الخميس، 23 سبتمبر 2021

خطبة عن آيات الله ودلائل قدرته

الحمد لله الذي شهد بوحدانيته أهل السماوات والأرضين وعنت الوجوه له وهو القوي المتين وأرسل رسوله الأمين إلى الثقلين أجمعين والصلاة والسلام على الرسول المبين الذي أبان الله به دعائم الدين وأضاء به درب السالكين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل واليقين وعلى من تبعهم بإحسانٍ في كل وقتٍ وحين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنت مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
واعلموا عباد الله أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : قدرة الله تعالى وهيمنته على العوالم العلوية والسفلية يتبين للمؤمن من خلال التفكر والإعتبار وذلك أن مقاييس البشر غالباً ماتكون مادية في حياتهم ومن خلال تلك المقاييس المادية تتبين قدرة الله وعظمته وأنها تفوق تصورات البشر ومقاييسهم ولكن تستخدم هذه المقاييس لإدراك بعض تلك القدرة وثمرة ذلك حصول الخشية والخوف من الله جل وعلا وزيادة الإيمان فهذا هو المحصلة النهائية لكل تأمل وتفكر وعلم مادي معاصر وبالتأمل والتفكر والعلم تُعرف سنة الله في الحياة وسننه الكونية والطبيعية والشرعية فيحذر من أسباب العقوبات المرتبة على تلك السنن ولما ذكر الله المنافقين في سورة الأحزاب وأنهم استحقوا الطرد من الرحمة والعذاب بسبب أفعالهم وقبحها وشناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أولياء الله عامة قال الله بعدها : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ولما ذكر الله إخراج قريش للنبي صلى الله عليه وسلم من مكة حيث قال : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لايلبثون خلافك إلا قليلاً ) ومعنى ذلك أن إخراجهم إياك لايلبثون بعده إلا قليلاً وقد وقع ذلك فجاءت غزوة بدر وقُتل فيها صناديد المشركين وذلك بعد مدة قليلة من إخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة ، والشاهد في ذلك قول الله تعالى حيث قال : ( سنّة من قد أرسلنا قبلك من رُسلنا ولن تجد لسنّتنا تحويلا ) ، ولمّا ذكر الله فرار الكفار حين قتال المؤمنين قال فيهم : ( ولو قاتلكم الذين كفروا للّوا الأدبار ثمّ لايجدون وليّاً ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) وغير ذلك من المواضع التي مضت فيها سنة الله على العباد في جميع ماسنّه من أمور . عباد الله : من دلالئل قدرة الله في الكون السعة المطلقة التي ذكرها الله في كتابه حيث قال جلّ وعلا : ( والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون ) فخلق السماء وسعتها لايعلم مداها إلا الله جلّ جلاله وعندما تنظر إلى سعة الخلق تعرف أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس حيث ذكر الله ذلك فقال جل شأنه : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لايعلمون ) وعندما تنظر إلى عالم الملائكة تجد عجباً وحملة العرش على وجه الخصوص من أعظم ماخلقهم الله ففي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أُذن لي أن أُحدّث عن ملكٍ من ملائكة الله من حملة العرش ، إن مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " والحديث صحيح أخرجه ابوداوود في سننه .

عباد الله : ومن عِظم خلق الله السماوات السبع والمسافات بينهما وفي أثر رواه زرّ بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله قال : " بين السماء والدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين العرش والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش لايخفى عليه شيءٌ من أعمالكم " رواه ابن خزيمة في كتابه " التوحيد " والبيهقي في " الأسماء والصفات " وهذا الأثر من أصح الآثار التي رويت في المسافة بين الأرض والسماء وبين كل سماء وسماء وقد رويت في ذلك أحاديث فيها ضعف لايُعتمد عليها .

عباد الله : وأما الكرسي فهو من أعظم المخلوقات بعد العرش وهو موضع قدمي الرب جل وعلا والعرش هو سرير الملك وليس كسرر بني آدم التي نعهدها ولله المثل الأعلى وقد أخرج ابن أبي شيبة في كتابه " العرش " واللفظ له ، وابن حبان في صحيحه وأبو نُعيم في " حلية الأولياء " من حديث أبي ذر ٍالغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقةٍ مُلقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) .

عباد الله : الأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار فيها من عجيب صنع الله الكثير والله في كتابه كثيراً مايأمر بالسير في الأرض لينظر الناس بأبصارهم ويعتبروا بقلوبهم ويعقلوا بها ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وأكثر مايأمر في هذا الشأن بالنظر إلى عاقبة من قبلنا من الأمم ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشدّ قوة وآثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون ) .
وعندما تنظر إلى الجبال التي جعلها الله أوتاداً في الأرض تجد أن أكثر كتلة الجبل في الأرض بل مايظهر من الجبل في بعض الأحيان إلا مانسبته واحد في المائة وفي بعضها خمسة في المائة وهذا هو معنى جعل الجبال أوتاداً للأرض يمسكونها حتى لاتضطرب وتتحرك وتميد بأهلها ( وجعل فيها رواسي أن تميد بكم . . ) .
وأما عالم البحار ففيه من أمم الحيوان مالايحصيه إلا الله وقد ذكرت إحصائية بأن عدد أنواع الأسماك في البحار يتجاوز الثلاثون ألف نوع غيرَ مافيه من الأنواع الأخرى من الكائنات الحية والماء يُغطي أكثر الأرض كما تعلمون والبحر فيه من الأسرار مالم يكتشفه الإنسان إلى اليوم ومازال علماء البحار يكشفون في أوقاتٍ متفاوتة مايبهر الألباب فسبحان من يخلق مايشاء ويفعل مايريد بديع السماوات والأرض إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون .
أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============== الخطبة الثانية ==============

الحمدلله الذي عنت له الوجوه في سائر الأزمان وخشيَه أهل التُقى والإيمان أحمده وهو الكريم الرحمن وأصلي وأسلم على النبي ملء الأفق والأكوان عليه وعلى آله وصحبه أزكى وأتمُ الصلاة والسلام بلا نقصان أما بعد :

إن التأمل والتفكر في دلائل قدرة الله ووحدانيته يزيد العبد ارتباطاً بربه ويجعله يتعلق به ولا يتعلق بغيره من المخلوقين الذين لايملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيرهم ومن آيات الله التي ذكرها في كتابه الكريم اختلاف الألسنة يقول سبحانه ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لَآياتٍ للعالمين ) واختلاف الألسنة أمر معجز وعجيب ولاتجد من يحيط بهذه الألسنة واللغات كلها أبداً وهذا يدل على سعة علم الله وسعة سمعه فالقريب والبعيد والمتكلم والصامت والتحدث بلغة الإشارة أو بلغة معلومة أو غير معلومة كلهم عند الله سواء أحاط سبحانه بأقوالهم وأعمالهم وهمساتهم ونياتهم ومقاصدهم بما لاتستطيع أي آلهة فعله ( أإله مع الله تعالى الله عما يشركون) ( أإلهٌ مع الله بل أكثرهم لايعلمون ) ( أإلهٌ مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) .

عباد الله : ومن آياته سبحانه - أيضاً - التي تبين حقيقة البعث والنشور إحياء الأرض المجدبة الميّتة بعد نزول المطر والغيث فتأمل ذلك العشب الميت وذلك الهشيم الذي تذروه الرياح تعود بذوره فتبنت من جديد بعد أن تفرقت في الأرض وكذلك بذرة بني آدم بعدما يرِمّ وهي مايُسمّى كما ورد في السنة بعجبِ الذنب الذي لايفنى أبداً وفيه يركب خلق ابن آدم في الآخرة وفي ذلك أعظم دليل على منكري البعث من الملحدين أو اللادينيين حيث يقول جل وعلا : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعةفإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ) فاللهم اجعلنا ممن يؤمن بك حق الإيمان واجعلنا ممن يخشاك كأنه يراك ومن أهل الإحسان يالطيف يامنّان ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . . .

الجمعة، 10 سبتمبر 2021

خطبة عن بلاغة القرآن وإعجازه

الحمدلله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، وأسبغ به النعمة على عباده إنه كان حليماً قديرا نحمده حمداً كثيراً ونشكره وهو أهل الثناء والمجد إنه كان بعباده خبيراً بصيرا والصلاة والسلام على نبي الرحمة ورسول الأمة الذي أرسله إلى الثقلين داعياً وسراجاً منيراً فسهل به ماكان عسيراً وبعثه بالحنيفية السمحة وقوّض الله به الشرك والوثنية وكان ذلك على الله يسيرا أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محمدثة في دين الله بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار ) .
عباد الله : أنزل الله عز وجل هذا القرآن العظيم ليكون نبراساً ونوراً ومشعلاً وهدىً ورحمة لهذه الأمة والأمم القادمة والأجيال المقبلة إلى ماشاء الله وجعل هذا الكتاب هو الكتاب الخاتم لجميع الكتب السماوية السابقة وهو مهيمنٌ عليها جميعاً حيث قال سبحانه : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومُهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عمّا جاءك من الحق لكلٍ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) . وإذا كان القرآن مهيمناً على الكتب السابقة لزم أن يكون حاوياً للكثير من الأخبار والقَصص والكثير من الإعجاز العلمي والأسلوب البلاغي والأحكام وكل مايحتاجه الإنسان إلى أن تقوم الساعة فهو الكتاب الآخِر ولا إنزال بعده كما أن النبيَ صلى الله عليه وسلم هو النبي الآخِر ولا نبي بعده ولذا في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامنَ الأنبياء من نبي إلا أوتي من الآيات ماآمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " .
ومعنى ذلك أن آيات الأنبياء ومعجزاتهم كانت انقرضت وذهبت بذهاب الأنبياء وأقوامهم ممن سبق ولم يُشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم وأما معجزة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهي القرآن المحفوظ إلى يوم القيامة فلزم ذلك أن يحوي من الآيات والمعجزات على مرّ السنين ، ولذا اختار ابن حجر في الفتح ونقل قولاً ومكملاً لما سبق حيث ذكر بأن المعجزات الماضية كانت حسيّة تُشاهد بالإبصار كناقة صالح وعصا موسى وأن معجزة القرآن تُشاهد بالبصيرة فيكون من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أكثر لأن الذي يُشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مُشَاهده والذي يُشاهد بعين العقل باقٍ يُشاهده كل من جاء بعد الأول مستمراً " وقال أيضاً : " وليس المراد حصر مُعجزاته فيهن ولا أنه لم يؤت - أي النبي صلى الله عليه وسلم - من المعجزات ماأوتي من تقدمه ، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختُص بها دون غيره " .
عباد الله : كان رجاء النبي صلى الله عليه وسلم في كونه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة متحققاً وذلك لخلود كتاب الله واطلاع الأجيال عليه من بعد جيل الصحابة إلى يومنا هذا وإلى ماشاء الله لآخر الزمان ويدلل لذلك ماورد في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة " بل في الحديث الصحيح الآخر الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله وابن ماجه أن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة فقد روى الصحابي الجليل بُريدة بن الحُصيب الأسلمي رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم " والحديث صححه الألباني وقال الأرنؤوط : " أن اسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح "
عباد الله : لما كان كتاب الله معجزاً بذاته وبلاغته وفصاحته وأسلوبه كان لابد أن نقف على بعضٍ من هذه الأساليب التي يفرق الله بها كلامه عن كلام البشر مع مافيه من انجذاب النفس أياً كانت مسلمة أو كافرة وإحساسها بالراحة حين سماعه وقد جُرّب ذلك مع خلق كثير من عقلاء البشر من الكفار والملحدين وأهل الشرك وغيرهم والأساليب البلاغية في كتاب الله لاتنحصر وأكثرها تتجلى في الأمثلة والتشبيه وعموم الألفاظ وتقديمها وتأخيرها واستخدام الأفعال بانتقاء والإستعارة والجناس والطباق واستخدام الإسفهام بأساليبه المختلفة وأساليب التأكيد بأدواته ولعلنا أن نورد مثالاً لتلك الأساليب فمن ذلك :
* قول الله تعالى : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . . .) الآية وفي المقابل : ( ومثلُ الله مثلاً كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار . . ) الآية ، والله ضرب هذا المثل لكي تتأمل أثر الكلمة على النفس حيث شبهها الله بالشجرة التي تنمو وتزداد ويطول نموها ومن ثم تؤتي ثمارها وكذلك أثر الكلمة على النفس فمن قال تلك الكلمة إن كانت طيبة وموجهة لتلك النفس كان لها الأثر لو بعد حين وإن كانت كلمة خبيثة موجهة لنفس كان لها الأثر السيء والتبعات في المعاملة فالكلام ياعباد الله لابد أن يكون بميزان واعتدال وملاطفة .
* وفي عموم الألفاظ في القرآن وهو كثير - قال جلا وعلا : ( ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر ) فعمم التكاثر ليشمل كل مايحرص الإنسان على كثرته من الذريّة والبيوت والنساء والنقد والعقار وغير ذلك
* وفي التقديم والتأخير قال سبحانه :( وهو العزير الحكيم ) فقدّم العزة على الحكمة أو الحكم لأنه سبحانه عزّ فحكم ويقدم سبحانه بعض أسمائه على بعض لسياق معيّن وذلك منتشر في المتاب العزيز وقال في الأوامر : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبيرٌ بما يصنعون ) فأمر بغض البصر أولاً وقدّمه على حفظ الفرج لأن البصر هو السبيل لإثارة الشهوات فكان تقديمه أنسب .
* وفي استخدام الأفعال والتبديل بين البناء فيها للمجهول أو للمعلوم للفت انتباه السامع للمعنى والمقصود قال تعالى : ( ويُطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا ) وقال في آية أخرى : ( ويطوف عليهم ولدان مخلدون ) فلما كان المقصود الآنية في الآية الأولى بنى الفعل للمجهول ولم يُظهر الفاعل وفي الآية الثانية لمّا كان لفت الناظر إلى الخدم وهم الولدان المخلدون بنى الفعل للمعلوم وله في كتاب الله نظائر وأشباه .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=============== الخطبة الثانية ================

الحمدلله رب المثاني والقرآن العظيم أحمده وهو العلي الحكيم وأصلي وأسلم على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ودخول دار النعيم أما بعد :
عباد الله : من الأسايب البلاغية في القرآن مايسمى في علم البلاغة بالإستعارة مثل قول الله تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ) والسلخ عادة يكون للشاة فاستعمل هذا المعنى في سلخ النهار من الليل لأن كلا الوجهين وهما سلخ الجلد وسلخ النهار متقاربين بالطريقة والكيفية وكذلك قوله تعالى : ( والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس ) والعس هو حراسة الليل من قِبل أفراد الحراسة والشرطة خفية وعسعسة الذئب طوافه ليلاً وطلبه لفريسته بتدرج متخفياً وهذا في الليل متحقق فإنه يأتي خفية بتدرج ولا يباغت مباشرة وذكر في الصبح أنه يتنفس فشبهه بالكائن الحي الذي فُـك قيده أو كتمت أنفاسه والصبح تحرر من الظلمة التي تغلب على الكون السفلي وهذا الأسلوب من أبدع صور الجمال والبلاغة في كتاب الله .
وللجناس في كتاب الله أمثلة والمراد بالجناس تشابه كلمتين في اللفظ مع اختلاف في المعنى مثل قول الله تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ) فالساعة في قوله ويوم تقوم الساعة غير لفظة ساعة وهي البرهة من الزمن ، ومثله قول الله تعالى : ( والتفت الساق بالساق * إلى ربّك يومئذٍ المساق ) فهناك فرقٌ بين الساق والمساق وكلاهما لفظان مشتبهان في اللفظ ومختلفان في المعنى مع أن جذرهما واحد في اللغة وهو السين والقاف وكذلك قول الله تعالى : ( وجوهٌ يومئذٍ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) فناضرة في الأولى وناظرة في الثانية متقاربان لفظاً ومختلفان معنى فهناك فرق بين النضارة وهي الحسن والنظر وهو المشاهدة والرؤية .
والطباق وهو مقرونٌ مع الجناس عادة في كلام أهل اللغة ويعني الجمع بين معنيين متقابلين أو متضادين في سياق واحد في الآية مثلما قال الله تعالى عن أهل الكهف : ( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود . . ) الآية وقول الله تعالى في الواقعة : ( خافضة رافعة ) وكذلك عندما قال عن ذاته العليه : ( وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا * وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تُمنى ) وغير ذلك من المحسنات البديعية في كتاب الله تعالى .
وقال في الإستفهام وهو بابٌ واسع في كتاب ربنا العزيز قال : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ماأنزل الله قالوا بل نتبع ماألفينا عليه آبائنا أولو كان أباؤهم لايعلمون شيئاً ولا يهتدون ) فانظر إلى الإستفهام الإنكاري وحث المخالف على التبصر فيما يفعل وكذلك قول الله تعالى : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون * أثمّ إذا ماوقع آمنتم به الْآن وقد كنتم به تسعجلون ) فانظر كيف ردُّه بتوبيخ وإنكار على المخالف وعلى من كفر بعذاب الله تعالى باستفهامين قارعين للقلوب بأرفع خطاب وأبدع فصاحة ( أثمّ إذا ماوقع آمنتم به ) وقوله ( الْآن وقد كنتم به تستعجلون ) وفي التأكيد قال جلا وعلا عن كتابه الكريم : ( وإنه لتكرةٌ للمتقين * وإنا لنعلم أن منكم مكذبين * وإنه لحسرة على الكافرين * وإنه لحق اليقين ) وقوله أيضاً : ( فإن مع العسر يُسرا * إن مع العسر يسرا ) وكذلك قوله سبحانه : ( كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون ) والتأكيد يأتي في كتاب الله لعدة أغراض منها : تأكيد المعنى ، وتعديد الأوصاف والتسلية والوعيد للمخالف وغير ذلك من الأغراض فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا ، اللهم ذكرنا منه مانُسيّنا وعلمنا منه ماجهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وآناء النهار على الوجه الذي يُرضيك عنّا . . وصلوا وسلموا على نبي الرحمة حيث أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .

الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

خطبة عن التمائم والشركيات

الحمدلله الذي له المقام الرفيع وهو العلي السميع أثاب برحمته كلُّ عبدٍ مطيع وأذل كل فاسقٍ وضيع والصلاة والسلام على عبده الشفيع نبينا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه صلاة الجميع ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أزكى الصلوات والتسليم من ربنا الكريم أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون المتعلقون بربهم المحققون للإيمان واليقين الراسخون على ثوابت الدين   ( ومن يتق الله يكفّر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) ( ومن يخشَ الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون )        

عباد الله : صفاء العقيدة وخلوصها من الشرك من أوجب الواجبات وأعلى الضروريات ومن صفت عقيدته وخلُصت عبادته فهو في أعلى المقامات وأرفع المنازل والدرجات وعلى العكس من ذلك فمن لم تصفو عقيدته ولم تخلص عبادته وكان صاحب شرك ورياء أو مبتلاً بالشرك الأكبر فإن الله جلا وعلا لايبالي به في أي وادٍ هلك ( ومن يُشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطه الطير أو تهوي به الريح في مكانٍ  سحيق ) فما أهون المشرك على الله فهو عبدٌ محروم من الرحمة بجرمه العظيم وبذلك الذنب الذي يستصغره وهو عند الله عظيم    ( إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) والشرك من أعظم الظلم للنفس وأكبر الأبواب الذي به يتخلّى الرب عن عبده ( إن الشرك لظلمٌ عظيم ) وذلك أن الشرك  خطيئة كبرى في حق الله ولو تأملت قول الله تعالى : ( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانُكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعقلون ) فهل ترضى أن يكون لك شريك في ملكك الخاص بك يتصرّف فيه كتصرفك أنت ، فمادام أنك لاترضى ذلك فكيف ترضاه في حق الله ( ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ) . 

عباد الله : كل وسيلة موصلة إلى الشرك فلها حكم الشرك نفسه في التحريم والتجريم ولذا في شرع الله قاعدة وهي :    ( الوسائل لها حكم المقاصد ) ولذا كانت التمائم والمعلقات الشركية محرمة لأنها وسيلة من وسائل الشرك فليس العبرة بخيط تُعلقه على رقبتك أو خرزات تضعها في سيارتك أو خرقة سواء يضعها بعض الناس في شاحنته ولكن المحظور في ذلك القصد الذي تضع هذه الأشياء من أجله وهو رد المكروه أو الضرر أو العين عنك أنت أيها الواضع لها أو من هي موضوعة له ، سواءٌ كانت هذه التمائم من القرآن أو من خرزات أو من جلد أو من قماش ونحوه زفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرُقى والتمائم والتِولة شرك " وفي الحديث الآخر  :  " من تعلّق تميمة فلا أتمّ الله له " أي فلا أتم له قصده ومطلوبه وهو الحفظ من شر العين والشياطين ، وفي مسند الإمام أحمد من حديث عُقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليه رهطٌ فبايع تسعة وأمسك عن واحد ، فقال الرهط : يارسول الله : بايعت تسعة وأمسكت عن هذا ! فقال صلى الله عليه وسلم : " إن عليه تميمة " فأدخل الرجل يده فقطعها ، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( من تعلّق تميمة فقد أشرك )  ويقول ابن باز رحمه الله : " العلّة في كون تعليق التمائم من الشرك - والله أعلم - أن من علّقها سيعتقد فيها النفع وتميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها ، ويضعف توكله على الله وحده ، وكل ذلك كافٍ في إنكارها والتحذير منها  " انتهى كلامه .  

عباد الله : قد منع الشرع المطهر من تعليق الرقى من القرآن وهو كلام الله فكيف بغيره لأن من علّق القرآن سيعلق غيره ويفتح على الإنسان باب شرّ وفتنة ولأن الإنسان المعلّق لهذه الأوراق من القرآن لايتعلق بما في القرآن ذاته بل يتعلق بذات التعليق وفي هذا إنصراف للنية عن التعلق بالخالق فأغلق هذا الباب من أصله وهو ينافي التوكل المأمور به فالعبرة بانصراف القلب إلى الخالق جلا وعلا فالله سبحانه يأمر عبده أن يُعلّق قلبه بخالقه وذلك يكون بذكره وقراءة الأوراد الشرعية التي تحفظ العبد من كل مايحذر وهذا نهج الأنبياء والمرسلين والصحابة أجمعين وما روي عن واحد منهم ولا التابعين أنه علق شيئاً من القرآن أو الأحاديث النبوية وفي ذلك برهانٌ على أنهم لايرون ذلك من الدين أصلاً فاللهم احفظنا بالإسلام في كل الأحوال وجنبنا الزيغ والضلال واعصمنا من الجهالة وأفعال الجُهال ياذا الجلال والإكرام  . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله الذي له الدين الخالص والقول الحق والصلاة والسلام على المبعوث بالحنيفية والصدق نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أزكى تحية وأعطر سلام من ربنا الكريم العلام أما بعد : 

عباد الله : فاتقوا الله - عباد الله - كل وسيلة يتوسّل بها إلى الشرك وإن من وسائل الشرك شيء يصنعونه يُسمّى التِوَلة وهو مكون من خرزات تُعلّق يعتقدون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته ولا يتم ذلك أصلاً إلا بذهاب المرأة أو الرجل إلى الساحر أو الكاهن فيطلب منه هذا الأمر سواءاً كان صرفاً أو عطفاً والصرف صرف الرجل عن المرأة أو بالعكس والعطف محبة الرجل لزوجته أو بالعكس ، فعندما يذهب إلى مبتغي هذا الأمر إلى الساحر فيتقرّب بعد ذلك الساحر أو الكاهن إلى الشياطين بما يريدون من وسائل الشرك كذبح طائر أو حيوان ومن ثم يتم التعاقد مع هذه الشياطين فيتسلطون على المرأة أو الرجل فيكرهونه في زوجته أو يحببونه إليها وكذلك يجري على المرأة ذلك وهو نوعٌ من السحر لأن فيه عقد ونفث ، ومن وسائل الشرك العين الزرقاء وهي أشكال وأنواع والتي يضعها بعض الناس في بيته يعتقد أنها تدفع عنه العين والحسد والمشكلة عندما تُصدر مثل هذه الثقافة إلى العامّة من الناس بصفة رسمية إما في صحيفة معينة أو عن طريق برامج التواصل الإجتماعي ولا تكون على سبيل الخفاء والستر وقد شاهد بعضهم مثل هذه الأمور حين سفره لبعض الدول الإسلامية وهذا من أكثر مايُضلُ العوام ويكون برضا شريحة كبيرة من المجتمع  فكيف تُنزع هذه الثقافة من أذهان الناس وقد اصبحت عُرفاً سائراً فويلٌ لمن دعا إلى ضلالة وحرّف دين الله عز وجل وصرف الناس عن عبادة ربهم إلى التعلق بغير الله والإعتماد على غيره وهذا إفسادٌ في الأرض والله ينهى عن الإفساد ولا يُصلح عمل المفسدين ويقول جل وعلا  ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين ) وقولُ الله عز وجل ( إن الله لايُصلح عمل المفسدين ) ولم يقل الفاسدين لأن الفاسد بنفسه يُوفق للتوبة أكثر من المُفسد وضرر المفسد كبير وممتد والمفسد عنده مجاهرة بالمعصية وقد عفي عن هذه الأمة إلا من يُجاهر وباب التوبة مفتوح والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل مالم تطلع الشمس من مغربها فاللهم وفقنا للتوبة النصوح قبل خروج الروح وجنبنا الموبقات من الخطايا والسيئات يارب الأرض والسماوات  . 

الخميس، 12 أغسطس 2021

خطبة عن الإسبال واللباس

 الحمدلله الذي أنعم على عباده بوافر النعم وهو أهل الجود والكرم أوجد عباده من العدم وأسبغ عليهم من ستره وعافيته من نشأته في باطن الرحم إلى انتقاله لبيت الدود والرِّمم والصلاة والسلام على المبعوث لسائر الأمم نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله -عباد الله - فالتقوى من حقّقه كان معصوماً من الموبقات يردُ آمناً في يوم العرصات إلى رب الأرض والسماوات ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون )   ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فُرقاناً ويُكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) . واعلموا - رحمكم الله - أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكلُّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : أنعم الله على ابن آدم نعماً كثيرة منذ أن نزل أبونا آدمَ عليه السلام من الجنة إلى هذه الأرض ومن تلك النعم نعمة الملبس والذي أباح الله لابن آدم لبسه واقتناؤه والزينة التي حث الله على التزين بها مما أباحه الله حيث قال سبحانه : ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعلمون ) وجعل الله ذلك اللباس من آياته سبحانه الدالة على وحدانيته فقال سبحانه :   ( يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) يقيه من الحر ومن البرد ويستر عورته به ويفرق عيشه عن البهائم والحيوان واللباس من الله كرامة لأنه من الطيبات حيث يقول سبحانه :    ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) واللباس حلّة وزينة وأباح الله للإنسان أن يلبس ماشاء وجعل لهذا اللباس ضوابط أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا مالم يُخالطه إسراف أو مخيلة " أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد رحمهم الله وإيانا جميعاً . 

عباد الله : من الضوابط المهمة جداً في اللباس هي أن لايكون الثوب أو القميص مُـسبَلاً فالإسبال في الثياب هو كبيرة من كبائر الذنوب موجب للعذاب والعقوبة من الله لصاحبه إذا لم يتب حيث يُحذر المصطفى عليه الصلاة والسلام من ذلك وتأمل كيف رُتبت هذه العقوبة بأشد أنواع الألفاظ التحذيرية منها لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد حيث قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم ، المسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب  " أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه 

وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماأسفل من الكعبين من الإزار ففي النار "   فانظر كيف توعد الله هذا المسبل بالعذاب الأليم والذي يبدأ من عذاب القبر إلى ويمتدُّ إلى ماشاء الله فهل من معتبر وهل من متعظ معشر المسلمين ، ولو فكرت وتأملت في كيفية التوقي من هذا الأمر لوجدته سهلاً يسيراً فبضعة ريالات تتوقى هذا الأمر والوقوع فيه ولكن ماأضل ابنُ آدم إلا هواه ونفسُه الأمّارة بالسوء وأكثر مايستهين به من الناس من فئة الشباب . 

عباد الله : يعتقد بعض الناس أن من مسبلاً ولم يُصاحب إسباله خيلاء ولا كبر أنه يسلم من وعيد الله وعذابه يوم القيامة وهذا معشر الإخوة اعتقادٌ خاطئ جانب الصواب لمن فقِه في دين الله وتتبّع النصوص الشرعية فالإسبال محرّم بذاته وإن صاحبه كبرٌ أو خيلاء تضاعفت على العبد العقوبة والدليل على ذلك أن الله جمع  التحذير من الإسبال والخيلاء جميعاً في حديث واحدٍ ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج أو لاجناح فيما بينه وبين الكعبين ، ماكان أسفل من الكعبين فهو في النار ، من جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه " أخرجه الإمام أحمد وأبوداود وابن ماجه وقال النووي في المجموع : " إسناده صحيح "  .  

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجلٌ يجرّ إزاره إذ خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة " ولم يُذكر أنه جرّ إزاره خيلاء فدلّ أن الإسبال بذاته محرّم وأما من يستدل بقصة أبي بكر رضي الله عنه حينما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لست ممن يصنع ذلك خيلاء ) فالجواب عليه أن يُقال : إن أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يُسب إزاره أصلاً ولكن مع الحركة ينزل أحد شقي الإزار مع كثرة الحركة بعكس من لبس الثوب الطويل وهو يرى أنه طويل لأنه تعمد الإسبال فأسبل إزاره من اللبسة الأولى ولا يستطيع أن يتعاهده كل مرة وأجاب ابن حجر صاحب كتاب " فتح الباري شرحُ صحيح البخاري " عن هذه الشبهة وقال : " وهذا إن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه على جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم ، وقد يتجه من ناحية التشبه بالنساء وهذا أمكن من الأول وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة ، وقد يتجه المنع من جهة أن لابسه لايأمن من جهة تعلق النجاسة به  " انتهى كلامه  .  

 وتحريم الإسبال يُعتبر من البيّن الواضح حرمته في المسائل الفقهية ومن كبائر الذنوب ومن يتتبّع المشتبه من النصوص لكي يُحل ماحرّم الله أو يحرم ماأحل الله ففي قلبه مرض ومريدٍ للفتنة سواءاً لنفسه أو لغيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر من اتباع المشتبه من النصوص في الحرام خاصة وأن من فعل ذلك فقد وقع في الحرام ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشُبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشُبهات وقع في الحرام ) فالحذر من التهاون في ذلك رزقني الله وإياكم اجتناب المحرمات وعمل الصالحات أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلاة على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واحرصوا كل الحرص على تعويد الأبناء والبنات على اللباس المحتشم والمنضبط بضوابط الشرع ، واحذروا وحذّروا من الألبسة العارية أو التي فيها خدش للحياء والعفة أو فيها نشر للفتنة والرذيلة بين المسلمين ومن يفعل ذلك ويصرّ عليه ويتباهى به في محافل الناس بحضور الجموع من النساء والرجال فإن له نصيبٌ من قول الله تعالى : " إن الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لاتعلمون " . 

وعلى المرء أن يحفظ حياءه وعفته وهذا للرجال والنساء على حد سواء وإن كان في اللباس يُشدد فيه على المرأة أكثر من الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت " . 

ومما ينبغي أن يحرص عليه من يقتني الألبسة أن يحذر من الكلمات الشركية أو الكفرية أو التي تعني الفجور والفسق أو الرموز المحرمة شرعاً في تلك الألبسة التي يشتريها أو أحد أفراد أسرته أو أهله ونحن في زمن ووقت هاجمت فيه الثقافة الغربية تلك الألبسة ونشرت وروّجت لها الشركات المتواطئة معها أو التي لاتؤمن إلا بالمادة والربح على سبيل نشر المنكر ونبذ الأعراف والتقاليد التي أقرها المجتمع المسلم وهذبها الشرع الحنيف ، ومن المفترض أن يعتز المرء بلغته ودينه ولا يسمع للغة غربية أوشرقية أن تخترق كيانه أو كيان أسرته ، لأن من أرخص لغته صار عالة على الأمم الأخرى وانسلخ من هويته وصار تبعاً لتلك الأمة التي تأثر بلغتهم  حتى يتطور به الأمر مع الوقت بسبب تساهله فيتبعهم في عاداتهم وطبائعهم ومن ثم دينهم فاللهم أصلح شباب وبنات المسلمين واحم حوزة الدين وانصر من نصر دينك وكن عوناً لأوليائك حرباً على أعداءك يارب العالمين 



الأحد، 8 أغسطس 2021

خطبة عن تعظيم الصلاة وفتح المحلات حينها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونتذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : يعظ الواعظون ويلحون ، وينبه الناصحون ويسعى الغيورون بكل ماأوتوا من قوّة لتنبيه الخلق وتذكيرهم بشأن ركن الدين الأعظم وعموده المتين ، كل ذلك النصح يتم بالقول الواضح المكين والدليل المبين ، وتجد كثيراً من عباد الله من يتغافل عن عظيم شأن الصلاة ومن يهمشها في حياته أو يبيع ويشتري خلال وقت الصلاة ويتشاغل عنها بأتفه الأسباب ، فيامسلم وياعبدالله من ضيع الصلاة أو تشاغل عنها وأهملها فهذا لاوزن له عند الله ولا يبالي الله به في أي وادٍ هلك وهذه حقيقة من عرفها عرف أنه في هذه الحياة مخلوقٌ لعبادة ربه ومولاه ومن لم يكن الله مولاه فالشيطان وأرباب السوء أولياءه .
هذه الصلاة - ياعباد الله - وصية الله لمن قبلنا ووصية الله لهذه الأمة ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة ) ومن لم تقم له صلاته ولم يقيمها كما أمر الله وشرعَ نبيه عليه الصلاة والسلام لم تقم له أموره وتعسّرت عليه أحواله وخسر دينه ودنياه فياصاحب التجارة وياصاحب العمل وياصاحب المؤسسة وياصاحب المحل يعدك الله بالرزق وحسن العاقبة والأفضل من ذلك مغفرة الذنب وتكفير الخطايا والسيئات إن أقمت صلاتك كما يريد ربك ، وأمرت بها من تحت ولايتك ، ومن يعمل لديك ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
عباد الله : يهون أداء الصلاة والقيام لها والحرص عليها على من كان يخشى الله ويخافه ويتقيه ويرجو ماعند الله ويعلم أنه راجعٌ إليه ومحاسب على أعماله إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ وذلك أن الله يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) فلابد أولاً من الحرص على كل وسيلة تزيد في خشية العبد وتزيد إيمانه وتقواه ومن لم يكن عنده خشية وخوف من الله فإنه لايبالي بضياع هذا الركن العظيم من الدين فأكمل الناس خشية وخوفاً من ربه هو أعظمهم حرصاً على الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت يحرص على الصلاة مع أنه يوعك كما يُوعك رجلان أشداء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتقول عائشة رضي الله عنها كما أورد البخاري رحمه الله : " لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه ، استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي فأذنّ له ، فخرج تخط رجلاه في الأرض - أي من المرض بين عباس ورجل آخر - قال عبيد الله وهو من رواة الحديث : فأخبرت عبدالله - أي ابن عباس - بالذي قالت عائشة ، فقال لي عبدالله بن عباس : " هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة ، قال : قلت : لا ، قال : " هو علي بن أبي طالب " ، وكانت عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تُحدّث أ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا دخل بيتي واشتدّ به وجعه ، قال : " هريقوا علي من سبع قِـرب لم تُحلّ أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس ، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القِرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتُن ، قالت ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم " فتأملوا كيف يحرص على أن يحضر إلى الصلاة مع أنه لايستطيع القيام إلا بمشقة ومساندة من الغير ومع ذلك أمرهم أن يصبوا عليه سبع قرب لم تُحل أفواههن لبرودتهن لكي يحضر الصلاة لكي وينشط للخروج للناس فأين الأصحاء الذين يضيعون هذه الصلاة من أجل تفاهة من تفاهات الدنيا أو تغافلاً وكسلاً ولا تسل عن حرص السلف الصالح في ذلك فقد سُطّر عنهم أروع الأمثلة في حرصهم العظيم على إدراك أول الوقت فضلاً عن تكبيرة الإحرام مع إتمام وضوئها وخشوعها وركوعها وسجودها وسننها ومن ذلك :
* أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رحمه الله صلى وجرحه يثعب دماً
* ماقاله وكيع بن الجراح عن الأعمش قال رحمه الله : " اختلفت إلى الأعمش قريباً من سنتين مارأيته يقضي ركعة "
* وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة أحيا بقيّة ليلته لاينام حتى يصبح .
* ويقول سعيد بن المسيّب رحمنا الله وإياه : " ماأذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد "
* وكان ابراهيم بن ميمون المروزي صائغاً فكان إذا سمع المؤذن يؤذن بالصلاة وفي يده مطرقة وضعها وترك عمله مباشرة وذهب للصلاة .
* ومحمد بن سماعة التيمي مكث أربعين سنة لم تفته تكبيرة الإحرام إلا يوم أن ماتت أمه فصلى خمساً وعشرين صلاة يريد التضعيف .
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي رحمه الله وإيانا أجمعين أن عامر بن عبدالله بن الزبير وهو من كبار التابعين سمع المؤذن لصلاة المغرب وكان في سكرات الموت فقال لمن حوله خذوا بيدي إلى المسجد ، فقالوا له :إنك عليل ، قال : أسمع داعي الله فلا أجيبه ؟ فأخذوا بيده ، فدخل مع الإمام في الصلاة فركع ركعة ثمّ مات رحمه الله .
والأمثلة كثيرة ياعباد الله ولو أردت أن تُحصي بعضاً منها لطال بك المقام ولكن ماالذي قرب أولئك السلف الصالح إلى الله ؟ وصار لهم محاسن تروى في التأريخ ؟ وفي المُقابل ماالذي أبعد الكثير من عباد الله عن الله وعن الحرص على الآخرة التي فيها فصل القضاء والحساب والجزاء والنعيم أو العذاب .
ماقربهم ولا أبعدهم إلا الصلاة والتي هي رأس مال المسلم عند ربه بها الفوز والنجاة أو العذاب والخسران .
ويدلل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول مايحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر " والحديث عند أبي داوود والترمذي والنسائي رحمهم الله وإيانا أجمعين .
فاللهم أيقظنا لتدارك التفريط في الصلوات وأصلح ياكريم قلوبنا وأعمالنا قبل الممات أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل الخطايا والأوزار فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو العزيز الغفار .

=========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم وبارك على الهادي الأمين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله -عباد الله - وخذوا على أنفسكم عهداً بالحرص على هذه الشعيرة العظيمة التي هي الحبل المتين الذي بينك وبين الله فلا تقطعه بالتهاون والكسل أو بترك الصلاة في المسجد ، فالصلاة في المسجد فرضٌ واجب فلا تُقبل صلاة من صلى في بيته إلا من عذر كمرض مقعد وخوف شديد وأما المسافر فهو من أهل الأعذار أيضاً ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عُذر " أخرجه أبوداوود وابن ماجه ، ولم يُرخّص النبي للأعمى الذي أتاه وشكى له أنه لايجد قائد يقوده إلى المسجد بل أمره أن يأتي مع أنه أعمى فكيف يكون حال المبصرين ؟ ويذكر رجلٌ ثقةٌ من أهل هذه المدينة أنه يعرف اثنين كانا آيتين في المحافظة على الصلاة قد كبُرا فعندما كانا لايستطيعان الذهاب للمسجد مشياً أصبحوا يأتون إليها زحفاً على الركب حتى توفاهما الله عز وجل ، فهل لنا في السلف قدوة وفي الصالحين من الخلف ، ومن لم يكن له واعظٌ من نفسه لن تنفعه المواعظ ولا الدروس ( إنما تُنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشرّه بمغفرةٍ وأجر كريم )
صلاة المرء عنوانُ الفلاح * وأصلٌ للسعادة والنجاحِ
فلا يُرجى لمهمـلِها نجاةٌ * ولا فرحٌ وليس بمستراح ِ
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليما : " إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " .

الأربعاء، 28 يوليو 2021

خطبة عن الفرقة التيجانية الصوفية - سلسلة الفرق

الحمدلله الذي هدانا لهذا الدين وما كنا لنتهدي لولا أن هدانا الله وأتم على عباده فضله وهداه وحذّر من التفرق أهل دينه وتقواه فلاإله إلا الله مخلصين له الدين ولا نعبد إلا إياه والصلاة والسلام على رسوله ونبيه وعلى آله وأهل بيته وصحبه وأتباعه وحزبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله -عباد الله -( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ( ياأيها الذين الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
عباد الله : التفرّق في الدين واتباع الحزبيات وأصحاب الفرق سواءاً كانت صوفية أوقبورية أو شركية أو بدعية يتفح شرّاً ويهدم سنّة ويحيي بدعة ويصدع وحدة الأمة ويقوّض بنيانها المتين ولو وقفت على كثير من تلك الفرق لوجدت أنهم يعظمون غير الله كتعظيم الله ويرفعون المخلوق ويقدّسونه كتقديس الخالق سبحانه ويصرفون من أنواع العبادة للأولياء مايحرمُ أن يُصرف لغير الله ومن تلك الفرق التيجانية والتي هي فرقة صوفية تعتقد بأكثر اعتقادات الصوفية ومؤسس الفرقة هو أحمد بن محمد بن المختار التيجاني الذي وُلد في الجزائر في عام 1150 من الهجرة النبوية ويُقال أنه حفظ القرآن وهو صغير ودرس العلوم الشرعية وارتحل في طلب العلم .
وأسس فرقته في أواخر القرن الثاني عشر في حدود عام 1196 هجري ودرّس في ذلك وأسس أصولاً لها حتى كوّن له أتباع ينشرون بدعته وضلالاته والتي منها :
* القول بوحدة الوجود وهذا كفر صُراح وأن الله يتجسد في المخلوق وينبني على هذا القول أن الله يكون في الأرض ويخلو منه العرش وأنه ليس فوق سماواته ومستوٍعلى عرشه ومن المعلوم أن الله فوق سماوته ومستوٍ على عرشه وهو مع الخلق بعلمه لابذاته وهذا هو مذهب أنبياء الله وأتباعهم وماعداه فهو طريق الباطل الذي منتهاه لجهنم وبئس المصير .
* يزعم التيجاني أن من رآه دخل الجنة وأن من رآه يوم الإثنين والجمعة على وجه الخصوص ضمن الجنة كما يدعي وأنه سيدخل الجنة وأتباعه بلا حساب ولا عذاب نسأل الله العافية .
* ويزعم أنه يوضع له يوم القيامة منبر من نور ويُنادى له في يوم الموقف .
* ومنها : يدّعي التيجاني أنه التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم لقاءاً حسياً مادياً وأنه كلمه مشافهة ومعاينة وأنه تعلّم منه - كما يزعم - مايسمّونه صلاة الفتح لما أُغلق وهي قولهم : " اللهم صلّ على محمدٍ الفاتح لما أُغلق ، والخاتمِ لما سبق ، ناصر الحق بالحق ، الهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم " ولهم في صيغة الصلاة هذه اعتقادات يعتقدونها ومن ذلك :
- أن ذكر الواحدة منها تعدل قراءة القرآن ست مرات وقال بعضهم ستة آلاف مرة .
- أنها أفضل من كل ذكر ودعاء وأفضل من كلمة التوحيد ( لاإله إلا الله ) .
- أن من تلى هذه الصيغة المذكورة وقرأها خير ممن لم يقرأها ولو عاش من يقرأها ألف سنة . - يزعمون في هذه الصيغة التي ذكروا أنها من كلام الله وأنها كالحديث القدسي .
- وأن تاليها لايحصل له فضل إلا بعد أن يأخذ الإذن من صاحب السند المتصل إلى التيجاني وإلا لم ينتفع بذلك كما يقرّرون .
- وأن من قرأها مرّة كفّرت ذنوبه وإن كانت من كبار الذنوب .
* ومن أصول طريقتهم أن التيجاني عندهم آخر الأولياء كما أن النبي صلى الله عليه آخر الأنبياء أبان الله فريتهم وعوارهم وكشف الله لعوام المخدوعين زيفهم .
وُيلاحظ من أتباعه كثرة نسبة معرفة الغيب للتيجاني وأن له بصيرة نافذه وعنده علم بأحوال الأصحاب ويكشف له عواقب الحوائج وأحداث الوقائع وغير ذلك من خرافاتهم التي يوهمون بها العامة وتساعدهم أحوال الجهال على نشر دعوتهم وإغراء السطحيين من الناس باتباعهم وتعظيم وليهم .
ومن كذب أتباع التيجاني وافتراءاتهم أنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى التيجاني أن يدعو بأسماء الله الحسنى وأمره أن يدعو بصلاة الفاتح لما أُغلق الآنفة الذكر وكذلك يزعمون أن طائفة من أصحابهم لو وزنوا بأمة محمد لكانوا أفضل منهم فكيف بالولي الأعظم عندهم كما يقولون وأن أتباعهم تخفف عليهم سكرات الموت وأن يُظلون بظل الله تعالى يوم القيامة وحدهم وأنهم يدخلون الجنة مع الزمرة الأولى يوم القيامة وغير ذلك من وحي الشيطان لهم فنسأل الله أن يهدي الضلّال منهم وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم اتباعه ويريهم الباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه وأن يكف إضلالهم للعوام ويرزق المسلمين التمسك بعرى الإسلام إنه ولي ذلك والقادر عليه . . أقوم مانسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي يُضل من يشاء بحكمته ويهدي من يشاء برحمته ، منه النعمة السابغة وله الحكمة البالغة وهو قائم على كل نفس ٍبقدرته والصلاة والسلام على من أرسله الله بمنته نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أكمل الصلوات وأزكى التسليم والتحيات إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من عباد الله من يُضله ويغويه مع أنه من حملة الكتاب والسنة ومن حفاظ الوحيين ولكنه في الواقع كان مستودعاً لهما ولم يفقه مافيهما من علم وبصيرة أو كان عنده هوى يُفسد عليه الهدى والنور الذي قد سعى لجمعه في صدره ، فلم ينتفع بذلك النور الذي حفظه في صدره واستظهره فأظلّه الله لأنه اتخذ إلهه هواه وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة . . وعند تتأمل بعض أرباب الطرق الصوفية كالتيجاني والهرري وغيرهم تجد أنهم من حفظة القرآن وممن لديهم علم بالسنة ولكن لم ينفعهم ذلك لأن عندهم دخل إما شهوة وإما شبهة ويتسرعون بتكفير من خالفهم ، قد زيّن لهم الشيطان أعمالهم فتجد أن الصغير من الناس ممن فهم القرآن يرد عليهم وينتقدهم في مسلّمات وثوابت في الشرع كانوا يحيدون عنها ، فالله ماأنزل على رسوله ماأنزل إلا ليفهم قبل أن يُحفظ ومن سبق بحفظٍ وأهمل التدبر والفهم فهو عُرضة لكل فتنة وعلمٍ خاطئ وسوء فهم وتحميل للنصوص مالاتحتمل أو تفسيرها بغير مراد الله تعالى ، والواجب السؤال عند الإشكال والتباس الأمر وعدم التسرّع في تفسير النصوص ولذا قال الله تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " وأولي الأمر هنا المقصود بهم هم العلماء وأمناء الوحيين الكتاب والسنة وانظروا كيف أشار إلى أن عدم ردِّ المشكلِ من العلم أو المسألة المختلف فيها أو التي يجهلها الناس عدمُ ردّها إلى أهلها وهم العلماء الربانيون أن ذلك يلزم منه إتباع الشيطان وذلك كلّه بسبب الأهواء والإنتصار للرأي ولو كان على غير هدى ونور من الله ولذا قال الله لنبيه : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين ) . . وصلوا وسلموا عباد الله على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عزّ من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 

الأربعاء، 21 يوليو 2021

خطبة عن دروس من حجة النبي صلى الله عليه وسلم

الحمدلله الولي الحميد الكريم المجيد الذي هدى سبُل السلام وأبان منار الإسلام والصلاة والسلام على المبعوث للأنام نبينا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه الكرام الصفوة الأعلام ومن تبعهم واقتفى أثرهم على مدى الأيام خير الصلوات وأزكى السلام أما بعد :
فاتقوا الله ياعباد الله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
عباد الله : مابعث نبي من الأنبياء في كل جيل وفي كل قرن وحقبة من الزمن إلا كان له أصحاب وخلفاء وحواريون يسيرون على نهجه ويقتفون أثره في جميع نسكهم ويأخذون من ذلك الدروس والعبر ويلتمسون الفوائد وسبل العلم والمعرفة من ذلك منهجاً ومعرفة وسلوكاً وحجة النبي صلى الله عليه وسلم - ياعباد الله - فيها من الدروس والعبر الشيء الكثير والجمَّ الغفير من الفرائد والفوائد وإصلاح النفس والسلوك وتهذيب النفوس وجهادها في ذات الله تعالى ولعلنا أن نلتمس منها ماتيسّر في هذه الخطبة نلتمس تلك الفوائد من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه الطويل الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه والذي هو أطول أحاديث السنة فمنها :
* كان تأخير حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة بوحي من الله ولحكمة عظيمة وقد كان بعث النبي صلى الله عليه لأبي بكر في السنة التاسعة مع علي بن أبي طالب رضي الله حتى لايطوف بالبيت عريانٌ ولا مشرك بعد هذا العام وأن من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته ولكي يخلو العام العاشر من الهجرة من أي معاهد ويدخل بقية العرب في دين الله كلهم وينقلوا مناسك الحج والعمرة غضة طرية إلى الأجيال القادمة .
* حرص الصحابة رضي الله عنهم على الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم وشدّة اقتداءهم به وهم قدوة في حرصهم رضي الله عنهم ولذا قال جابر : " ورسول الله بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به " وهو القائل " خذوا عني مناسككم " فدلّ على أن شأن العبادات لابدّ للإنسان فيه من اتباع السنّة وترك الإبتداع لافي نقص ولا زيادة ، ومن زاد أو نقص فعمله عليه مردود وهو عن الحقّ مصدود حتى يدع بدعته .
* ومن ذلك تيسير العبادات على الحائض والنفساء فالمرأة النفساء تستطيع أن تحج وكذلك الحائض غير أن لاتطوف النفساء والحائض بالبيت وتدع الصلاة مدة حيضها ونفاسها وعندما حج النبي صلى الله عليه وسلم حجت معه أسماء بنت عميس رضي الله عنها فولدت ابنها محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصنع ؟ فقال : " اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " .

* ومنها : أن يدعو الحاج أو المعتمر وهو متوجه للكعبة على الصفا والمروة مع الذكر الوارد وليس يقتصر على الذكر الوارد فقط كما يعتقد البعض من الناس .
* ومنها : أن أفضل الأنساك التمتع وهو خيرها وأيسرها حين وجود مدة طويلة بين العمرة والحج ولذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلّ الناس وأخبرهم أن مامنعه من الحلّ إلا أنه ساق الهدي فكانت سنّة يُهتدى بها والتمتع خير الأنساك لمن لم يسق الهدي .
* ومن تلك الفوائد النفيسة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة والحج معاً وقال : " دخلت العمرة في الحج " قال ذلك مرتين أو ثلاثاً وفي رواية " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لأن أهل الجاهلية لايرون جواز أن تدخل العمرة في الحج أبداً ، فإذا دخل شوّال فعلى الرجل إن أراد البيت أن يحج فقط ولا تجوز العمرة عندهم ولذا قال ابن عبّاس رضي الله عنه : " كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور " ولذا قال جابر رضي الله عنه يصف لحظة خروج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم : " لسنا ننوي إلا الحج ، لسنا نعرف العمرة " فصحح رسول الله ذلك النهج الخاطئ وأرشدهم إلى الصواب " .
* ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه وجوب السعي على الحاج بين الصفا والمروة وكان بعض العرب يكره السعي بينهما ويرون انهما من شعائر أهل الجاهلية لوجود صنم على الصفا يقال له " إساف " وعلى المروة آخر يُقال له : " نائلة " كما أخبر بذلك الشعبي وهو من المحدثين والمفسرين رحمه الله وكما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه الذي قال : " كنا نرى ذلك - أي السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا " فأتى الإسلام وأنزل الله في كتابه السعي بينهما حيث قال جل وعلا : " إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوف بهما ومن تطوّع خيراً فإن الله شاكرٌ عليم " وإنما قال " فلا جناح عليه أن يطوّف بهما " على سبيل رفع الحرج كما يظنه السامع لأنهم يعتقدون الحرج والإثم بالسعي بينهما فصحح الإسلام هذا ولذا لمّا قال عروة بن الزبير لعائشة رضي الله عنها : " فوالله ماعلى أحد أن يطوف بهما " ظنّاً منه عدم وجوب ذلك قالت له عائشة رضي الله عنها : " بئسما قلت يابن أختي ، إنها لوكانت على ماأولتها عليه كانت : " فلا جناح عليه ألاّ يطوف بهما ، ولكنها إنما نزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يُهلّون لمناة الطاغية ( الصنم المعروف ) التي كانوا يعبدونها بالمشلل - وهي الآن عند وادي قُديد -وكان من أهلّ لها يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة فأنزل الله الآية الآنفة الذكر 
فاللهم سلّمنا والمسلمين من الشرك صغيره وكبيره والإثم باطنه وظاهره أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============= الخطبة الثانية ==============
الحمدلله هو أهل الثناء والحمد والصلاة والسلام على خير البشر من حرّ وعبد وعلى آله وصحبه أهل الفضائل والسعد ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - فإن أخشى الناس لله هو أعلمهم وأحفظهم هو أفقههم إلا من جمع بين العلم والفقه والفهم فقد نال قصب السبق والنصوص النبوية فيها من الإستنباطات والفوائد التي لاتُحصر لمن حرص عليها وفهمها فأين من يجني الفائدة ويبحث عنها فبعض الفوائد تغيّر حال ابن آدم وتُعليه في عالِ المنازل لأنها أورثته خشية وعلماً واستكمالاً لما في حديث جابر رضي الله عنه من الفوائد والعِبر فقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما خطب في يوم عرفة : " إن دماءكم وأموالكم - وفي رواية  وأعراضكم  عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " يدلل على أن الإنسان إن سُلّم من الجناية في الدم والمال والعرض فقد سلم من موبقات عظيمة وطريق الجنة سهل عليه وميسّر بعكس من لم يسلم فقد أوشك ان يدركه الهلاك ولذا ابتدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم . 
* ومنها أيضاً : كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم دماء الجاهلية كلّها وأمور الجاهلية برمتها وقال : " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هُذيل .  . " فانظروا كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع الشرّ كله تحته قدمه إهانة للشر والكفر الذي كانت عليه أهل الجاهلية وإيقافاً لاستمرار الشر والقتل والفجور في الأرض لكي لايُطالب أحدٌ بالثأر أبداً ويؤجل تلك المظالم ليوم الدين ليقضي الله فيها بين العباد وبدأ بدم أقرب الناس إليه وكان بإمكانه أن يُطالب به ويأمر الناس بقتال هُذيل أو غيرها من القبائل ولا أحدٌ يُخالفه في ذلك ولكنه رسول الله ولا يُخالف أمر ربه سبحانه وتعالى فكان إماماً للمرسلين وقدوة للخلق أجمعين . 
* ومن ذلك أيضاً : أنه لما أتى الموقف جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه وهذا ليعلم أمته التنظيم وإفساح الطريق للمارّة وهو مبدأ سامٍ مهم ماأحوجنا إليه وإلى تطبيقه عملياً في عصرنا هذا الذي كثُر فيه المخالفون والسلبيون وأصحاب الهوى ممن لايُبالي بآداب ولا يعتريه حياء لافي مايختص بنفسه ولا مركبته فتجد أنه إما أن يغلق الطريق أو يؤذي المارّة بمركبة أو وقوف خاطئ أو نحو ذلك فهل نتأدّب بآداب الشرع في هذا الأمر ونعيريه اهتمامنا ، هذا بعضٌ من فوائد وفرائد ذلك الحديث الذي نحن بحاجة لسبر غوره واستخراج فوائده 
فتلك فوائدٌ فيها ضياءُ * وفيها نهج رشدٍ يُستقاءُ 
ومن لايستضيء بنور خير * فمسلكه وذو الجهل سواءُ
نفعنا الله وإياكم بما في الكتاب والسنة من نور وحكمة وهدىً ورحمة ثم صلوا وسلموا على المصطفى الأمين والنور المبين فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 






خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...