الأربعاء، 3 نوفمبر 2021

خطبة استسقاء عامة

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الله فبالتقوى تُنال العطايا وتستدفع البلايا ( ولو أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )  . 

عباد الله : لايُنال ماعند الله من الغيث ولا يستجلب إلا بالإستغفار من الذنوب والكفّ عن فعل الكبائر والسيئات يقول نبي الله هودٌ لقومه : ( وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوّة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ) ويحكي الله قول نوحٍ لقومه : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّاتٍ ويجعل لكم أنهارا ) فالتوبة والإستغفار خير ماترصد لوقت القحط والجدب وخرج عمر بن الخطاب ذات مرّة يستسقي فما زاد على الإستغفار ولمّا قيل له في ذلك قال : " لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يُستنزل لها المطر " وهذا أثر عن الشعبي رواه سعيد بن منصور في سننه  . 

عباد الله : الإستسقاء سنّة قائمة من قديم الزمان وكانت الأمم تستسقي بطرق بعضها باطلٌ ومنكر ، وبعضها حق وسنة شرعها الله وقد استسقى موسى لقومه فسقى الله قومه من عيون نبعت من ظاهر الأرض حيث يقول جل وعلا : ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ٍمشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )  وعند بعض الأمم في أفريقيا وآسيا يجتمعون ويحدثون أهازيج ورقصات يسمونها ( رقصات المطر ) في اعتقاد أولئك أنها سبب لنزول الغيث ، وهذا جهل وخرافة وضلال مبين فالقحط والجدب سببه ذنوب العباد قطعاً كما هو صريح قول الله تعالى : ( وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفواعن كثير ) وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ثوبان أن رسول الله قال : " إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه ولا يرد القَدَر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البرّ " . 

عباد الله : يقول أبي هريرة رضي الله عنه : " إن الحباري - وهي نوعٌ من الطيور - لتموت في وكرها من ظلم الظالم " ويقول الحبر التابعي مجاهد بن جبر رحمه الله وإيانا أجمعين : " إن البهائم تلعن عُصاة بني آدم إذا اشتدّت السَنَة - أي القحط - وأمسك المطر وتقول : هذا بشؤم معصية بني آدم " ويقول عكرمة تلميذ ابن عباس رضي الله عنه : " دواب الأرض وهوامها حتى الخنافسُ والعقارب يقولون : " منعنا القطر بذنوب بني آدم " .

عباد الله : منع الزكاة ونقص المكيال والميزان ذنبٌ عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب لانجاة للعبد ولا غيث ينزل من السماء إلا بالتوبة من ذلك والإقلاع عن هذه الطامّة والكبيرة التي ضررها ليس قاصراً على العاصي وإنما يمتدّ ضررها إلى الغير  وفي حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يامعشر المهاجرين ، خمسٌ إذا ابتُليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهنّ : 

لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطّ حتّى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا .

ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدّة المؤنة وجور السُلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولا البهائم لم يُمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدّوا من غيرهم فأخذوا بعض مافي أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيّروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " 

عباد الله : من نعمة الله على ابن آدم أنه يُعجّل له العقوبة في الدُنيا ولا يمتّعه في هذه الحياة متاع المنافقين والكفار ثمّ يأخذهم فلا يُفلتهم في عذاب دائم لاينقطع ولا يزول ولا عنهم يحول ، ومن مُتّع في هذه الحياة الدنيا وهو مقيمٌ على معصية الله فإن هذا استدراجٌ من الله للعبد ، ففي حديث عُقبة بن عامرٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا رأيت الله يُعطي العبد مايُحبّ وهو مُقيمٌ على معاصيه فإنما ذلك له منه استدراج ، ثم نزع هذه الآية : ( فلمّا نسوا ماذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذاهم مبلسون * فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدلله رب العالمين ) رواه الطبراني وصححه الألباني . 

عباد الله : يُستحسن في صلاة الإستسقاء إخراج الضعفاء للصلاة والدعاء وأمرهم بذلك ممن يستطيع منهم وهو أقرب للإجابة وأجدر لقبول الدعاء وتعجيل الرزق والغيث ففي حديث أبي الدرداء عويمر بن زيد وقيل عويمر بن عامر رضي الله عنه أنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أبغوني الضعفاء - أي اطلبوا لي الضعفاء - فإنما تُنصرون وتُرزقون بضعفاءكم ) أخرجه أبوداوود بسننه وصححه جمعٌ من أهل العلم  ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

================ الخطبة الثانية ================

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد : 

عباد الله : اتقوا الله تعالى فالله قريبٌ ممن يتقيه وابذلوا من أموالكم وأحسنوا إلى العباد فإن رحمة الله قريبٌ من المحسنين ولا ييأسن أحدكم من الرحمة فاليأس من رحمة الله وروحه من صفات أهل الضلال والكفر حيث قال سبحانه على لسان يعقوب : ( ولاتيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) وذكر سبحانه لكي يرغّب العباد في الإنابة والرجوع إليه ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثمّ لاتنصرون ) 

فاللهم ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين ) اللهم اغفر لنا ماقدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلمنا وما أنت أعلم به منّا أنت المُقدّم وأنت المؤخر لاإله إلا أنت اللهم إنك ترى مكاننا وتسمع كلامنا وتعلم سّرنا وعلانيتنا ، لايخفى عليك شيء من أمرنا نحن البؤساء الفقراء ، المستغيثون المستجيرون الوجلون المشفقون المقرون المعترفون بذنوبهم  ، اللهم فلاتجعلنا بدعائك أشقياء ، واجعلنا من عبادك الأتقياء ، وكن بنا رؤوفاً رحيما ياخير المسؤولين وياخير المعطين يار ب العالمين 

اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا 

اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت 

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق ، اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا . . 

" اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً طَبَــقاً مجللاً عاجلاً غير رائث نافعاً غير ضار عامّاً سحا دائماً  " يارب العالمين 

عباد الله : اقتدوا بنبيكم واقلبوا أرديتكم فقد كان عليه الصلاة والسلام يقلب ردائه استكانة لله وتضرعاً لعل الله أن يبدل الحال ويُغيث العباد والبلاد إنه كريمٌ جواد  . 

الأربعاء، 29 سبتمبر 2021

خطبة عن فضل قراءة القرآن والقيام به وشفاعته لصاحبه

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن مما يؤسف في زمننا هذا ويحزن القلب ويؤنب الضمير ويجلب للنفس الكدر عندما ترى الكثير من عباد الله علاقته بكلام الله علاقة سطحية غير وثيقة وكذلك عندما ترى الكثير منهم هاجرٌ للقرآن فلا تجدُ للقرآن أي أثر على سلوكه وتصرفاته ولا على تربية أبناءه وأولاده ولا ينعكس على تعامله مع عامة الناس وكأنه لايحفظ من كلام الله إلا فاتحة الكتاب ولا يُقيم القرآن في كثيرٍ من شؤونه حتى في صلاته وبالنسبة لهجر قراءته لاتجد أنه يعرف القرآن إلا في رمضان من الحول إلى الحول فبالله من أين يأتي الفلاح لهذا الرجل ؟ ومن أين سيعرف أحكام الدين البدائية فضلاً عن أحكامها الثانوية والتشريعية ، فالبعض مهمّشٌ كتاب الله في حياته وكأنه لايعنيه ولم يُنزل للناس كافّة .
أيها المسلمون : كتاب الله هدى ورحمة يهدي من الضلالة ويدفع الغواية والجهالة ورحمة لعباد الله لمن تمسك به وينتهي بصاحبه إلى جنات النعيم وهو حبل الله المتين المدود بين عباده وهو العروة الوثيقة للنجاة من الفتن فيه نبأ ماقبلنا وخبر مابعنا وحكم مابيننا وهو الفصل ليس بالهزل ( إنه لقولٌ فصل * وماهو بالهزل ) من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله وهو الذكر الحكيم والصراط المستقيم الذي يهدي لأقوم سبيل ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً ) لاتزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يَخلِق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه يتفتق عن أفصح عبارة وعن أقوى حجة وأبلغ بيان وهو الذي تعجبت الجن من سماعه فانطلقوا إلى قومهم يقولون : ( . . إنا سمعنا قرآناً عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشركَ بربنا أحدا ) فمن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ومن عمل به وتلاه أُجر وأثيب ، قد وصفه الله بالبركة حيث قال سبحانه : ( وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ) .

عبادالله : البيت الذي يُقرأ فيه القرآن ليكثر خيره ويتسع بأهله وتحضره الملائكة وتخرج من ذلك البيت الشياطين والعكس بالعكس فإن البيت الذي يهجر أهله القرآن ولايُقرأ فيه ليقل خيره ويضيق بأهله وتدخله الشياطين وتخرج منه الملائكة وهذا الكلام يردده السلف الصالح مع مافي كتاب الله من الشفاء والنور والموعظة والعبرة ( ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين ) ( وننزّلُ من القرآن ماهو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ) وهو كتابٌ عظيم يشفع لأصحابه الذين يديمون تلاوته ويعملون به وفي الحديث الصحيح : " اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه " ويُحاج عن صاحبه وتُحاجان بالخصوص سورة البقرة وآل عمران ففي حديث النوّاس بن سمعان رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدُمُه سورة البقرة وآل عمران تُحاجّان عن صاحبهما " .
وهاتان السورتان - أي البقرة وآل عمران - تسميان الزهراوين فلو أن المسلم إذا عجز عن حفظ القرآن كاملاً حفظ هاتين السورتين وعمل بهما لنال أجراً عظيماً لأنهما ورد في فضلهما على وجه الخصوص أدلّة متقاربة اللفظ ومنها حديث أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهم فِرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما " رواه مسلم في صحيحه وفي تبشير القرآن لصاحبه في الآخرة ورد حديث بُريدة بن الحُصيب الذي في مسند أحمد وسنن ابن ماجه أنه - رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن القرآن يلقى صاحبه حين ينشق عنه القبر يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : ماأعرفك ، فيقول : أنا صحابك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة ، فيعطى الملك بيمينه والخُلد بشماله ، ويُوضع على رأسه تاج الوقار ، ويُكسى والداه حلّتين لايقوم لهما أهل الدُنيا ، فيقول : بم كُسينا هذه ؟ فيقول بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يُقال له اقرأ واصعد في درجة الجنة وغُرَفها فهو في صعود مادام يقرأ هذاً كان أو ترتيلا " وصدق ربنا حين قال :
( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدَهم من فضله إنه غفورٌ شكور )

عبادالله : كلٌ منّا يريد أن يكون من المقربين إلى الله المنافسين على أعالي المنازل في جنة الرحمن وذلك عملٌ يسير لمن أراد الله رفعته وتقريبه وذلك أن تحرص أن تكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام : ( أهل القرآن هم أهل الله وخاصّتُه ) كما أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في صحيحه ، فهل كنت يوماً من الأيام معلماً إن استطعت ذلك ؟ أو حاثّاً على ذلك أو متعلماً أوناشراً لكل مايخص كتاب الله لتشارك في هذا الفضل وينتشر الإهتمام بين المسلمين في هذا الشأن ، فما رأينا من قصور في العبادات أو المعاملات بين المسلمين أو مقارفة للمعاصي والسيئات أو تسلطٍ للأعداء على هذه الأمة إلا بسبب بعدهم عن دين الله وكتاب ربهم فاللهم رُد ضالّ المسلمين إليك ردّاً جميلا ، واهدنا إلى كل مافيه خيرٌ لنا في ديننا ودنيانا ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=================== الخطبة الثانية =================

الحمدلله رب الأرباب وخالق الخلق من تراب الذي علم الفرقان والكتاب وأرسل رسوله بالهدى وفاضل الأخلاق والآداب والصلاة والسلام على النبي والأصحاب ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم للحساب أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - وأكثروا من التقرب لله بكلامه والتقرب لله بكلامه - بالجملة - أفضل من التقرب لله بذكره وكلاهما عملٌ جليل فاضل فيه السباق والتنافس على مرضاة الله تعالى والفوز برفيع المقامات عنده جل وعلا ، ولذا ورد عن خبّاب بن الأرت الصحابي الجليل رضي الله عنه أنه قال : " تقرب إلى الله مااستطعت ، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحبُ إليه من كلامه " .
عباد الله عنِيَ السلف الصالح رضوان الله عليهم بحفظ كتاب الله ومدارسته في المساجد والحلقات القرآنية منذ زمن المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا وكان السلف يحرصون أشد الحرص على تعليم أبناءهم كتاب الله منذ الصغر ليتفرّغ لتدريسه حال الكِبر ولينفع أهله ونفسه ويقوم به في الليل وكل ذلك في حال الأمن وفي حال الخوف ومن أعجب القصَص التي تُبشّر وتُفرح المؤمن ما حدث في بعض دول جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت تحت الحكم الروسي الظالم حين عانى المسلمون من البطش الروسي والقمعي وإزالة مظاهر الإسلام بالقوة والنار ومع ذلك لم ييأس الكثير من المسلمين في تلك البلاد بل حفروا سراديب تحت الأرض وكونوا لهم غرفاً ومغارات يعيشون فيها وأنشأوا لهم مدارسَ وحلقات تحت الأرض يعلمون فيها أبناءهم حتى أن بعضُهم يجعل ابنه في تلك الحلقة ويغيب عنه زمناً طويلاً ومن ثم يعود إليه وقد أتمّ حفظ كتاب الله تعالى ، فهل لنا فيهم عبرة وعظة ؟ وأولادنا اليوم لديهم من وسائل العيش والراحة والتقنية الحديثة ومع ذلك تجد أن لديه من الضعف والجهل ماتعجبُ له فأين الوعي وأين العطاء من الآباء والأمهات ؟ ومتابعة التعليم للأبناء والبنات ؟
عباد الله : في مدارسنا هذا اليوم عانى الطلاب والمعلمون من فاقد تعليمي لم يتم تحصيله من قِبل الطلاب بالجملة وهي مسؤولية مشتركة بين الجميع سواءاً كان ولي أمر أو معلمٌ أو طالب واليوم وبعد انطلاق أنشطة جمعيات تحفيظ القرآن الكريم تحث الجمعية أولياء الأمور على حث أبناءهم على الإلتحاق بالحلقات القرآنية سواءاً كان ذلك عن بُعد أو حضورياً في حال توفر ذلك وكل ذلك سدّاً للضعف الدراسي في القرآن الكريم خاصّة وفي هذه السنة تمّ إطلاق برنامجٍ قرآني للمتقاعدين ولأول مرة فنهيب بالجميع الحرص على مثل هذه البرامج والحلقات النافعة أو الحث عليها لمن يعول وكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته .

الخميس، 23 سبتمبر 2021

خطبة عن آيات الله ودلائل قدرته

الحمد لله الذي شهد بوحدانيته أهل السماوات والأرضين وعنت الوجوه له وهو القوي المتين وأرسل رسوله الأمين إلى الثقلين أجمعين والصلاة والسلام على الرسول المبين الذي أبان الله به دعائم الدين وأضاء به درب السالكين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل واليقين وعلى من تبعهم بإحسانٍ في كل وقتٍ وحين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنت مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
واعلموا عباد الله أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : قدرة الله تعالى وهيمنته على العوالم العلوية والسفلية يتبين للمؤمن من خلال التفكر والإعتبار وذلك أن مقاييس البشر غالباً ماتكون مادية في حياتهم ومن خلال تلك المقاييس المادية تتبين قدرة الله وعظمته وأنها تفوق تصورات البشر ومقاييسهم ولكن تستخدم هذه المقاييس لإدراك بعض تلك القدرة وثمرة ذلك حصول الخشية والخوف من الله جل وعلا وزيادة الإيمان فهذا هو المحصلة النهائية لكل تأمل وتفكر وعلم مادي معاصر وبالتأمل والتفكر والعلم تُعرف سنة الله في الحياة وسننه الكونية والطبيعية والشرعية فيحذر من أسباب العقوبات المرتبة على تلك السنن ولما ذكر الله المنافقين في سورة الأحزاب وأنهم استحقوا الطرد من الرحمة والعذاب بسبب أفعالهم وقبحها وشناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أولياء الله عامة قال الله بعدها : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ولما ذكر الله إخراج قريش للنبي صلى الله عليه وسلم من مكة حيث قال : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لايلبثون خلافك إلا قليلاً ) ومعنى ذلك أن إخراجهم إياك لايلبثون بعده إلا قليلاً وقد وقع ذلك فجاءت غزوة بدر وقُتل فيها صناديد المشركين وذلك بعد مدة قليلة من إخراجه صلى الله عليه وسلم من مكة ، والشاهد في ذلك قول الله تعالى حيث قال : ( سنّة من قد أرسلنا قبلك من رُسلنا ولن تجد لسنّتنا تحويلا ) ، ولمّا ذكر الله فرار الكفار حين قتال المؤمنين قال فيهم : ( ولو قاتلكم الذين كفروا للّوا الأدبار ثمّ لايجدون وليّاً ولا نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) وغير ذلك من المواضع التي مضت فيها سنة الله على العباد في جميع ماسنّه من أمور . عباد الله : من دلالئل قدرة الله في الكون السعة المطلقة التي ذكرها الله في كتابه حيث قال جلّ وعلا : ( والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون ) فخلق السماء وسعتها لايعلم مداها إلا الله جلّ جلاله وعندما تنظر إلى سعة الخلق تعرف أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس حيث ذكر الله ذلك فقال جل شأنه : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لايعلمون ) وعندما تنظر إلى عالم الملائكة تجد عجباً وحملة العرش على وجه الخصوص من أعظم ماخلقهم الله ففي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أُذن لي أن أُحدّث عن ملكٍ من ملائكة الله من حملة العرش ، إن مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " والحديث صحيح أخرجه ابوداوود في سننه .

عباد الله : ومن عِظم خلق الله السماوات السبع والمسافات بينهما وفي أثر رواه زرّ بن حبيش عن ابن مسعود رضي الله قال : " بين السماء والدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين العرش والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله فوق العرش لايخفى عليه شيءٌ من أعمالكم " رواه ابن خزيمة في كتابه " التوحيد " والبيهقي في " الأسماء والصفات " وهذا الأثر من أصح الآثار التي رويت في المسافة بين الأرض والسماء وبين كل سماء وسماء وقد رويت في ذلك أحاديث فيها ضعف لايُعتمد عليها .

عباد الله : وأما الكرسي فهو من أعظم المخلوقات بعد العرش وهو موضع قدمي الرب جل وعلا والعرش هو سرير الملك وليس كسرر بني آدم التي نعهدها ولله المثل الأعلى وقد أخرج ابن أبي شيبة في كتابه " العرش " واللفظ له ، وابن حبان في صحيحه وأبو نُعيم في " حلية الأولياء " من حديث أبي ذر ٍالغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقةٍ مُلقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) .

عباد الله : الأرض وما فيها من جبال وأنهار وبحار فيها من عجيب صنع الله الكثير والله في كتابه كثيراً مايأمر بالسير في الأرض لينظر الناس بأبصارهم ويعتبروا بقلوبهم ويعقلوا بها ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وأكثر مايأمر في هذا الشأن بالنظر إلى عاقبة من قبلنا من الأمم ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشدّ قوة وآثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون ) .
وعندما تنظر إلى الجبال التي جعلها الله أوتاداً في الأرض تجد أن أكثر كتلة الجبل في الأرض بل مايظهر من الجبل في بعض الأحيان إلا مانسبته واحد في المائة وفي بعضها خمسة في المائة وهذا هو معنى جعل الجبال أوتاداً للأرض يمسكونها حتى لاتضطرب وتتحرك وتميد بأهلها ( وجعل فيها رواسي أن تميد بكم . . ) .
وأما عالم البحار ففيه من أمم الحيوان مالايحصيه إلا الله وقد ذكرت إحصائية بأن عدد أنواع الأسماك في البحار يتجاوز الثلاثون ألف نوع غيرَ مافيه من الأنواع الأخرى من الكائنات الحية والماء يُغطي أكثر الأرض كما تعلمون والبحر فيه من الأسرار مالم يكتشفه الإنسان إلى اليوم ومازال علماء البحار يكشفون في أوقاتٍ متفاوتة مايبهر الألباب فسبحان من يخلق مايشاء ويفعل مايريد بديع السماوات والأرض إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون .
أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============== الخطبة الثانية ==============

الحمدلله الذي عنت له الوجوه في سائر الأزمان وخشيَه أهل التُقى والإيمان أحمده وهو الكريم الرحمن وأصلي وأسلم على النبي ملء الأفق والأكوان عليه وعلى آله وصحبه أزكى وأتمُ الصلاة والسلام بلا نقصان أما بعد :

إن التأمل والتفكر في دلائل قدرة الله ووحدانيته يزيد العبد ارتباطاً بربه ويجعله يتعلق به ولا يتعلق بغيره من المخلوقين الذين لايملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيرهم ومن آيات الله التي ذكرها في كتابه الكريم اختلاف الألسنة يقول سبحانه ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لَآياتٍ للعالمين ) واختلاف الألسنة أمر معجز وعجيب ولاتجد من يحيط بهذه الألسنة واللغات كلها أبداً وهذا يدل على سعة علم الله وسعة سمعه فالقريب والبعيد والمتكلم والصامت والتحدث بلغة الإشارة أو بلغة معلومة أو غير معلومة كلهم عند الله سواء أحاط سبحانه بأقوالهم وأعمالهم وهمساتهم ونياتهم ومقاصدهم بما لاتستطيع أي آلهة فعله ( أإله مع الله تعالى الله عما يشركون) ( أإلهٌ مع الله بل أكثرهم لايعلمون ) ( أإلهٌ مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) .

عباد الله : ومن آياته سبحانه - أيضاً - التي تبين حقيقة البعث والنشور إحياء الأرض المجدبة الميّتة بعد نزول المطر والغيث فتأمل ذلك العشب الميت وذلك الهشيم الذي تذروه الرياح تعود بذوره فتبنت من جديد بعد أن تفرقت في الأرض وكذلك بذرة بني آدم بعدما يرِمّ وهي مايُسمّى كما ورد في السنة بعجبِ الذنب الذي لايفنى أبداً وفيه يركب خلق ابن آدم في الآخرة وفي ذلك أعظم دليل على منكري البعث من الملحدين أو اللادينيين حيث يقول جل وعلا : ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعةفإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ) فاللهم اجعلنا ممن يؤمن بك حق الإيمان واجعلنا ممن يخشاك كأنه يراك ومن أهل الإحسان يالطيف يامنّان ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . . .

الجمعة، 10 سبتمبر 2021

خطبة عن بلاغة القرآن وإعجازه

الحمدلله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، وأسبغ به النعمة على عباده إنه كان حليماً قديرا نحمده حمداً كثيراً ونشكره وهو أهل الثناء والمجد إنه كان بعباده خبيراً بصيرا والصلاة والسلام على نبي الرحمة ورسول الأمة الذي أرسله إلى الثقلين داعياً وسراجاً منيراً فسهل به ماكان عسيراً وبعثه بالحنيفية السمحة وقوّض الله به الشرك والوثنية وكان ذلك على الله يسيرا أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محمدثة في دين الله بدعة وكلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار ) .
عباد الله : أنزل الله عز وجل هذا القرآن العظيم ليكون نبراساً ونوراً ومشعلاً وهدىً ورحمة لهذه الأمة والأمم القادمة والأجيال المقبلة إلى ماشاء الله وجعل هذا الكتاب هو الكتاب الخاتم لجميع الكتب السماوية السابقة وهو مهيمنٌ عليها جميعاً حيث قال سبحانه : ( وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومُهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عمّا جاءك من الحق لكلٍ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) . وإذا كان القرآن مهيمناً على الكتب السابقة لزم أن يكون حاوياً للكثير من الأخبار والقَصص والكثير من الإعجاز العلمي والأسلوب البلاغي والأحكام وكل مايحتاجه الإنسان إلى أن تقوم الساعة فهو الكتاب الآخِر ولا إنزال بعده كما أن النبيَ صلى الله عليه وسلم هو النبي الآخِر ولا نبي بعده ولذا في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامنَ الأنبياء من نبي إلا أوتي من الآيات ماآمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " .
ومعنى ذلك أن آيات الأنبياء ومعجزاتهم كانت انقرضت وذهبت بذهاب الأنبياء وأقوامهم ممن سبق ولم يُشاهدها إلا من حضرها بحضرتهم وأما معجزة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهي القرآن المحفوظ إلى يوم القيامة فلزم ذلك أن يحوي من الآيات والمعجزات على مرّ السنين ، ولذا اختار ابن حجر في الفتح ونقل قولاً ومكملاً لما سبق حيث ذكر بأن المعجزات الماضية كانت حسيّة تُشاهد بالإبصار كناقة صالح وعصا موسى وأن معجزة القرآن تُشاهد بالبصيرة فيكون من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أكثر لأن الذي يُشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مُشَاهده والذي يُشاهد بعين العقل باقٍ يُشاهده كل من جاء بعد الأول مستمراً " وقال أيضاً : " وليس المراد حصر مُعجزاته فيهن ولا أنه لم يؤت - أي النبي صلى الله عليه وسلم - من المعجزات ماأوتي من تقدمه ، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختُص بها دون غيره " .
عباد الله : كان رجاء النبي صلى الله عليه وسلم في كونه أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة متحققاً وذلك لخلود كتاب الله واطلاع الأجيال عليه من بعد جيل الصحابة إلى يومنا هذا وإلى ماشاء الله لآخر الزمان ويدلل لذلك ماورد في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة " بل في الحديث الصحيح الآخر الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله وابن ماجه أن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة فقد روى الصحابي الجليل بُريدة بن الحُصيب الأسلمي رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم " والحديث صححه الألباني وقال الأرنؤوط : " أن اسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح "
عباد الله : لما كان كتاب الله معجزاً بذاته وبلاغته وفصاحته وأسلوبه كان لابد أن نقف على بعضٍ من هذه الأساليب التي يفرق الله بها كلامه عن كلام البشر مع مافيه من انجذاب النفس أياً كانت مسلمة أو كافرة وإحساسها بالراحة حين سماعه وقد جُرّب ذلك مع خلق كثير من عقلاء البشر من الكفار والملحدين وأهل الشرك وغيرهم والأساليب البلاغية في كتاب الله لاتنحصر وأكثرها تتجلى في الأمثلة والتشبيه وعموم الألفاظ وتقديمها وتأخيرها واستخدام الأفعال بانتقاء والإستعارة والجناس والطباق واستخدام الإسفهام بأساليبه المختلفة وأساليب التأكيد بأدواته ولعلنا أن نورد مثالاً لتلك الأساليب فمن ذلك :
* قول الله تعالى : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . . .) الآية وفي المقابل : ( ومثلُ الله مثلاً كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار . . ) الآية ، والله ضرب هذا المثل لكي تتأمل أثر الكلمة على النفس حيث شبهها الله بالشجرة التي تنمو وتزداد ويطول نموها ومن ثم تؤتي ثمارها وكذلك أثر الكلمة على النفس فمن قال تلك الكلمة إن كانت طيبة وموجهة لتلك النفس كان لها الأثر لو بعد حين وإن كانت كلمة خبيثة موجهة لنفس كان لها الأثر السيء والتبعات في المعاملة فالكلام ياعباد الله لابد أن يكون بميزان واعتدال وملاطفة .
* وفي عموم الألفاظ في القرآن وهو كثير - قال جلا وعلا : ( ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر ) فعمم التكاثر ليشمل كل مايحرص الإنسان على كثرته من الذريّة والبيوت والنساء والنقد والعقار وغير ذلك
* وفي التقديم والتأخير قال سبحانه :( وهو العزير الحكيم ) فقدّم العزة على الحكمة أو الحكم لأنه سبحانه عزّ فحكم ويقدم سبحانه بعض أسمائه على بعض لسياق معيّن وذلك منتشر في المتاب العزيز وقال في الأوامر : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبيرٌ بما يصنعون ) فأمر بغض البصر أولاً وقدّمه على حفظ الفرج لأن البصر هو السبيل لإثارة الشهوات فكان تقديمه أنسب .
* وفي استخدام الأفعال والتبديل بين البناء فيها للمجهول أو للمعلوم للفت انتباه السامع للمعنى والمقصود قال تعالى : ( ويُطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا ) وقال في آية أخرى : ( ويطوف عليهم ولدان مخلدون ) فلما كان المقصود الآنية في الآية الأولى بنى الفعل للمجهول ولم يُظهر الفاعل وفي الآية الثانية لمّا كان لفت الناظر إلى الخدم وهم الولدان المخلدون بنى الفعل للمعلوم وله في كتاب الله نظائر وأشباه .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=============== الخطبة الثانية ================

الحمدلله رب المثاني والقرآن العظيم أحمده وهو العلي الحكيم وأصلي وأسلم على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ودخول دار النعيم أما بعد :
عباد الله : من الأسايب البلاغية في القرآن مايسمى في علم البلاغة بالإستعارة مثل قول الله تعالى : ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون ) والسلخ عادة يكون للشاة فاستعمل هذا المعنى في سلخ النهار من الليل لأن كلا الوجهين وهما سلخ الجلد وسلخ النهار متقاربين بالطريقة والكيفية وكذلك قوله تعالى : ( والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس ) والعس هو حراسة الليل من قِبل أفراد الحراسة والشرطة خفية وعسعسة الذئب طوافه ليلاً وطلبه لفريسته بتدرج متخفياً وهذا في الليل متحقق فإنه يأتي خفية بتدرج ولا يباغت مباشرة وذكر في الصبح أنه يتنفس فشبهه بالكائن الحي الذي فُـك قيده أو كتمت أنفاسه والصبح تحرر من الظلمة التي تغلب على الكون السفلي وهذا الأسلوب من أبدع صور الجمال والبلاغة في كتاب الله .
وللجناس في كتاب الله أمثلة والمراد بالجناس تشابه كلمتين في اللفظ مع اختلاف في المعنى مثل قول الله تعالى : ( ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون مالبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ) فالساعة في قوله ويوم تقوم الساعة غير لفظة ساعة وهي البرهة من الزمن ، ومثله قول الله تعالى : ( والتفت الساق بالساق * إلى ربّك يومئذٍ المساق ) فهناك فرقٌ بين الساق والمساق وكلاهما لفظان مشتبهان في اللفظ ومختلفان في المعنى مع أن جذرهما واحد في اللغة وهو السين والقاف وكذلك قول الله تعالى : ( وجوهٌ يومئذٍ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) فناضرة في الأولى وناظرة في الثانية متقاربان لفظاً ومختلفان معنى فهناك فرق بين النضارة وهي الحسن والنظر وهو المشاهدة والرؤية .
والطباق وهو مقرونٌ مع الجناس عادة في كلام أهل اللغة ويعني الجمع بين معنيين متقابلين أو متضادين في سياق واحد في الآية مثلما قال الله تعالى عن أهل الكهف : ( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود . . ) الآية وقول الله تعالى في الواقعة : ( خافضة رافعة ) وكذلك عندما قال عن ذاته العليه : ( وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا * وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تُمنى ) وغير ذلك من المحسنات البديعية في كتاب الله تعالى .
وقال في الإستفهام وهو بابٌ واسع في كتاب ربنا العزيز قال : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ماأنزل الله قالوا بل نتبع ماألفينا عليه آبائنا أولو كان أباؤهم لايعلمون شيئاً ولا يهتدون ) فانظر إلى الإستفهام الإنكاري وحث المخالف على التبصر فيما يفعل وكذلك قول الله تعالى : ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون * أثمّ إذا ماوقع آمنتم به الْآن وقد كنتم به تسعجلون ) فانظر كيف ردُّه بتوبيخ وإنكار على المخالف وعلى من كفر بعذاب الله تعالى باستفهامين قارعين للقلوب بأرفع خطاب وأبدع فصاحة ( أثمّ إذا ماوقع آمنتم به ) وقوله ( الْآن وقد كنتم به تستعجلون ) وفي التأكيد قال جلا وعلا عن كتابه الكريم : ( وإنه لتكرةٌ للمتقين * وإنا لنعلم أن منكم مكذبين * وإنه لحسرة على الكافرين * وإنه لحق اليقين ) وقوله أيضاً : ( فإن مع العسر يُسرا * إن مع العسر يسرا ) وكذلك قوله سبحانه : ( كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون ) والتأكيد يأتي في كتاب الله لعدة أغراض منها : تأكيد المعنى ، وتعديد الأوصاف والتسلية والوعيد للمخالف وغير ذلك من الأغراض فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا ، اللهم ذكرنا منه مانُسيّنا وعلمنا منه ماجهلنا وارزقنا تلاوته آناء الليل وآناء النهار على الوجه الذي يُرضيك عنّا . . وصلوا وسلموا على نبي الرحمة حيث أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .

الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

خطبة عن التمائم والشركيات

الحمدلله الذي له المقام الرفيع وهو العلي السميع أثاب برحمته كلُّ عبدٍ مطيع وأذل كل فاسقٍ وضيع والصلاة والسلام على عبده الشفيع نبينا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه صلاة الجميع ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أزكى الصلوات والتسليم من ربنا الكريم أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون المتعلقون بربهم المحققون للإيمان واليقين الراسخون على ثوابت الدين   ( ومن يتق الله يكفّر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) ( ومن يخشَ الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون )        

عباد الله : صفاء العقيدة وخلوصها من الشرك من أوجب الواجبات وأعلى الضروريات ومن صفت عقيدته وخلُصت عبادته فهو في أعلى المقامات وأرفع المنازل والدرجات وعلى العكس من ذلك فمن لم تصفو عقيدته ولم تخلص عبادته وكان صاحب شرك ورياء أو مبتلاً بالشرك الأكبر فإن الله جلا وعلا لايبالي به في أي وادٍ هلك ( ومن يُشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطه الطير أو تهوي به الريح في مكانٍ  سحيق ) فما أهون المشرك على الله فهو عبدٌ محروم من الرحمة بجرمه العظيم وبذلك الذنب الذي يستصغره وهو عند الله عظيم    ( إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) والشرك من أعظم الظلم للنفس وأكبر الأبواب الذي به يتخلّى الرب عن عبده ( إن الشرك لظلمٌ عظيم ) وذلك أن الشرك  خطيئة كبرى في حق الله ولو تأملت قول الله تعالى : ( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانُكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعقلون ) فهل ترضى أن يكون لك شريك في ملكك الخاص بك يتصرّف فيه كتصرفك أنت ، فمادام أنك لاترضى ذلك فكيف ترضاه في حق الله ( ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ) . 

عباد الله : كل وسيلة موصلة إلى الشرك فلها حكم الشرك نفسه في التحريم والتجريم ولذا في شرع الله قاعدة وهي :    ( الوسائل لها حكم المقاصد ) ولذا كانت التمائم والمعلقات الشركية محرمة لأنها وسيلة من وسائل الشرك فليس العبرة بخيط تُعلقه على رقبتك أو خرزات تضعها في سيارتك أو خرقة سواء يضعها بعض الناس في شاحنته ولكن المحظور في ذلك القصد الذي تضع هذه الأشياء من أجله وهو رد المكروه أو الضرر أو العين عنك أنت أيها الواضع لها أو من هي موضوعة له ، سواءٌ كانت هذه التمائم من القرآن أو من خرزات أو من جلد أو من قماش ونحوه زفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرُقى والتمائم والتِولة شرك " وفي الحديث الآخر  :  " من تعلّق تميمة فلا أتمّ الله له " أي فلا أتم له قصده ومطلوبه وهو الحفظ من شر العين والشياطين ، وفي مسند الإمام أحمد من حديث عُقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل عليه رهطٌ فبايع تسعة وأمسك عن واحد ، فقال الرهط : يارسول الله : بايعت تسعة وأمسكت عن هذا ! فقال صلى الله عليه وسلم : " إن عليه تميمة " فأدخل الرجل يده فقطعها ، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( من تعلّق تميمة فقد أشرك )  ويقول ابن باز رحمه الله : " العلّة في كون تعليق التمائم من الشرك - والله أعلم - أن من علّقها سيعتقد فيها النفع وتميل إليها وتنصرف رغبته عن الله إليها ، ويضعف توكله على الله وحده ، وكل ذلك كافٍ في إنكارها والتحذير منها  " انتهى كلامه .  

عباد الله : قد منع الشرع المطهر من تعليق الرقى من القرآن وهو كلام الله فكيف بغيره لأن من علّق القرآن سيعلق غيره ويفتح على الإنسان باب شرّ وفتنة ولأن الإنسان المعلّق لهذه الأوراق من القرآن لايتعلق بما في القرآن ذاته بل يتعلق بذات التعليق وفي هذا إنصراف للنية عن التعلق بالخالق فأغلق هذا الباب من أصله وهو ينافي التوكل المأمور به فالعبرة بانصراف القلب إلى الخالق جلا وعلا فالله سبحانه يأمر عبده أن يُعلّق قلبه بخالقه وذلك يكون بذكره وقراءة الأوراد الشرعية التي تحفظ العبد من كل مايحذر وهذا نهج الأنبياء والمرسلين والصحابة أجمعين وما روي عن واحد منهم ولا التابعين أنه علق شيئاً من القرآن أو الأحاديث النبوية وفي ذلك برهانٌ على أنهم لايرون ذلك من الدين أصلاً فاللهم احفظنا بالإسلام في كل الأحوال وجنبنا الزيغ والضلال واعصمنا من الجهالة وأفعال الجُهال ياذا الجلال والإكرام  . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله الذي له الدين الخالص والقول الحق والصلاة والسلام على المبعوث بالحنيفية والصدق نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أزكى تحية وأعطر سلام من ربنا الكريم العلام أما بعد : 

عباد الله : فاتقوا الله - عباد الله - كل وسيلة يتوسّل بها إلى الشرك وإن من وسائل الشرك شيء يصنعونه يُسمّى التِوَلة وهو مكون من خرزات تُعلّق يعتقدون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته ولا يتم ذلك أصلاً إلا بذهاب المرأة أو الرجل إلى الساحر أو الكاهن فيطلب منه هذا الأمر سواءاً كان صرفاً أو عطفاً والصرف صرف الرجل عن المرأة أو بالعكس والعطف محبة الرجل لزوجته أو بالعكس ، فعندما يذهب إلى مبتغي هذا الأمر إلى الساحر فيتقرّب بعد ذلك الساحر أو الكاهن إلى الشياطين بما يريدون من وسائل الشرك كذبح طائر أو حيوان ومن ثم يتم التعاقد مع هذه الشياطين فيتسلطون على المرأة أو الرجل فيكرهونه في زوجته أو يحببونه إليها وكذلك يجري على المرأة ذلك وهو نوعٌ من السحر لأن فيه عقد ونفث ، ومن وسائل الشرك العين الزرقاء وهي أشكال وأنواع والتي يضعها بعض الناس في بيته يعتقد أنها تدفع عنه العين والحسد والمشكلة عندما تُصدر مثل هذه الثقافة إلى العامّة من الناس بصفة رسمية إما في صحيفة معينة أو عن طريق برامج التواصل الإجتماعي ولا تكون على سبيل الخفاء والستر وقد شاهد بعضهم مثل هذه الأمور حين سفره لبعض الدول الإسلامية وهذا من أكثر مايُضلُ العوام ويكون برضا شريحة كبيرة من المجتمع  فكيف تُنزع هذه الثقافة من أذهان الناس وقد اصبحت عُرفاً سائراً فويلٌ لمن دعا إلى ضلالة وحرّف دين الله عز وجل وصرف الناس عن عبادة ربهم إلى التعلق بغير الله والإعتماد على غيره وهذا إفسادٌ في الأرض والله ينهى عن الإفساد ولا يُصلح عمل المفسدين ويقول جل وعلا  ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين ) وقولُ الله عز وجل ( إن الله لايُصلح عمل المفسدين ) ولم يقل الفاسدين لأن الفاسد بنفسه يُوفق للتوبة أكثر من المُفسد وضرر المفسد كبير وممتد والمفسد عنده مجاهرة بالمعصية وقد عفي عن هذه الأمة إلا من يُجاهر وباب التوبة مفتوح والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل مالم تطلع الشمس من مغربها فاللهم وفقنا للتوبة النصوح قبل خروج الروح وجنبنا الموبقات من الخطايا والسيئات يارب الأرض والسماوات  . 

الخميس، 12 أغسطس 2021

خطبة عن الإسبال واللباس

 الحمدلله الذي أنعم على عباده بوافر النعم وهو أهل الجود والكرم أوجد عباده من العدم وأسبغ عليهم من ستره وعافيته من نشأته في باطن الرحم إلى انتقاله لبيت الدود والرِّمم والصلاة والسلام على المبعوث لسائر الأمم نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله -عباد الله - فالتقوى من حقّقه كان معصوماً من الموبقات يردُ آمناً في يوم العرصات إلى رب الأرض والسماوات ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ماقدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبيرٌ بما تعملون )   ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فُرقاناً ويُكفّر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) . واعلموا - رحمكم الله - أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكلُّ بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : أنعم الله على ابن آدم نعماً كثيرة منذ أن نزل أبونا آدمَ عليه السلام من الجنة إلى هذه الأرض ومن تلك النعم نعمة الملبس والذي أباح الله لابن آدم لبسه واقتناؤه والزينة التي حث الله على التزين بها مما أباحه الله حيث قال سبحانه : ( قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعلمون ) وجعل الله ذلك اللباس من آياته سبحانه الدالة على وحدانيته فقال سبحانه :   ( يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ) يقيه من الحر ومن البرد ويستر عورته به ويفرق عيشه عن البهائم والحيوان واللباس من الله كرامة لأنه من الطيبات حيث يقول سبحانه :    ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) واللباس حلّة وزينة وأباح الله للإنسان أن يلبس ماشاء وجعل لهذا اللباس ضوابط أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا مالم يُخالطه إسراف أو مخيلة " أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد رحمهم الله وإيانا جميعاً . 

عباد الله : من الضوابط المهمة جداً في اللباس هي أن لايكون الثوب أو القميص مُـسبَلاً فالإسبال في الثياب هو كبيرة من كبائر الذنوب موجب للعذاب والعقوبة من الله لصاحبه إذا لم يتب حيث يُحذر المصطفى عليه الصلاة والسلام من ذلك وتأمل كيف رُتبت هذه العقوبة بأشد أنواع الألفاظ التحذيرية منها لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد حيث قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم ، المسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب  " أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي ذرّ رضي الله عنه 

وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماأسفل من الكعبين من الإزار ففي النار "   فانظر كيف توعد الله هذا المسبل بالعذاب الأليم والذي يبدأ من عذاب القبر إلى ويمتدُّ إلى ماشاء الله فهل من معتبر وهل من متعظ معشر المسلمين ، ولو فكرت وتأملت في كيفية التوقي من هذا الأمر لوجدته سهلاً يسيراً فبضعة ريالات تتوقى هذا الأمر والوقوع فيه ولكن ماأضل ابنُ آدم إلا هواه ونفسُه الأمّارة بالسوء وأكثر مايستهين به من الناس من فئة الشباب . 

عباد الله : يعتقد بعض الناس أن من مسبلاً ولم يُصاحب إسباله خيلاء ولا كبر أنه يسلم من وعيد الله وعذابه يوم القيامة وهذا معشر الإخوة اعتقادٌ خاطئ جانب الصواب لمن فقِه في دين الله وتتبّع النصوص الشرعية فالإسبال محرّم بذاته وإن صاحبه كبرٌ أو خيلاء تضاعفت على العبد العقوبة والدليل على ذلك أن الله جمع  التحذير من الإسبال والخيلاء جميعاً في حديث واحدٍ ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج أو لاجناح فيما بينه وبين الكعبين ، ماكان أسفل من الكعبين فهو في النار ، من جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه " أخرجه الإمام أحمد وأبوداود وابن ماجه وقال النووي في المجموع : " إسناده صحيح "  .  

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجلٌ يجرّ إزاره إذ خُسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة " ولم يُذكر أنه جرّ إزاره خيلاء فدلّ أن الإسبال بذاته محرّم وأما من يستدل بقصة أبي بكر رضي الله عنه حينما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لست ممن يصنع ذلك خيلاء ) فالجواب عليه أن يُقال : إن أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يُسب إزاره أصلاً ولكن مع الحركة ينزل أحد شقي الإزار مع كثرة الحركة بعكس من لبس الثوب الطويل وهو يرى أنه طويل لأنه تعمد الإسبال فأسبل إزاره من اللبسة الأولى ولا يستطيع أن يتعاهده كل مرة وأجاب ابن حجر صاحب كتاب " فتح الباري شرحُ صحيح البخاري " عن هذه الشبهة وقال : " وهذا إن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه على جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم ، وقد يتجه من ناحية التشبه بالنساء وهذا أمكن من الأول وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة ، وقد يتجه المنع من جهة أن لابسه لايأمن من جهة تعلق النجاسة به  " انتهى كلامه  .  

 وتحريم الإسبال يُعتبر من البيّن الواضح حرمته في المسائل الفقهية ومن كبائر الذنوب ومن يتتبّع المشتبه من النصوص لكي يُحل ماحرّم الله أو يحرم ماأحل الله ففي قلبه مرض ومريدٍ للفتنة سواءاً لنفسه أو لغيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر من اتباع المشتبه من النصوص في الحرام خاصة وأن من فعل ذلك فقد وقع في الحرام ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمورٌ مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشُبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشُبهات وقع في الحرام ) فالحذر من التهاون في ذلك رزقني الله وإياكم اجتناب المحرمات وعمل الصالحات أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلاة على النبي الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واحرصوا كل الحرص على تعويد الأبناء والبنات على اللباس المحتشم والمنضبط بضوابط الشرع ، واحذروا وحذّروا من الألبسة العارية أو التي فيها خدش للحياء والعفة أو فيها نشر للفتنة والرذيلة بين المسلمين ومن يفعل ذلك ويصرّ عليه ويتباهى به في محافل الناس بحضور الجموع من النساء والرجال فإن له نصيبٌ من قول الله تعالى : " إن الذين يُحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لاتعلمون " . 

وعلى المرء أن يحفظ حياءه وعفته وهذا للرجال والنساء على حد سواء وإن كان في اللباس يُشدد فيه على المرأة أكثر من الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت " . 

ومما ينبغي أن يحرص عليه من يقتني الألبسة أن يحذر من الكلمات الشركية أو الكفرية أو التي تعني الفجور والفسق أو الرموز المحرمة شرعاً في تلك الألبسة التي يشتريها أو أحد أفراد أسرته أو أهله ونحن في زمن ووقت هاجمت فيه الثقافة الغربية تلك الألبسة ونشرت وروّجت لها الشركات المتواطئة معها أو التي لاتؤمن إلا بالمادة والربح على سبيل نشر المنكر ونبذ الأعراف والتقاليد التي أقرها المجتمع المسلم وهذبها الشرع الحنيف ، ومن المفترض أن يعتز المرء بلغته ودينه ولا يسمع للغة غربية أوشرقية أن تخترق كيانه أو كيان أسرته ، لأن من أرخص لغته صار عالة على الأمم الأخرى وانسلخ من هويته وصار تبعاً لتلك الأمة التي تأثر بلغتهم  حتى يتطور به الأمر مع الوقت بسبب تساهله فيتبعهم في عاداتهم وطبائعهم ومن ثم دينهم فاللهم أصلح شباب وبنات المسلمين واحم حوزة الدين وانصر من نصر دينك وكن عوناً لأوليائك حرباً على أعداءك يارب العالمين 



الأحد، 8 أغسطس 2021

خطبة عن تعظيم الصلاة وفتح المحلات حينها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونتذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عُمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : يعظ الواعظون ويلحون ، وينبه الناصحون ويسعى الغيورون بكل ماأوتوا من قوّة لتنبيه الخلق وتذكيرهم بشأن ركن الدين الأعظم وعموده المتين ، كل ذلك النصح يتم بالقول الواضح المكين والدليل المبين ، وتجد كثيراً من عباد الله من يتغافل عن عظيم شأن الصلاة ومن يهمشها في حياته أو يبيع ويشتري خلال وقت الصلاة ويتشاغل عنها بأتفه الأسباب ، فيامسلم وياعبدالله من ضيع الصلاة أو تشاغل عنها وأهملها فهذا لاوزن له عند الله ولا يبالي الله به في أي وادٍ هلك وهذه حقيقة من عرفها عرف أنه في هذه الحياة مخلوقٌ لعبادة ربه ومولاه ومن لم يكن الله مولاه فالشيطان وأرباب السوء أولياءه .
هذه الصلاة - ياعباد الله - وصية الله لمن قبلنا ووصية الله لهذه الأمة ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة ) ومن لم تقم له صلاته ولم يقيمها كما أمر الله وشرعَ نبيه عليه الصلاة والسلام لم تقم له أموره وتعسّرت عليه أحواله وخسر دينه ودنياه فياصاحب التجارة وياصاحب العمل وياصاحب المؤسسة وياصاحب المحل يعدك الله بالرزق وحسن العاقبة والأفضل من ذلك مغفرة الذنب وتكفير الخطايا والسيئات إن أقمت صلاتك كما يريد ربك ، وأمرت بها من تحت ولايتك ، ومن يعمل لديك ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لانسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ) ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
عباد الله : يهون أداء الصلاة والقيام لها والحرص عليها على من كان يخشى الله ويخافه ويتقيه ويرجو ماعند الله ويعلم أنه راجعٌ إليه ومحاسب على أعماله إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ وذلك أن الله يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ) فلابد أولاً من الحرص على كل وسيلة تزيد في خشية العبد وتزيد إيمانه وتقواه ومن لم يكن عنده خشية وخوف من الله فإنه لايبالي بضياع هذا الركن العظيم من الدين فأكمل الناس خشية وخوفاً من ربه هو أعظمهم حرصاً على الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم في سكرات الموت يحرص على الصلاة مع أنه يوعك كما يُوعك رجلان أشداء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتقول عائشة رضي الله عنها كما أورد البخاري رحمه الله : " لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه ، استأذن أزواجه أن يمرّض في بيتي فأذنّ له ، فخرج تخط رجلاه في الأرض - أي من المرض بين عباس ورجل آخر - قال عبيد الله وهو من رواة الحديث : فأخبرت عبدالله - أي ابن عباس - بالذي قالت عائشة ، فقال لي عبدالله بن عباس : " هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة ، قال : قلت : لا ، قال : " هو علي بن أبي طالب " ، وكانت عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم تُحدّث أ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا دخل بيتي واشتدّ به وجعه ، قال : " هريقوا علي من سبع قِـرب لم تُحلّ أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس ، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القِرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتُن ، قالت ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم " فتأملوا كيف يحرص على أن يحضر إلى الصلاة مع أنه لايستطيع القيام إلا بمشقة ومساندة من الغير ومع ذلك أمرهم أن يصبوا عليه سبع قرب لم تُحل أفواههن لبرودتهن لكي يحضر الصلاة لكي وينشط للخروج للناس فأين الأصحاء الذين يضيعون هذه الصلاة من أجل تفاهة من تفاهات الدنيا أو تغافلاً وكسلاً ولا تسل عن حرص السلف الصالح في ذلك فقد سُطّر عنهم أروع الأمثلة في حرصهم العظيم على إدراك أول الوقت فضلاً عن تكبيرة الإحرام مع إتمام وضوئها وخشوعها وركوعها وسجودها وسننها ومن ذلك :
* أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رحمه الله صلى وجرحه يثعب دماً
* ماقاله وكيع بن الجراح عن الأعمش قال رحمه الله : " اختلفت إلى الأعمش قريباً من سنتين مارأيته يقضي ركعة "
* وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة أحيا بقيّة ليلته لاينام حتى يصبح .
* ويقول سعيد بن المسيّب رحمنا الله وإياه : " ماأذن المؤذن ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد "
* وكان ابراهيم بن ميمون المروزي صائغاً فكان إذا سمع المؤذن يؤذن بالصلاة وفي يده مطرقة وضعها وترك عمله مباشرة وذهب للصلاة .
* ومحمد بن سماعة التيمي مكث أربعين سنة لم تفته تكبيرة الإحرام إلا يوم أن ماتت أمه فصلى خمساً وعشرين صلاة يريد التضعيف .
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي رحمه الله وإيانا أجمعين أن عامر بن عبدالله بن الزبير وهو من كبار التابعين سمع المؤذن لصلاة المغرب وكان في سكرات الموت فقال لمن حوله خذوا بيدي إلى المسجد ، فقالوا له :إنك عليل ، قال : أسمع داعي الله فلا أجيبه ؟ فأخذوا بيده ، فدخل مع الإمام في الصلاة فركع ركعة ثمّ مات رحمه الله .
والأمثلة كثيرة ياعباد الله ولو أردت أن تُحصي بعضاً منها لطال بك المقام ولكن ماالذي قرب أولئك السلف الصالح إلى الله ؟ وصار لهم محاسن تروى في التأريخ ؟ وفي المُقابل ماالذي أبعد الكثير من عباد الله عن الله وعن الحرص على الآخرة التي فيها فصل القضاء والحساب والجزاء والنعيم أو العذاب .
ماقربهم ولا أبعدهم إلا الصلاة والتي هي رأس مال المسلم عند ربه بها الفوز والنجاة أو العذاب والخسران .
ويدلل لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول مايحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر " والحديث عند أبي داوود والترمذي والنسائي رحمهم الله وإيانا أجمعين .
فاللهم أيقظنا لتدارك التفريط في الصلوات وأصلح ياكريم قلوبنا وأعمالنا قبل الممات أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل الخطايا والأوزار فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو العزيز الغفار .

=========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلى الله وسلم وبارك على الهادي الأمين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله -عباد الله - وخذوا على أنفسكم عهداً بالحرص على هذه الشعيرة العظيمة التي هي الحبل المتين الذي بينك وبين الله فلا تقطعه بالتهاون والكسل أو بترك الصلاة في المسجد ، فالصلاة في المسجد فرضٌ واجب فلا تُقبل صلاة من صلى في بيته إلا من عذر كمرض مقعد وخوف شديد وأما المسافر فهو من أهل الأعذار أيضاً ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عُذر " أخرجه أبوداوود وابن ماجه ، ولم يُرخّص النبي للأعمى الذي أتاه وشكى له أنه لايجد قائد يقوده إلى المسجد بل أمره أن يأتي مع أنه أعمى فكيف يكون حال المبصرين ؟ ويذكر رجلٌ ثقةٌ من أهل هذه المدينة أنه يعرف اثنين كانا آيتين في المحافظة على الصلاة قد كبُرا فعندما كانا لايستطيعان الذهاب للمسجد مشياً أصبحوا يأتون إليها زحفاً على الركب حتى توفاهما الله عز وجل ، فهل لنا في السلف قدوة وفي الصالحين من الخلف ، ومن لم يكن له واعظٌ من نفسه لن تنفعه المواعظ ولا الدروس ( إنما تُنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشرّه بمغفرةٍ وأجر كريم )
صلاة المرء عنوانُ الفلاح * وأصلٌ للسعادة والنجاحِ
فلا يُرجى لمهمـلِها نجاةٌ * ولا فرحٌ وليس بمستراح ِ
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليما : " إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...