الأربعاء، 15 يونيو 2022

خطبة عن فتح مكة وماجرى فيها من أحداث

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : لمّا تتأملُ السيرة النبوية تجد أنه مرّ على الأمة يومٌ عظيم كان فصلاً بين دولة الإسلام ودولة الشرك وأتباعها وهو يومٌ مشهود فتح الله به على جند الإسلام وأهله وأعزهم الله به بعد أن لم تكن هيمنتهم تامّة وسيطرتهم عامّة على بلاد الحجاز ، يومٌ من أيام النصر والتمكين لمن طُرد عن بلده وأوذي عليه الصلاة والسلام هو ومن كان معه من الصحابة رضوان الله عليهم ، وهو يومٌ مفصلي وفارق بين منازل أهل الإيمان من الرعيل الأول فمن أسلم قبله وأنفق قبله وجاهد قبله ليس مساوياً لمن أسلم بعده وأنفق بعده وقاتل بعده فهو يوم فتح مكة الأعظم ( لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ) وقعت أحداثه في السنة الثامنة من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان . 
عباد الله : كان سبب فتح مكة هو نقض صلح وخيانة وغدر فقد كان من بنود صلح الحديبية أن من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فعل فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت بكر بن عبدمناة من كنانة في عقد قريش ، وكان لخزاعة بئرٌ ماء يُقال له " الوتير " قرب مكة ، فعدت بكرٌ على خزاعة ليلاً وهم بمائهم فقتلوا منهم ، وكانت قريش قد أعانتهم بالسلاح وقاتل معهم من قريش أناسٌ مستخفين بجنح الظلام ، فخرج من خزاعة عمرو بن سالم إلى المدينة فدخل المسجد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين ظهراني أصحابه فأعلمه بما صنعت بكر بن عبد مناة حليفة قريش وأنشد للنبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : 
ياربِّ إني ناشدٌ محمداً  * حلف أبينا وأبيه الأتلدا 
قد كنتموا وُلْداً وكنا والدا * ثُمّت أسلمنا ولم ننزع يدا 
فانصر هداك الله نصراً أعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا 
فيهم رسول الله قد تجرّدا * أبيض مثل البدر يسمو صُعُدا 
إن سيم خسفاً وجهه تربدا * في فيلقٍ كالبحر يجري مزبدا 
إن قريشاً أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكـــدا
وجعلوا لي في كَددَاءٍ رُصّدا * وزعموا أن لست أدعوا أحدا
وهم أذل وأقل عـــددا * هم بيّتونا بالوتير هُجّــــدا 
                 وقتلونا ركّعاً وسجّدا 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نُصرت ياعمرو بن سالم " وخرج بُديل بن ورقاء في نفرٍ من خزاعة فقدموا المدينة وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بمن أصيب منهم وبمظاهرة قريش لبني بكر ، وكان أبو سفيان قادماً في الطريق يريد أن يستمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هاله ماصنعت قريش هو وزمرة منهم  ، فقال صلى الله عليه وسلم : " كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ العَقد ويزيد في المدة بعثته قريش ، وقد رهِبوا للذي صنعوا " فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم يكلمه في المصالحة والإمهال فلم يردّ عليه ، فذهب إلى أبي بكر يريد من أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشفعَ في ذلك فأبى ، فذهب لعمر رضي الله عنه يستشفعه في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر : أنا أشفعُ لكم ؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به واستشفع بعلي رضي الله عنه فقال له علي : لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر مانستطيع أن نكلمه فيه " فرجع أبو سفيان لمكة خائباً خاسرا . 
ثم أمر النبيُ صلى الله عليه وسلم بالعُدّة للقتال والجَهاز له وقال : " اللهم خذ العيون والأخبار من قريش حتى نبْغتُها في بلادها " .
ثم إن حاطب بن أبي بلتعة وكان ممن حضر بدراً أرسل لقريش كتابا مع مولاة لبني عبدالمطلب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الوحيُ يخبره بذلك فأرسل إليها علياً رضي الله عنه فألفاها بروضة خاخ فطلب الكتاب وجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب ماحملك على ماصنعت فقال : يارسول الله يدٌ عند قريش أحمي بها قرابتي وأهلي فقال عمر رضي الله عنه لقد نافق دعني أضرب عنقه يارسول الله فأبى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " ومايدريك ياعمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم" فذرفت عيناه وقال : " الله ورسوله أعلم" . 
خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش وعمّى الله الأخبار عن قريش ولكنهم على وجل ، وخرج العباس بأهله وعياله مسلماً مهاجراً حتى وافى النبيَ صلى الله عليه وسلم بالجحفة ثم ارتحل النبيُ صلى الله عليه وسلم حتى نزل  بمرّ الظهران ( يُقال له اليوم وادي فاطمة ) وكان حين العِشاء فأمر من معه أن يوقدوا نيراناً فأوقد عشرة آلاف نار وهي خدعة وتخويف ، وفي هذه الأثناء كان خارجاً أبو سفيان وبُديل بن ورقاء فراعهم هذه النيران ورغبوا أن يستأمنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أقبلوا ورآهم عمر همّ أن يوقع بأبي سُفيان ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وأجاره العباس وقال النبي للعباس : " إذهب به إلى رحلك فإذا اصبحت فائتني به " ففعل فلما كان من الغد أتاه به وعرض عليه الإسلام فتلكأ ، فقال العباس : ويحك ، أسلم قبل أن يضرب عُنقك ، قال : فشهد شهادة الحق فأسلم ، فقال العباس : إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئاً ، قال : " نعم ، من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن " فكان ذلك ثباتاً لأبي سفيان على دين الحق ، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بجيشٍ عرمر حتى دخل مكة من أعلاها وأمر خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها ، وقال : " إن عرض لكم أحدٌ من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا ، ووقع قتالٌ عند الخندمة وهو جبل  يقع شرق مكة حيث أنه تجمع سفهاء من قريش مع عكرمة بن أبي جهل وسُهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وتشابكوا مع جند المسلمين وفرّ أكثرهم ولم يُذكر أنه قُتل أحد ولكن تناوش وجراحات ، ودعا رسول الله الأنصار ، وقال لهم : " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم - ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى - احصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا " وبعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على جنبات مكة ، ورُكزت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون ، ثم نهض عليه الصلاة والسلام والمهاجرون والأنصار بين يديه ومن خلفه وحوله حتى دخل المسجد الحرام فأقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت ولم يكن يومئذٍ محرما ، فاقتصر على الطواف ، وقام على أصنام حول الكعبة وفوقها مايقارب ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بقوس في يده ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ( جاء الحق ومايُبدئ الباطل وما يُعيد ) ثم أمر بباب الكعبة ففتح ، فدخل معه أسامة بن زيد وبلال فأمر بالباب فأغلق ورأى صورة ابراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال : " أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط " ثم أمر بالصور فمحيت ثم استقبل الجدار الذي يقابل الباب وصلى وكبر في نواحي الكعبة ثم أخذ بعضادتي باب الكعبة وقريش والناس تحته وقال : " لاإله إلا الله وحده لاشريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو مال أو دمٍ فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتل الخطأ شبه العمد ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها ، يامعشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية : 
( ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ....) ثم قال : " يامعشر قريش ماترون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخٌ كريم وابن أخ ٍكريم ، قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام بعد كل ماناله من أذيتهم فأي نفسٍ كريمة هذه ؟ ! ذلك مقام لايناله ولا يقوى عليه إلا نبي ٌ كريم ، فاللهم أحينا على سنته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته وأدخلنا في شفاعته وأوردنا حوضه واسقنا منه شربة لانظمأ بعدها أبدا ، أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  . 
============== الخطبة الثانية ===============
الحمدلله الذي منّ على عباده بالخيرات أحمده وهو أهل الحمد ووافر التحايا والصلوات ونشكره على فضله وعاطاياه السابغات والصلاة والسلام على المبعوث بالهدى والبينات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أزكى الصلوات من رب البريات أما بعد : 
لما استقر الفتح بمكة أمّن النبي الناسَ كلّهم إلا من كان له عدوّا لدوداً لله ورسوله وكانوا حينها تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة وهم عبدالله بن أبي سرْح وعكرمة بن أبي جهل وعبدالعزى بن خطل والحارث بن نُفيل ومَقيس بن صُبابة وهبّار بن الأسود وقينتان لابن خطل وسارة مولاة لبني عبدالمطلب ، فأما ابن أبي السرح فهرب واستجار بعثمان فأمسك عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما عكرمة فاستأمنت له امرأته بعد أن هرب وعادت به فأسلم وحسُن إسلامه ، وأما ابن خطل ومَقيس والحارث وإحدى القينتين فقُتلوا ، وأما هبّار ففر ثم جاء فأسلم وحسُن إسلامه واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسارة ولإحدى القينتين فأسلمتا ، ولمّا كان من الغد من يوم الفتح قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : " أيها الناس ، إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فلا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك ، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار " 
ثم بعد ذلك بعث عتّاب بن أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم وحدودها وبعث صلى الله عليه وسلم سراياه إلى الأوثان التي حول مكة فكُسّرت كلها ومنها اللات والعزى ومناة ، ونادى مناديه عليه الصلاة والسلام بمكة : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره " . 
عباد الله : أعز الله دينه ونصر أولياءه بفتح مكة وفرح المسلمون بالنصر والتمكين ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُناصر قضايا المسلمين في كل مكان تنتهك فيه حُرمتهم ، ونحن اليوم نُطالب بنصر قضايا المسلمين في كل مكان في الشام واليمن والعراق والهند بأي نوعٍ من أنواع النصر ولو بكلمة ، فياأخي المبارك إذا كان المصطفى عليه الصلاة والسلام قال : " مامن مسلم يخذلُ مسلماً عند موطن تنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يُحب فيه نصرته  " أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في التاريخ الكبير فما حالنا وحالكم فإننا نخشى من عقوبات عامة تنالنا جميعاً فاللهم اصرف عنا سوء العاقبة والمصير واجبر - اللهم - ضعفنا والتقصير ياقوي ياقدير 

الجمعة، 3 يونيو 2022

خطبة عن صلح الحديبية ومافيها من أحداث

الحمدلله عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير أحمده على وافر نعمه وهو الحميد القدير ونسأله من واسع فضله الوفير وهو العلي الكبير والصلاة والسلام على أفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وهو بالرسالة جدير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والكرم الغزير وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المصير أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى يفتح البصائر ويحيي الضمائر ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : من الأحداث المهمة التي وقعت في شهر ذي القعدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان له أثر لصالح المسلمين هو ( صُلح الحديبية ) وهذا الصلح كان في السنة السادسة من الهجرة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد العمرة في شهر ذي القعدة وكان ثلاثٌ من عُمُراته التي اعتمر في هذا الشهر إلا العمرة التي كانت مع حجته ، حتى قال بعض أهل العلم أن العمرة في ذي القعدة أفضل من العمرة في رمضان ، وهو خلاف الصواب وذلك أن العمرة في رمضان ورد فيها نص والعمرة في ذي القعدة لم يرد فيها نص ، ثم إنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد العمرة من المدينة خرج معه حوالي ألفٌ وأربعمائة من الصحابة رضوان الله عليهم يريدون العمرة بلا قتال ولا حرب ، وكان هو وأصحابه مشتاقين لبيت الله الحرام وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ماخرج يريد البيت الحرام إلا استبشاراً برؤيا رآها في منامه أنهم يدخلون البيت الحرام بلا قتال آمنين منهم المحلّق ومنهم المقصر قد ذكرها الله في كتابه حيث يقول جل وعلا : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا ) وقد كانت مكة تئن تحت وطأة المشركين من كفار قريش وأحلافهم  . 

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من البُدْن سبعون بدنة مقلدة وخرجت معه زوجته أم سلمة رضي الله عنها وأحرموا من ميقات ذي الحُليفة ولبَّوا ، وعندما كانوا بالطريق قريباً إلى مكة قرب عسفان  قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بكُراع الغميم فخذوا ذات اليمين  " فما شعر بهم خالد حتى رأى غُبرة الجيش فانطلق يركض نذيراً لكفار قريش ، ثم إنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ثنيّة المرار قرب الحديبية ، بركت ناقته عليه الصلاة والسلام ، فقال الناس : خلأ القصواء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ماخلأت القصواء وما ذلك لها بخُلق ، ولكن حبسها حابس الفيل " فانظروا إلى هذه البهائم التي تعظم حرم الله وتجد من البشر من يستبيح البيت الحرام بأتفه سبب فتلك البهائم خيرٌ منه ، ثم إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفس محمد بيده ، لايسألوني خطّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " .. ثم زجر الناقة فوثبت فنزل بأقصى الحديبية على ( ثَمَد )  وهو حفر صغير يجتمع فيه ماء قليل فنزح الناس من الماء حتى قلّ فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأعطاهم سهماً من كنانته وأمرهم أن يرموه فيه فما زال ينبع بالماء حتى صدروا عنه وغادروه والحديبية مكانها في الشميسي غرب مكة بعضٌ منها في الحل وبعضٌ منها في الحرم ، ولمّا علمت قريش بنزوله فزعت فأرسل إليهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال له : " أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمّاراً وادعهم إلى الإسلام وأمره أن يأتي رجالاً ونساءاً بمكة مؤمنين فيبشرهم بالفتح ، وأن الله عز وجل مظهرٌ دينه بمكة ، حتى لايُستخفى فيها بالإيمان " ولما ذهب عثمان رضي الله عنه وأشيع عنه أنه قُتل ، دعا النبي صلى الله عليه وسلم من خرج معه إلى البيعة فتبادروا إليه وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لايفروا ، ثم أخذ بإحدى يديه على الأخرى وقال : " هذه عن عثمان " ، ثم إنه لمّا تمت البيعة رجع عثمان رضي الله عنه . 

 عباد الله : قررت قريش أن لايدخل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه البيت عنوة وجهزوا حوالي ثمانية آلاف مقاتل يريدون أن يصدوا النبيَ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت وتترسوا في عدد من المواقع حول مكة ، وجاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة يخبره أن قريش تنزي قتاله وصدّه عن البيت فقال : " إنا لم نجيئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين وإن قريش نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويُخلّوا بيني وبين الناس ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا - أي الإسلام - وإلا فقد جمّوا - أي استراحوا - ، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي - والسالفة صفحة العنق أي أنني أُقتل - أو لينفذنّ الله أمره " فقال بُديل سأبلغهم ماتقول فعرضه عليهم ، فقال عروة بن مسعود لصناديد قريش : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه ، فقالوا : ائته ، فأتاه فجعل يُكلّمه فقال له نحواً من قول بُديل ، ثم قال له : " أي محمد ، أرأيت لو استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح قومه قبلك ؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى أوشاباً من الناس - أي أخلاطاً من الناس - خليقاً أن يفروا ويدعوك  " ، فقال أبوبكر الصديق رضي الله عنه : " امصُص بَظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه " ، إلى أن جاء سُهيل بن عمرو فقال النبي صلى اله عليه وسلم : " قد سُهل لكم من أمركم " فقال : هات أكتب بيننا وبينك كتاباً فدعا الكاتب - وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : " اكتب ، بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل : أما الرحمن ، فما أدري ماهو ؟ ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لانكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " اكتب باسمك اللهم " ثم قال : " اكتب : هذا ماقاضى عليه محمد رسول الله " فقال سهيل :  والله لو نعلم أنك رسول الله ماصددناك عن البيت ، ولكن اكتب محمد بن عبدالله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني رسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبدالله " ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " على أن تُخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوّف به " فقال سهيل : والله لاتحدّث العرب أننا أُخذنا ضُغطَة ، ولكن ذاك من العام المقبل ، فقال سهيل :       " وعلى أن لايأتيك رجلٌ منّا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا " فقال المسلمون : " سبحان الله ! كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مُسلماً " . 

فبينا هم كذلك إذا جاء أبوجندل بن سهيل خارجاً من أسفل مكة يرسُف في قيوده حتى رمي بنفسه بين المسلمين فقال سُهيل : هذا أول ماأقاضيك عليه أن ترده إليّ ، فقال أبوجندل : كيف أُردّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً - وكان قد عُذّب في الله عذاباً شديدا - فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " والله ماشككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت يارسول الله : ألست نبي الله ؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال :  بلى ، فقلت : فلم نُعطي الدنيّة في ديننا ؟ ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه ، قلت : أولست تحدثنا أنّا نأتي البيت ونطوّف به ، قال : " بلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ - أي هذا العام - قلت : لا ، قال : " فإنك آتيه ومطوّفٌ به ، قال عمر رضي الله عنه : فأتيت أبا بكر فقلت له مثلما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليّ كما رد عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد : فاستمسك بعرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، فعملت لذلك أعمالاً " أي صالحه ، رزقنا الله حسن الإنابة وصدق التوبة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم  . 

============== الخطبة الثانية =============

الحمدلله الذي بيده مقاليد السماوات والأرضين أحمده وهو القوي المتين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 

عباد الله : وتتمّة لصلح الحديبية لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من كتابة المصالحة قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا " قال :  فوالله ماقام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات فأشارت إليه أم سلمة رضي الله عنها بأن يقوم فينحر بنفسه ولا يكلم أحداً فقام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، وفي رجوعه من مكة للمدينة أنزل الله سورة الفتح : ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وما تأخر ويتمَّ نعمته عليه ويهديك صراطاً مستقيماً ) . 

عباد الله : ذلك الشرط الجائر الذي اشترطه المشركون وهو : أن يردّ النبي صلى الله عليه وسلم من جاء من المسلمين إلى المشركين بموجب المعاهدة والشرط صارت عاقبته حُسنى ونصرٌ وفتح للمسلمين وذلك أن أبا بصير - وهو رجلٌ من قريش - أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسلماً هارباً من المشركين ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فردّه النبي صلى الله عليه وسلم بموجب الشرط وأعطاه لرجلين أرسلت بهما قريش لطلبه فلما خرجا به وبلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير : " إني أرى سيفك هذا جيداً ، فقال المشرك : أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثمّ جربت ، فقال : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه فضرب به المشرك حتى برد ، وفرّ الآخر ، حتى بلغ المدينة فدخل المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد رأى هذا ذُعراً " فلما انتهى الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قُتل والله صاحبي ، وإني لمقتول " فجاء أبو بصير ، فقال : " يانبي الله قد أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم " فقال صلى الله عليه وسلم : " ويلُ أمّه مسعّر حرب ، لو كان معه أحد " . فلمّا سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، وتفلّت من المشركين أبو جندل الذي سبق ذكره فلحق بأبي بصير ، فكان لايخرج من قريش رجلٌ أسلم إلا لحق بهم حتى اجتمعت لهم عصابة ، فكانوا لايسمعون بعِيرٍ لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقاتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن يرسل إليهم أنه من أتاه فهو آمن ، فسقط ذلك الشرط الجائر بطلب من العدو ، وحصل فيما بعد مقصَدٌ عظيم من الذات الإلهية وهو دخول مكة من دون حرب ولا سفك دماء وهذا الذي جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ينفذّ ويُمضي ماأُمر به من كتابة المعاهدة والصبر على مافيها حتى تنفذ حكمة الله ويتجلى في ذلك النصرُ والعاقبةُ الحسنة لأولياء الله وعباده ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة القضاء بعد ذلك في العام السابع من الهجرة هو وألفين من أصحابه رضي الله عنهم وعنا أجمعين . . وصلوا وسلموا على صاحب الحوض والشفاعة وشفيعِنا يوم تقوم الساعة  .. اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم ياأرحم الراحمين .

الأربعاء، 1 يونيو 2022

خطبة عن غزوة تبوك

الحمدلله الذي أعز دينه وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أحمده حمداً لامنتهى له كما حمده الحامدون وأصلي وأسلم على من بعثه الله للناس كافة وقد كانوا في غيهم يعمهون ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه عدد ماصلى عليه المصلون وذكره الذاكرون وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم ِيبعثون . . أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لايظلمون ) ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يُسرا * ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يُكفّر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) . 
عباد الله : القراءة في السيرة تفتح بصر الإنسان وبصيرته على حياة من هو خيرٌ منه في القول والعمل والصدق والإخلاص والمجاهدة وإذا كانت السيرة سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام كان ذلك له أبلغ الأثر على النفس والقلب ، ولعلنا أن نورد في هذه الخطبة عن عن بعض سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ونتناول غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وهي غزوة تبوك التي وقعت في السنة التاسعة من الهجرة في شهر رجب ، والتي وقعت في شدة الحرّ ونضج الثمار ، حتى قال في ذلك المنافقون : " لاتنفروا في الحرّ قل نار جهنم أشد حرّاً لو كانوا يفقهون " وقد يستغرب البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يبتدئ بالقتال في الأشهر الحرم ورجب منها ؟ والجواب : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بأن الروم تجمع له عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه وتريد غزو المدينة فأراد أن يدفع شرّهم عنه وعن أهلها ، وليس كما يقول بعضهم بجواز البداءة بالقتال بالأشهر الحرم ، والأمر ماض ٍعلى حرمة البداءة بالقتال في الأشهر الحُرُم ، وبذلك أجاب ربنا جل وعلا في قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرم قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير وصدٌ عن سبيل الله . . . ) 
عباد الله : عند الحديث عن غزوة تبوك  ، نتحدث عن غزوة فيها ابتلاء للغني والفقير والمؤمن والمنافق والصديق والعدو ، يقول ابن اسحاق : " كانت في زمان عسرة من الناس وجدب من البلاد ، حين طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، وكان صلى الله عليه وسلم قلّما يخرج من غزوة إلا ورّى بغيرها ، إلا ماكان منها فإنه جلّها للناس ، لبعد الشُّقة - أي المكان - وشدّة الزمان " اهــ وحث النبي صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة فبذل أهل الغنى من زادهم وركابهم مابذلوا وحملوا ماحملوا من أناس لاركوب لهم ولا زاد وأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وألف دينار عيناً ،  وجاء سبعة نفر - يسميهم أهل السيرة البكاؤون - يريدون أن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم فقال كما أخبر الله ( لاأجد ماأحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لايجدوا ماينفقون ) وكان مما قيل في غزوة تبوك أنه من قلّة الظهر الذي يُركب أن كان ثمانية عشر رجلاً يتعاقبون على بعير واحد وتخلّف خمسة نفر من الصحابة رضوان الله عليهم وهم أبو ذر الغفاري وأبو خيثمة السالمي وكعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع فأما الأول والثاني فلحقوا النبي صلى الله عليه وأصحابه وتخلّف ثلاثة وخلّف علياً على أهله عليه الصلاة والسلام ومحمد بن مسلمة على المدينة فلمزه المنافقون علياً رضي الله عنه وقالوا له : " أن محمداً ماخلّفك إلا استثقالاً لك وتخففاً منك ، فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم يخبره الخبره فقال : " كذبوا ، ولكني خلفتك لما تركت من ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أولا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي " فرضي ورجع ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بجيشٍ من المسلمين قوامه ثلاثون ألف مقاتل ، وقيل : أربعون ألف مقاتل ولم يجتمع له مثل هذا العدد في غزوة غير تبوك ومرّ رسول الله في طريقه بالحجر - من ديار ثمود - فقال : " لاتدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لايصيبكم مثل ماأصابهم " ونهى عن الشرب من مائها ولا الوضوءُ منه ، وما كان من مائها فيوضع في علف الدواب . 
عباد الله : من الأحداث التي وقعت في غزوة تبوك ، والتي تُبين خطورة عصيان النبي صلى الله عليه وسلم وأثر ذلك وضرره على المناكف والعاصي ماأورد مسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعدي قال : " انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ستهب اليوم ريحٌ شديدة فلا يقُم أحدٌ منكم ، فمن كان له بعير فليشد عقاله ، فهبت ريحٌ شديدة ، فقام رجلٌ فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء " أي أجا وسلمى 
يقول ابن اسحاق : " وأصبح الناس ولا ماء معهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا الله ، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس وحملوا حاجتهم من الماء " . 
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين كان قُرب تبوك : " إنكم سـاتون غداً إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتى آتي " فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشِّراك - أي شراك النعل - تبضّ بشيء من ماء ، قال فسأليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل مسستما من مائها شيئاً " قالا : نعم ، فسبّهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ماشاء الله أن يقول ، قال ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء ، قال وغسّل فيه رسول الله يديه ووجهه ، ثمّ أعاده فيها فجرت العين بماءٍ منهمر ، فاستقى الناس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : " يوشك يامعاذ إن طالت بك حياة ، أن ترى ماههنا قد ملئ جناناً " . 
عباد الله : ملما نزل جيش النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك أقام بها حوالي عشرين ليلة يقصر الصلاة ويستعد للقاء الروم ، ولكن لمّا علمت الروم وحلفاؤهم برحف رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب وتفرقوا في الشام ، وجاء رجلٌ اسمه يُحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية ، وأتاه اهل جباء وأهل أذرُح فأعطوه الجزية وكتب لهم كتاباً على مناطقهم وصالحه أهل ميناء على ربع ثمارها ، ثم إن رسول الله صلى الله الله عليه  وسلم بعث خالد بن الوليد إلى الأكيدر الكندي ملك دومة الجندل وقال لخالد : " إنك ستجده يصيد البقر " فأتاه خالد والجيش من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعمائة وعشرين فارساً ، فلما كان منه بمنظر العين خرجت بقرة تحك بقرونها باب قصره في دومة الجندل فخرج لاصطيادها فتلقاه خالد في خيله فأخذه وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن النبي صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فأقرّ بإعطاء الجزية ، ثم إنه بعد ذلك أيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على أسيادهم من الرومان قد مضى وقتُه فانقلبوا عليهم لصالح المسلمين وصار شمال الجزيرة العربية داخل حدود دولة الإسلام وكفى الله المؤمنين القتال وحقق المسلمون مكاسب سياسية من جراء ذلك ، فاللهم انصر دينك وأعز أوليائك واخذل أعداء دينك ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطية الثانية ============
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن المؤمن مهما كان له من النصر والتمكين إلا أنه يُبتلى في هذه الدار - دار التنغيص والإبتلاء - فمهما صفت لك الحياة فيعقُبُ ذلك الصفاء الكدر وتلك حال الدنيا منذ خلقت البشريّة ومشت على ظهر البريّة وعندما تنظر لأحداث هذه الغزوة تجد أن الصحابة رضوان الله عليهم لاقوا شدّة فيها وعناء وفي ذلك أنزل الله عز وجل قوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ماكاد يزيغ قلوب فريقٍ منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوفٌ رحيم ) وسميت بساعة العسرة لأن حصل عسرٌ في الزاد والماء والنفقة والظهر يقول مجاهد رحمه الله : " ساعة العسرة " غزوة تبوك ، أصابهم جهدٌ شديد حتى إن الرجلين ليشقان التمرة بينهما وأنهم ليمصون التمرة الواحدة ويشربون عليها الماء ، ويروي ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن ساعة العسرة فقال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه " 
وبسبب تلك الشدة كاد فريقٌ من جيش النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيغَ عن الغزو ويشك في دينه ويرتاب بعدما ناله تلك الشدة والعناء الذي لاقى . 
عباد الله : وقد لاقى النبي صلى الله عليه وسلم مع شدة العطش التي أصابته شدّة أخرى  حيث تآمر اثنا عشر رجلاً من المنافقين وقيل أربعة عشر رجلاً تآمروا على الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم وايقاعه من بغيره ومزاحمته عند العقبة ولكن الله عصم نبيه من شرّهم . 
قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وخرج الرجال والأطفال والنساء يتلقونه وكان إذا قد من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، فلما رآه المنافقون قدموا إليه يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار المكذوبة فقبل منهم ووكل سرائرهم إلى الله وبقي ثلاثة نفر من الصحابة وهم الثلاثة الذين خلفوا آثروا الصدق فحصل لهم من الإبتلاء مافيه كفارة لهم ورفعٌ لدرجاتهم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لايكلمهم أحدٌ من الصحابة حتى مضت خمسون ليلة وفي آخر عشر منها أمروا ان يعتزلوا نساءهم ونزلت التوبة عليم من الله حيث يقول جل وعلا : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ختى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لاملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم )  وفي هذه الغزوة من الدروس الشيءَ الكثير وفيها من العبر والمعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم مالايخفى وفيها من دروس الصبر على الشدة مايطول ذكره ، فنسأل الله أن يُبلغنا وإياكم درجة الصديقين والشهداء وأن يجعلنا من عباده الأتقياء ومن حزبه المقربين وأوليائه الصالحين ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه  . .

الأربعاء، 25 مايو 2022

خطبة عن خطر التعميم في الألفاظ أو الأشخاص أو البلدان

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : تبتلى الساحة الإسلامية والعربية بين الفينة والأخرى على فترات متقطعة بانفلات من بعض من ينتسب إلى العلم والأدب والفكر الإسلامي فيقول مقولة عمياء بكماء صمّاء لايحسب لها حساباً تُنقص من مكانته وقدره بين طبقة أهل العلم والفضل وبين طبقات المثقفين بالجملة وبين كافة الناس ، وسبب ذلك الإنفلات الكلامي عدة أمور منها :
* عدم الإتزان الإنفعالي أثناء الكلام فتجد أنه يتفوّه بكلام يؤخذ به ويدان به ويكون ذلك الكلام الشاطح ضدُّه وشاهدٌ عليه
* ومنها : التعميم في الألفاظ أو الأشخاص أو البلدان ، فلا يستثن أحداً حينما يصف مجموعة أشخاص أو شعب بأكمله أو بلداً بأهله فيضل ويزلّ وهذا الأسلوب شنّع به الشرع ووصف صاحبه بأنه من أعظم الناس إثماً وأعظمهم فرية وكذباً وبُهتاناً ففي سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبّان أن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعظم الناس فرية اثنان : شاعرٌ يهجو القبيلة بأسرها ، ورجل انتفى من أبيه " وقد تكرر هذا الأسلوب كثيراً مؤخراً وكثُر أصحابه والمطبلون له ، وإذا وصل بأحدهم حدّ الفخر فقد وصل لمرحلة خطيرة ، وتجد مثل هذا الأسلوب في مناورات شعرية لاجدوى من ورائها وليس فيها إلا الكلام الذي لاقيمة له ولا وزن ولا يؤجر عليه الشاعر وهو إلى الإثم أقرب فينبغي لمن كان مسؤولاً عن هذه المساجلات أو الإجتماعات أن يضع حداً لهذه التجاوزات التي تزرع الفرقة في المجتمع وتشتّتُه وتزرع العنصرية ضد شعب أو قبيلة أو فئة من مجتمع بعينه .
* ومن تلك الأمور التي تتسبب في بعض التجاوزات والإنفلات في الأقوال ، النقمة والكره لبعض الأفعال والسلبيات التي تصدر من بعض الأفراد في مجتمعنا فيجرّئُ ذلك المفكر أو المثقف أو الكاتب أن يتجاوز فيقع في فكرة التعميم المحظورة التي ذكرناها آنفاً ، ومن ثم يتصادم مع المجتمع صغيره وكبيره ، وربما يجرّ من كان من بني جنسه وفي تخصصه لإحراج ومجادلات هو في غنى عنها ، والسلبيات في الحقيقة موجودة في كل مجتمع ، ولكن أين المجتمع الذي تقلّ سلبياته وتزيد إيجابياته عن غيره ، ولا أفضل من المجتمعات المسلمة في هذا الشأن وإن كان يعتريهم بعض النقص ، ولكن هم أصحاب التربية الحقة والنهج السليم الذي يضفي للإنسان سعادة الدنيا والآخرة .
عباد الله : صدق الشاعر حين قال :
أصون عرضي بمالي لاأدنسه * لابارك الله بعد العرض بالمال
إن صون العرض بكلمة أو بدفاع عن حق أو بترك كلمة تريد أن تقولها في مجلس أو في ملتقى أو قناة معينة أو نحو ذلك لم تحسب لها حساباً هو أمرٌ ينبغي العناية به وأن يحسب المرء لقوله الذي قال حساباً ينجو به من تبعات الدنيا وعذاب الآخرة وقد كان السلف الصالح يحسبون للكلام الذي يقولونه ، بل كان بعضهم يعدّ الكلام عداً ، فأين أولئك المتفوهون السفهاء الذين يتفوهون بكل مايخطر على بالهم من صحيح الكلام وسقيمه وحلوه ومرّه وخاصّه وعامّه ، فهل يُرجى لهؤلاء نجاةٌ يوم الدين وهم يهرفون بما لايعرفون ويتكلمون بكل مايشاؤون بحسن الكلام وقبيحه ، وفي ذلك يقول ابراهيم النخعي : " إنما أهلك الناس فضول الكلام والمال " .
بل بعضهم لايبالي أن يتكلم من أجل أن يأخذَ على كلامه أجراً رخيصاً من متاع الدنيا فخاب وخسر وفي ذلك يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : " ليأتيّن على الناس زمانٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بالسنتها "
عباد الله : الصمت علاج لكثير من النفوس التي لاتصبر إلا أن تأتي بالكلمة العوراء ، وإن كان الكثير من الكلام داء فالصمت هو الدواء ، ويقول عبدالله بن المبارك : " لوكان الكلام بطاعة الله من فضة ، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب " ، وكم من نادم على الكلام مراراً وعلى الصمت يقل الندم أو يكاد ينعدم ، وأكثر الناس هيبة الصامتون ، وهم أجل في قلوب الناس من غيرهم ، ولكن ليس الصمت في كل الأحوال هو الخير والذاكرون الله والداعون للخير خيرٌ من الصامتين ومع الصمت يقل الزلل ومن كثُر كلامه كثر زللــه ، وإن زلّة القدم تبرأ وتُنسى وزلّة اللسان تُذكر ولا تنسى ولاتبرأ مواجعها إذا وقعت في القلوب ولاتسدّ العيوب ، واللسان مزّلة ومستودع الذنوب فالحذر ممن تكفره الأعضاء كلها وتقول : " اتق الله فينا ، فإنما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا " .
اللهم شرّ ألسنتنا ونفوسنا ، واجعل قول الحق والدعوة إليه من سجيتنا واهدنا لأحسن الأقوال والأعمال لايهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنّا سيئها لايصرف عنّا سيئها إلا أنت ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============ الخطبة الثانية ============
الحمدلله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على المبعوث بالأخلاق والفرقان نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن خير الناس المتقون الذين يستمعون للقول فيتبعون أحسنه ويحرصون في أقوالهم على القول السديد وفي طرح آرائهم على الرأي الرشيد ويمسكون عن ماسوى ذلك مما لاينفع عند الله ولا يُرتضى عند الناس ، وفي الآية ذات الأمر والبشارة يقول ربنا جلّت ذاته وتسامت آياته وصفاته : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا * يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ) فانظر كيف ربط التقوى والقولَ السديد بصلاح وإصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وتكفير الخطايا والسيئات ، وكل ذلك يدلل على أن القول حينما يُطلقه صاحبه ولم يكن سديداً فإنه يضرّ صاحبه ويجلب له الفتنة والخسارة وضياع العمل ، وفي الحديث الذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانه " .
وفي هذا الحديث تتبين عدة أمور منها أن اللسان بابٌ للقلب وموصلٌ إليه وأن طهارة القلب وصلاحه مرتبطة باللسان فإن صلُح ونطق بالخير والبر كان لذلك أثرٌ على القلب فيستقيم ويطهر من الأمراض المعنوية كالبغض والتشاحن والحقد والغل ، فمن صلُح لسانه أعانه الله على طهارة القلب وصلاحه ، وأصلح سره وسريرته ومن صلُحت سريرته صلُحت علانيته ، والله يستخرج مافي القلوب بالألسن ، واقرؤوا إن شئتم : ( أم حسب الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرج الله أضغانهم ) وفي أثرٍ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : " ماأسرّ عبدٌ سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه " .
وهذه الأمور الخفية لاتبين إلا للمؤمنين الصادقين دون غيرهم ووأرد القرطبي في تفسيره أن أنس بن مالك رضي الله عنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قد مرّ بالسوق فنظر إلى امرأة ، فلمّا نظر إليه عثمان قال له : " يدخل أحدكم عليّ وفي عينيه أثر الزنا ، فقال له أنس رضي الله عنه : أوحياً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا . . ولكن برهان وفراسة وصدق " .
ثم صلّوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . .

الخميس، 5 مايو 2022

خطبة عن دوام العمل بعد رمضان وصيام الست من شوال

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن مما ينبغي للمسلم بعد أداءه لفريضة الصيام أن يلزم الإستقامة على طريق الهداية ولا يحيد عن درب النجاة ويتعاهد إيمانه وتقواه على الدوام فهذا هو الذي يفوز ويعلو ويبشّر وينجو ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألّا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم تُوعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ماتشتهي أنفُسكم ولكم فيها ماتدّعون * نُزلاً من غفور رحيم ) .
والإستقامة : ليس أن تجتهد في الطاعات بقدر ماهو ترك للمنهيات فكثير من الناس يسهُل عليه فعل الطاعة ولكن يصعُب عليه ترك المعصية ، وترك المعصية أوجب وأولى لأن ترك المعصية عام في الشرع لكل معصية وإثم وأما الطاعات فيأتيها العبد المسلم على قدر طاقته ونشاطه فيكون أخص من هذا الباب وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه مااستطعتم " رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
عباد الله : هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام يعمل بها المسلم في شؤون حياته كلّها وما زلّت قدم عبد في الآخرة وما عُذّب في قبره ولا ناله العذاب والعقوبة إلا بسبب ذلك فتجد أنه ممن وفقه الله للصدقة فتجده باذلاً للمال في وجوه الخير ولكن عنده كبيرة خفيّة يفعلُها توبق نفسه وتورده الجحيم ، فياليته لم يتصدّق واجتنبها لكان أسلم له ، وتجد آخر يصوم الأيام من أيام النفل كصيام ست من شوّال والإثنين والخميس والأيام البيض ولكن ممن دخل في المعاملات الربوية ولا يبالي لهثاً وراء المال فهذا يجب عليه أن يتركَ أكل الربا وحينها ينتفع بصيامه وإلا لم يستفد من صيامه ، وهكذا على هذا النحوك من الأمثلة والخلاصة من ذلك : أن تفتّش - أخي المبارك - عن المعصية والكبيرة في حياتك إن كنت ممن ابتُلي بذلك ومن ثمّ تتجتنبُها وتُلزمُ نفسك وتتعاهَدُها لتنال الكرامة وتكفير السيئات
( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عننكفّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مُدخلاً كريما ) .
عباد الله : وإن من تمام الطاعة ولزوم النهج القويم في التعامل مع النفس أن تداوم على الطاعة ولا تنقطع ، فعملٌ قليل دائم خيرٌ من كثير منقطع وحريّ بالذي يداوم على الطاعة أن يصلَ المنزل ويحوزَ الدرجة الرفيعة ، وذلك أن النفس ليست على درجة واحدة من النشاط في كل الأوقات ومن جعل عمله ديمة وشارط نفسه على ذلك أن لايترك ذلك العمل الذي اشترطه على نفسه ولو في وقت فتوره ومرضه حسب استطاعته ، كان من عباد الله السابقين ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ) وذلك العمل فعل الأنبياء والمرسلين وذلك أن علقمة النخعي رحمه الله سأل عائشة رضي الله عنها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئاً - أي يجتهد فيها غير المواسم - قالت : لا ، كان عمله ديمة ، وأيكم يُطيق ماكان رسول الله يُطيق ؟ أخرجه البُخاري .
عباد الله : الإستمرار في عمل صالح حتى الممات - إخوة الإسلام - هو نهجٌ نبوي حيث كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته - أي داوم عليه - وكان كذلك آل محمد عليه الصلاة والسلام إذا عملوا عملاً أثبتوه وأحب الأعمال إلى الله ماداوم عليه صاحبه كما ثبت في السنة وعلى العبد أن يحرص ويسدد ويقارب ويجتهد قدر استطاعته ، فما هذه الدنيا إلا مزرعة للآخرة وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سددوا وقاربوا ، واعلموا أنه لن يُدخل أحدُكم عمله الجنة وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ " فنسأل الله أن يُعيننا جميعاً على أنفسِنا، وأن يهدينا ويوفقَنا لسبل مرضاته ، ونيل كرامته . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي منّ بفضله على الأنام وهداهم لسبل السلام والصلاة والسلام على المبرّأ من الخطايا والآثام نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيرا أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن السلف الصالح ممن سبقنا كانوا يحرصون على الدعاء بقبول رمضان أشهراً بعد انصرام شهر الصوم ، وكانوا يهتمون لقبول العمل كثيراً ، ففي الأثر عن فضَالة بن عُبيد رضي الله عنه قال : " لأن أكون أعلم أن الله قد تقبّل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها " لأن الله يقول : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) وقال عبدالعزيز بي أبي روّاد رحمه الله : " أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح ، فإذا فعلوه ، وقع عليهم الهم أيُقبل منهم أم لا ؟ فهم يمتثلون قول الله تعالى : ( والذين يؤتون ماءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) . . وكان علي رضي الله عنه أنه كان ينادي آخر رمضان فيقول : " ياليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ؟ ومن هذا المحروم فنعزيه ؟ " . . ومن علامات القبول : إتباع الحسنة بالحسنة ، والعملِ الصالح بالعمل الصالح فالفريضةُ تُتبع بالنافلة والزكاة تُتبع بالصدقة وصوم رمضان يُتبع بصوم الست من شوال وفي ذلك ورد النص عن المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث يقول : " من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر " أخرجه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وعنا أجمعين ، فاحرص أخي الموفق على ذلك مادمت في وقت الصحة والإمهال ، ولو أن تصومها مفرّقة إذا كان يشق عليك سردها ، ومن صام يوم الإثنين والخميس لينال الأجرين بذلك كان له مانوى وقد أفتى بذلك كبار أهل العلم في بلادنا وغيرها . . فاللهم ارزقنا القوة والعون على مرضاتك وعلى كل عمل صالح يُرضيك عنا ووفقنا للخير حيثما كنّا . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

الخميس، 28 أبريل 2022

خطبة عن ختام شهر رمضان وزكاة الفطر

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله أرسله ربه بين يدي الساعة إلى الأنام فأبان لهم المحجة بجوامع الكلام فلا يزيغ عنها إلا هالك حيران في أطباق الظلام عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه وأتباعه وحزبه إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - على نعمة إدراك الشهر الفضيل واستكملوا مابقي منه بالسعي والتحصيل فالموفقون للفضائل والأعمال نزرٌ قليل ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) واعلموا رحمكم الله أنه بضعة أيام يُغلق باب المضاعفة للأجور فرمضان أوشك على الرحيل فاغتنموا مابقي منه ولو علم الناس مافي رمضان من الخيرات والبركات لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان لما فيه من تنزّل الرحمات واستجابة الدعوات وتكفير الذنوب والسيئات وتزيين الجنات حيث رُوي أن الله   : " يوشك عبادي الصالحون أن توضع عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك  " . 

وفيه العتق من النيران وذلك كلّ ليلة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهل كُتبت فيه المعتَقين الفائزين أم كنت فيه من الخائبين الخاسرين كيف ذلك وقد قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : " رغم أن امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له "  قل آمين - أي يامحمد - فقلت : " آمين "  وذلك من حديث جابر بن سمُرة وهو حديث حسن البزار والطبراني . . فأي ذلّ وخسارة يعتري ذلك الرجل الذي يُدرك رمضان ولم يُغفر له  . 

وما تضيع هذه المواسم من رمضان وغيره إلا على رجل ابتلي إما بالتسويف أو بطول الأمل وكلاهما باب من أبواب الردى والضياع وإن طول الأمل ياعباد الله يُضيع العبد ويُورده مواطن الهلاك فمن طال أمله خاب سعيُه وعمله ، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه : " لايطولنّ عليكم الأمد ولا يُلهينّكم الأمل فإن كل ماهو آتٍ قريب ، ألا وإن البعيد ماليس آتيا " وطول الأمل من الشقاء ، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله : " إن من الشقاء طول الأمل ، وإن من النعيم قِصر الأمل  " . 

عباد الله : روى الطبراني وابن أبي الدنيا بسند حسن عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ، ويَهْلِك آخرها بالبخل والأمل " وفي رواية : " صلاح هذه الأمة باليقين والزهد ويَهْلِك آخرها بالبخل والأمل " وهذا يدلل على شدة الضرر على دين العبد بسبب طول الأمل ، ومن أسباب فسق اليهود والنصارى وتحريفهم للتوراة والإنجيل وأكلهم بها ثمناً قليلاً وفسقهم وفجورهم طول الأمد ، وفي ذلك يقول الله جلّ وعلا : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبُهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند البخاري رحمه الله أنه رضي الله عنه قال : " خطّ النبي صلى الله عليه وسلم خطّاً مُربعاً وخط خطاً في الوسط خارجاً منه - اي من ذلك المربع - وخط خُططاً صغاراً - أي خطوطاً صغاراً - إلى هذا الذي في الوسط ، من جانبه الذي في الوسط ، فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجلُه محيطٌ به أو قد أحاط به وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا ، وإن أخطأه هذا نهشه هذا  " . 

عباد الله : من أسباب طول الأمل : حب الدنيا والجهل وأما الجهل فدواؤه العلم والبصيرة ومعرفة الحق ومن العلم أن تعلم أنك في هذه الدنيا ضيفٌ يوشك أن يرتحل وأما حب الدنيا فدواؤه معرفة حال الدنيا وأنها دار غرور مطبوعة على الكدر وما صفت لخير البشر 

طُبعت على كدر وأنت تريدها * صفواً من الأقذار والأكدار 

والعجب أن الدنيا وطول الأمل لم يسلم منها الكبير فكيف بحال الشاب والصغير وعند البخاري من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لايزال قلب الكبير شابّاً في اثنتين : في حب الدنيا وطول الأمل " .

فالعبد يوطّن نفسه على قِصر الأمل وكره الدنيا من صغره ويدعوا الله بصدق وإخلاص أن لاتكون الدنيا أكبر همّه ولا مبلغ علمه ويتذكر حال فراقه لهذه الدنيا فهو أحرى أن يجتهد في عباداته وأحواله كلّها فيخرج من هذه الدنيا وقد سلم ونجا وعوفي بإذن ربه وخلّف دار المنغصات وراءه وقدم لدار النعيم والفرح الدائم المقيم . 

اللهم سلّمنا من موجبات سخطك وعذابك ومما يقرّب لهما من قول أو عمل ونسألك موجبات رحمتك وما يقرّب لها من قول أو عمل ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي قريبٌ مُجيب . 

============ الخطبة الثانية ============

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات يوفق لفعل الطاعات ويغفر الذنوب والزلات والصلاة والسلام على المبعوث بالبينات نبينا محمد وعلى آله وصحبه وعنا معهم إلى يوم الدين وسلم تسليما مزيدا أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله  واعلموا أنه في ختام هذا الشهر يُجب على العبد أن يخرج زكاة الفطر قبل صلاة العيد عن نفسه ومن يعول من أفراد أسرته صغيراً كان أوكبيرا ً وقد شرع الله هذه الزكاة طهرة للصائم مما يشوب صوبه من اللغو والرفث والزلل وطعمة للفقراء والمساكين والمحتاجين في البلد الذي هو فيه ، وسمّيت زكاةً لأنها واجبة لاتسقط عن العبد بأي حال إلا إذا كان من الفقراء الذين لايجدون ماينفقون حينها أي قبل صلاة العيد ، وإذا تسنّى له أن يجد بعد الصلاة فلا يخرج شيئا لفوات الوقت وأما الحمل في البطن فيستحب أن يُخرج عنه ولا يجب . 
ويخرج الناس من قوت البلد ويُخرج عن كل فردٍ صاعاً من تمر أو أقط أو زبيب أو برّ أو شعير أو أرز أو ذره أو نحوها مما يقتات الناس والأفضل من ذلك مايشتهر بين الناس لقوله تعالى : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم "   ومما ورد في ذلك كله حديث ابن عمر رضي الله في الصحيحين قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا ًمن تمر أو صاعا ًمن شعير أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب على الحر والعبد والذكر والأثنى والصغير والكبير من المسلمين " وأما إن أخرجا بعد صلاة العيد فليست زكاة وإنما هي صدقة من الصدقات شأنها في ذلك شأن الأضحية . 
فلنحرص في ذلك على أدائها في الوقت قبل صلاة العيد وهو وقت الفضيلة أو قبل صلاة العيد بيوم أو يومين وهو جائز لكي يتم بذلك المقصود وهي الطهارة من كل ذنب والتزكي من الخطايا والأوزار واعلموا أنه لاتجوز في إخراجها القيمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها من قوت وطعام أهل البلد فالنص صريح في الطعام لا القيمة وهذا هو الذي يُفتي به جمهور العلماء في عصرنا الحاضر وعلى رأسهم سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله  ، واحرصوا - وفقكم الله - على التكبير بعد رؤية هلال شوال فهو من أفضل الأعمال المنصوص عليها في الوحيين ( ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون) ، فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ووفقنا لكل عمل صالح يرضيك عنّا واختم بالصالحات أعمالنا وحقق إيماننا وآمالنا ياذا الجلال والإكرام . . 

الخميس، 14 أبريل 2022

خطبة عن حفظ صوم العبد في رمضان

 الحمدلله الذي يجازي بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغُفرانا ، له الحمد على وافر النعم اعترافاً وشكراناً والصلاة والسلام على المبعوث للعالمين وخير البرية إيماناً ، نبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين صلاة وسلاماً نرجو به رفعة وجناناً أما بعد : 

فاتقوا الله - معشر الصائمين - واخشوا ربكم واحفظوا صومكم وأحسنوا والله لايُضيع أجر المحسنين ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلا م الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكُل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : إن كثيراً من خلق الله تعالى لايحرص على حفظ صومه مما يُفسده ونحن عامّة - ياعباد الله - بأمس الحاجة لحفظ صيامنا مما يشوبه ويُفسده من سماعٍ محرّم أو غيبة أونميمة أو كذب أو قول زور أو رؤية محرم أو كلام فاسد بذيء ، فالصوم الحقيقي عن ماحرّم الله وأهون الصوم هو الصوم عن الأكل والشرب وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ربّ صائمٍ حظه من صيامه الجوع والعطش وربّ قائمٍ حظّه من قيامه السهر والتعب " أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه وأورده المُنذري في صحيح الترغيب والترهيب .

عباد الله : أكثر مايقع الناس حين صومهم في الغيبة تهاوناً أو إصراراً وذلك لعدة أسباب منها جهلهم بمعنى الغيبة أو جهلهم بالألفاظ التي التي تُوقع في الغيبة ، أو سماعه لمن يتحدث عن فلان من الناس فما تقرّ له نفسٌ حتى يُخرج مافي نفسه ، مع أن الغيبة كما لايخفى على الجميع كبيرة من كبائر الذنوب ، مع أنه روي عن سفيان الثوري رحمنا الله وإياه أنه قال : " الغيبة تُفسد الصوم " ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : " الغيبة تخرق الصيام والإستغفار يرقّعه ، فمن استطاع منكم أي يأتي بصوم مُرقّعٍ فليفعل " وروي عن الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف أنه قال فسي هذا الشأن : " صيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع ، كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ، ثمّ نُرقّعه ، وقد اتسع الخرق على الراقع والمقصود أن من أراد الصوم الحقيقي فليحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى ويذكر الموت والبِلى ، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يومَ لقاء ربّه وفَرَحِه برؤيته 

أهل الخصوص من الصوّام صومهم  * صون اللسان عن البهتان والكذب ُ 

والعارفون وأهل الأنس صومهم * صوم القلوب عن الأغيار والحُجُب 

يقول الإمام الغزالي في كتابه ( إحياء علوم الدين ) : " اعلم أن الصوم ثلاث درجات :  صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص ، فأما صوم العموم فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة ، وأما صوم الخصوص فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام ، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدّنيّة والأفكار الدنوية وكفّه عن ماسوى الله عز وجل بالكليّة . 

وقد رُوي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما حديث مرسل قال رضي الله عنه : " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم ودع أذى الخادم - وروي أذى الجار - وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا يكن يوم فطرك وصومك سواء " أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في شُعب الإيمان . 

وأحسن الشاعر حين قال : 

إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ * وفي بصري غضٌ وفي منطقي صمتُ

فحظي إذاً من صومي الجوع والظما * فإن قلتُ : إني صمتُ يومي فما صمتُ . 

عباد الله : شهر رمضان المبارك شهر عبادة وتبتل لله جلّ وعلا فينبغي للعبد أن يصبر فيه على الطاعات ويتذكّر دائماً عاقبة الصبر وفضله ولذة الخاتمة عندما ينقضي هذا الشهر الكريم وقد فاز بمغفرة الله ورضوانه والعتق من النيران فحقّ له أن يُسرّ ويفرح عندما يأتي يوم العيد وقد أرى الله من نفسه خيراً واجتهد في هذا الشهر بسائر الطاعات فالله بشرنا بما يسرنا يارب العالمين . 

وقد أخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الصوم جُنّة من عذاب الله " وعند أحمد والنسائي أيضاً بلفظ : " الصوم جنّة من النار كجُنّة أحدكم من القتال " فياعباد الله : من لم يكن صومه جنّة من المعاصي فكيف يكون صومه جنّة من النار وكان بعض الصالحين يردد في دعاءه دائماً ويقول : " اللهم ارحمني بترك المعاصي " لأنه يعلم أن لانجاة إلا بتركها ومما ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه عندما أمره الله أن يسال ويذكُر حاجته في حديث اختصام الملأ الأعلى قال نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم : " اللهم إنا نسالك فعل الخيرات وترك المنكرات وحُب المساكين ، وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني غير مفتون ، وأسألك حُبّك وحُب من يُحبك وحبّ عمل يُقربني إلى حبّك " وقال في نهاية هذا الحديث : إنها حق فادرسوها وتعلّموها . . فاللهم أعنّا على أنفسنا المقصّرة ، واجعل يوم القيامة وجوهنا مسفرة ضاحكة مستبشرة يارحمن يارحيم ياجواد ياكريم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  . 

=============== الخطبة الثانية ================

الحمدلله كما يحب ربنا ويرضى وهو أهل المغفرة والتقوى والصلاة والسلام على الرسول المصطفى والنبي المجتبى وعلى آله وصحبه أهل المكارم والنهى وعلى من تبعهم بإحسان مادامت الأرض والسماء أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا - رحمكم الله - أن حفظ الصوم يتأتى بعدة أمور منها : 

- حفظ اللسان وهو ملاك الأمر كلّه وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما سأله عن عمل يدخله الجنة وينجيه من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كفّ عليه هذا " فقال معاذ : " وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به " 

فقال : " ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم  " أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ويقول صلى الله عليه وسلم هذا القول لمعاذ رضي الله عنه الذي شهد بدراً وكان ممن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ منه القرآن وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه قال : " يأتي معاذ بين يدي العلماء برتوة " أي برمية سهم . . ولو سلم العبد من شرّ اللسان لسلم له دينه وسلم من شرّ كبير وداءٍ مستطير وصدق صلى الله عليه وسلم حينما قال : " إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلَّها تُكفّر اللسان ، تقول : اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا " 

- ومن الأمور التي هي سبب في حفظ صوم العبد الإشتغال بالطاعات فالعبد إن لم يُشغل نفسه بالطاعة شغلته بالمعصية 

- ومنها غض البصر فالنظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس كما أخبر المصطفى عليه السلام والنظر للنساء خاصة يورث داءاً في القلب وشرّاً في الفؤاد يبقى أثره حتى التوبة والعلاج كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه : " لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " أي أن الأولى لك وهي التي تكون بغير قصد غالباً وليست لك الآخرة وهي التي تكون بالإرادة والإختيار مع الإستمرار والآخرة هي باب الداء وشرٌ وبلاء فاصرف بصرك ليرتاح قلبك ويسلم لك دينك وعملك . . فاللهم احفظ علينا أسماعنا وأبصارنا وألسنتنا من محارمك وأصلح فساد قلوبنا بحولك وقدرتك ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عزّ من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...