من القرن الرابع الهجري في حدود عام 1318 للهجرة وكان مؤسسها ممن عُرف بالأمراض وحدة المزاج وإدمان المخدرات وكذلك كان مؤسسوا كثير من الفرق فإنهم كانوا أشخاصاً غير سويين في فكرهم وسلوكهم وكان مؤسسها ادعى في الأول أنه مجدد وأنه ملهم من الله حتى يلتف حوله الأتباع ويكثر أنصاره ويكوّن له مؤيدين ومناصرين حتى يدعموا دعوته وينشروها في المجتمع ومن ثم زعم أنه هو المهدي المنتظر وتدرّج به الحال حتى ادعى النبوة وتقوم أصول القاديانية على عدة أمور منها :
* يعتقد أتباع مؤسس الفرقة الضآل أن جبريل ينزل عليه وأن يوحي إليه كما يُوحى إلى محمد عليه الصلاة والسلام والأنبياء قبله وأنه ابن لله تعالى وتقدّس .
* ألفوا كتاباً أسموه ( الكتاب المبين ) ويعتقدون فيه أنه منزل من عند الله كما يدّعون وأنه أعلى شرفاً من القرآن وأرفع منزلة قاتلهم الله .
* يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى يصوم ويصلي ويحج وأنه يُجامع كالبشر عليهم من الله مايستحقون وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا .
* يعتقدون أنه الله لم يختم الرسالة بمحمد عليه الصلاة والسلام وأن أتباع الغلام أحمد كالصحابة
* يتعتقدون أن الحج إلى قاديان أفضل من الحج لمكة وأن قاديان أفضل من مكة والمدينة وأن أرضها حرم نسأل الله العافية .
* يحرّمون الجهاد ضد المحتل وينادون بالطاعة العمياء لحكومة الإنجليز وأنهم أولياء الأمر بنص القرآن كما يزعمون بل ويدعو زعيمهم ربّه بالإنجليزية متنكباً للغته الأم ويزعم أن ربّه إنجليزي كما يزعم .
* يعتقدون أن كل مسلم عندهم كافر إذا لم يعتقد باعتقاد القاديانية كما يدّعون .
* يؤمنون بعقيدة التناسخ والحلول كما يؤمن الهندوس والبوذيون والسيخ ومعنى التناسخ أن الروح تنتقل بعد الموت من جسده الميت إلى جسد آخر إنسان أو حيوان أو نبات والحلول أن الذات الإلهية تحل في جسد الإنسان بحيثِ أنهما يمتزجان فتذوب الروح البشرية في الذات الإلهية وهذا المعتقد يُعدّ كفر في الإسلام بإجماع أهل العلم .
* ويجيز القاديانيون شرب الخمور وإدان المخدرات والمسكرات عامّة  . 
ومن يمعن النظر في هذه الفرقة يجد أنها خليط من مسميات إسلامية ومعتقدات وثنية شركية ونصرانية ويهودية وهندوسية وهذا في غاية التخبط والضلال والفساد ( أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله خبيرٌ بما يصنعون ) .
وكان من مكر القاديانيين بالإسلام وأهله أن زعيماً منهم قدّم نسخة محرفة من ترجمة القرآن بالإنجليزية وليس بالأمر الغريب إذا علمنا أن بينهم وبين اليهود والإنجليز تعاون بالكيد للإسلام وأهله وقد مكنهم الإنجليز من مناصب قيادية وكذلك اليهود وفتحوا لهم المدارس والمساجد في أفريقيا بل وفي أوروبا والأمريكتين وقد تمكن رجل منهم في الباكستان بتولي منصب في البرلمان وقامت ثورة شعبية تطالب بإقالته وباعتبار القاديانية أقلية غير مسلمة في الباكستان ونجحوا في ذلك والحمدلله ، فاللهم اردد كيد أعداء الإسلام في نحورهم وأعذ المسلمين والدين من شرورهم وأصلح للمسلمين سائر أمورهم ياذا الجلال والإكرام . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ====
=======

الحمدلله القوي المتين والصلاة والسلام على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ٍإلى يوم الدين أما بعد : 

عباد الله : إن التصدي لأعداء الإسلام أمرٌ واجب متحتم على كل من يستطيع مواجهتهم بالحجة والبرهان وذلك بكشف كفرهم وشركهم وتبيين تلبيسهم على وخلطهم الحق بالباطل إن كان لديهم حق فهذا من أعظم الجهاد في سبيل الله وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه أبوداود في سننه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " ومجاهدة أهل الملل والنحل أفضل مايكون باللسان لأن العامّة يغترون بالقول والبيان إذا لُبّس بلبوس الإسلام فانبثق للغلام أحمد زعيم القاديانية العالم الهندي الشيخ أبو الوفاء ثناء الله الآمْرِتْسَري رحمه الله وكان أمير جمعية أهل الحديث في الهند فناظره وأفحم حجته وبيّن كفره وضلال دعوته ولمّا لم يرجع هذا الغلام باهله أبوالوفاء - والمباهلة تقضي بأن يستفتح المباهَل والمباهَـل بأن يُلعن الكاذب من الفريقين وأن يدعو على نفسه بالهلاك ويموت الكاذب منهما في حياة الصادق ، فلمّا أتمّ المباهلة أبوالوفاء وهذا الزنديق لم تمرّ أيامٌ قلائل حتى هلك المرزا غلام القادياني زعيم القاديانية وكان ذلك في ربيع الثاني من عام ستة وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية ، وقد تكررت المباهلة في التاريخ وليست بالأمر المستجد وهي مثل القول الفصل والآية الساطعة على كذب المفتري . . ولكن أهل الضلال يُعميهم الله عن مثل هذه الآيات وعندما زاد خطرهم وكثُر أتباعهم انعقد في شهر ربيع الأول من العام أربعة وتسعين وثلاثمائة وألف من الهجرة مؤتمرٌ كبير برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة وحضره من جميع الدول الإسلامية ممثلون لبلدانهم ، وأعلن المؤتمر كفر هذه الطائفة وضلالها وخروجها عن الإسلام وطالبوا بمقاومة خطرها وعدم التعامل مع القاديانيين وعدم دفن موتاهم في قبور المسلمين ، ثم صلوا وسلموا على النبي المختار وصفوة الأبرار نبينا محمد  . . 

الأربعاء، 9 يونيو 2021

خطبة عن الفرقة البريلوية وخطورة افتراق الأمة

الحمدلله الذي أمر عباده بالإعتصام بالكتاب والسنّة وحذرهم من الإختلاف والفرقة وهو ذو الإحسان والمنّة والصلاة والسلام على المبعوث لكافة الأمة نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والهمة وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى يعصمُ العبد من الضلال والإنحراف ويحثه على السير على نهج الأسلاف ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الإلتزام بالعقيدة على نهج المصطفى عليه الصلاة والسلام وأصحابه هو سبيل النجاة وهو طريق الخلاص من الفتن ومن الفرقة في الدين ومن التحزب وانتحال الطرق المعوجّة والسبل المنحرفة وإذا كان الله حذّر من التحزب والتشيّع وبرّأ منهم - سبحانه - نبيَّه صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثمّ ينبئهم بما كانوا يفعلون ) وبين المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه سيكون افتراقٌ في هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين وأن هذا الإفتراق أكثر كعدد من افتراق اليهود وافتراق النصارى فلزم من ذلك أن يكون الإنسان على وجل وخوف من أن يزيغ عن سبيل النجاة وجادّة الصواب حتى يلقى الله ويُختم له بخاتمةٍ حسنة .

ولا بدّ أن يبذل في ذلك الأسباب التي تُعينه على التمسك بنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في كل صغيرة وكبيرة وفي كل مايأتي ويذر وأن يسأل الله لنفسه ولذريته وأهله العافية من الزيغ والإنحراف وسبيل الله واضحٌ لمن سلكه وعليه علامات يهتدي بها السالكون وتنير درب السائرين ولعلنا - إن شاء الله - نبين منهج بعض الفرق المنحرفة في هذه الخطبة وخطب قادمة حتى لايخفى على عامّة الناس ضلال تلك الفرق وانحرافهم وصدّهم عن سبيل الله بغير علم وكذبهم وافتراءهم في كونهم من أهل السنّة والتصاقهم بهم تضليلاً وبهتاناً وتعمية على العامّة .
فكم مدّعٍِ ٍنهج طريقة أحمدٍ * وكم مفترٍ أعمى عن الحقّ سالكه
بزخرف قول واجتذابٍ لتابعٍ * فـأوردهم فيها دروباً حالكـــة
عباد الله : فرقة ظهرت منذ أواخر القرن الثاني الهجري ولها نشاط في الهند والباكستان وهي فرقة صوفية قبورية تُدعى ( البرِيْلَوية ) واسمها مأخوذ من مدينة برِيْلِي في الهند وأصول دعوتهم قائمة على الغلو بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي آل بيته والغلو في مؤسس هذه الفرقة ( البرِيْلَوي أحمد رضا خان ) والذي كان يسمي نفسه 
" عبدالمصطفى" وكان يدعو للإستغاثة بالأموات ويقول : " إذا تحيّرتم فاستعينوا بأصحاب القبور " ويقول في غلوه بالنبي صلى الله عليه وسلم : " إن رسول الله متصرّف في كل مكان وهو ملك الأرضين ومالك الناس "  بل يشبه النبي صلى الله عليه وسلم بالذات الإلهية تعالى الله عما يقول السفهاء علواً كبيراً ، ويتهم أيضاً من ينكر الإستمداد بالأنبياء والأولياء أو بقبورهم بأنهم ملحدون ، ويدعي مؤسس وأتباع هذه الفرقة أن النبي صلى الله عليه وسلم حاضر ناظر وأنه حي وينيرون القبور وينادون ويستغيثون : يارسول ، يامحمد وبعضهم ويقبّل أصابعهم بعد الوضوء والأذان وبعد الصلاة ويردد إمامهم بعد كل صلاة : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) ويسخطون بمن يجهر بالتأمين وبمن يرفع يديه في الصلاة ويعتبرونه وهابي كما يقولون ، ويتحلقون بعد صلاة كل جمعة وينشدون ويمدحون بصوت مرتفع ، وبعد ختم القرآن في تراويح رمضان يطهون الطعام ويوزعونه مع الحلويات داخل المسجد ، ويعتبرون أنفسهم أنهم هم أصحاب السنة والعقيدة الصحيحة 
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن الصلاة خلفهم بعد ذكر صفاتهم هذه فأجابوا بقوله : 
" من هذه صفاته لاتجوز الصلاة خلفه ولا تصح ولو فُعلت من عالمٍ بحاله لأن معظمها صفات ٌكفرية وبدعية تُناقض التوحيد الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه وتعارض صريح القرآن مثل قوله سبحانه : ( إنك ميّتٌ وإنهم ميتون ) وقوله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) وينكر عليهم البدع التي يفعلونها بأسلوبٍ حسن فإن قبلوا فالحمد لله وإن لم يقبلوا هجرهم وصلّى في مساجد أهل السنة ، وله في خليل الله أسوة حسنة في قوله تعالى : (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى أن لاأكون بدعاء ربي شقيا ) . 
وللعلم فإن هذه الفرقة نشأت في الهند أيام الإستعمار البريطاني لها وكثير من الفرق كانت قد نشأت أيام الإستعمار وهي مدعومة من الإستعمار لكي يميتوا الجهاد في البلدان التي يستعمرونها ولهذا تجد في هذا الوقت اتجاه الغرب لدعم الكثير من الفرق الصوفية لأنهم يعلمون أنه إذا استولى التصوف على البلد صرف الناس عن مجاهدة المستعمر فكرياً وعسكرياً وسياسياً واجتماعياً ولذا تجدهم يكرهون السلفيين والمتمسكين بعقيدة أهل السنة والجماعة وينحونهم عن تولي قيادة البلدان عموماً لأنه سينصب لهم العداء ويجاهدهم بما أوتي من قوة . 
فاللهم قيّض لهذه الأمة من يسوسها بالكتاب والسنة ياذا الفضل والمنة واكشف الغمة عن الأمة ياسميع الدعاء أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من الخطايا والأوزار فاستغفروه يغفر لكم إنه هو العزيز الغفار . 

=============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله هدانا للإسلام وعلمنا الحكمة والقرآن والصلاة والسلام على المبعوث بالفرقان نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من خلّصه الله من الهوى والجهل والتعلق بغير الله فإنه قد نجى من شرّ مستطير قد بُلي به الكثير من العوام ممن ينتسب إلى الإسلام وما يتسلّط الشيطان إلا على مثل هؤلاء ممن يزيّن لهم الشيطان أعمالهم ومن عرف الله بقلبه حق المعرفة وآمن به في صميم فؤاده فإنه لاينجرّ لدعاة جهنم من أصحاب الفرق أهل النِحل أبداً ( فاعلم أنه لاإله إلا الله واستغفر لذنبك . . . )  . 
عباد الله : من يتفكر في كثرة أتباع الضلالة وقلة أتباع الحق يجد أن لذلك أسباب كثيرة منها أسبابٌ تتعلق بالشبهات ومنها أسبابٌ تتعلق بالشهوات فالشبهات مثل محبة البدعة وكراهة السنة والغلو والتنطع في الأمور 
والشهوات مثل المال والجاه والقرب من السلطان والرئاسة وكثرة الأتباع ونحو ذلك وكلٌ من هاذين الجذمين مذموم والعافية منهما سبيل الخلاص وطريق النجاة وصاحب البدعة إن أصرّ على بدعته فلا تُقبل له توبة وقد حجر الله عنه التوبة كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : " إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة " ورأس البلية كلها الهوى وترك الهدى وعصيان المصطفى عليه الصلاة والسلام ولذا قال صلى الله عليه وسلم : "  كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قيل : ومن يأبى يارسول الله قال : " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " رواه مسلم في صحيحه وبين أنه مع الهوى يحصل التفرق والإفتراق ولذا في الحديث عند أبي داوود وأحمد والحاكم من حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإنه سيخرج من أمتي اقومٌ تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه لايبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " والكَلَب هو : داء يصيب الكلاب فتكون مسعورة فتعض من تجده من الناس ويسري عن طريق تلك العضه الداء في الجسد فيقتله في الغالب . 
اللهم أعذ المسلمين من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء ياسميع الدعاء يارب الأرض والسماء ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . 

الثلاثاء، 8 يونيو 2021

خطبة عن سلامة القلب وخطورة الحسد .

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافّة وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غُلفا أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الذين الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) .
عباد الله : القلب السليم السالم من كل غشٍ وخبيئة سيئة وحقدٍ وضغينة هو أسعد بالعيش الهنيء والدرجة العالية من غيره من القلوب وهو أسرع الطرق في رفعة الدرجات والسلامة من وعيد الله وعذابه يوم الدين ( يوم لاينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ) وفي صحيح ابن ماجه من حديث عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : أي الناس أفضل ، فقال : " كل مخموم القلب صدوق اللسان " قالوا : صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ، قال : " التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد " .
عباد الله : لايظن البعض أن سلامة القلب أمرٌ يدركه الكثير من الناس وخصوصاً في هذا الوقت التي انتشرت فيه أمراض القلوب ، بل من يتحصّل عليه فهو من المرحومين المهديين ولا يدرك إلا بتزكية القلوب من أمراض الشهوات خاصة وبالدعاء الطويل وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه أن يكنز هذا الدعاء إذا كنز الناس الذهب والفضة وأن يسأل الله قلباً سليماً فقال : ( اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسالك قلباً سليماً ولساناً صادقاً وأسألك من خير ماتعلم وأعوذ بك من شرّ ماتعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علّام الغيوب ) والحديث رواه لاإمام أحمد والطبراني وابن حبان وحسّنه جمعٌ من أهل العلم وكان الصحابة رضوان الله عليهم مع صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا من أسلم الناس قلوباً وأبرهم لهذه الأمة فصار فضلهم وأجرهم مضاعفاً مع علمهم يقول عنهم رضوان الله عليهم وعلينا أجمعين : " من كان متأسياً فليتأس بأصحاب محمدٍ صلى الله عليهم وسلم فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلّفاً وأقومها هدياً وأحسنها حالاً ، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم ) .

عباد الله : إن من أعظم أمراض القلوب وأشدها فتكاً فيها مرض الحسد فمن سلم منه فقد سلم من شرّ عظيم وبلاءٍ جسيم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسد وبين أنه يأكل الأجر والثواب ويُذهب الحسنات وربط - عليه الصلاة والسلام بينه وبين حب الدنيا وبينه وبين التدابر والبغضاء ففي حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا فُتحت عليكم فارس والروم ، أيُّ قومٍ أنتم ؟ قال عبدالرحمن بن عوف : نقول كما أمرنا الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو غير ذلك ، تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون أو نحو ذلك ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض " وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه سيصيب هذه الأمة داء الأمم ليحذر العباد منه ففي الحديث الذي أخرجه الطبراني والحاكم وحسنه بعض أهل العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سيصيب أمتي داء الأمم " قالوا : يانبي الله وما داء الأمم ؟ قال : " الأشر والبطر والتكاثر والتشاحن في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج " .

عباد الله : من أصيب بحسد وابتلي به فإنه يخفيه ولا يبديه ويستعين بالله عليه ويستعيذ من كيد الشيطان ووسوسته ونفثه فإنه من كيد الشيطان للإنسان وليستعذ بالله من الشح فإنه يُثير الحسد في القلوب ويجعلها تغلّ على المحسود ، ويقول ابن تيمية في رسالته : " أمراض القلوب وشفاؤها " : " الجسد مرض من أمراض النفس وهو مرض غالب فلا يخلص منه إلا القليل من الناس ولذا يُقال ماخلا جسد من حسد ، لكن اللئيم يُبديه والكريم يُخفيه ، وقد قيل للحسن البصري : أيحسد المؤمن فقال ماأنسا إخوة يوسف لاأبا لك ولكن عمّه في صدرك - أي أخفه - فإنه لايضرك مالم تعدُ به يداً ولا لساناً فمن وجد في نفسه حسداً لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر فيكره ذلك في نفسه وكثيرٌ من الناس الذين عندهم دين لايعتدون على المحسود فلا يعينون من ظلمه ولكنهم أيضاً لايقومون بما يجب من حقّه بل إذا ذمّه أحد لم يوافقوه على ذمّه ولا يذكرون محامده وكذلك وكذلك لو مدحه أحدٌ لسكتوا وهؤلاء مدينون في ترك المأمور في حقّه مفرّطون في ذلك لامعتدون عليه ، وجزاؤهم أنهم يُبخسون حقوقهم فلا يُنصفون أيضاً في مواضع ولا يُنصرون على من ظلمهم كما لم ينصروا هذا المحسود وأما من اعتدى بقول ٍأو فعل فذلك يعاقب ، ومن اتقى الله وصبر فلم يدخل في الظالمين نفعه الله بتقواه " انتهى كلامه .

فاللهم أصلح قلوبنا وسلّمنا من الحسد وأهله وزكّ نفوسنا وآتها تقواها ياحي ياقيوم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله يهدى من اتقاه ويعين على مرضاته من طلب هداه والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يومِ نلقاه أما بعد :

فاتقوا الله -عباد الله - واعلموا أنه عندما يأتي الحسد في الشرع على وجه الإمتنان فالمقصود به الغبطة وليس الحسد الذي معناه تمني زوال النعمة عن الغير ، فتمني زوال النعمة عن الغير هو الحسد المذموم الذي أول من عمل به إبليس عليه لعنة الله عندما حسد آدم بعدما أمره الله بالسجود له ولذا كانت العين والتي مصدرها العائن هي تسلط من الشياطين على ابن آدم فيؤذون من أصابته العين ويكونون جنوداً للعائن ومن أتى ذلك إلا بسبب الحسد ولذا أرشد الله المسلم أن يستعيذ بالله من شرّ الحاسد حينما يحسد وهي برهة من الزمن يسيرة فقال : " ومن شرّ حاسدٍ إذا حسد " .

وأما الغبطة - ياعباد الله - فهي تمني مثل ماللغير وليس تمني زوال النعمة عن الغير كما هو معنى الحسد ولذا في الحديث الصحيح المتفق عليه : " لاحسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الله وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " وحديث آخر متفقٌ عليه أيضاً : " لاحسد إلا في اثنتين رجلٌ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق - أي على ذهاب ذلك المال في سبيل الله - ورجلٌ آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويُعلمها " .

ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...