الأربعاء، 25 مايو 2022

خطبة عن خطر التعميم في الألفاظ أو الأشخاص أو البلدان

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : تبتلى الساحة الإسلامية والعربية بين الفينة والأخرى على فترات متقطعة بانفلات من بعض من ينتسب إلى العلم والأدب والفكر الإسلامي فيقول مقولة عمياء بكماء صمّاء لايحسب لها حساباً تُنقص من مكانته وقدره بين طبقة أهل العلم والفضل وبين طبقات المثقفين بالجملة وبين كافة الناس ، وسبب ذلك الإنفلات الكلامي عدة أمور منها :
* عدم الإتزان الإنفعالي أثناء الكلام فتجد أنه يتفوّه بكلام يؤخذ به ويدان به ويكون ذلك الكلام الشاطح ضدُّه وشاهدٌ عليه
* ومنها : التعميم في الألفاظ أو الأشخاص أو البلدان ، فلا يستثن أحداً حينما يصف مجموعة أشخاص أو شعب بأكمله أو بلداً بأهله فيضل ويزلّ وهذا الأسلوب شنّع به الشرع ووصف صاحبه بأنه من أعظم الناس إثماً وأعظمهم فرية وكذباً وبُهتاناً ففي سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبّان أن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعظم الناس فرية اثنان : شاعرٌ يهجو القبيلة بأسرها ، ورجل انتفى من أبيه " وقد تكرر هذا الأسلوب كثيراً مؤخراً وكثُر أصحابه والمطبلون له ، وإذا وصل بأحدهم حدّ الفخر فقد وصل لمرحلة خطيرة ، وتجد مثل هذا الأسلوب في مناورات شعرية لاجدوى من ورائها وليس فيها إلا الكلام الذي لاقيمة له ولا وزن ولا يؤجر عليه الشاعر وهو إلى الإثم أقرب فينبغي لمن كان مسؤولاً عن هذه المساجلات أو الإجتماعات أن يضع حداً لهذه التجاوزات التي تزرع الفرقة في المجتمع وتشتّتُه وتزرع العنصرية ضد شعب أو قبيلة أو فئة من مجتمع بعينه .
* ومن تلك الأمور التي تتسبب في بعض التجاوزات والإنفلات في الأقوال ، النقمة والكره لبعض الأفعال والسلبيات التي تصدر من بعض الأفراد في مجتمعنا فيجرّئُ ذلك المفكر أو المثقف أو الكاتب أن يتجاوز فيقع في فكرة التعميم المحظورة التي ذكرناها آنفاً ، ومن ثم يتصادم مع المجتمع صغيره وكبيره ، وربما يجرّ من كان من بني جنسه وفي تخصصه لإحراج ومجادلات هو في غنى عنها ، والسلبيات في الحقيقة موجودة في كل مجتمع ، ولكن أين المجتمع الذي تقلّ سلبياته وتزيد إيجابياته عن غيره ، ولا أفضل من المجتمعات المسلمة في هذا الشأن وإن كان يعتريهم بعض النقص ، ولكن هم أصحاب التربية الحقة والنهج السليم الذي يضفي للإنسان سعادة الدنيا والآخرة .
عباد الله : صدق الشاعر حين قال :
أصون عرضي بمالي لاأدنسه * لابارك الله بعد العرض بالمال
إن صون العرض بكلمة أو بدفاع عن حق أو بترك كلمة تريد أن تقولها في مجلس أو في ملتقى أو قناة معينة أو نحو ذلك لم تحسب لها حساباً هو أمرٌ ينبغي العناية به وأن يحسب المرء لقوله الذي قال حساباً ينجو به من تبعات الدنيا وعذاب الآخرة وقد كان السلف الصالح يحسبون للكلام الذي يقولونه ، بل كان بعضهم يعدّ الكلام عداً ، فأين أولئك المتفوهون السفهاء الذين يتفوهون بكل مايخطر على بالهم من صحيح الكلام وسقيمه وحلوه ومرّه وخاصّه وعامّه ، فهل يُرجى لهؤلاء نجاةٌ يوم الدين وهم يهرفون بما لايعرفون ويتكلمون بكل مايشاؤون بحسن الكلام وقبيحه ، وفي ذلك يقول ابراهيم النخعي : " إنما أهلك الناس فضول الكلام والمال " .
بل بعضهم لايبالي أن يتكلم من أجل أن يأخذَ على كلامه أجراً رخيصاً من متاع الدنيا فخاب وخسر وفي ذلك يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : " ليأتيّن على الناس زمانٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بالسنتها "
عباد الله : الصمت علاج لكثير من النفوس التي لاتصبر إلا أن تأتي بالكلمة العوراء ، وإن كان الكثير من الكلام داء فالصمت هو الدواء ، ويقول عبدالله بن المبارك : " لوكان الكلام بطاعة الله من فضة ، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب " ، وكم من نادم على الكلام مراراً وعلى الصمت يقل الندم أو يكاد ينعدم ، وأكثر الناس هيبة الصامتون ، وهم أجل في قلوب الناس من غيرهم ، ولكن ليس الصمت في كل الأحوال هو الخير والذاكرون الله والداعون للخير خيرٌ من الصامتين ومع الصمت يقل الزلل ومن كثُر كلامه كثر زللــه ، وإن زلّة القدم تبرأ وتُنسى وزلّة اللسان تُذكر ولا تنسى ولاتبرأ مواجعها إذا وقعت في القلوب ولاتسدّ العيوب ، واللسان مزّلة ومستودع الذنوب فالحذر ممن تكفره الأعضاء كلها وتقول : " اتق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا " .
اللهم شرّ ألسنتنا ونفوسنا ، واجعل قول الحق والدعوة إليه من سجيتنا واهدنا لأحسن الأقوال والأعمال لايهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنّا سيئها لايصرف عنّا سيئها إلا أنت ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============ الخطبة الثانية ============
الحمدلله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على المبعوث بالأخلاق والفرقان نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن خير الناس المتقون الذين يستمعون للقول فيتبعون أحسنه ويحرصون في أقوالهم على القول السديد وفي طرح آرائهم على الرأي الرشيد ويمسكون عن ماسوى ذلك مما لاينفع عند الله ولا يُرتضى عند الناس ، وفي الآية ذات الأمر والبشارة يقول ربنا جلّت ذاته وتسامت آياته وصفاته : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا * يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) فانظر كيف ربط التقوى والقولَ السديد بصلاح وإصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وتكفير الخطايا والسيئات ، وكل ذلك يدلل على أن القول حينما يُطلقه صاحبه ولم يكن سديداً فإنه يضرّ صاحبه ويجلب له الفتنة والخسارة وضياع العمل ، وفي الحديث الذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانه " .
وفي هذا الحديث تتبين عدة أمور منها أن اللسان بابٌ للقلب وموصلٌ إليه وأن طهارة القلب وصلاحه مرتبطة باللسان فإن صلُح ونطق بالخير والبر كان لذلك أثرٌ على القلب فيستقيم ويطهر من الأمراض المعنوية كالبغض والتشاحن والحقد والغل ، فمن صلُح لسانه أعانه الله على طهارة القلب وصلاحه ، وأصلح سره وسريرته ومن صلُحت سريرته صلُحت علانيته ، والله يستخرج مافي القلوب بالألسن ، واقرؤوا إن شئتم : ( أم حسب الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرج الله أضغانهم ) وفي أثرٍ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : " ماأسرّ عبدٌ سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه " .
وهذه الأمور الخفية لاتبين إلا للمؤمنين الصادقين دون غيرهم ووأرد القرطبي في تفسيره أن أنس بن مالك رضي الله عنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قد مرّ بالسوق فنظر إلى امرأة ، فلمّا نظر إليه عثمان قال له : " يدخل أحدكم عليّ وفي عينيه أثر الزنا ، فقال له أنس رضي الله عنه : أوحياً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا . . ولكن برهان وفراسة وصدق " .
ثم صلّوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .

الخميس، 5 مايو 2022

خطبة عن دوام العمل بعد رمضان وصيام الست من شوال

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن مما ينبغي للمسلم بعد أداءه لفريضة الصيام أن يلزم الإستقامة على طريق الهداية ولا يحيد عن درب النجاة ويتعاهد إيمانه وتقواه على الدوام فهذا هو الذي يفوز ويعلو ويبشّر وينجو ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألّا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم تُوعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ماتشتهي أنفُسكم ولكم فيها ماتدّعون * نُزلاً من غفور رحيم ) .
والإستقامة : ليس أن تجتهد في الطاعات بقدر ماهو ترك للمنهيات فكثير من الناس يسهُل عليه فعل الطاعة ولكن يصعُب عليه ترك المعصية ، وترك المعصية أوجب وأولى لأن ترك المعصية عام في الشرع لكل معصية وإثم وأما الطاعات فيأتيها العبد المسلم على قدر طاقته ونشاطه فيكون أخص من هذا الباب وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه مااستطعتم " رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
عباد الله : هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام يعمل بها المسلم في شؤون حياته كلّها وما زلّت قدم عبد في الآخرة وما عُذّب في قبره ولا ناله العذاب والعقوبة إلا بسبب ذلك فتجد أنه ممن وفقه الله للصدقة فتجده باذلاً للمال في وجوه الخير ولكن عنده كبيرة خفيّة يفعلُها توبق نفسه وتورده الجحيم ، فياليته لم يتصدّق واجتنبها لكان أسلم له ، وتجد آخر يصوم الأيام من أيام النفل كصيام ست من شوّال والإثنين والخميس والأيام البيض ولكن ممن دخل في المعاملات الربوية ولا يبالي لهثاً وراء المال فهذا يجب عليه أن يتركَ أكل الربا وحينها ينتفع بصيامه وإلا لم يستفد من صيامه ، وهكذا على هذا النحوك من الأمثلة والخلاصة من ذلك : أن تفتّش - أخي المبارك - عن المعصية والكبيرة في حياتك إن كنت ممن ابتُلي بذلك ومن ثمّ تتجتنبُها وتُلزمُ نفسك وتتعاهَدُها لتنال الكرامة وتكفير السيئات
( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عننكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مُدخلاً كريما ) .
عباد الله : وإن من تمام الطاعة ولزوم النهج القويم في التعامل مع النفس أن تداوم على الطاعة ولا تنقطع ، فعملٌ قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع وحريّ بالذي يداوم على الطاعة أن يصلَ المنزل ويحوزَ الدرجة الرفيعة ، وذلك أن النفس ليست على درجة واحدة من النشاط في كل الأوقات ومن جعل عمله ديمة وشارط نفسه على ذلك أن لايترك ذلك العمل الذي اشترطه على نفسه ولو في وقت فتوره ومرضه حسب استطاعته ، كان من عباد الله السابقين ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ) وذلك العمل فعل الأنبياء والمرسلين وذلك أن علقمة النخعي رحمه الله سأل عائشة رضي الله عنها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئاً - أي يجتهد فيها غير المواسم - قالت : لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم يُطيق ماكان رسول الله يُطيق ؟ أخرجه البُخاري .
عباد الله : الإستمرار في عمل صالح حتى الممات - إخوة الإسلام - هو نهجٌ نبوي حيث كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته - أي داوم عليه - وكان كذلك آل محمد عليه الصلاة والسلام إذا عملوا عملاً أثبتوه وأحب الأعمال إلى الله ماداوم عليه صاحبه كما ثبت في السنة وعلى العبد أن يحرص ويسدد ويقارب ويجتهد قدر استطاعته ، فما هذه الدنيا إلا مزرعة للآخرة وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سددوا وقاربوا ، واعلموا أنه لن يُدخل أحدُكم عمله الجنة وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ " فنسأل الله أن يُعيننا جميعاً على أنفسِنا، وأن يهدينا ويوفقَنا لسبل مرضاته ، ونيل كرامته . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي منّ بفضله على الأنام وهداهم لسبل السلام والصلاة والسلام على المبرّأ من الخطايا والآثام نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيرا أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن السلف الصالح ممن سبقنا كانوا يحرصون على الدعاء بقبول رمضان أشهراً بعد انصرام شهر الصوم ، وكانوا يهتمون لقبول العمل كثيراً ، ففي الأثر عن فضَالة بن عُبيد رضي الله عنه قال : " لأن أكون أعلم أن الله قد تقبّل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها " لأن الله يقول : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وقال عبدالعزيز بي أبي روّاد رحمه الله : " أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه ، وقع عليهم الهم أيُقبل منهم أم لا ؟ فهم يمتثلون قول الله تعالى : ( والذين يؤتون ماءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) . . وكان علي رضي الله عنه أنه كان ينادي آخر رمضان فيقول : " ياليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ؟ ومن هذا المحروم فنعزيه ؟ " . . ومن علامات القبول : إتباع الحسنة بالحسنة ، والعملِ الصالح بالعمل الصالح فالفريضةُ تُتبع بالنافلة والزكاة تُتبع بالصدقة وصوم رمضان يُتبع بصوم الست من شوال وفي ذلك ورد النص عن المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث يقول : " من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر " أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وعنا أجمعين ، فاحرص أخي الموفق على ذلك مادمت في وقت الصحة والإمهال ، ولو أن تصومها مفرّقة إذا كان يشق عليك سردها ، ومن صام يوم الإثنين والخميس لينال الأجرين بذلك كان له مانوى وقد أفتى بذلك كبار أهل العلم في بلادنا وغيرها . . فاللهم ارزقنا القوة والعون على مرضاتك وعلى كل عمل صالح يُرضيك عنا ووفقنا للخير حيثما كنّا . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

الخميس، 28 أبريل 2022

خطبة عن ختام شهر رمضان وزكاة الفطر

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله أرسله ربه بين يدي الساعة إلى الأنام فأبان لهم المحجة بجوامع الكلام فلا يزيغ عنها إلا هالك حيران في أطباق الظلام عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه وأتباعه وحزبه إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - على نعمة إدراك الشهر الفضيل واستكملوا مابقي منه بالسعي والتحصيل فالموفقون للفضائل والأعمال نزرٌ قليل ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) واعلموا رحمكم الله أنه بضعة أيام يُغلق باب المضاعفة للأجور فرمضان أوشك على الرحيل فاغتنموا مابقي منه ولو علم الناس مافي رمضان من الخيرات والبركات لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان لما فيه من تنزّل الرحمات واستجابة الدعوات وتكفير الذنوب والسيئات وتزيين الجنات حيث رُوي أن الله   : " يوشك عبادي الصالحون أن توضع عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك  " . 

وفيه العتق من النيران وذلك كلّ ليلة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهل كُتبت فيه المعتَقين الفائزين أم كنت فيه من الخائبين الخاسرين كيف ذلك وقد قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : " رغم أن امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له "  قل آمين - أي يامحمد - فقلت : " آمين "  وذلك من حديث جابر بن سمُرة وهو حديث حسن البزار والطبراني . . فأي ذلّ وخسارة يعتري ذلك الرجل الذي يُدرك رمضان ولم يُغفر له  . 

وما تضيع هذه المواسم من رمضان وغيره إلا على رجل ابتلي إما بالتسويف أو بطول الأمل وكلاهما باب من أبواب الردى والضياع وإن طول الأمل ياعباد الله يُضيع العبد ويُورده مواطن الهلاك فمن طال أمله خاب سعيُه وعمله ، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه : " لايطولنّ عليكم الأمد ولا يُلهينّكم الأمل فإن كل ماهو آتٍ قريب ، ألا وإن البعيد ماليس آتيا " وطول الأمل من الشقاء ، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله : " إن من الشقاء طول الأمل ، وإن من النعيم قِصر الأمل  " . 

عباد الله : روى الطبراني وابن أبي الدنيا بسند حسن عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ، ويَهْلِك آخرها بالبخل والأمل " وفي رواية : " صلاح هذه الأمة باليقين والزهد ويَهْلِك آخرها بالبخل والأمل " وهذا يدلل على شدة الضرر على دين العبد بسبب طول الأمل ، ومن أسباب فسق اليهود والنصارى وتحريفهم للتوراة والإنجيل وأكلهم بها ثمناً قليلاً وفسقهم وفجورهم طول الأمد ، وفي ذلك يقول الله جلّ وعلا : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله أنه رضي الله عنه قال : " خطّ النبي صلى الله عليه وسلم خطّاً مُربعاً وخط خطاً في الوسط خارجاً منه - اي من ذلك المربع - وخط خُططاً صغاراً - أي خطوطاً صغاراً - إلى هذا الذي في الوسط ، من جانبه الذي في الوسط ، فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجلُه محيطٌ به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا ، وإن أخطأه هذا نهشه هذا  " . 

عباد الله : من أسباب طول الأمل : حب الدنيا والجهل وأما الجهل فدواؤه العلم والبصيرة ومعرفة الحق ومن العلم أن تعلم أنك في هذه الدنيا ضيفٌ يوشك أن يرتحل وأما حب الدنيا فدواؤه معرفة حال الدنيا وأنها دار غرور مطبوعة على الكدر وما صفت لخير البشر 

طُبعت على كدر وأنت تريدها * صفواً من الأقذار والأكدار 

والعجب أن الدنيا وطول الأمل لم يسلم منها الكبير فكيف بحال الشاب والصغير وعند البخاري من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لايزال قلب الكبير شابّاً في اثنتين : في حب الدنيا وطول الأمل " .

فالعبد يوطّن نفسه على قِصر الأمل وكره الدنيا من صغره ويدعوا الله بصدق وإخلاص أن لاتكون الدنيا أكبر همّه ولا مبلغ علمه ويتذكر حال فراقه لهذه الدنيا فهو أحرى أن يجتهد في عباداته وأحواله كلّها فيخرج من هذه الدنيا وقد سلم ونجا وعوفي بإذن ربه وخلّف دار المنغصات وراءه وقدم لدار النعيم والفرح الدائم المقيم . 

اللهم سلّمنا من موجبات سخطك وعذابك ومما يقرّب لهما من قول أو عمل ونسألك موجبات رحمتك وما يقرّب لها من قول أو عمل ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي قريبٌ مُجيب . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات يوفق لفعل الطاعات ويغفر الذنوب والزلات والصلاة والسلام على المبعوث بالبينات نبينا محمد وعلى آله وصحبه وعنا معهم إلى يوم الدين وسلم تسليما مزيدا أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله  واعلموا أنه في ختام هذا الشهر يُجب على العبد أن يخرج زكاة الفطر قبل صلاة العيد عن نفسه ومن يعول من أفراد أسرته صغيراً كان أوكبيرا ً وقد شرع الله هذه الزكاة طهرة للصائم مما يشوب صوبه من اللغو والرفث والزلل وطعمة للفقراء والمساكين والمحتاجين في البلد الذي هو فيه ، وسمّيت زكاةً لأنها واجبة لاتسقط عن العبد بأي حال إلا إذا كان من الفقراء الذين لايجدون ماينفقون حينها أي قبل صلاة العيد ، وإذا تسنّى له أن يجد بعد الصلاة فلا يخرج شيئا لفوات الوقت وأما الحمل في البطن فيستحب أن يُخرج عنه ولا يجب . 
ويخرج الناس من قوت البلد ويُخرج عن كل فردٍ صاعاً من تمر أو أقط أو زبيب أو برّ أو شعير أو أرز أو ذره أو نحوها مما يقتات الناس والأفضل من ذلك مايشتهر بين الناس لقوله تعالى : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم "   ومما ورد في ذلك كله حديث ابن عمر رضي الله في الصحيحين قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا ًمن تمر أو صاعا ًمن شعير أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب على الحر والعبد والذكر والأثنى والصغير والكبير من المسلمين " وأما إن أخرجا بعد صلاة العيد فليست زكاة وإنما هي صدقة من الصدقات شأنها في ذلك شأن الأضحية . 
فلنحرص في ذلك على أدائها في الوقت قبل صلاة العيد وهو وقت الفضيلة أو قبل صلاة العيد بيوم أو يومين وهو جائز لكي يتم بذلك المقصود وهي الطهارة من كل ذنب والتزكي من الخطايا والأوزار واعلموا أنه لاتجوز في إخراجها القيمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها من قوت وطعام أهل البلد فالنص صريح في الطعام لا القيمة وهذا هو الذي يُفتي به جمهور العلماء في عصرنا الحاضر وعلى رأسهم سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله  ، واحرصوا - وفقكم الله - على التكبير بعد رؤية هلال شوال فهو من أفضل الأعمال المنصوص عليها في الوحيين ( ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون) ، فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ووفقنا لكل عمل صالح يرضيك عنّا واختم بالصالحات أعمالنا وحقق إيماننا وآمالنا ياذا الجلال والإكرام . . 

الخميس، 14 أبريل 2022

خطبة عن حفظ صوم العبد في رمضان

 الحمدلله الذي يجازي بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغُفرانا ، له الحمد على وافر النعم اعترافاً وشكراناً والصلاة والسلام على المبعوث للعالمين وخير البرية إيماناً ، نبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين صلاة وسلاماً نرجو به رفعة وجناناً أما بعد : 

فاتقوا الله - معشر الصائمين - واخشوا ربكم واحفظوا صومكم وأحسنوا والله لايُضيع أجر المحسنين ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلا م الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكُل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : إن كثيراً من خلق الله تعالى لايحرص على حفظ صومه مما يُفسده ونحن عامّة - ياعباد الله - بأمس الحاجة لحفظ صيامنا مما يشوبه ويُفسده من سماعٍ محرّم أو غيبة أونميمة أو كذب أو قول زور أو رؤية محرم أو كلام فاسد بذيء ، فالصوم الحقيقي عن ماحرّم الله وأهون الصوم هو الصوم عن الأكل والشرب وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ربّ صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش وربّ قائمٍ حظّه من قيامه السهر والتعب " أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه وأورده المُنذري في صحيح الترغيب والترهيب .

عباد الله : أكثر مايقع الناس حين صومهم في الغيبة تهاوناً أو إصراراً وذلك لعدة أسباب منها جهلهم بمعنى الغيبة أو جهلهم بالألفاظ التي التي تُوقع في الغيبة ، أو سماعه لمن يتحدث عن فلان من الناس فما تقرّ له نفسٌ حتى يُخرج مافي نفسه ، مع أن الغيبة كما لايخفى على الجميع كبيرة من كبائر الذنوب ، مع أنه روي عن سفيان الثوري رحمنا الله وإياه أنه قال : " الغيبة تُفسد الصوم " ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : " الغيبة تخرق الصيام والإستغفار يرقّعه ، فمن استطاع منكم أي يأتي بصوم مُرقّعٍ فليفعل " وروي عن الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف أنه قال فسي هذا الشأن : " صيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع ، كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ، ثمّ نُرقّعه ، وقد اتسع الخرق على الراقع والمقصود أن من أراد الصوم الحقيقي فليحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى ويذكر الموت والبِلى ، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يومَ لقاء ربّه وفَرَحِه برؤيته 

أهل الخصوص من الصوّام صومهم  * صون اللسان عن البهتان والكذب ُ 

والعارفون وأهل الأنس صومهم * صوم القلوب عن الأغيار والحُجُب 

يقول الإمام الغزالي في كتابه ( إحياء علوم الدين ) : " اعلم أن الصوم ثلاث درجات :  صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص ، فأما صوم العموم فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة ، وأما صوم الخصوص فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام ، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدّنيّة والأفكار الدنوية وكفّه عن ماسوى الله عز وجل بالكليّة . 

وقد رُوي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما حديث مرسل قال رضي الله عنه : " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ودع أذى الخادم - وروي أذى الجار - وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا يكن يوم فطرك وصومك سواء " أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في شُعب الإيمان . 

وأحسن الشاعر حين قال : 

إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ * وفي بصري غضٌ وفي منطقي صمتُ

فحظي إذاً من صومي الجوع والظما * فإن قلتُ : إني صمتُ يومي فما صمتُ . 

عباد الله : شهر رمضان المبارك شهر عبادة وتبتل لله جلّ وعلا فينبغي للعبد أن يصبر فيه على الطاعات ويتذكّر دائماً عاقبة الصبر وفضله ولذة الخاتمة عندما ينقضي هذا الشهر الكريم وقد فاز بمغفرة الله ورضوانه والعتق من النيران فحقّ له أن يُسرّ ويفرح عندما يأتي يوم العيد وقد أرى الله من نفسه خيراً واجتهد في هذا الشهر بسائر الطاعات فالله بشرنا بما يسرنا يارب العالمين . 

وقد أخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الصوم جُنّة من عذاب الله " وعند أحمد والنسائي أيضاً بلفظ : " الصوم جنّة من النار كجُنّة أحدكم من القتال " فياعباد الله : من لم يكن صومه جنّة من المعاصي فكيف يكون صومه جنّة من النار وكان بعض الصالحين يردد في دعاءه دائماً ويقول : " اللهم ارحمني بترك المعاصي " لأنه يعلم أن لانجاة إلا بتركها ومما ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما أمره الله أن يسال ويذكُر حاجته في حديث اختصام الملأ الأعلى قال نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنا نسالك فعل الخيرات وترك المنكرات وحُب المساكين ، وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني غير مفتون ، وأسألك حُبّك وحُب من يُحبك وحبّ عمل يُقربني إلى حبّك " وقال في نهاية هذا الحديث : إنها حق فادرسوها وتعلّموها . . فاللهم أعنّا على أنفسنا المقصّرة ، واجعل يوم القيامة وجوهنا مسفرة ضاحكة مستبشرة يارحمن يارحيم ياجواد ياكريم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  . 

=============== الخطبة الثانية ================

الحمدلله كما يحب ربنا ويرضى وهو أهل المغفرة والتقوى والصلاة والسلام على الرسول المصطفى والنبي المجتبى وعلى آله وصحبه أهل المكارم والنهى وعلى من تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماء أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا - رحمكم الله - أن حفظ الصوم يتأتى بعدة أمور منها : 

- حفظ اللسان وهو ملاك الأمر كلّه وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما سأله عن عمل يدخله الجنة وينجيه من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كفّ عليه هذا " فقال معاذ : " وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به " 

فقال : " ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم  " أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ويقول صلى الله عليه وسلم هذا القول لمعاذ رضي الله عنه الذي شهد بدراً وكان ممن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ منه القرآن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه قال : " يأتي معاذ بين يدي العلماء برتوة " أي برمية سهم . . ولو سلم العبد من شرّ اللسان لسلم له دينه وسلم من شرّ كبير وداءٍ مستطير وصدق صلى الله عليه وسلم حينما قال : " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلَّها تُكفّر اللسان ، تقول : اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا " 

- ومن الأمور التي هي سبب في حفظ صوم العبد الإشتغال بالطاعات فالعبد إن لم يُشغل نفسه بالطاعة شغلته بالمعصية 

- ومنها غض البصر فالنظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس كما أخبر المصطفى عليه السلام والنظر للنساء خاصة يورث داءاً في القلب وشرّاً في الفؤاد يبقى أثره حتى التوبة والعلاج كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه : " لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " أي أن الأولى لك وهي التي تكون بغير قصد غالباً وليست لك الآخرة وهي التي تكون بالإرادة والإختيار مع الإستمرار والآخرة هي باب الداء وشرٌ وبلاء فاصرف بصرك ليرتاح قلبك ويسلم لك دينك وعملك . . فاللهم احفظ علينا أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا من محارمك وأصلح فساد قلوبنا بحولك وقدرتك ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عزّ من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

الأربعاء، 23 مارس 2022

خطبة عن تسوية الصفوف في الصلاة وتعظيم شعائر الله



إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) .
ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن تعظيم شعائر الله جل وعلا من أعظم القربات وأجل الطاعات وهي تزيد العبد تقىً ورفعة عند الله سبحانه وتعالى ، وتزيد العبد قوة وقربة لربه وهي من أعمال القلوب ، يقول الله جل ذكره : ( ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) ومن شعائر الله الصلاة والأذان والمساجد والزكاة والصيام والحج وغيرها من الأعمال الصالحة وعُرّفت الشعيرة بأنها : معلم من المعالم الظاهرة من دين الله وأوامره وفرائضه ، ومن أعظم شعائر الله الصلاة وما يتعلق بها فإقامتها بالإتيان بها وتأديتها مع جماعة المسلمين في المسجد هي أولى الأولويات وأعظم المسؤوليات وهي عهد بين العبد وربه ومن فرّط فيها وضيعها وصلاها فهو لما سواها أضيع وهي أول عمل يُسأل عنه العبد يوم القيامة ومن صلى الصلاة في البيت من غير عذر فلا صلاة له كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على العبد أن يشبت بها حتى تخرج روحه من هذه الدنيا وهي وهي مع تقوى الله وصية الأولين والآخرين ووصية السلف للخلف والأنبياء لأقوامهم ، فلا تضيعها فيضيعك الله .
عباد الله : وإن مما يتعلق بالصلاة إقامة الصف وتسويته فالذي لايقيم صفه في الصلاة لم يُقم الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة " والحديث أخرجه البخاري من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وفي رواية " فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة " وهي رواية متفق عليها بين الإمامين البخاري ومسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من حرصه على إقامة الصف يمسح مناكب الصحابة رضوان الله عليهم ، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : " استتوا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " أخرجه مسلم في صحيحه ، وقد وضّح هذا الحديث النووي رحمه الله تعالى فقال : " معناه يُوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب ، كما يُقال تغيّر وجه فلان عليّ ، أي : ظهر لي من وجهه كراهةٌ لي ، وتغيّر قلبُه عليّ ، لأن مخالفتهم في الصفوف مُخالفة في ظواهرهم ، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن .
وفي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوّي بها القِدَاح ، حتى رأى أنّا عقلنا عنه ، ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يُكبّر فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف ، فقال : " عباد الله ، لتسوون صفوفكم أو ليُخالفن الله بين وجوهكم " رواه الشيخان البخاري ومسلم ، والقِداح هي الخشب السهام وخشب السهام تكون معتدلة ليس بها نتوء ولا اعوجاج وهذا يدل على المبالغة في تسوية الصفوف حتى تكون كالسهم المستقيم ، وأما مخالفة الوجه الوارد في الحديث فقد ذكر ابن رجب عن ذلك ، فقال : " وقد توعد الله على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات - أجلكم الله - أو غيرها ، كما قال - أي النبي صلى الله عليه وسلم - " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار ، وظاهر هذا الوعيد : يدل على تحريم ماتوعّد عليه . انتهى كلامه ، وقال بعض أهل العلم أن مخالفة الوجه يكون باضطراب وجهات النظر بين المصلين الذي لايسوون الصف ، وقد اختار ذلك جمعٌ من أهل العلم .

ولكي تعلمون أن بعض العلماء عدّ عدم تسوية الصفوف كبيرة من كبائر الذنوب وقد ورد عن ابن حزم عند الحديث السابق : " لتسوون صفوفكم أو ليُخالفن الله بين قلوبكم " قال رحمنا الله وإياه : " هذا وعيدٌ شديد ، والوعيد لايكون إلا في كبيرة من كبائر الذنوب " ، ومثله الفقيه ابن حجر الهيثمي فقد عدّ اختلاف الصفوف وقطعها من كبائر الذنوب .

ومن تسوية الصفوف ياعباد الله إتمامها وقد بوّب البخاري في صحيحه فقال : ( باب إثمِ من لايًتم الصفوف ) وأورد فيه بسنده عن بشير بن يسار الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قدِم المدينة فقيل له : " ماأنكرت منّا منذُ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " قال : " ماأنكرتُ شيئاً إلا أنكم لاتُقيمون الصفوف " والمعتبر ياعباد الله المناكب في أعلى البدن والأكعُب في أسفل البدن ، ومن تسوية الصفوف التراص في الصف والتراص في الصف يفرّط فيه جمعٌ من الناس اليوم تفريطاً ظاهراً ، ولا يحلّ لأحدٍ أن يترك التراص في الصف ، ولا عذر له ولو احتج بأعذارٍ واهية ، مالم يكن ظرفاً صحياً معتبراً ، وقد مرّت على هذه الأمة عدة قرون وطواعين مُهلكة هي أشدّ مما مر علينا في وقتنا الحاضر ، ومع ذلك كانوا يُصلون متراصين متوكلين على الله ، وماعرفوا التباعد في الصلاة كما مرّ علينا ذلك سابقاً . . فاللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال لايهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنّا سيئها لايصرف عنا سيئها إلا أنت أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم
 . 

=========== الخطبة الثانية =========== 

الحمدلله حمداً كما يحب ربنا ويرضى ، له مقاليد السماوات العلى ، والصلاة والسلام على المبعوث بالنور والهدى وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتُقى ، وعلى من سار على نهجهم وبهداهم اهتدى أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى هو السبيل للزوم السنة وهجر الشر والبدعة ، والتمييز بين الحق والباطل
عباد الله : هناك مسائل متفرقة في الصلاة جديرة بالذكر ومنها :
- إذا فاتته صلاة العصر مثلاً فجاء إلى المسجد فوجد صلاة المغرب قد أقيمت فماذا يفعل؟
الصحيح أن يدخل معهم ويجعلها نافلة ومن ثم يُصلي العصر ومن ثم المغرب لأن الله جل وعلا قال : " واركعوا مع الراكعين " وإن صلى معهم المغرب بنية العصر فجائزة كما أفتى بذلك الشيخ ابن باز - رحمه الله -
- ومن المسائل أيضاً : إذا كان يصلي الوتر وأثناء صلاته أذن المؤذن لصلاة الفجر فهل يكمل وتره؟
نعم إذا أذن وهو أثناء الوتر فإنه يتم الصلاة ولا حرج عليه.
والمسالة داخلة في قضية وقت الوتر هل هو إلى طلوع الفجر أم إلى انتهاء صلاة الصبح وقول الجمهور إلى طلوع الفجر
ومنها أيضاً : الصلاة قاعداً على الكرسي .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
" وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا - أي الصلاة - كَالْقِيَامِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ " انتهى من مجموع الفتاوى (8/437) 
وبناءً على ذلك : فإن من صلى الفريضة جالساً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة .
ومما ينبغي التنبه له : أنه إذا كان معذوراً في ترك القيام فلا يبيح له عذره هذا الجلوس على الكرسي لركوعه وسجوده .
وإذا كان معذوراً في ترك الركوع والسجود على هيئتهما فلا يبيح له عذره هذا عدم القيام أثناء التكبير ، فيقوم ويكبر ثم يعود للجلوس على الكرسي ، فالقاعدة في واجبات الصلاة : أن ما استطاع المصلي فعله ، وجب عليه فعله ، وما عجز عن فعله سقط عنه .
فمن كان عاجزاً عن القيام جاز له الجلوس على الكرسي أثناء القيام ، ويأتي بالركوع والسجود على هيئتهما ، فإن استطاع القيام وشقَّ عليه الركوع والسجود : فيصلي قائماً ثم يجلس على الكرسي عند الركوع والسجود ، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه ولا يساوي بين الركوع والسجود .

الجمعة، 4 مارس 2022

خطبة عن دعوة النصارى والكنيسة الشرقية والغربية

الحمدلله الذي هدانا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ، أحمده وهو الهادي إليه سبيلا ، ونصلي ونسلم على من بعثه للخلق كافة بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسار على نهجه إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . . ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلّم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالةٍ في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : النصارى أمة من أمم البشر لها عدد وعدّة تختلط كثيراً بالشعوب ولها هيمنة واستعمار لكثير من دول العالم ودين النصارى دينٌ محرّف إلا من كان منهم على دين حواريي عيسى عليه السلام وأخذوا بتعاليم المسيح ولم يبلُغهم الإسلام ، والنصارى عامّة اليوم على ضلال في العقيدة وتخبّطٍ في شأن المسيح عليه السلام ، ولمّا نسي أوائلهم ماذكروا به وتعاليم الإنجيل قبل التحريف أغرى الله بعضهم ببعض فهم في خلاف وقتال وحروب إلى يوم القيامة وفي ذلك يقول الله جلّ وعلا : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظّاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) فقامت بسببهم حروبٌ عالمية حصدت معها الملايين من البشر وأهلكوا الحرث والنسل وانتشرت أمراض بسبب تلك الحروب وسلّط الله على بعضهم أمراضاً أفنت كثير منهم كما حصل بسبب الإنفلونزا الأسبانية التي أفنت أكثر من خمسين مليون إنسان وكان بدايتها في ربيع الثاني من العام 1336 هجري وقد يرسل الله مثل هذه الأمراض الفتّاكة لتفض عزيمة المتحاربين وتوقف الشرور في هذا العالم  . 
عباد الله : الخلاف بين النصارى في الديانة أمرٌ ينبغي أن يهتم به المسلمون وذلك من أجل دعوتهم إلى دين الله الحق ومعرفة الواقع ، والمسلم بطبعه اجتماعي ودين الإسلام ليس ديناً منغلقاً يحرّم الحوار والمناظرة في الدين ، لأن الحوار والمناظرة سبيل من سُبل الدعوة وجانب من دعوة الجمهور لمعرفة الدين الحق الذي يرتضيه الله لعباده ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاور خصومه ويُناظرهم تفنيداً لحججهم وقد ناظر نصارى نجران ، فقال الواحدي : " قال المفسرون : قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة رجلاً من أشرافهم ، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم ، فالعاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لايصدرون إلا عن رأيه واسمه عبدالمسيح والسيد إمامهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبوحارثة بن علقمة أسقفهم وحِبرهم وإمامهم وصاحبُ مدارسهم ، وكان شرُف فيهم ودرس كُتبهم حتى حسُن علمه في دينهم ، وكانت ملوك الروم قد شرّفوه وموّلوه ، وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده ، فقدموا على رسول الله ودخلوا مسجده حين صلّى العصر عليهم ثياب الحَبِرات  
( ثياب يمانية ) ، جِبابٌ وأردية في جمال رجال الحارث بن كعب ، يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " مارأينا وفداً مثلهم "  وقد حانت صلاتُهم ، فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوهم " ، فصلّوا إلى المشرق ، فكلّم السيدُ والعاقب رسولَ الله صلى الله ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلما " ، فقالا : " قد أسلمنا قبلك " قال : " كذبتُما ، منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً ، وعبادتُكما الصليب ، وأكلُكما الخنزير " ، قالا : إن لم يكن عيسى لله ولداً فمن أبوه ؟ وخاصموه في عيسى ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " ألستم تعلمون أنه لايكون ولدٌ إلا ويشبه اباه ؟ قالوا : بلى ، قال : " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمُّه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثمّ غُذّي كما يُغذّى الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويُحدث ؟ قالوا : بلى ! قال : " فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ " فسكتوا ، ثم أنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها  ، وهذه القصة نقلها كثير من العلماء في كتبهم بلا نكير كابن تيمية في " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " وابن حجر في كتابه " العُجاب في بيان الأسباب " . 
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لن يؤمنوا وأيس من إسلامهم دعاهم إلى المباهلة وهي أن يجتمع القوم من أهل الحق والباطل فيُقروا بإحلال لعنة الله على الظالم من أحد الفريقين ولا تكون إلا بعد إقامة الحجة ، والذي ينبغي ذكره أنه بعد المباهلة لايمضي العام إلا وقد ذهب الكاذب الأفاك من أهل الباطل هو ومن كان من نسله في المباهلة ، ولذا يحذر أهل الباطل من المباهلة ويرعبون منها وأصلها هي قول الله تعالى : ( فمن حاجّك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأـنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) . 
ولذا لمّا احتار نصارى نجران في الإيمان أو ملاعنة النبي صلى الله عليه وسلم وحكّموا شُرحبيل بن وادعة الهمداني فذكر أنهم من أدنى العرب أرضاً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن أهل واديهم يصدرون عن رأيه ثم قال لهم : " وإن كان هذا الرجل نبيّاً مُرسلاً فلاعنّاه فلايبقى على وجه الأرض منّا شعرة ولا ظفر إلا هلك " وهي آخر مرحلة في الدعوة لمن اختار دينه ورضي بالجزية ، وكان ذلك من نصارى نجران فرَضَوا بالجزية وجنحوا إلى ترك المباهلة ، فكتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً يبيّن فيه مايجب عليهم من الجزية ذكرته كتب التاريخ والسنة . 
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال لايهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنّا سيئها لايصرف عنّا سيئها إلا أنت ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله يهدي من يشاء ويختار الواحد القهار العزيز الغفار والصلاة والسلام على صفوة الأخيار نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ أزكى الصلواتِ ماتعاقب الليل والنهار أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الخلاف بين النصارى أنفسهم قائمٌ وقديم ، ولذا ورد في القرآن أن النصارى أنفسهم انشقوا فيما بينهم وفي ذلك يقول الله تعالى : " وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض . . " وكان أول ماانشقوا في القرن الخامس الهجري والذي يوافق القرن الحادي عشر الميلادي فانشقوا إلى كنيستين شرقية وغربية كبداية واتضح الإنشقاق في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي ، فالشرقيون أرثوذوكس ومركزها قديما ً كان في القسطنطينية وهي اسطنبول الآن في تركيا وكذلك كانت في مصر في الإسكندرية وتمثلها روسيا كقوة ، وكنيسة غربية كاثوليكيّة وتمثلها روما قديماً ويتبعها غالب أوروبا وفي القرن السادس عشر الميلادي ظهر راهبٌ ألماني يُطالب اسمه مارتن لوثر ودعا لمذهب ثالث يريد إصلاح خطأ الكنيسة ، وقد أغاظه صكوك الغفران التي توزعها الكنيسة فكان لايرى الذهاب إلى الكنيسة لتغفر له ذنوبه ويكره أن تكون الكنيسةُ وسيطاً بين العبد والإله وكان يدعو لطلب المغفرة من الإله مباشرة وهذا المذهب هو أخفها بين النصارى وهم البرتاستيون اليوم ( ومعناها : المحتجون ) وكثُر أتباعه وذلك بسبب سيطرة الكنيسة وهيمنتها وظلمها وصاروا ينافسون الفرقتين الأوليين . 
والفرق بينهم باختصار أن الأرثوذكس يعتقدون أن المسيح والله جل وعلا كالشيء الواحد وأما الكاثوليك فعندهم أن الله والمسيح بينهما فرق إلى حدٍ ما ، وهما أي الأرثوذكس والكاثوليك مجمعان على أن من يفسر الإنجيل هم القساوسة والأساقفة منهم دون بقيّة الناس وأما البروتستانت فهم لايرون هذا وينكرونه ويقولون بأن كل شخص بإمكانه أن يفسّر الإنجيل إذا درسه وعرفه وليس تفسير الإنجيل حصرٌ على القساوسة والزواج عندهم يحرّمه الكاثوليك والأرثوذكس بعكس البروتستانت . 
عباد الله : وبالنسبة للناحية الشرعية فالأرثوذكس أكثر كفراً وشركاً ثم يأتي بعدهم الكاثوليك وأقلّهم البروتستانت والكفر ملّة واحدة ولا نجاة لنصراني ولا يهودي إلا باتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مادام أنه سمع به وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( والذي نفسي بيده لايسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولو يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار ) أخرجه مسلم في صحيحه . 
عباد الله : هذا السرد الذي ذكرتُ لكم لكي نفهم الخلاف العقائدي والأحداث الراهنة التي تجري اليوم بين النصارى أنفسهم ، فالناس غالباً في الحروب يُقاتلون عن عقيدة وتعصب حتى لو كانوا كفّاراً وهذا يدفع الله به عن الأمة الإسلامية شرّاً عظيماً ، فسُنّة دفع الله عن العباد جارية ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضلٍ عن العالمين )  فاللهم اضرب الظالمين بالظالمين وسلّم أهل الإسلام في كل مكان من شرّ الكفرة والملحدين وأهل الزيغ والضلال ياقوي ياعزيز . . 

الاثنين، 28 فبراير 2022

خطبة عن خطر الفتوى وأثرها وضوابطها

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )
( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : القول على الله بغير علم سبيلٌ من سبُل الجحيم وأثره على الفرد والمجتمع والمفتي والمستفتي عظيم والله جلّ وعلا ذكر من خلقه من المشركين ومن سار على طريقتهم أنهم يجادلون ويضلون بأهوائهم بغير علم فقال جلا وعلا : ( وإن كثيراً ليُضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) وقال سبحانه : ( ومن الناس من يُجادل في الله بغير علم ويتبع كلّ شيطانٍ مريد ) وقال أيضاً : ( ومن الناس من يُجادل في الله بغير علم ولاهدىً ولا كتاب منير ) والجدال في أصله مذمومٌ ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " ماضلّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " ثم قرأ : ( ماضربوه لك إلا جدلا ) أي - عيسى عليه السلام - وفي هذا الحديث يدل على أن الذي يتوغل في الجدل ويُعرض عن النصوص أو يأوّل النصوص أن عنده ضلال قطعاً بنص الحديث ، وكان أهل الجدل من المتكلمين الذين ظهر أوائلهم في أواخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم فظهرت المبتدعة والمتكلمين في القدر وأنكر بعضهم الصفات وتناول القرآن والسنة جدلاً ومناظرة فمنهم من تأوّل النصوص بما لايصح تأويلها به ومنهم من أنكرها ، وكان أول من تكلّم بالقدر معبد الجهني وغيلان الدمشقي وظهر بعده الجعد بن درهم الذي يقول بخلق القرآن ونفي الصفات ثم تتابع أناسٌ بعدهم كلٌ يأتي برأي يُخالف منهج السلف ويُناكف به أهل الحق ويشاقق به الله ورسوله والمؤمنون وكما قال صلى الله عليه وسلم : " ثلاثٌ مهلكات : شحٌ مُطاع وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه " رواه الطبراني والبزّار بسندٍ جيّد .
وفي حديث أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى " رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعاجم الثلاثة ورُوي عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : " إن أخوف ماأتخوّف عليكم اثنتان : طول الأمل واتباع الهوى ، فأما طول الأمل فيُنسي الآخرة وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق " .
عباد الله : ومن القول على الله بغير علمٍ واتباع للهوى الفتوى بجهلٍ متعمداً ومستهيناً بهذا العمل ، ولا يحلّ لامرئ أن يُفتي إلا من توافرت فيه شروط الفتوى وكان عالماً بالمسألة التي أفتى بها بدليلها أو تعليلها الفقهي السليم من المناقضة والذي أقرّه أهل العلم ومن شروط الفتوى والإجتهاد مايلي :
* ان يكون عالماً بكتاب الله وبمعانيه وخصوصاً أدلة الأحكام ومايتعلق بها من المسائل الشرعية وماتبني عليه من الأدلة التي تحوي الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيّد وما يكتنف تلك المسائل .
* ومنها أن يكون عالماً بالسنة بشكل عام وما يتعلق بها من روايات مرتبطة وأدلة صحيحة وضعيفة ، وما تقدّم من الأدلة وما تأخر فإن ذلك مما يُبنى عليه الحكم الشرعي علماً أن أدلة السنة واسعة وفيها من التفصيل ماليس في كتاب الله ، وقد ظهر قومٌ يستهينون بالسنة ولا يهتمون بأدلتها أو يقصونها ويكفيهم زجراً قول النبي الله عليه وسلم : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه " أخرجه أبوداود في سننه .
* ومنها أيضاً أن يكون عالماً باللغة العربية ولسان العرب وذلك لتمييز الحكم الشرعي وإخراج مايُخرجه الخطاب الإلهي أو النبوي وإدخال مايُدخله الخطاب وهذا مهمٌ في استنباط الأحكام .
* وأن يكون عالماً بالإجماع وبمواطن الخلاف والمذاهب والآراء الفقهية لتوضيحها وبيانها وبيان ماينصره الدليل منها لكي يُفتي بها ويُبلّغه لطالب الحق والصواب .
* العلم بمقاصد الشريعة والقواعد الفقهية وأصول الفقه لكي يرد المسائل الجزئية للقواعد الكليّة ويتضح للمستفتي مراد الله وحكمه ويكون المُفتي على قاعدة بيّنة واضحة فلا يموج به الرأي حين ورود المسائل الفقهية ، ويضطرب في الجواب ويُجانب الحق والصواب حين الإستفتاء .
* ومن الشروط أيضاً العلم بأحوال الناس وعُرفهم وهذا ينبني عليه الحكم الشرعي في المسائل التي لادليل عليها صريحٌ واضح والعادة محكّمة كما هي القاعدة المعروفة مالم تكن متعارضة مع شرع الله الحكيم .
عباد الله : شرع الله صالح لكل زمان ومكان وهذه حقيقةٌ مسلّمة لاينكرها إلا من جهل أو تعامى عن الحق ولكن الكثير من المتعالمين أو طلاب العالم يجهلون مايُسمّى بفقه النوازل والتعامل مع المستجدات الحديثة ، فيضطرب ويجهل ماينبغي أن يتكلم به أو يبلّغه للناس حين وقوع النازلة التي ينبغي أن يردّ علمها والإفتاء فيها لذوي الإختصاص من العلماء الذين حرّروا الفقه ودرسوه وتعمّقوا في قواعده وأصوله وكليّاته وجزئياته ، والذين هم أهل الصنعة والديانة فلا ينبغي أن يجتهد رأيه في ذلك وليس مؤهلاً حتى لو كان طالب علم لأنه يعلمُ القليل ويجهل الكثير فيزلّ مزلّة تهوي به في دركات الجحيم ، وكان في منأى لو أنه ردّ العلم لأهله .
عباد الله : هُناك مسائل فقهية قد يُثيرها أعداء الإسلام تهكماً بالإسلام وأهله ، ويطبّل لها أناس من بني جلدتنا ممن يندس في صفوف هذه الأمة ، فإياك أخي المُبارك أن تكون معول هدم بنشر تلك الأباطيل التي لها جواب في كتاب الله أو سنة رسوله أو الحجج العقلية ولكن يجهلها الكثير من الناس لجهلهم ولضعف إيمانهم ومجالستهم ومحاورتهم أولئك الأراذل من الخلق ، والله حذّر من هذا الصنيع حيث قال جل وعلا : ( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنكم إذاً مثلُهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) .
فمن لم يحاورهم بالحجة ويُقارعهم بالحق مع تمكنه من العلم الشرعي المؤصل إن كان ذلك ينفعهم ويطلبون في ذلك الحق وإلا فالواجب عليه أن يتجنبهم ويحذَر ويُحذّر منهم وهذا مادلت عليه الآية وأرشدت إليه وإن لم يفعل فهو مثلُهم فويلٌ له إن لم يتداركه الله بتوبة ورحمة نسأل الله لنا ولكم العافيه والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة وأن يثبتنا على دينه ويقمع أهل الزيع والفساد والعناد إنه جوادٌ كريم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============== الخطبة الثانية ===============
الحمدلله الذي يهدي من يشاء بنعمته ورحمته ويُضل من يشاء بعدله وحكمته والصلاة والسلام على المبعوث للعباد بفضل الله ومنّته نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وأهل ملّته صلاة وسلاماً نرجو بها نرجو بها الدخول في شفاعته أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن للفتوى أثراً على الدين والنفس والفرد والمجتمع وأمن البلاد بشكلٍ عام ، وكل ذلك سببه عدة أمور منها :  
- عدم الرجوع للأئمة الراسخين في العلم وذلك أن من الناس من عنده علمٌ شرعي ومن الممكن أن يُفتيك ويعرف بعض المسائل ولكن ليس من الراسخين في العلم ، فالرسوخ في العلم منزلة أعلى قلّ من ينالها - ياعباد الله - وذلك أنه في زمن الفتنة يُقدم بعض المنتسبين إلى العلم وأهله تنازلات قد تصل إلى التنازل عن مسلّمات في الشريعة وذلك كما يقولون بسبب ضغط الواقع واسترضاء الرأي العام ، فيعزّ عليهم هذا الأمر فيزلّون في هذا الشأن وتكون فتواهم دخيلة ليست متجرّدة لله ورسوله وهنا يأتي دور الراسخين في العلم ويعضُّون على الحق ولو كرههم كل مخلوق ، ومن ثمّ يظهر بعد ذلك للناس فضلهم وعلو منزلتهم بسبب هذه المِحن والإبتلاءات التي مرّوا بها ، ولهذا أهل العلم يقولون كلمتهم المشهورة : " إذا أقبلت الفتنة عرفها العلماء فإذا أدبرت عرفها الدهماء " والدهماء عوام الناس  . 
- وترك المشورة في الأمور المُعضلة سبب من أسباب الإنزلاق في الشرور والمشورة بإمكان كل شخصٍ عاقل لبيب أن يُقدمها ، فليست مثلُ الفتوى التي تختص بعلماء مُختصين . 
- وكذلك الحماس والتسرّع لدى بعض الشباب الذي يجرّه لتجاوز حدود الله عاقبته الندامة وخسارة الدنيا والآخرة وطاقة الشباب معشر الآباء والمصلحين لابد من استثمارها في عمل الخير وصناعة المجد لهذه الأمة فالشباب هم أس نهضتها الذي تقوم به ، فلذا وجب على كل مربٍّ ومسؤول أن يُرشد ويدل كل من تحت يده التوجيه الأمثل فهم أمانة ونعمة ، ولا يجعل هذا الشاب تتلقفه أيدٍ آثمة تورده مالا يُحمد عقباه ويطال الجميع بلواه . 
وختاماً - ياعباد الله - ينبغي أن يحذر العبد من انتقاء الفتوى حين خلاف أهل العلم ، فبعض الناس يتخذ ذلك ذريعة لأن يتخير من أقوالهم مايناسب حاله وهواه ولا يحرص على اتباع من يتبع الدليل منهم ولو أن كل شخصٍ عمل هذا العمل في كل أحواله لاجتمع فيه الشرّ كله ، وذلك أن لكل عالم مهما بلغت منزلته لابد أن يخرج له قولٌ مرجوح في مسألة من فروع المسائل مع أنه على خير ويُصيب في أكثر المسائل - وأبى الله إلا أن يكون الكمال له جلّ وعلا - فيأتي هذا الذي ينتقي من الأقوال مايوافق هواه فيختار هذا القول ويعمل به وينشره ويدعو إليه فيضل ويُضل ، ولذا أجمع العلم على هذه المقولة : " من تتبع الرُخص تزندق " ونقل الإجماع ابن عبدالبر وابن حزم رحمهما الله ، فنسأل الله أن يهدينا سواء السبيل ويقينا شرّ أنفسنا والشيطان في سائر الأحوال فهو المستعان وإليه المآل . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد قال جلّ في علاه : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...