الجمعة، 28 يناير 2022

خطبة عن الدعاء والوضوء وخطر الإعتداء فيهما

الحمدلله الذي أوجد عباده من عدم وفضلهم على سائر الأمم وربّاهم بسائر النعم والصلاة والسلام على المبعوث للعباد بجوامع الكلم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والإحسان والكرم وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى سبب ٌ لكل خير ، وصارفٌ لكل بليّة وشر ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الدعاء من أجلّ القربات وهو مخ العبادة وفي الحديث : " من لم يسأل الله يغضب عليه " وأمر الله بالدعاء وعدّ ترك الدعاء استكباراً عن عبادة الله فقال جلّ وعلا : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) ووصف نفسه بالقرب وبأنه يُجيب دعاء من دعاه فقال سبحانه : ( وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) وهو من أكرم العبادات على الله ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس شيٌ أكرم على الله من الدعاء " أخرجه الترمذي وحسّنه الألباني ، والدعاء يجب أن يكون وٍفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بوجه عام وذلك أنه يجب أن يجتنب في الدعاء عدة أمور وأشدّها الإعتداء في الدعاء ومن صوره :

* أن يُفصّل بدعاءه ولذا ورد في السنة أن عبدالله بن مُغفّل رضي الله عنه سمع ابنه يقول : " اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتُها ، فقال أي بُنيّ : سل الله الجنة وتعوذ بالله من النار ، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطَّهور والدعاء " أخرجه أبوداود في سُننه وهو حديثٌ صحيح .
* وكذلك أن يدعو بإثم أو قطيعة رحم فمثلُ هذا يأثم ولا يؤجر ولا يُستجاب له . 
ومن الأمور التي ينبغي أن يتجنبها : الدعاء برفع اليدين بعد الإنتهاء من الفريضة فإن ذلك بدعة إن داوم عليه وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن رفع الأيدي في الدعاء بعد الفريضة فقال : " لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه بعد الفريضة بل السنة أنه يذكر الله ويدعو لكن من دون رفع يدين بعد الفرائض الخمس أما بعد النافلة فلا أعلم بعد التتبع الكثير لاأعلم أنه رفع يديه بعد النافلة عليه الصلاة والسلام ولكن عموم الأحاديث الدالّة على أن رفع اليدين من أسباب الإجابة يقتضي أنه لامانع من رفعها بعض الأحيان لايكون دائماً ، كما يرفعها إذا عنت له حاجة يرفع يديه ويدعو ولو من دون صلاة " انتهى كلامه ، فالمقصود من ذلك أنه يتجنب رفعها بعد الفريضة مباشرة لأن ذلك يُعدّ من البدعة وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الإبتداع في الدين فقال : " من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو ردّ " .
ومن الأشياء التي ينبغي أن يتجنبها عند الدعاء قوله : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت فتعليق الدعاء على مشيئة الله مكروه وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليُعظّم الرغبة فإن الله لايتعاظمه شيءٌ أعطاه " . 
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " طهورٌ إن شاء الله " للمريض الذي زاره من الأعراب ، فهذا كما قال الشيخ عبدالرحمن البرّاك : " أن هذا الأسلوب أسلوب خبر والخبر في مثل هذا يحسُن تعليقه على المشيئة ، مثال ذلك أن تقول : فلان رحمه الله أو اللهم ارحمه ، فلا يصحّ أن تُقيّد ذلك بالمشيئة ، بخلاف ما إذا قُلت فلانٌ مرحوم ، أو فلانٌ في الجنة ، فإنه لابد من التقييد بالمشيئة لأن الأول دُعاء والثاني خبر ، ولا يملك الإنسان الإخبار عن الغيب ، فإن أخبر عن ما يرجوه وجب تقييد ذلك بالمشيئة  " .
ويكره للإنسان أن يدعو بدعوة ليس فيها حمد الله تعالى ولا الصلاة على نبيه فَضَالة بن عبيد رضي الله عنه قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته فلم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم :  " عجٍل هذا ثمّ دعاه فقال له أو لغيره إذا صلّى أحدُكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثمّ ليصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ ليدعو بعدُ بما شاء " أخرجه وأبو داود والترمذي في سننِهما وقال الترمذي : حديثٌ حسن صحيح . 
وينبغي أن يدعو لنفسه بالخير ولا ينبغي أن يدعو على نفسه بتعجيل العقوبة له في الدنيا وفي صحيح مسلم أن رسولَ صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :  " هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه " قال : نعم ، كنت أقول اللهم ماكنت به معاقبي في الآخرة فعجله لي في الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله لاتُطيقه أو لاتستطيعُه ، أفلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار " قال الراوي : فدعا الله له فشفاه . 
وينبغي للعبد أن يتأدب مع الله جلّ وعلا في الدعاء فينتقي الألفاظَ الكريمة والعباراتَ المستقيمة ويبتعد عن الألفاظ القبيحة والأوصاف المستكرهه والأسماء المَهينة ، فاللهم وفقنا لأحسن الأقوال والأعمال وجنبنا سبل الزيغ والضلال ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============= الخطبة الثانية ==============  
الحمدلله الذي هدى لطاعته ومرضاته ومنّ على عباده بجميل هباته وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد الذي أرسله إلى خلقه وبريّاته وأنزل عليه آياتِه صلى الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ ملءَ أراضيه وسماواته أما بعد : 
فاتقوا الله -عباد الله - واعلموا أن الله ذكر صورة من صور الإعتداء في العبادات في الحديث السابق ( حديث عبدالله بن مغفّل رضي الله عنه ) وهي الإعتداء في الطَّهور ، والطَّهور - بفتح الطاء - هو اسمٌ لما يُتطهر به وأما الطُهور - بضم الطاء - هو اسمٌ للفعل ومثله الوَضوء والوُضوء والسَّحور والسُحور ، وصور الإعتداء في الطّهور كثيرة منها : 
* أن يزيد على الثلاث وهذه الزيادة على الثلاث ورد في التحذير منها نصٌّ نبوي ففي الحديث الذي أخرجه النسائي وأبوداود وأحمد رحمهم الله من حديث عمرو بن شٌُعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنه قال : " جاء أعرابي يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء ، فأراه الوُضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال : 
( هكذا الوُضوء ، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم ) . 
ثمّ إن الزيادة على ثلاث عمداً لايجوز كما أخبر بذلك أهل العلم ، وأما شكّاً فهو باب من أبواب الوسوسة فيجب على العبد الحذر منه وأن لايستجّره الشيطان فيُصاب مع مطاوعة هذا الشك بالوسواس القهري الذي استفحل خطره مؤخراً وهو عقوبة - نسأل الله العافية - لمن تعدّى الحد الشرعي في الوَضوء ، والأمر تمادى ببعضهم حتى خرج وقت الصلاة بسبب سيطرة الوسواس عليه ومطاوعة النفس والشيطان مع أنه يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد حذّر من شيطان الماء وهو حديث فيه ضعف ولكن ذُكر في حديث مرسل للحسن البصري : " إن للوضوء شيطاناً يُقال له : الولهان ، فاحذروه ، وروى البيهقي في السسن الكبرى عن سفيان الثوري عن يونس بن عُبيد رحمه الله أنه قال : " كان يُقال إن للماء وُسواساً فاتقوا وسواس الماء " . 
وأيضاً يقع من يزيد على الثلاث بالإسراف في الماء إسرافاً لاحدّ له ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بسعد بن مُعاذ رضي الله عنه فقال له : "ماهذا السَّرَف ياسعد ؟ قال : أفي الوضوء سرَفٌ يارسول الله قال : " نعم ، ولو كنت على نهرٍ جار ٍ" . 
* ومن صور الإعتداء في الطهور القصور عن الحد الواجب وهو الغسل مرة واحدة ولكن لايُسبغه ولا يأتي به على الوجه المطلوب ومن النصوص النبوية المشتهرة في هذا الشأن : " ويلٌ للأعقاب من النار " فالوُضوء عبادة وشرطٌ لقبول الصلاة فالإخلال به سبب لردّ الصلاة وعدم قبولها . 
ويدخل في الإعتداء أيضاً مخالفة طريقة النبي صلى الله عليه وسلّم عمداً وتأويل النصوص كما يفعل الرافضة الذين يمسحون أرجلهم ولا يغسلونها لأن الله قال كما يزعمون : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين . . ) وهذا جهلٌ باللغة العربية وبدين الله والأرجل معطوفة على الوجوه والأيدي ولو كانت معطوفة الممسوح وهو الرؤوس لقال : " وأرجُلِكم " بكسر اللام لابفتحها وهذا واضحٌ لمن تأمله . . فنسأل الله الفقه في الدين وحسن عبادته حتى اليقين ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

السبت، 8 يناير 2022

خطبة عن السفر والإبتعاث والتفاخر في ذلك

الحمد لله الذي وفق عباده لسلوك السبل السوية وهداهم لدروب الخير المرضيّة وأزاغ من حق عليه القول من البريّة والصلاة والسلام على المبعوث للبشرية نبينا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ أزكى سلامٍ وأوفر تحيّة أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : كثيراً مايأمرالله جل وعلا في كتابه بالسير في الأرض للتدبر والذكرى ومعرفة عاقبة الذين كفروا ومن ذلك يقول جل وعلا : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) وقال سبحانه : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ) وقال للتأمل وإحياء القلوب ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وقال جل ذكره : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيءٍ قدير ) . . والله جل ذكر السياحة والسير في كتابه في عدة مواضع ومن ذكره للسياحة قوله في صفات المؤمنين : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين ) وقال لأمهات المؤمنين في صفات النساء ( عسى ربُّه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارا ) والسياحة في كتاب الله ليس كما يظن البعض بأنها السفر للمتعة وسبر الديار وإنما هو الصيام وقد ساق ابن جرير بتفسيره أسانيد كثيرة تؤيد هذا القول وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( السائحون هم الصائمون) وسُمّي السائح صائماً لأنه يترك اللذات كالمسافر الذي يخرج من بلده حيث كان السفر في ذلك الوقت أكثر مشقة وجهداً ونصباً من وقتنا الحاضر وقد ورد مثل هذا القول عن سفيان بن عيينة وذُكر عن ابن قتيبة أنه قال : "السائحون: الصائمون، وأصل السائح الذاهب في الأرض.. والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات فشبه الصائم به لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب والنكاح ".
والسياحة ياعباد الله في بلاد الكفار مما حرّمه العلماء إلا للضرورة القصوى وخصوا من ذلك من يسافر للدعوة أو للعلاج أو للعلم الضروري التي تحتاجه الأمة وأما السفر للسياحة والإستطلاع فقد حرّمه أهل العلم وحتى السفر للتجارة وقد وردت فتوى لابن باز سئل فيها أسئلةً متعددة ومن ذلك سائلٌ يسأل فيقول : " نلاحظُ تناقضاً كبيراً بين المسلمين في القول والعمل فالمسلمون الذين يشهدون أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويعتادون المساجد ويؤدون الفرائض نجد من بعضهم سلوكاً يختلفُ عن سلوك اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعندما يسافر أحدٌ من الناس إلى أوروبا التي أصبحت بلا دين بعد أن تركت تعاليم الكنيسة يعود المسافر ويقول : لقد رأيت أخلاقاً أفضل من أخلاق المسلمين فبماذا توجّهون أمثال هؤلاء وفقكم الله ؟ "
فأجاب رحمنا الله وإياه بقوله : " لايجوز السفر إلى بلاد أهل الشرك لأن السفر إليهم من أسباب الضلالة ومن أسباب الرجوع عن الدين ، ومن أسباب سماع شُبَههم وضلالاتهم وكيدهم للإسلام ، فربما ضل بأسبابهم ، وما يلقون عليهم من الشُبَه ، فلا يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلاد أهل الشرك ولا الإقامة بينهم ، لما في هذا من الخطر العظيم ، ولما يُلقونه من الشُبه ، ولما يراه من الفساد العظيم هناك من الشركيات والزنا واللواط وسائر المعاصي الكثيرة ، فرُبّما تأثر بها وزاغ قلبه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( أنا بريءٌ من كل مسلم يُقيم بين المشركين ، لاتراءى ناراهما ) وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من جامع المشرك - أي اجتمع معه - أو سكن معه فهو مثله ) فيجب على المسلم أن يحذر السفر إلى بلاد أهل الشرك والإقامة بينهم ، لا للتجارة ولا غيرها ، فيجب الحذر ولا سيّما في هذه الأوقات التي كثُر فيها الشرك والفساد وانتشر فيها الكفر والإلحاد ، فينبغي الحذر ، اللهم إلا أن يكون ذا علمٍ وذا بصيرةٍ يدعو إلى الله ويُعلّمُ الناس الخير ويرشدهم إلى الحق فهذا معذور ، لأنه يدعو إلى الله ويُظهر دينه فهو نافعٌ هناك وقد يهدي الله على يديه جمّاً غفيراً ، أما الجاهل والذي ليس عنده بصيرة في دينه ، فهذا يجب عليه الحذر وأن لا يسافر ، أما كونه يغترُّ بأخلاقهم وأعمالهم فهذا من جملة الفساد الذي يُخشى منه ، فقد يغترّ بهم من جهة ماعندهم من صناعات أو اختراعات أو أشياء أخرى تغرّ هذا المسكين الجاهل الذي لايعرفُ الإسلام ولا احكام الإسلام وإنما يعرفُ بعض المسلمين وبعض المسلمين عندهم أخلاقٌ سيئة . . عندهم كذبٌ ، عندهم ربا ، عندهم زنا ، عندهم شُرب مسكر ، ليس كل مسلمٍ متحفظاً تاركاً لما حرّم الله عليه ، فقد يغترّ هذا المسكين الذي سافر إلى بلاد الشرك ويرى عند أولئك شيئاً من أخلاقهم الدنيوية المعيشيّة فيغتر بها ، فيجب الحذر من السفر إليهم والإقامة بينهم ويجب على المسلم أن يعتصم بدينه ويتمسّك بدينه ويُكثر من قراءة القرآن وتدبّر القرآن حتى يعرف دين الله وهكذا يتبصر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه الذين هم خير الخلق بعد الأنبياء حتى يعرف أعمالهم الطيّبة وسيرتهم الحميدة وجهادهم الصادق ، فيعلم أنهم هم أهل الخير وهم القدوة وهم السادة وهم الذين ينبغي التأسي بهم والسير على مناهجهم ، وإذا خالفهم من من بعدهم من المسلمين في بعض الأخلاق فاللوم على من خالفهم وتنكّب طريقهم ، فعليك - ياعبدالله - أن تسلك الطريق المعروف الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم وسلكه أصحابه في الأخلاق والأعمال والسيرة ، ولا تغترّ بمن حاد عن طريقهم من المسلمين أو غيرهم نسأل الله السلامة " انتهى كلامه رحمه الله .
معشر الشباب وأولياء الأمور : ثقافة السفر والسياحة التي أصبحت مع الأسف رائجة عند كثير من البيوت التي تُصرف فيها أموال طائلة تجاوزت حدّ الإسراف بلا مبرّر سوى المتعة لاشك أن ذلك وبالٌ على أهله وذلك ان الإنسان يُسأل سؤال محاسبة عن تلك الأموال التي ضيّع كما أخبر بذلك المصطفى عليه السلام كما في الحديث الصحيح : " لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمُره فيما أفناه ؟ وعن علمه فيمَ فعل ؟ وعن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيما أنفقه ؟ وعن جسمه فيما أبلاه ؟ " .
فسؤال الله للعبد ومحاسبته ليس بالأمر الهيّن وذلك أن من نوقش الحساب عُذّب ففي حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نوقش الحساب عُذّب ) فقالت : " أوليس يقول الله تعالي : ( فسوب يُحاسب حساباً يسيراً ) فقال صلى الله عليه وسلم : " إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك " فنسأل الله العافية لنا ولكم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم أنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أتقى خلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
التفاخر والمباهاة - ياعباد الله - مرضٌ استشرى في مجتمعنا وبلغ حدّ السُخف والحمق وسطحيّة العقول والطيش وكل ذلك بسبب تصدير مشاهير في مواقع التواصل الإجتماعي ركبوا موجة الشهرة وتصدير الذات على قصورها وجذب متابعين ليس همهم إلا ماتمليه أهوائهم وأنفسهم ويتبعون الملذات والشهوات ويتفاخرون بالمآكل والمشارب وبالسفر للبلد الفلاني والبلد الفلاني وبعضهم كاذبٌ فيما يقول ، وبلغ ببعضهم من يصوّر نفسه مع كأس أو وعاء أو مكان لكي يُري من يتابعه من باب التفاخر والعُجب ولا يهمه انكسار قلب فقير أو صاحب عاهة مرضيّة أو يتيم أو نحو ذلك ، فهذا لاعبٌ كرة يتباهي ويتفاخر أمام متابعيه ، وهذا شابٌ ذا طيش وخفة عقل يتباهى بسخافاته أمام زملائه بل حُكي أن بعض المعلمين والمعلمات يُوردون مثل هذه الأشياء لا لهدف تربوي ولكن لتفاخر شخصي مع الأسف وهذا شرٌ وبلاء وفتنة فلا بد من الترّوي وإحكام العقل في هذا الموضوع ، والتفاخر بهذه الأمور يجرّ لعواقب وخيمة ومساوئ وسلبيات يطول ذكرها وربما فقد تلك النعمة بسبب عين حاسد قلبت عليه حياته رأساً على عقب أوحُرقة ضمير من فقير لايجد مايأكل من الخبر اليابس فضلاً عن طعام يُشبعه فلنتق الله ، وتجد أيضاً مع الأسف من ابتُلي بهذا التفاخر والتباهي لو دُعي للإنفاق في وجوه الخير لأبى أن يشارك بأدنى مبلغ مالي ، مع أنه يعلم أن من حوله من الديار كالشام واليمن وغيرها تتلوى بطون صبيانهم ونسائهم من الجوع وليتذكّر قول الله تعالى : ( ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم ) وإن بداية هلاك العباد يكون بفسق المترفين وبَطَر المسرفين وعدوان الظالمين ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ( وإذا أردنا أن نُهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) ويقول سبحانه : ( وكم أهلكنا من قرية بطِرَت معيشتها فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا وكنّا نحن الوارثين ) فادرأ ياعبد الله عنك عذاب الله بفعل مايرضيه وتجنّب مايسخطه ويغضبه ، فمن أسخط ربّه فأي سماء تُظلّه وأي أرضٍ تؤويه . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الخميس، 6 يناير 2022

خطبة عن فقد العلماء الربانيين والأخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن فقد الأمة للعلماء الربانيين رزية تصاب به الأمة بين الفينة والأخرى بداية بوفاة إمام الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وهذه من سنة الله تعالى في العباد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها :  ( إنك ميتٌ وإنهم ميتون  * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) وإن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عبرة وعظة وهي علامة من علامات الساعة وعند البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " اعدد ستاً بين يدي الساعة : موتي ثم فتح بيت المقدس ثم مُوْتَان يأخذ فيكم كقُعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً ثم فتنة لايبقى بيتٌ من العرب إلا دخلته ثم هُدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغِدرون فيأتونكم فيأتونكم في ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً " . 
عباد الله : من العبر والدروس في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة حقيقة هذه الحياة وأنها دار عبور وليست دار مستقر وسرور ومن تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " مالي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثمّ راح وتركها " وجد أن هذه الدنيا دار غرور تخدع من يتعلّق بها ولو كان فيها خيراً مالعنها الله كما أخبر بذلك المصطفى وما يلعنه جل وعلا فهو حقيرٌ ذليل عنده لايُساوي عنده شيئاً  .   
عباد الله : بموت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء الربانيين تُعرّض الأمة للفتن وهم أمنة للأمة من الفتن في الدين والإنحراف والزيغ والضلالة لأنهم كالنجوم يستضاء بهم في حالك الظلمات وعند الجهل في الأحكام الشرعية ولذا ورد في الحديث عند مسلم من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ماتوعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي مايوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي مايوعدون " لأنهم دُعاة هدى وأصبر الناس على الناس ووصف الإمام أحمد العلماء الربانيين وأهل الخير والدعاة عموماً بقوله : "  يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يُحيون بكتاب الله الموتى ويبصّرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه وكم من ضالّ تائه قد هدوه "  . 
ومن خيريّتهم وجود الأثر على الناس في حياتهم وبعد مماتهم قد كتب الله لهم القبول في الأرض والقبول لايُكتب لكل أحد بل للصفوة الصافية من الأمة وللنخبة من الأتقياء الربانيين الذين أخذوا على عاتقهم هم الدعوة ونشر العلم وتبليغ رسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم في أصقاع المعمورة ، فكانوا في رباطٍ حين يلهوا الناس وكانوا في هدى يوم يضل الناس ، قد سلمت قلوبهم في الغالب من الغلّ والضغينة على عباد الله يرجون الهداية لسائر البشر وتحترق أفئدتهم حينما يرون الناس على ضلالة وجهل ولهم عند الله المنازل العالية والدرجات الرفيعة 
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلّاءُ 
وقدرُ كل امرئ ماكان يُحسنه * والجاهلون لأهل العلم أعداء 
ففز بعلمٍ تعش حيّاً به ابداً  * فالناس موتى وأهل العلمِ أحياءُ 
ولذا كان فقد العلماء ياعباد الله أمراً عزيزاً وقويّاً على أنفس أمة محمدٍ وخصوصاً من لديه علمٌ وبصيرة بمآلات الأمور ويعدون موتهم ثلمٌ بالديانة ونقصٌ لديانة الناس كافّة لافتقادهم إلى من يرشدهم ويدلهم ويفتيهم في سائر أمورهم يجلو عنهم الحيرة ويزيد فيهم البصيرة فكان حاله عند فقده كما قال الشاعر : 
وما كان قيسٌ هلْكُه هلْكُ واحدٍ * ولكنه بنيان قومٍ تهدّما . 
ولا يرث هذه العلم إلا الأخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يبصرون الناس بدينهم ويحذّرون من أهل البدع والضلال ودروب الشر كما قال صلى الله عليه وسلم : "  يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " وهذا الحديث صححه الإمام أحمد . 
وعكس ذلك الأئمة المضلون الذين يفتون بغير علمٍ أو يتصدرون بمكرٍ وحيلة وتصدّرهم قيادة أو سلطة أو يشرون ذمم الناس بمال أو يفتون بحلّ لحرمة أو حرمة لحلّ مقابل متاعٍ من الدنيا قليل كما يفعل بعض أهل الكتاب : ( إن الذين يكتمون ماأنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك مايأكلون في بطونهم إلا النار ولايكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ) . 
فهؤلاء الأئمة المضلين يجب الحذر منهم أشدّ الحذر وذلك أن بعضهم يتحين الفرصة لكي يدس السم في العسل بسبب زيغ قلبه وضلاله ولا يُميز هؤلاء ويُجلّي أمرهم للناس إلا الراسخين في العلم ، ولذا الله جل وعلا سمّى العلماء أولي أمر في بعض المواضع لأنهم يتولون تعليم الناس ويَحلون بسبوغ علمهم المعضلات قال سبحانه : ( وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) . 

=========== الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم  أما بعد : 
عباد الله : احترام أئمة الإسلام وعلمائهم هي عقيدة الفرقة الناجية وذلك أنه لو لم يُعظّم هؤلاء العلماء لما عُظّم كتاب الله ولما عُظمت سنة النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء يحملانها في صدورهم ليس وتقديرهم يكون لما يحملونه من علمٍ وبصيرة وقدر الإنسان بما يحمل من علمٍ وتقوى ولذا ورد في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس منّا من لم يُجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقّه " رواه الإمام أحمد والحاكم وحسّنه ، وكيف لايوقرون ويُجلَّون وهم ورثة الأنبياء  ، وكان الإمام أحمد رحمه الله كثير الدعاء للشافعي رحمه الله فسأله ابنه عبدالله : ياأبت أي شيء كان الشافعي فإني أسمعك تُكثر الدعاء له ؟ فأجاب رحمه الله : " يابني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس ، فانظر هل لذين من خلف أو منهما عِوض ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : " موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه " لأن العالم يهدم ماتبنيه الشياطين وما تعمله بوعظه وتعليمه وإرشاده أما العابد فنفعه لنفسه عليه مقصور وله أجر وأما العالِم فيُضاعف له الأجور . 
ورُوي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " أتدرون كيف ينقص الإسلام ؟ يكون في القبيلة عالمان فيموت أحدهما فيذهب نصف العلم ويموت الآخر فيذهب علمهم كلّه " . 
وفي الطبقات لابن سعد : عن زيد بن وهب - رحمه الله - قال : " أتينا عبدالله بن مسعود فذكر عمر فبكى حتى ابتلّ الحصى من دموعه وقال : إن عمر كان حصناً حصيناً يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه فلمّا مات أُثلم الحصن فإذا الناس يخرجون عن الإسلام ولا يدخلون فيه "  وكان يقول رضي الله عنه : " موت العالِم ثلمة في الإسلام لايسدها شيء مااختلف الليل والنهار " وفي مجمع الزوائد للهيثمي  : يقول سعيد بن المسيب شهدت جنازة زيد بن ثابت - وكان أفرض أمة محمد صلى الله عليه وسلم - فلمّأ دُفن في قبره ، قال ابن عباس : " ياهؤلاء من سرّه أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم ، وايم الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثير " أخرجه الطبراني . 
عباد الله : إن موت العلماء كابن باز وابن عُثيمين والألباني واللحيدان الذي توفي مؤخراً وغيرهم من العلماء الأفذاذ نجهل منهم الكثير ولا نعلمهم لهي رزيّة وبليّة نحتسبها عند الله ونرجو من الله لمشائخنا الرحمة والرضوان وأن يُعوّض هذه الأمة خيراً ولا يعرّضنا للفتن جميعاً لافي بلادنا ولا في بلاد المسلمين كافّة وأن يحمي سبحانه حوزة الدين ومن فقد عالماً أو صالحاً من هذه الأمة فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أصيب أحدُكم بمصيبة فليتذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب " والحديث رواه الدارمي في سننه والطبراني وهو حديث مرسل صححه الألباني . 
ثم صلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية نبينا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائلٍ عليما ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 


الجمعة، 17 ديسمبر 2021

خطبة عن أهل الكهف وفي مافي قصتهم من آيات

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
أيها المؤمنون : قص الله علينا جل وعلا في كتابه العظيم مافيه عبرةٌ لأولي الألباب والأفهام والعقل السليم ومافيه موعظة للقلوب الغافلة التي أشغلها أمور الحياة والعمل لهذه الدنيا
وأكثرُ القصَص في القرآن تتعلق بإثبات الواحدانية لله تعالى ، وينصبُّ أكثرها في هذا الهدف ومن هذه القصص قصة ( أصحاب الكهف ) التي كثيراً مايقرأها الناس ، ولكن لايستخرجون منها العبر والدروس ولا يغوصون في معانيها الخفيّة التي تحتاج لقلبٍ واعٍ ومتدبر يقرأ بقلبه لابعينيه وهكذا المؤمن ينبغي أن يكون وليست قصة أهل الكهف بأعجب آيات الله بل هناك لو تمعن الإنسان في حياته ومن حوله يجد أعجبَ من ذلك ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) أي ليست بأعجب آيات الله والرقيم قيل هو اسمٌ للوادي الذي فيه الكهف وقيل هو اسم للوح مرقم دونت فيه أسماؤهم وهو الأقرب .

عباد الله : أهل الكهف فتية اختاروا طريق الهداية والإيمان كما قال الله عنهم : ( آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) رفضوا طريقة آبائهم الشركية وأخذوا عهداً على أنفسهم أن لايشركوا بالله جل وعلا وربط الله قلوبهم بالإيمان والتعلق به وهو الرحيم الرحمن واستعظموا هذا الشرك واستهجنوه ، وفي ذلك يقول الله عنهم ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوَا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطانٍ بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فقاموا رحمهم الله باعتزال قومهم ودخلوا كهفاً فناموا فيه نومة ضرب الله فيها على سمعهم الذي هو باب الإنتباه مدة طويلة حيث قال الله جل وعلا : ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا . . . )
ثم بعثهم الله من نومهم بعد ذلك ومكثوا في كهفهم تسعٌ وثلاثمائة سنة وأثناء نومهم يقلبهم رب العزة والجلال ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد والوصيد هو فناء الكهف قرب بابه والعجب في نومهم أن الله ضرب عليهم هذه الرقدة الطويلة وأعينهم مفتوحة وهذا من آيات الله .
يقول في ذلك جل وعلا : ( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) لئلا تأكل أجسادهم الأرض ثم قال الله سبحانه لنبيه : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمُلئت منهم رعبا ) وسبب هذا الرعب بسبب الهيبة التي ألبسهم الله إياها وقيل بسبب طول شعورهم وأظفارهم وعِظم أجرامهم ووحشة مكانهم .
عباد الله : ساق ابن جرير في تفسيره بسنده عن ابن عباسٍ في عدّة أهل الكهف أنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبُهم وأخبر الله عن عدّة أهل الكهف أنه مايعلمهم إلا قليل وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول : " أنا من القليل ، كانوا سبعة " وقال في سند آخر : " عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم وأنا ممن استثنى الله " والآية تؤيد هذا القول بكونهم سبعة فإن الله استثنى قوله : ( ويقولون سبعةٌ وثامنهم كلبهم . .) من الرجم بالغيب وهذا واضحٌ لمن تأمله والمقصود الإعتبار والتأمل وليس العدد فكونهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة لايُقدّم ولا يؤخر، ولكن ماذا كان أثر تلك السورة وهذه الآيات على النفس وقد أورد ابن جرير في تفسيره عن قتادة السدوسي رحمه الله أنه قال : " كنّا نُحدث أنهم كانوا - أي أهل الكهف - من بني الركنا - وذكروا أن الركنا ملوك الروم - رزقهم الله الإسلام فتفرّدوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على أصمختهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم وجاءت أمّةٌ مسلمة بعدهم وكان ملكهم - أي بعد ذلك - مسلماً " وبهذا الأثر تتجلى لنا الحكمة في رعاية الله لهؤلاء الفتية الذين فروا بدينهم من القهر والظلم ومن الوثنية التي عاشها أقوامهم فحفظهم الله جل وعلا وأذهب الله الظالمين وأنشأ قوماً آخرين ، ولذا لما استيقضوا لم يشعروا بنومهم الطويل فقال قائل منهم : " كم لبثتم ؟ " فظن بعضهم أنهم لم يلبثوا إلا مدة يسيرة فقالوا : ( لبثنا يوماً أو بعض يوم ) فقالوا : ( ربكم أعلم بما لبثتم ) فأرسلوا رجلاً منهم يأتي لهم بطعام طيب من كسبٍ مباح بنقود فضية كانت معهم وليكن متلطفاً ولا يُشعر الناس بمكانهم فلما ذهب إلى تلك المدينة وقيل اسمها " أفسوس " كما ورد عند ابن جرير فلما رأى البائع النقود قال من أين لك هذه النقود ؟ هذه على عهد الملك الجبار دقيانوس فكُشف أمرهم وانتشر خبرهم في المدينة وفي ذلك يقول الله جل وعلا : ( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حقٌ وأن الساعة لاريب فيها ) فأبان الله قدرته لمن يمتري ويشك في البعث وإحياء الموتى في ذلك الزمان وقصّ الله علينا خبرهم من أجل الذكرى والموعظة وتلك من أعاجيب القصص التي تتجلى فيها قدرة الله على كل شيء فأين المعتبرون والمتفكرون وأهل الألباب من كلام رب الأرباب الذي فيه دلالة الحيران وزيادة للعبد في التُقوى والإيمان
بارك الله ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الإيمان والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله الذي أبان لعباده سبل الهدى وحذّرهم من سبل الغواية والردى والصلاة والسلام على النبي المصطفى المجتبى وعلى آله وصحبه الذين أرغم الله بهم العدا وعلى من تبعهم بإحسانٍ وبهم اقتدى أما بعد :
اتخاذ القبور مساجد – ياعباد الله - أمرٌ حذّر الله منه ورسوله ومقت سبحانه من يفعل ذلك ولا يأتي ذلك إلا بتتبع آثار الصالحين ولذا لما هلك أهل الكهف اتخذ أصحاب القوة والنفوذ عليهم مسجداً ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ) والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر من الغلو في الدين وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم وممن حذّر من ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعن المَعرُور بن سُويد الأسدي قال : " وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلمّا انصرف إلى المدينة وانصرفت معه صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها : " ألم ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " و " لإيلاف قريش " ثمّ رأى أناساً يذهبون مذهباً - أي طريقاً - فقال : أين يذهب هؤلاء ؟ قالوا : يأتون مسجداً هاهنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنما أُهلك من كان قبلكم بأشباه هذه ! يتّبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائسَ وبِيعاً ، ومن أدركته الصلاة في شيءٍ من هذه المساجد التي صلّى فيها رسول الله فليصل فيها ولايتعَمَّدْنَها " أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه والطحاوي في مشكل الآثار وهذا أثر صحح اسناده ابن تيمية في مجموع الفتاوى .
عباد الله : هناك فئة ممن يرى استباحة هذا الفعل - أي جواز اتخاذ القبور مساجد – يثيرون هذه الشبهة لدى العامّة من الناس ويستدلون بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي وهذا ضلال منهم وسوء فهم ، ومن المعلوم أن قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجرة عائشة رضي الله عنها ، ولم يكُ في المسجد أصلاً ولم يبنَ عليه المسجد ، فلما كانت التوسعة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من سبعين عاماً في عهد الوليد بن عبدالملك أمر واليه على المدينة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في عام ثمانيةٍ وثمانين من الهجرة أمره أن يهدم المسجد ويضيفُ إليه حُجَرُ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فجمع عمر بن عبدالعزيز وجوه الناس والفقهاء فشقّ عليهم ذلك وقالوا : تركها على ذلك أدعى للعبرة ، وشق على بعض التابعين ومنهم سعيد بن المسيّب ذلك الأمر فكتب عمر بن عبدالعزيز بذلك للوليد فأمره أمراً صارماً بتنفيذ ماأمر فكان لابد لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله من الطاعة خوفاً من الفتنة ودرءاً لفرقة المسلمين ، مع أن قولَ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح واضحٌ جليٌّ في هذا الشأن : " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

خطبة عن حرمة السرقة والإحتيال الإلكتروني

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : شرع الله وأوجب على ابن آدم حفظ الضروريات الخمس الكبرى والتي هي حفظ الدين والعقل والمال والعرض والنفس وهذه الضروريات لاتقوم الحياة إلا بها ، وبها صلاح الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع وأدلتها حفظها متواترة ومفرّقة في الوحيين ( الكتاب والسنة ) ومن هذه الضروريات حفظ المال التي جعله الله للعبد قِواماً لعيشه ونفسه وأهله ، فأمر جل وعلا بحفظه حيث قال : ( واحفظوا أموالكم . . ) ونهى ولي الأمر أن يؤتي السفيه ماله من ولد أو خادم ذكراً كان او أنثى حيث قال جل وعلا : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفا ) والسفيه من الشباب من الأبناء هو الذي لايُحسن التصرف في المال فتجد أنه حالة من الإسراف والتبذير في شراء بضاعة لاقيمة لها أو يشتري أو يستخدم هذا المال في شراء بضاعة محرمة أياً كانت . 

عباد الله : المال عصب الحياة ويتحصل عليه العبد نتيجة كدح وجهد ومشقة فعندما يذهب أو يُنهب ، ويُسلب يعيش العبد حالة من الفقر والفاقه وخصوصاً في حالات السرقة التي تستحوذ على كامل المال ، وربما يكون ضمن المتسولين الذين يتكففون الناس بسبب حاجتهم وعدم استغنائهم فحفظ المال به تقوم مصالح العباد ويستغني به العبد عن الناس ،  ومن ابتلي بهبٍ أو سلب فليسترجع وليصبر ويأخذ بالأسباب من إبلاغ مسؤول ورجل أمن وإن احتاج غلى الناس فليتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدّ فاقته ، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له بفرجٍ عاجل أو آجل " رواه أبوداود والترمذي وقال : حديث حسن . 

عباد الله : حقوق العباد مبنية على المشاحّة وحقوق الله مبنية على المسامحة والتخلص من حقوق العباد واجبٌ وسببٌ للنجاة من عذاب الله تعالى وسلب حقوق الناس وأموالهم موجبٌ لدخول الجحيم وهذا مقطوعٌ به في الشرع ولافكاك للعبد من حق الناس إلا بتأديتها إليهم ولا مناص ولا خلاص إلا بذلك مهما كانت منزلة العبد عند الناس وقد روى النسائي عن محمد بن جحش رضي الله عنه قال : " كُنّا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء فقال : سبحان الله ! ماذا نُزّل من التشديد ؟ فسكتنا وفزعنا ، فلمّا كان من الغد ، سألته يارسول الله : ماهذا التشديد الذي نُزّل ؟ فقال : " والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله ثم أُحيي ثمّ قُتل ثم أحيي ثم قُتل ثم أحيي وعليه دين مادخل الجنّة حتى يُقضى عنه دينَه "  والحديث حسن . 

وعن جابرٍ بن عبدالله رضي الله عنه قال : " مات رجلٌ فغسّلناه وكفنّاه وحنظناه ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ، ثم آذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ، فجاء معنا فتخطّى خُطى ثمّ قال : " لعلّ على صاحبكم دين ؟ " قالوا : نعم ، ديناران ، فتخلف وقال : " صلّوا على صاحبكم " وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على المؤمنين فيها رحمة عظيمة لهم ، قال : " صلوا على صاحبكم " فقال له رجلٌ منّا يُقال له أبا قتادة : " يارسول الله هما عليّ " فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الميّت ثمّ لقيه عليه الصلاة والسلام من الغد فقال : " ماصنعت الديناران ؟ " فقال أبو قتادة : يارسول الله إنما مات أمس ، ثم لقيه من الغد فقال : " مافعل الديناران ؟ " قال : قد قضيتهما يارسول الله ، قال : " الآن حين بردت عليه جلده " أخرجه الحاكم والسياق له والبيهقي والطيالسي وأحمد بإسنادٍ حسن  . 

عباد الله : مال المؤمن له حُرمة لايحل منه شيءٌ إلا بطيب نفسٍ منه  حيث يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث : " لايحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه " والحديث صحيح الإمام أحمد والبيهقي والدار قُطني وغيرهم وفي حديث أبي أمامة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه سلم قال : " من اقتطع حق امرئٍ مسلم بغير حق فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة " فقال له رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله ؟ قال : " وإن قضيباً من أراك " رواه مسلم وفي حديث له شواهد يصححه جمعٌ من أهل العلم من حديث أبي حُميد الساعدي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايحل لامرئٍ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسٍ منه " . رواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما فلذا ينبغي للعبد أن يحتاط ويحذر أشدّ الحذر من حقوق العباد ومن أبتلي في ذلك فلينوِ الأداء وإيصال الحقوق لأهلها والله مُطلعٌ على قلبه ونيته ومقصوده فليحذر أن يُبيّت نية السوء وليكن عازماً على أداء الحقوق لأهلها وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه ومن أخذها يُريد إتلافها أتلفه الله " رواه البخاري . 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المأثم والمغرم ففي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : " اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم " فقال له قائل : ما أكثر ماتستعيذ من المغرم ؟ فقال : " إن الرجل إذا غرِم حدّث فكذب ووعد فأخلف " رواه البخاري ومسلم 

فاللهم إنا نعوذ بك من شرّ حقوق العباد ومن سبيل الفساد والإفساد أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من الناس من لايبالي بحقوق العباد ولا باختلاس أموالهم ويصنع من أجل ذلك الحِيَل والمكر ويستدرج طائفة ممن سلمت قلوبهم وصاروا يظنون بمن يتعامل معهم خيراً ومن ثَمّ يوقعونهم في عملية احتيال ومكرٍ فاجرة سواءٌ كان ذلك التعامل عن طريق هاتفٍ أو رسالة أو برنامج أو نحو ذلك فيجب أن يكون العبد على حذر من التعامل مع تلك الإتصالات المُوهمة والتي غالباً ماتكون من خارج هذه البلاد فهناك فئات من المفسدين من خارج هذه البلاد قد عجزت عنهم حكوماتُهم ويرون أن بلاد الحرمين والبلدان الخليجية أنهم واسعوا الثراء ولا يعلمون أن هناك منهم من هو في أمسّ الحاجة لقليلٍ من المال الذي يعول به أسرته  . 

عباد الله  : الإحتيال والجريمة والسرقات الإلكترونية هي آفة في هذا العصر لم تسلم - ياعباد الله - دول عدة في جميع اقطار العالم من هذه الآفة ، فعلى المسلم أن يحذر من المحتالين الماكرين الذين يوقعون العباد في فخ ومن ثم ينهبون أموالهم وليحذر عامة المسلمين من المغررين الذين يطلبون بياناتهم الشخصية وأرقام حساباتهم وكلماتهم السريّة والتي كثيراً ماتحذر المصارف من إعطائها لأي أحد من الناس وهذه البلاد وأهلها مستهدفون بالهجمات الإلكترونية التي تصل لملايين الهجمات في بعض المواقع . 

عباد الله : تطبيق الحدود قطعٌ للجريمة والجناية في بلاد المسلمين وغيرهم ولو أن العالم أجمع  على تطبيق  حد السرقة لن تَر سارقاً في هذا العالم وذلك أن تطبيق الحدود فيه ردعٌ للسارقين والمحتالين وهو خيرٌ للناس وحفاظٌ على أموالهم من عبث العابثين واستدراج المحتالين كما قال صلى الله عليه وسلم :  ( حدٌ يقامُ في الأرض خيرٌ للناس من أن يُمطروا أربعين صباحاً ) رواه النسائي وابن ماجه في سنَنَيهما والإمام أحمد في مسنده . 

علماً أن تطبيق هذا الحد يحتاج لتوفر شروط وانتفاء موانع ولا تُقطع يد سارق إلا بعد توفر هذه الشروط  وإذا حصلت شُبهة فيُدفع الحد ولا يُطبّق لقوله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " وليس كل سارقٍ تُقطع يده وهذه شريعة الله الحكيم في تدبيره وهو أعرف جل وعلا بمصلحة عباده وله في ذلك الحكمة الباهرة والحجة البالغة . . وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 

الخميس، 2 ديسمبر 2021

خطبة عن الولاء والبراء من أعداء الإسلام

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من عقيدة الفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة ومن الأصول الثابتة في شرع الله التي ينبغي للإنسان أن يتعاهدها ويرسخها في نفسه ( عقيدة الولاء والبراء في دين الله ) وتعني الولاء لكل مسلم والبراء من كل مشرك وكافر أياً كانت عقيدته يهودي أو نصراني أو بوذي أو هندوسي أو غيرهم وبتعريفٍ آخر الولاء لأولياء الله وأنصاره والبراءة من أعداء الله كلهم ولو كانوا من أولي القربى وفي ذلك يقول الله تعالى : ( لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح ٍمنه ويُدخلهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) فعدّهم الله من حزبه وضمن لهم الفلاح إن أدوا ماافترض الله عليهم ، والله جلّ وعلا نهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وجعل من يتولاهم بالمحبة والموالاة ومن يكون في صفهم منهم - أي من اليهود والنصارى - ولو كان ينطق بالشهادتين ويعدُّ نفسه من المسلمين ( ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم إن الله لايهدي القوم الظالمين ) وأخبر جلّ وعلا عن المنافقين من هذه الأمة هم أكثر من يوالي هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وأنهم يسرعون إلى موالاتهم يخافون من أن يغلب أعداء الله على المسلمين فيكونون في أمان باعتقادهم وزعمهم وهذا انتكاسٌ وبليّة بُليت بها هذه الأمة من فجر الإسلام إلى يومنا هذا حيث يقول الله عنهم ( فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تُصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ 
من عنده فيصبحوا على ماأسرّوا في أنفسهم نادمين ) والمؤمن يستنكر هذا الفعل ويستهجنه كما أراد الله ويعدّ ذلك من محبطات الأعمال وأن ذلك خسارة الدنيا والآخرة وفي يقول الله جل جلاله : ( ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) وهو في ذلك يشيرون للمنافقين الذي كانوا يقسمون بالله العظيم بأنهم لكم أولياء وأنهم معكم في سلمكم وحربكم حبطت اليوم أعمالهم فاصبحوا خاسرين . 
عباد الله : من اتخذ دين الله هزواً من اليهود والنصارى وغيرهم هو أحق من غيره بالمعاداة والكره فالكافر المستهزئ ليس كغيره من الكفار المسالمين كما أن الكافر المحارب ليس كغيره من الكفار غير المحاربين وذلك أن المستهزئ من هؤلاء يصد عن سبيل الله ويتلقف كلامه كل من رقّ دينه وذهب عهده وضل عن سبيل الله ممن كان قبل ذلك من المسلمين ، فلذا صرّح الله بالنهي عن موالاة المستهزئين من هؤلاء الكفرة فقال سبحانه : ( ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعِبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا ذلك بأنهم قومٌ لايعقلون ) فموالاة مثل هؤلاء ممن يستهزئ بشعائر الدين الظاهرة كالصلاة وغيرها له عواقبه الوخيمة على الدين أولاً وعلى مصير العبد بعد الموت  . 
عباد الله : في أول الإسلام بعدما فرض الله الهجرة على المسلمين فمن المسلمين من فرّ بدينه إلى الحبشة وبقي أناسٌ من المسلمين لم يُهاجروا منهم العباس بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك طلحة بن أبي طلحة الذي كان معه مفتاح الكعبة فقد آثروا المكث مع أولادهم وأهليهم حينما استعطفوهم للبقاء وكان العباس أبقى نفسه لسقاية الحاج وأما طلحة فما هاجر لأن معه مفتاح الكعبة - كما زعم - ثم إن الله  أضله الله فيما بعد فقُتل كافراً يوم أحد كما ذكرت المصادر التاريخية  وإن الله أنزل فيهم وفيمن نهج سبيلهم ( ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره إن الله لايهدي القوم الفاسقين ) فانظر إلى وعيد الله وتفسيق من يفعل ذلك نسأل الله العافية . 
عباد الله : الولاء والبراء عقيدةٌ وفرضٌ متحتم على كل مسلم وهو من أصول هذا الدين وثوابته فلا ينبغي للمسلم أن يوالي إلا من أمر الله بولائه ومحبته ونصرته ولا ينبغي أن يُعادي إلا من أمر الله بمعاداته وهجره وكراهيته ولا تُنال ولاية الله ولا محبته إلا بذلك وهي أوثق عرى الإيمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله " أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ، وبالولاء والبراء يستكمل العبد الإيمان ففي حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " رواه أبوداود  . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 
=========== الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للخلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واتقوا واعلموا أن الموالاة والمعاداة في الله منها ماهو كلي كالبراءة من الكفار والمشركين وغيرهم ومنها ماهو محدود نسبي كموالاة الفساق من المسلمين والبراءة من أفعالهم وكره مافيهم من الفسق والمجون  ولذا يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى : " وإذا اجتمع في الرجل الواحد - أي من المسلمين - : خيرٌ وشر وفجور وطاعة ، ومعصيةٌ وسنّة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر مافيه من الخير واستُحق من المعاداة والعقاب بحسب مافيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تُقطع يدهُ لسرقته ويُعطى من بيت المال مايكفيه لحاجته ، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم " . 
ولذا لمّا سبّ رجلٌ من الصحابة رجل ٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب الخمر ويُقال له عبدالله فلعنه وقال عنه : " ماأكثر مايؤتى به " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لاتلعنه فإنه يُحب الله ورسوله " والحديث رواه البخاري . 
عباد الله : ثم إنه يجب على العبد أن لايكون محبته وولائه وكرهه ومعاداته بحسب هواه ونفسه فمن أحبته نفسه أحبه ومن كرهته نفسه كرهه وهذا بُلي به كثير من الناس وقد نبّه لذلك العلماء فيجب أن يلزم العبد ماأُمر به وينتهي عما نُهي عنه وإلا كان متبعاً لرغباته وشهوته وفي ذلك يقول الله تعالى : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين ) .    
وينبغي للعبد أن يتعاهد قلبه في الحب والكره ويفتش عن خلجات نفسه ومداخل الشعور عنده لمن تكون محبته ولماذا يُحب فلاناً من الناس هل هو من أجل الله أم لمطمعٍ ٍمن مطامع الدنيا ومصلحة يرغب فيها فإن كان كذلك فهي وبالٌ على صاحبها ولاتجدي لصاحبها شيئاً ولا تنفعه في أخراه وعلى النقيض من ذلك فإنه كلما كملت محبة العبد لأخيه في الله دون غيره من حظوظ الدنيا فتلك منزلةٌ يغبطُ صاحبَها الأنبياءُ والشهداء ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه  أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء " رواه الترمذي ،  وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي " رواه مسلم 
وقال في محبة الصاحب والصديق أنه قال صلى الله عليه وسلم في حديث مرسل : " ماتحابّ اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبّاً لصاحبه "  ويصحح هذا الحديث جمعٌ من أهل العلم . 

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021

خطبة عن نعمة النبات والزرع والتحذير من العبث بالمنتزهات

الحمدلله الذي أنعم على عباده بنعمة الأمن والإيمان ، وكرّم ابنَ آدم في البر والبحر على سائر المخلوقات والحيوان ، وحفظهم من شياطين الإنس والجآن ، نحمده وهو اللطيف المنان ، ونصلي ونسلم على نبي الهدى على مرّ الأزمان وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين بإحسان أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الغطاء النباتي للأرض كافة والزروع والنخيل والمزارع والضيعات والبساتين كل ذلك من نعم الله على عباده التي تحتاج للتأمل والشكر والثناء على المنعم سبحانه بما هو أهله وكثيراً سبحانه يذكر هذه النعم فيسوقها مساق الإمتنان على العباد كما قال تعالى : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منه حبّاً فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنّاتٍ من نخيلٍ وأعنابٍ وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) وكما قال سبحانه : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين ) ومرّة يسوق ذلك مساق الإشادة بالمنعم والحث على التأمل فيما يخلق ويوجد حيث قال : ( وهو الذي أنزل من السماء ماءاً فأخرجنا به نبات كل شيءٍ فأخرجنا منه خضِراً نخرج منه حبّاً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجناتٍ من أعنابٍ والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآياتٍ لقومٍ يؤمنون ) وقال جلّ وعلا : (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ شيءٍ موزون ) .

والله جل وعلا أمر بعمارة الأرض ديناً ودنيا ومن عمارة الدنيا عمارتها بالحرث والزرع لتأمين العيش وفعل الخير ولذا في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والبزار في مسنده من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لاتقوم حتى يغرسها فليغرسها " ولفظ أحمد : " إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسيلة فليغرسها " .

وكذلك كان فعل الصحابة رضوان الله عليهم يعملون لأنفسهم ولغيرهم يبتغون بذلك وجه الله ويأخذون نصيبهم من الدنيا فعن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : " سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لأَبِي : " مايمنعك أن تغرس أرضك " فقال له أَبِي : أنا شيخٌ كبير أموت غداً ، فقال له عمر : " أعزم عليك لتغرسنّها " يقول عمارة : " فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي " .

وأما ما اشتهر بين الناس وهو مقولة : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً " فليس هو بحديث مرفوع ٍإلى النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه بعض المحدثين ونسبه بعض العلماء إلى الوضع ، وينوب عنه قول ابن عمر رضي الله عنه حينما قال : " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك " .
والحرث من النعم التي زُينت للناس كما قال تعالى : ( زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) وجعل الله ماعلى الأرض من النبات والزرع والنخيل والجنان زينة لها وابتلاءاً للعباد كما قال سبحانه : ( إنا جعلنا ماعلى الأرض زينة لها لنبلوهم ايهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ماعليها صعيداً جُرزا ) أي أرضاً لانبات فيها مستوية حتى الجبال يسوّها جلا وعلا بالأرض كما أخبر الله تعالى حينما قال : ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعاً صفصفاً * لاترى فيها عِوجاً ولا أمتا ) أي لااعوجاج فيها ولا بروزٌ أو نتوء وكل ذلك يكون يوم الدين ووجه ابتلاء الله بتلك الزينة وتلك الخضرة والنبات هو امتحان العباد هل يستعملها في الطاعة ويجعلها عوناً له على طاعة ربه ومولاه ويتجنب استعمالها في الحرام أو استعمال مايخرج منها مما حرّم الله استعماله مما يضر بالعقل والجسد ، وقد أخرج ابن جرير وابن ابي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( لِنبلوهم أيهم أحسن عملا ) فقلت : مامعنى ذلك يارسول الله قال : " ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله " .

وتأمل معي قول الله تعالى حينما قال : ( وهو الذي أنشأ جنّاتٍ معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه . . ) الآية وقال في آية أخرى : ( والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه . . ) الآية فهناك فرق بين الإشتباه والتشابه فالإشتباه هو اللبس وعدم التمييز والخلط بين شيئين مختلفين نسبياً ، وأما التشابه فمعروف وهو تقارب بين صنفين أو شيئين في كثير من الوجوه والمقصود من ذلك وجه إعجازي في القرآن وهو التقارب بين شجرة الرمان والزيتون فلمّا أراد أن يلفت النظر للشكل والمرأى قال : " مشتبهاً " أي على الناظرين فالكثير من الناس لايميز بين أوراقٍ كلٍ من الشجرتين ولما أراد أن يلفت النظر للطعم قال : " غير متشابه " أي في الطعم وكل ذلك لبيان قدرته سبحانه على الإيجاد والتمييز في الأمور الدقيقة التي لايستطيع التفريق بينها أحد وما ذكرنا ضربٌ منها لطيف وهناك ماهو ألطف وأصغر بكثير من ذلك فلذا قرن بين التشابه والإشتباه وهما اشتقاقين في اللغة مختلفين ، ولما أراد أن يُبين نعمته وفضله أفرد اللفظ باشتقاق واحد وهو التشابه حيث قال جلّ وعلا في الآية الأخرى عن الزيتون والرمان ( متشابهاً وغير متشابه ) أي في المنظر والطعم .

ومن وجوه مظاهر نعمته وقدرته قوله سبحانه عن الأرض والنخيل : 
( وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجنّاتٌ من أعناب وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان يسقى بماءٍ واحد ونفضل بعضها على بعضٍ في الأُكل إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون ) وذلك أنك تجد أن من الأراضي ماهو عذيٌّ صالحٌ للزراعة ومنها ماهو سبِخَةٌ لاينبت فيها شيء وهما متجاورتان بجنب بعضهما البعض وتجد من النخيل النخلة والنخلتان والثلاث تجتمع في أصلٍ واحد وهو الصنوان المذكور في كتاب الله من أفراخ النخيل ومثيلاتها الملتصقة بها ومنها ماهو منفردٌ بذاته وكل ذلك يسقيه ماءٌ واحد وبين أنواع ثمار النخيل فروقٌ في الطعم واللون والفائدة الغذائية مايختص به ، فسبحان من خلق فسوى وقدّر فهدى أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

========== الخطبة الثانية ==========

الحمد لله الكريم الأعلى الذي أعطى عباده من الخير وأولى وأخرج المرعى فجعله غثاءاً أحوى والصلاة والسلام على الرسول المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى وعلى من اتبع سبيله واقتفى أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واستعينوا بنعمة الله على عبادة الله واعلموا أنكم إلى الله صائرون وإليه تحشرون وعن نعمته مسؤولون وبأعمالكم مجزيون . 
عباد الله : ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لاتتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " وهذا الحديث حديث حسنه الترمذي من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وقد يُشكل على البعض فيُظن أنه لايحل للرجل أن يتخذ مزرعة أو حائطاً أو ضيعة! فكيف الجمع بينه وبين حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : " مامن مسلم ٍ يغرس غرساً إلا كان ماأُكل منه له صدقة وما سُرق منه صدقة ، ولا يرزؤه أحد - أي ينقصه - إلا كان له صدقة " فيُقال من خاف على نفسه أن يُفتن ويترك الإنفاق منه أو يمنع حق المسكين منه فلا يحل له أن يتخذ مزرعة أو بستاناً وكذلك لو خاف على نفسه أن يرغب في الدنيا ويترك العمل للآخرة فلا ينبغي له أن يتخذ هذه المزارع والضيعات لأنها تُشغله عن الآخرة والسعي لها والعافية لايعدلها شيء .

عباد الله : هناك فئة من بني جلدتنا تنزعهم أنفسهم للفساد والإفساد لم تسلم الأشجار ولا المراعي من شرورهم قد اتخذوا الإفساد وقطع الشجر بلا حاجة ولا ضرورة اتخذوا ذلك مهنة ومتعة ، فكان لهم نصيب من قول الله تعالى : ( وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لايُحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) نسأل الله العافية .
وقد ورد التحذير من هذا الصنيع ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاطع السدر يُصبون في النار على رؤوسهم صبّا ً " والحديث أخرجه البيهقي وحسنّه بعض أهل العلم .
- ومن صور الإفساد والإتلاف تقذير الأماكن التي يرتادها الناس وكذلك المنتزهات البرية والحدائق والمرافق العامة بإلقاء المخلفات فيها وإفسادها على مرتاديها ولا شك أن هذا خطأ وجهل وسوء تصرف وطرق التخلص من النفايات والمخالفات كثيرة وغالباً ولله الحمد توفر الأمانات والبلديات حاوياتٍ يُلقي فيها تلك المخلفات ولو لم يكن ذلك فما المانع من أن يحتفظ بتلك المخلفات حتى يجد حاوية يُلقيها فيها فكونوا - ياعباد الله - أعوان خير على ذلك وكفوا من كان تحت ولايتكم عن تلك العادة السيئة فديننا دين نظافة وجمال وتعاون وكمال أصلح الله الراعي والرعية ودفع الله عن المسلمين كل سوءٍ وبلية .. ثم صلوا وسلموا على محمد بن عبدالله فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...