الثلاثاء، 23 مايو 2023

خطبة عن العادات والتقاليد التي أقرها الإسلام أو منعها

 الحمدلله الذي خلق النفس البشريةَ وهداها لما فيه تقواها وأودع فيها من الطبائع مافيه قوام عيشها ومن كل خير أولاها والصلاة والسلام على المبعوث بالخيرات أتقى الخليقة وأزكاها بعثه ربُّه ليتمم مكارم الأخلاق فبينها وللعالمين أسداها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير أصحاب الرسل وأوفاها وعلى من تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً أما بعد :

فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن لكل شعوب الأرض ثقافة وتقاليد وعادات بعضها يخالف العقل السليم والفطرة والدين وبعضها يوافق ذلك وهذه الثقافة والعادات والتقاليد متباينة في الجمال والقبح والفظاظة واللطف والقوة والضعف والمحبة والكراهية فمنها ماهو جميلٌ مقبول وقبيحٌ مردود ، ومنها مافيه فظاظة وغلظة ومنها مافيه لطفٌ ولين ومنها ماهو قوي ومنها ماهو ضعيف ومنها ماهو محبوب ومنها ماهو مكروه ودين الله يقرّ كثيراً من العادات والتقاليد وخصوصاً تلك العادات التي أجمع على حبها الشعوب كالكرم والشجاعة والمعاملة بالأخلاق الحميدة ، والميزان في ذلك شرع الله جلّ وعلا ، فما أحبه الله وأذن فيه كان خيرَ عادة وخيرَ موروث يورثه الأجداد للآباء والآباء للأولاد والأولاد للأحفاد وما كان يرفضه الشرع المطهر ولم يأذن به الله فهو شرُّ عادة وشر موروث وبئس مايُورّث للذرية والأحفاد ، وكلّما كانت الشعوب قريبة من شرع الله ونهجه كلما كانت عاداتها وتقاليدها وموروثاتها أسلم وأقبل للعقل والفِطَر السليمة ، ولذا رد الله تعويل كل كافر أو مشرك على الآباء ونقض ذلك كلّه وأن ذلك مما يستقبحه العقل ويستهجنه قال تعالى : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لايأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالاتعلمون ) وهذا ليس في شأن الشرك على عظيم خطره ولكنه في شأن كل فعل وقول وعادة قبيحة شنيعة متوارثة من الأجداد والآباء يتمسك بها الجُهال والضلال وهم يعلمون في قرارة أنفسهم وفي عقلهم الباطن قبحَها وشناعَتها ولكنّ دوافعَ الشر في النفس وتزيين الشيطان والهوى أضل الكثير من هؤلاء ( أفمن زيّن له سوء عمله فرءاه حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليمٌ بما يصنعون ) كما زُين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم ( وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شُركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم وما يفترون ) وكفعل المشركين بالإبل فجعلوا منها البَحيرة والسائبة والوصيلة والحام حتى أصبحت عندهم عادة فالبَحيرة : هي الناقة تقطع أذُنُها إذا أتت بعدة بطون والسائبة هي التي تُسيّب وتترك للأصنام والأوثان ولا يُحمل عليها والوصيلة هي الناقة التي تصل حملها بأنثى بعد أنثى فتترك إذا وصلت حملها للأوثان والأصنام وأما الحام فهو فحل الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الأبل تركوه للصنام ولم يحملوا عليه فجاء الإسلام ونقض ذلك كلّه . 

عباد الله : من العادات التي كانت عند أهل الجاهلية أنه إذا توفي زوج المرأة أحدّت عليه المرأة حولا كاملاً ولم تغتسل ولم تتنظف ولا تتطيب ولا تخرج حتى يمر عليها الحول ثم يؤتى لها بدابة تفتض بها - أي تتمسح بها - فلم تفتض بشيء إلا مات ثم ترمي ببعرة على رأس الحول كناية على قلة ماقدمت في حق زوجها ، فجاء الإسلام فحرّم هذه العادة وأبطلها وطرح من مدة الحداد في الجاهلية ثلثيها وأوجب عليها الحداد أربعة أشهر وعشرة أيام ولم يحرّم عليها التنظف والإغتسال وأجاز لها الخروج لحاجة ضرورية فقط وهذا من فضل الله . 

وكذلك كانت في الجاهلية عادة جائرة وهي حرمان المرأة من الميراث فجاء الإسلام فأوجب لها الإرث قد يصل إلى ثلثي المال في بعض الحالات وكل ذلك من عدل هذا الدين وإنصاف الشريعة ، وكانت المرأة في الجاهلية عند كثير من قبائل العرب إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وكذلك يصنع اليهود ، وبعض العرب يخرجها من البيت فجاء الإسلام فأبطل هذه العادة والتي فيها امتهان للمرأة وأباح المؤاكلة والمشاربة لها وحرّم إخراجها من البيت بغير حق بل وأباح مجامعتها بما دون الفرج وحرّم جماعها في الفرج وهذا من عدالة ورحمة الشرع الحنيف المطهر . 

ومن أشنع العادات التي كانت في الجاهلية وأد البنات فقد كانوا يأدونها وهي حيّة خوف العار وما يُشبه هذا في الشعوب الأخرى التي تُقدم الفتاة الصغيرة قرباناً لأصنامهم وأوثانهم فجاء الإسلام وحرّم ذلك وأعظمه ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرّموا مارزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) . 

ومن عاداتهم الشنيعة زواج الرجل بامرأة أبيه إذا توفي عنها أبوه فجاء الإسلام فحرّم ذلك حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ( ولا تنكحوا مانكح أباؤكم من النساء إلا ماقد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا ) وكذلك كانوا يجمعون بين الأختين فجاء الإسلام وحرّم ذلك وذكر ذلك في آية المحرمات من النساء في سورة النساء ، وقد ساق ابن جرير بسنده إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن أنه قال : "  كان أهل الجاهلية يحرمون ماحرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين " .

وكان من عاداتهم حينما يتبنّى الرجل منهم طفلاً صغيراً من باب الإحسان أن ينسبه له ولا ينسبه لأبيه الذي أنجبه من صلبه ، فيُنسى أبوه الأصلي ويُنسب ذلك الطفل لمن تبنّاه وجاء الإسلام فأبطل هذه العادة وأنزل الله في ذلك قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسطُ عند الله فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم . . ) الآية 

بارك الله لي ولكم في الآيات والآثار وقربني وإياكم إليه ربنا الجواد الغفار ورزقنا الإستكثار من العمل الصالح  ليوم القرار أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية ===============

الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن لهداه اقتفى أما بعد : 

عباد الله : إن من عادات أهل الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والفرق بين الفخر بالحسب والطعن في النسب أن الفخر بالحسب هو افتخار الإنسان بالمناقب من باب التعالي على الناس والكبر والخيلاء وتفضيلاً للنفس على الغير ، وأما الطعن بالنسب فهو انتقاص الناس بعرقهم أو قبيلتهم أو نفي نسبهم إلى آبائهم أو تعييرهم ببشرتهم أو مكانتهم الإجتماعية وغير ذلك ، ومنها الإستسقاء بالنجوم وهو نسبة المطر لها وهو شرك وظلم وكذلك النياحة على الميت وهذا في الغالب يكون بين النساء والنياحة هي رفع الصوت بالبكاء والصراخ على الميت وقد ذكر النبيُ صلى الله عليه وسلم أن أمته لايتركونهن ، ففي حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لايتركونهن : الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والإستسقاء بالنجوم والنياحة " أخرجه مسلم وقد جاء الإسلام بإبطال هذه العادات السيئة ففي حديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لينتهين أقوامٌ يفتخرون برجال - وفي رواية بآبائهم الذين ماتوا - إنما هم فحمُ جهنّم أو ليكوننَّ أهون على الله من الجُعلان التي تدفع النتن بأنفها " وقال أيضاً : " الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس " أي : احتقارهم وقال الله تعالى في الحديث القدسي : " أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر ، فأما من قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب ، وأما من قال : مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب " . 

وقال صلى الله عليه وسلم في النياحة : " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران ودرعٌ من جرب " وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوم البيعة " ألا ينُحن " والسربال هو لباس يشبه الثوب والدرع : فهو قميصٌ تلبسه المرأة . 

عباد الله : مايقع الناس في هذه العادات الممقوتة وما يُماثلُها أو يشابهُهَا إلا من جهل ماكان عليه أهل الجاهلية أو بسبب التقليد الأعمى أو قلة الديانة أو اتباع الهوى والإستهانة بمثل هذه الكبائر ، ولذا في الاثر عن عمر بن الخطاب رض الله عنه أنه قال : " لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لايعرف الجاهلية " ولذا وجب معرفة الشر لتوقيه الخير لفعله والمسابقة فيه . .  ثم صلوا على من نبي الهدى والرحمة فقد قال عز من قائل حكيما :  ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 


الخميس، 11 مايو 2023

خطبة عن البخل وأثره على المسلم

الحمدلله الذي خلق النفس وسواها وألهمها فجورها وتقواها ووعد بالفلاح من زكاها وبالخيبة والخسران من دسّاها ومن بالشهوات أغواها ، والصلاة والسلام على نبي البشريّة وأزكاها نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل صحب الرسل وأسماها وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم نلقاه أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فإن تقوى الله داعٍ للفضائل ومجنّبٍ للرذائل ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور مُحدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : ربنا جل وعلا رؤوفٌ بعباده رحيم يزكيهم ويُطهرهم منّةً منه وفضلاً ورحمة بعباده وإحسانا كما أخبر في كتابه  (يريد الله ليبين لكم ويهديَكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليمٌ حكيم )  ومن وسائل تزكيته سبحانه أنه - ياعباد الله - أنه يحذّر ويُزكي من صفات لاتليق بالمسلم ويُرشد المؤمن بلسان رسوله أن يستعيذ بالله منها ومن تلك الصفات صفة البُخل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها دُبر مل صلاة ، فقد أخرج البُخاري رحمه الله من حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوّذ دُبر الصلوات المكتوبة بهؤلاء الكلمات : " اللهم إني أعوذ بك من الجبُبن والبُخل وأعوذ بك من أن أردّ إلى أرذل العُمُر ، وأعوذ بك من فتنة الدُنيا وأعوذ بك من فتنة القبر " وفي حديث آخر يروية سعد رضي الله عنه قال : " كان رسول الله يُعلّمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلّم الكتابة : " اللهم إني أعوذ بك من البُخل وأعوذ بك من الجُبن وأعوذ بك من أن نُردّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدُنيا وعذاب القبر " أخرجه البُخاري أيضاً . 
عباد الله : البُخل صفة ذميمة تمنع الخير عن العبد وتُقصيه من الله والخلق ، والبُخل نوع أنانية في النفس وفتنة بالمال وحب للدُنيا على حساب الدين ، فالبخل - أجارنا الله وإياكم - يقتُل صاحبه إن غذاه في نفسه ويحرمه التمتع بما انعم الله عليه من النعم فهو محروم مع حرمانه لغيره ممن يعوله ممن يحتاجون إليه ، بل إن البخيل ينفر منه أصحابه ولذا قال بعض الحكماء : " البخيل ليس له خليل " ، وأشنع أمره أن يتمادى به البخل حتى يبخل بحق الله تعالى الواجب عليه من أداء الزكاة المفروضه للفقير والمسكين ومن يستحقها من أهل الزكاة الثمانية  فربما ناله سخط الله تعالى إن لم يتدراكه الله بتوبة قبل الموت فيكون داخلاً في قول الله تعالى : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراًُ لهم بل هو شر لهم سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً للبخيل والمتصدق فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم فقال : " مثلُ المنفق والمتصدق كمثل رجُلين عليهما جُنّتان من حديد قد اضطُّرت أيديهما إلى ثُديِّهما وتراقيهما  فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تُغشّي أنامله - أي تغطيها - وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلّما همّ بصدقة قَلَصَت ، وأخذت كلّ حلقة مكانها " يقول أبوهريرة رضي الله عنه : " فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول باصبعه في جيبه فلو رأيته يوسّعها ولا تَوَسّع - أجارنا الله وإياكم - 
قال صاحب مختصر منهاج القاصدين المقدسي رحمنا الله وإياه أجمعين : " اعلم أن الشح والبُخل درجات : فأرفع  درجات السخاء الإيثار ، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه ، وأشد درجات البُخل : أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه - أي المال - فكم من بخيل يُمسك المال ويُمرض فلا يتداوى ، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البُخل ، فكم بين من بخِل على نفسه مع الحاجة وبين من يؤثر على نفسه مع الحاجة - أي من الفرق - فالأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء ، وإذا أراد الله بأمة شراً أمّر عليهم شرارهم وبُخلائهم ، يقول محمد بن المنكدر - رحمه الله : " كان يُقال : إذا أراد الله بقومٍ شرّاً أمّر عليهم شرارهم ، وجعل أرزاقهم بأيدي بُخلائهم " أعاذنا الله وإياكم والمسلمين . 
 عباد الله : من يتأمل حال البخيل المُمسك يجد أنه حارس ماله للورثة بعده وعاملهم عليه بجمعه وحفظه  وصدق الشاعر حينما قال : 
إذا كُنت جمّاعاً لمالك ممسكاً * فأنت عليه خازنٌ وأمين 
تؤديه مذموماً إلى غير حامدٍ * فيأكُله عفواً وأنت دفين 
والشُح والبخل متقاربان ولكن الشح أشمل وأشد خطراً على دين العبد من البخل وإن كان الشح من ثماره البُخل  ولما سئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله عن الفرق بين الشح والبخل قال : " الشُح أشد ، فالشح معناه : البخل بالموجود والحرص على المفقود ، فالشحيح حريصٌ على الزيادة وبخيل بما عنده " انتهى كلامه فاللهم أعذنا من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء وأصلح لنا أنفسنا ياسميع الدُعاء ياواسع والفضل والعطاء ، أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============== الخطبة الثانية ==============
الحمد لله كما ينبغي أن يُحمد والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى عليه وعلى آله وصحبه ذوي النهج الأرشد وعلى من تبعه بإحسان ولربه تعبد ، أما بعد : 
عباد الله : إن من الديانة ومحبة الخير وكرم النفس للغير من المسلمين خاصّة الوقوف معهم في حال المصيبة ووقت نزول الشدّة وإذا كان المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ اشتكى كلّه ، فالمسلم بمقتضى ذلك متضامن مع أخيه المسلم في أي بلد وأي قطرٍ من الأقطار ، بالدعاء ومد يد العون له عند الحاجة ، وإن إخوانكم في السودان اليوم يُعانون من ويلات حرب شبّت بين أطراف بعضُها بغى على بعض ونتج عن ذلك الصراع منكوبين لا ومشردين ومرضى تشتتوا في البلاد بسبب الإجرام والفساد ، وقامت هذه الدولة ولله الحمد بإيواء اللاجئين منهم والمفارقين لأوطانهم  وتوفير مايحتاجونه كل ذلك يتم امتثالاً لتوجيهات الدين الحنيف كما قال صلى الله عليه وسلم : " عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني " وقوله عليه الصلاة والسلام : " المسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يُسلمه " ومعنى : " لايُسلمُه " لايتركه ولا يتخلّى عنه دون أن يُعينه ولايتركه مع من يؤذيه دون أن يحميه ، فيجب مد يد العون لهم والمساهمة في الحملة الشعبية لإغاثة الشعب السوداني وذلك عن طريق منصة ساهم التي خصصتها الدولة لمثل هذه الحملات وهي جسر تواصل وباب عون لإخواننا في كل مكان وتذكروا قولَ ربنا جل وعلا : ( قل إن ربي يبسط الرزق لم يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه وهو خير الرازقين ) وقولَ المصطفى عليه الصلاة والسلام : " من يوم يُصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدُهما : اللهم أعطِ منفقاً خلَفا ، ويقول الآخر : اللهم أعطِ مُمسكاً تلفا " وتذكر عون الله لك مادمت في عون أخيك ونعمة الله عليك بالعافية والغنى وسلامتك من البؤس والعناء ، ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمر الله حيث قال جلا وعلا : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

الأحد، 30 أبريل 2023

خطبة عن الروح وماورد فيها ومآل الأرواح

الحمد لله الخالق القدير السميع البصير الذي خلق فسوى وقدر فهدى وإليه المصير والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً دائمين دائبين إلى ماشاء ربنا العلي الكبير أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون وسبق المفردون ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الروح ؟ وما أدراك ما الروح ؟ خلقٌ من خلق الله مُعجزٌ دال على عظيم القدرة وعزيز القوة وجبروت العظمة لله القوي القهار البديع الذي لاتُدركه الأبصار ولايخفى عليه مايكون في السماء ومايدب على الأرض في الليل والنهار .

إن الروح - ياعباد الله - من أمر الله ومن خلقه وبديع صعنه البارع المبهر الذي يأخذ بالألباب ,العقول ويدهش أولي الأحلام والنهى لايعرف كنهها إلا الله ولا حقيقة خلقها إلا هو ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) والروح وردت في القرآن بمعانٍ منها : روح الإنسان أي نفسه التي بين جنبيه وكذلك تأتي بمعنى الوحي حيث يقول جل وعلا : " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ماكنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه روحاً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " والروح الأمين هو جبريل عليه السلام الذي نزل بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربي مبين ) وسماه أيضاً روحُ القُدس وأيد عيسى به عليه الصلاة والسلام فقال جل وعلا : ( إذ قال الله ياعيسى ابنَ مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتُك بروح القُدُس تُكلم الناس في المهد وكهلا . . ) الآية والقُدُس والقداسة هي النزاهة والطُهر ، و
جبريل عليه السلام هو أعظم الملائكة خلقاً وأعظمهم مكانة ورفعة عند ربه وهو الموكل بالوحي ورسولُ الله لأنبيائه ورُسله عليهم الصلاة والسلام وصفه ربه بأنه ( شديد القُوى * ذو مرّة فاستوى ) والمقصود بالمِرّة أي الخلْقُ الحسن حيث أنه استوى في الأفق لنبيا بادياً خلقَه لنظره عليه الصلاة والسلام قد سدّ خَلْقَه مابين السماء والأرض ، ومن مكانته عند ربّه أن الله يضيفه لنفسه فقال في شأن مريم عليها السلام  : ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويّا ) فقام بالمَهمَّة وهي النفخ في جيب البتول عليها السلام فحملت به وذلك آية من آيات الله البارئ المصور القدير القادر الذي لايُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .وقد تُسمّى رحمةُ الله رَوحاً كما قال يعقوب عليه لبنيه : ( يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسفَ وأخيه ولا تيأسوا من رَوح الله إنّه لاييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون )   

عباد الله : من تأمل خلق عيسى عليه السلام ونفخَ روحه في بطن أمه يجد عجباً وقدرة قادرعظيم جعله الله وأمه آية للعالمين وحُجة على قدرة رب العالمين وعبرة للمتأملين ، وليس ذلك بأعجب من خلق آدم الذي خُلق بلا أب وأم ، وإن كلامَه عليه الصلاة والسلام في المهد حجةٌ على اليهود وعلى بني اسرائيل وإحيائه للموتى وخَلْقِه من الطين كهيئة الطير ونفخه ليكون طائراً وإبرائه الأكمه - وهو الذي ولد أعمى - والأبرص وإحيائه للموتى وكل ذلك بأمر الله وقدرته لاقدرة غيره من البشر مهما كانت وجاهتهم كل ذلك حجة على أهل الكتاب خاصّة في زمانهم وحجة على العالمين لمن جاء بعدهم ، وضربَ الله جل وعلا مثلَه في القرآن ( إن مَثل عيسى عند الله كمثل آدم خلَقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكوننّ من المُمترين ) فهذا الحق الماضي إلى يوم القيامة وهذا هو الطريق الأبلج الذي لامراء فيه ، وقد قطع الله حُجة المحاجين في عيسى السلام حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ( فمن حاجّك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفُسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) والمقصود بالمباهلة : هي حلفُ فريقين بالله العظيم على أن مايدعيه ذلك الفريق هو الحق ، ففريقٌ على الحق وكذلك أنبياء الله ورسله وأوليائه وفريقٌ على الباطل وهو الخصم المعاند المُكابر ، والعادة أن الفريق الكاذب المُباهل لاتمضي سنة وهو حي ، فيفنى قبل نهاية الحول وذلك آيةٌ من آيات الله فلهذا يخاف أعداء الله من المُباهلة ويرون أنها ماحقة حتى للنسل ، وكذلك أمر الله نبيّه أن يباهل نصارى نجران عندما دعاهم النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى الحق فأبوا وزعموا أنهم على الحق وكابروا فلم يدخلوا في دين الله ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه نساءَه وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ فأشار إليهم شُرَحْبِيل بن وداعة الهمداني وكان من أسيادهم ومعه صاحبان له من أشرافهم وقال لهم : " إني والله أرى أمراً ثقيلاً ، إن كان هذا الرجل - أي النبي صلى الله عليه وسلم - مَلكاً متقويّاً فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لايذهبُ لنا من صدره ولا من صُدور قومه حتى يُصيبونا بجائحة ، وإنّا أدنى العرب منهم جواراً ، وإن كان هذا الرجل نبياً مُرسلاً فلاعنّاه فلا يبقى على وجه الأرض منّا شعرة ولاظفرٌ إلا هلك " فقال له صاحباه : فما الرأي قد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك ؟ فقال : " رأيي أن أحكّمه فإني أرى رجلاً لايحكم شططا أبداً " فقالا له : أنت وذاك ، فلقي شُرَحبيل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إني رأيت خيراً من ملاعنتك " فقال : " وماهو " فقال : " حُكمك اليوم إلى الليل وليلتُك إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز " وقوله ذلك إقرار منه عن قومه بالجزية المفروضة على أهل الكتاب كما هو في كتاب الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعل وراءك أحداً يثرّب عليك " فقال له شرَحبيل : " سل صاحبيّ " فسألَهما فقالا : " مايرِد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شُرحبيل ، فحكم النبي عليه الصلاة والسلام عليهم بالجزية ورضَوا بها ورجعوا إلى نجران بعدما كتب لهم كاتب النبي صلى الله عليه وسلم بالجزية بأمر منه على كل مال لديهم .

عباد الله : قد يطعن النصارى أو اليهود في دين الله ممن يتَتَبّع الشُبه فيقول إن عيسى روحٌ من الله ومن هنا أتت للتبعيض أي أن عيسى المسيح بعضٌ من الذات الإلهية كما قال الله تعالى في كتابه : ( إنما المسيح عيسى ابنُ مريم رسول الله وكلمتُه القاها إلى مريم وروحٌ منه . . ) وقولُهم ذلك باطل ينفيه النقل والعقل فالنقل كما ورد في كتاب الله مما سبق ذكره : ( إن مثلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) وأما العقل فإن الذات الإلهية الكاملة في العقل البشري لايُمكن أن يكون لها شبيه ولا نظير ولا ندٌ ولا ولد ولو كان كذلك للزم توارث الملك واختلافه ولزم من ذلك أن يلحقَ الذات الإلهية الموت ، وهذا مُحال لايقبله العقل ولا المنطق فالأرواح التي تتولد منها أرواح مثلُها تفنى مع مرّ الزمان كما هي الأرواح من البشر والجن والحيوان الذي جعلهم الله خلائف في الأرض تعالى الله ربنا عن ذلك وعن قول كل ظالم يقول على الله بغير علم ولذا وبّخ الله كل مشرك الذي يزعم أن الملائكة بنات الله أو يزعم أن لله ولد بقوله : ( قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له مافي السماوات ومافي الأرض إن عندَكم من سلطان بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون ) فالخلاصة أن إضافة الروح لله في الآية هي إضافة تشريف لاتبعيض بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود .

============= الخطبة الثانية ==============

الحمدلله أهلُ الثناء والحمد بيده الخير والسعد ، لامانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع ولا ينفع ذا الجَدّ منه الجَد والصلاة والسلام على رسول الله الذي بُعث بالوعيد والوعد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضائل والمجد وعلى من تبعهم بإحسان ٍإلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من يتأمل آية الميثاق وهي قول الله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) يجد أن الأرواح مخلوقة قبل خلق الأجساد ، فكل بشر خُلقت روحه قبل جسده إلا آدم عليه السلام فقد خُلق جسده قبل روحه بنص قول الله تعالى حيث يقول : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ) . 
عباد الله : روى الإمام البُخاري رحمه الله في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الأرواح جنودٌ مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وذكر النووي في كتابه : " المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج " قال : " يقول أهل العلم : جموعٌ مختلفة - أي الأرواح - أو أنواعٌ مختلفة وأما تعارفُها فهو لأمر ٍجعلها الله عليها وتناسُبها في شِيمها ، وقيل لأنها خُلقت مجتمعة ثم فُرّقت في أجسادها ، فمن وافق بشيَمه ألِفه ، ومن باعدَه نافره وخالفه " وقال الخطابي وغيرُه : تآلفُها هو ماخلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ وكانت الأرواح قسمين متقابلين . 
 فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ماخُلقت عليه ، فيميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الأشرار وكذلك معشر الإخوة تآلفُها في الطباع وهذا مُلاحظ فالنفس تميل لمثل طباعها وفي مُسند أبي يعلى الموصلي عن عمرة بنتَ عبدِالرحمن رحمها الله قالت : " كانت امرأة مزّاحة بمكة ، فنزلت على امرأة مثلَها في المدينة فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت : " صدق حُبي " - تعني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وما ذكر في الحديث عليه الصلاة والسلام  . 
 وكذلك تميل الأرواح لمن يُلاينها في الكلام وتكره الفضاضة وهذا  يُبين أثرَ الكلمة في النفس والأرواح ، ولذا من أطاب الكلام كان له غرف في الجنة يُرى ظاهرها من باطنها وباطنُها من ظاهرها كما ورد المصطفى عليه الصلاة والسلام جعلنا الله وإياكم منهم ثم صلوا وسلموا على النبي المصطفى والنبي المجتبى كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه حيث قال عزّ من قائلٍ عليما : ( إنّ الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 

الخميس، 20 أبريل 2023

خطبة مختصرة ليوم الجمعة إذا وافق يوم عيد

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله  - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )
عباد الله : مجالس العيد مجالس أنسٍ يتجاذب بها المتجالسون من الأرحام وغيرهم أطراف الحديث فيسأل بعضهم بعضاً عن حالهم وأوضاعهم ويدعو بعضهم لبعض بصلاح الأحوال وبقبول العمل الصالح ويدار فيها بما لذ وطاب من طيب المأكولات والمشروبات وهي تذكر بمجلس أهل الجنّة واجتماعهم على سرر متقابلين ينزع منهم كل غل وضغينة فتلك هي الفرحة الحقيقة التي ينبغي على العبد أن يسعى لها ( إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها بسلامٍ آمنين * ونزعنا مافي صدورهم من غلّ إخواناً على سرر متقابلين * لايمسهم فيها تنصب وماهم منها بمخرجين ) وقال في سورة الصافات ( إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزقٌ معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنّات النعيم * على سرر متقابلين * يُطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذّة للشاربين ) . 
عباد الله : من الجدير بالذكر أن يراعي المتجالسين حدود الله وخصوصية الناس أثناء الحديث فمن أهم مايجب اجتنابه الغيبة والنميمة ، فهي فخٌ قلّ من يسلم منهما امرؤ مسلم والغيبة هي الأكثر وقوعاً وهي مسلكٌ عاقبته دينٌ يؤخذ من من أعمال العبد ، فكن أخي حريصاً غيوراً على عملك الصالح الذي تجمعه وتفرّقُه على من اغتبتهم وتناوشت أعراضهم بالسلب والثلب ، فالعاقل المؤمن الفطِن يحفظ عمله الصالح ويتقرب إلى الله بهجر المعاصي والمهاجر من هجر مانهى الله عنه كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام . 
ثم إنه ينبغي لمن يرتاد المجالس أن يراعي خصوصية الناس وحال المتحدث معه فلا يتدخل فيما لايعنيه أثناء الحديث ولا يفتش عن عورات الناس ولا يُلقي الكلام على عواهنه فيجرح غيره بكلامه وهو لايشعر ، فربما حملها السامع في قلبه ردحاً طويلاً من الزمن ، فالنفوس تختلف والقلوب تختلف فتجب مراعاة السامع ، وإن الصمت لخير من لغو الكلام فإنه ليس عضو أحق بطول سجن ٍمن اللسان وكما قال بعض الحكماء عن اللسان : " ربّ منطق صدّع جمْعا ، وسكوت شعب صدعا " والعاقل لايهذي بكل شيء وإن من تمام العقل قلة الكلام ، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " إذا تمّ العقل وكمُل نقص الكلام " أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
=============== الخطبة الثانية ================
الحمد وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - وإنه مما ورد عند البيهقي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مِرار : " رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم " ويرويه الحسن البصري مرسلا 
قال الماوردي عن هذا الحديث : يشير به إلى أن الكلام يعبّر عن مستودعات الضمائر ويُخبر عن مكنونات السرائر لايمكن استرجاع بوادره ولا يقدر على دفع شوارده ، فحُق على العاقل أن يحترز من زللــه بالإمساك عنه أو الإقلال منه ، قال علي رضي الله عنه : " اللسان معيارٌ أطاشه الجهل وأرجحه العقل " . 
عباد الله : مما يجدر التنبيه له أن بعض الناس لايوفق بين راحة بدنه في هذه الأيام والحرص على الصلاة وخصوصاً صلاتي الظهر والعصر وهو خطأ جسيم ينبغي للمسلم أن يحرص على حضور الصلاة مع الجماعة فإن إهمال البعض لها بحجة التعب والسهر ليس مبرّراً شرعيا لتضيع الصلوات والنبي أخبر كما في الحديث أن من فاتته صلاة العصر فقد حبط عملُه فليس ذلك بالأمر الهيّن حفظ الله علينا فرائضه أن تضيع وحدود أن تُضّع إنه جواد كريم . . 
ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير كما أمركم ربكم فقال عز شأنه : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

الأحد، 2 أبريل 2023

خطبة أخرى عن العشر الأواخر من رمضان وزكاة الفطر

الحمدلله الذي من على عباده بالفضائل والخيرات أحمده فهو أهل الثناء والمكرمات وأشكره على تتابع العطايا والهبات والصلاة والسلام على المبعوث للخلائق والبريّات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل السلام والتحيات من رب الأرض والسماوات أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون وسبق المفردون ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : من منّ الله عليه بإدراك مواسم فاضلة وأوقات جليلة فمن الحرمان والخسران أن يتشاغل عن العمل الصالح فيها وبذل الخير وتقديم الصالحات طلباً لرضا رب البريات فالعشر الأواخر من رمضان التي نعيش اليوم بموسمها المبارك فرصة عظيمة لتدارك الأعمار قبل الفوات والخسار فمن أعظم الخذلان أن تنسلخ هذه العشر أو ينسلخ رمضان ولم يُغفر لك وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغِم أنفُ رجلٍ ذُكرت عنده فم يصلّ عليّ ورغم أنفُ رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يُغفر له . . " أخرجه الترمذي .

 عباد الله : العشر الأواخر من رمضان تمتاز عن بقية الشهر بوجود ليلة من أعظم الليالي ألا وهي ليلة القدر حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تُلتمس في العشر الأواخر ففي حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال : " من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، فقد أريت هذه الليلة ثم أُنسيتُها ، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر " فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش ، فوكف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين " وقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالايجتهد في غيرها من بقيّة الشهر وقد ( كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين - أي من رمضان - بصلاة وصوم ونوم فإذا كان العشر شمّر وشد المئزر ) كما روته عائشة رضي الله عنها ورواه أحمد رحمه الله في مسنده ، وفي الحديث المتفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم بن الحجاج أنه : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر " وأما شدّهُ للمئزر فهو كناية عن التفرغ للعبادة واعتزال النساء في هذه الأيام الفاضلة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضيلة الرباط وأن من اعتكف في المسجد فهو ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون أجره كأجر المرابط في سبيل الله ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أدلكم على مايمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ " قالوا : بلى يارسول الله ، قال : " إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط " فسمّاه رباطاً عليه الصلاة والسلام لفضله وثوابه . 

عباد الله : الناس في هذه الحياة إما أن يتقدم أو يتأخر ، فيتقدم بفعل الطاعة ويتأخر بفعل المعصية ويتقدم بصعود الدرجات في الجنان أو يتأخر بنزولٍ في دركات الجحيم أجارنا الله وإياكم ( لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخر ) وهذا الأمر يحفّز ابن آدم على المسابقة للخيرات وتنظيف الصحائف من الذنوب والسيئات صغيرها وكبيرها طمعاً في رضا ربه ومولاه ، وموسم رمضان موسم الإقلاع عن الذنوب وخصوصاً الكبائر منها ، فلا خلاص من عذاب الله يوم القيامة إلا بترك الكبيرة واجتنابها ( إن تجتنبوا كبائر ماتُنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم ونُدخلكم مُدخلاً كريما ) وإن هنا شرطية فإذا تحقق الشرط حصل التكفير وإن لم يتحقق لم يحصل ، فينبغي أن يحرص العبدُ كل الحرص على اجتناب الكبائر التي توبق وتُهلك الإنسان ، وقد سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات ( اجتنبوا السبع الموبقات . . ) فمن كان مصرّاً على كبيرة فليدَعْها مادام في زمن الإمهال وباب التوبة مفتوح ولن يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسُط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفرُ الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ياتيكم العذاب ثمّ لاتُنصرون ) . . وكذلك الإصرار على الصغائر أمره عظيم وفي الحديث : " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن حتى يُهلكنه " فأكثروا من الإستغفار وطلب العفو فما عُبد اللهَ في هذه الأيام بأفضل منه ، تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر ماأقول فيها ؟ " قال : " قولي اللهم إنك عفو تُحب العفو فاعف عنّي " ..  فكونوا أكياساً فُطَناً - ياعباد الله - ولا تكونوا عاجزين فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ==============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين . . أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الله افترض عليكم صدقة هي خيرٌ لكم من أنفَس الأموال وخيرٌ لكم من حُمُر النَّعم وهي زكاة الفطر أو صدقة الفطر وفي الحديث المتفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أنه قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير . . " وكثيراً مايُطلق اسم الصدقة على الزكاة ، وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : " فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم " .. ولا تؤدى على الصحيح إلا للفقير والمسكين فقط دون أصحاب الزكاة الآخرين من الأصناف الثمانية التي ذكرهم الله في كتابه ، والأفضل أن تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة وهو وقت الفضيلة ، فمن فعل ذلك فقد أصاب السُنّة ، ويجوز أن تدفع للفقير أو المسكين قبل العيد بيوم أو يومين ، ولا يجوز دفع القيمة لصريح الحديث فقد حصرها في الطعام دون غيره وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء قديماً في المملكة ، حيث قالت : " ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقوداً ، لأن الأدلة الشرعيّة قد دلّت على وجوب إخراجها طعاماً ، ولا يجوز العدولُ عن الأدلة الشرعية لقول أحدٍ من الناس " ومقدارها حوالي ثلاثةُ كيلوّات من قوت البلد جبراً للكسر ، وهي تجب عليك أخي الصائم ومن تعول ويُتستحب إخراجُها عن الجنين في بطن أمّه . . فطيبوا بها نفساً وهي غُنية للفقير والمسكين عن السؤال في هذا اليوم . . أغنانا الله وإياكم وفقراء المسلمين من واسع فضله وعطائه إنه جوادٌ كريم . . ثم صلوا وسلموا على المصطفى البشير والسراج المنير فقد قال عز من قائلٍ وتقدس : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً ) 

الاثنين، 27 مارس 2023

خطبة عن عمارة المساجد معنوياً وحسياً

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من شعائر الله هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها اسمه وإن تعظيمها وعمارتها علامة على الإيمان بالله واليوم الآخر ( إنما يعمُر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) ونفى سبحانه أن يبني هذه المساجد غير المؤمنين بناءاً حسياً ومعنوياً ( ماكان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) . 
عباد الله : عمارة المساجد معنوياً بالذكر والدعاء أهم من عمارتها بأدوات البناء والله امتدح سبحانه رجالاً بالتعبد بها وترك لهو الدنيا من أجل عمارتها طلباً لمرضاته ولما عنده من الثواب العظيم ( في بيوتٍ أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه يُسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار * ليجزيهم الله أحسن ماعملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) 
ومن السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لاظل إلا ظله رجلٌ قلبه معلّقٌ بالمساجد وهذا فضل ٌ كبير وأجرٌ وفير بعملٍ يسير . 
عباد الله : وإن عمارة المساجد حسيّاً ببناءها وإعادة ترميمها وتسهيل السبُل لإقامتها وإصلاح المتهدم أو المتهالك منها من أجلّ الأعمال وهو من أسباب دخول الجنّة وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من بنى مسجداً لله كمَفْحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنّة " أخرجه ابن ماجه ، والمراد بمفْحَص القطاة : أي مثل عشّ القطاة وهو نوع من الحمام لايبني عشّه إلا على بسيط الأرض بعكس الطيور الأخرى التي تبني أعشاشها على مرتفع من الأرض أو على التلال والأشجار وفي الصحيحين أن عثمان بن عفان أراد بناء وتوسيع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعَه على هيئته ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثلُه " متفق عليه ، ولكن المكروه في عمارتها زخرفتها وتزيينها وعدّ ذلك النبيُ صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة ففي الحديث : " من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد " أخرجه الإمام النسائي وابن خُزيمة ، وفي حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لاتقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " أخرجه الإمام أحمد وأبوداود . 
ومانُهي عن الزخرفة والتباهي بتزويقها وتزيينها إلا لمقصد شرعي وهو عدم إشغال المصلي بهذه الزخارف والنقوش التي تُشغله عن جوهر العبادة وهو الخشوع أو تصرف بصره للتأمل في هذه الزخارف والتزيينات على الجدران والأعمدة والمحاريب ، وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " ماساء عمل قومٍ قط إلا زخرفوا مساجدهم " ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه : " يتباهون ثم لايعمرونها إلا قليلا " . 
 
عباد الله : كان المسجد في صدر الإسلام هو مكان الصلاة والعلم والمعرفة والمدرسة والجامعة ومنطلق إرسال الجيوش في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومأوى للوفود والضعفة فكان كل شيء في حياة الرعيل الأول ولذا كانت أهميته عالية الشأن ، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله : " وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده على التقوى ، ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء وفيه يجتمع المسلمون لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم " بل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد كما ورد في الصحيحين ، وهذه سنّة مهجورة قلّ من يفعلُها في هذا الزمان . 
عباد الله : إن من تعظيم المساجد عدم إلقاء المخلفات فيها ولو في حرم المسجد الخارجي وأحواشه فإن في ذلك امتهان لها وقلة حياء مع الله جل وعلا أو ترك مايجب إخراجه من قوارير وبواقي طعام ونفايات وغيرها ، وإننا وجدنا مع الأسف من يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله فتجد أنه يتحايل لكي يدس مناديل حول المساند أو تحت الفرْش متعاجزاً ومتضايقاً ان يضع مخلفاته في جيبه الذي ضاق عنها ، وما ضاقت بيوت الله عنها ، فهل هذا عمل مسلم يخشى الله في السر والعلانية ، فهل يمثتل من يصنع هذا الصنيع لقول الله تعالى : ( فلا تخشوا الناس واخشون . . ) وإن الإتيان بالأطفال للمساجد ممن دون السابعة هو في الواقع من أذيّة المصلين فينبغي أن لايؤتى بالطفل ممن كان دون السابعة إلا من اضطر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بأن يؤمر الطفل بالصلاة إلا إذا بلغ السابعة ففي حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عند أحمد وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع " فيؤمر إذا أتمّ السابعة وليس إذا دخل السابعة من عمُره وهذا ملحظٌ مهم للتمييز والفهم لمعنى الصلاة وإدراكها لدى الطفل .. فاللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا ياسميع يامجيب أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============== الخطبة الثانية ===============

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشهد أن لاإله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه من أمته ون كان على ملته أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن تطييب المساجد وصيانتها من الأقذار والأوساخ سنة قائمة دعا لها المصطفى عليه السلام ففي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تُنظّف وتُطيب " اخرجه أبودود والترمذي ، وفي حديث سمُرة بن جندب رضي الله عنه قال : " أمرنا    رسول الله أن نتخذ المساجد في دارنا وأمرنا أن ننظفها " أخرجه الإمام أحمد رحمه الله ، والمقصود بالدور أي الأحياء والحارات في المدينة أياً كانت . 
عباد الله : من عمارة المساجد المكوث فيها قبل وبعد الصلوات وكثرة الدعاء والذكر والتبكير للصلاة فيها والمسابقة على الصف الأول ، وهذا الأمر مع الأسف نشاهده بعض الأحيان في رمضان ، وتجد من عباد الله من آخر من يأتي للصلاة وأول من ينصرف وكأنه داخل المسجد في سجن وكبت والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم الناس مافي النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ولو يعلمون مافي التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون مافي العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً " وهذا الحديث يبّيّن فضل التبكير للصلاة وإجابة النداء وإدراك الصف الأول حتى أنه لو علموا مافيه من الأجر والكرامة لتخاصموا حتى تُقام بينهم القُرعة لمن يكون الأجر والفضيلة ، وكذلك فضل التهجير والمراد به التبكير في الذهاب للمسجد وكذلك فضل صلاة العشاء والفجر خاصة فحُجب فضل هاتين الصلاتين عن الناس ليفوز المؤمن الصادق المُخلص الذي يرجو ما عند الله بقلبٍ راغب ونفسٍ مُجاهدة على الطاعة والخير ، فهل هناك وصفٌ للحرص على الشيء إذا عُرف ، أن يأتي طالبُه يحبو حبواً لنيله ، وهذا دليلٌ على أن تلك الكرامة والأجر فوق مايُتوقع ، وكما وصف الله جنته على لسان رسوله بوصفٍ لا أبلغ منه : " فيها مالاعينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر " فهل من مشمّر لتلك الكرامة الكبرى والأمنية الأسمى 
دار السلام لها وصفٌ بتبيان * فازوا بها أهل إيمانٍ وإحسان 
ينافسون لها والناس غافلةٌ * قد آثروا لذة الباقي على الفاني 
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 

الثلاثاء، 21 مارس 2023

خطبة عن القرآن وفضائله - خطبة رمضانية -

الحمدلله الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً ، وأرسل الرسل للعباد منة وفضلاً إنه كان جوداً قديراً ، والصلاة والسلام على النبي المختار الذي بعثه الله داعياً لربه وسراجاً للناس منيراً ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان وسلّم تسليماً كثيراً . . أما بعد :
فاتقوا الله تعالى - معشر الصائمين - فالتقوى سبيل لمرضاة رب العالمين ونجاةً لمن سلك درب المتقين ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وانتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : من نعمة الله على هذه الأمة أن أنزل لهم كتاباً به يهتدون وإليه يتحاكمون ولحكمه يسلمون ، وبه يستنيرون إذا وقعوا في السبل الملتوية والطرق الزائغة ، وعليه يُعولون أسباب الفلاح والنجاح ، يعتقدون بما فيه ولا يرتابون ، ويهدون إليه ولا يُخذّلون ، يطلبون مرضاة الله بتلاوته ويتعبدون لربهم بقراءته ولا يملون ، جعلوا القرآن نهجهم وسبيلهم وسعادَتهم فرب القرآن العظيم تكفّل لهم بأقوم سبيل وأكمل نظام ونهج ليس فيه ميلٌ ولا اعوجاج ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويُبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيرا ) وارتبطوا به في رمضان خاصة وأدمنوا تلاوته لأن رمضان شهر القرآن ففيه أُنزل ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . . ) يتاجرون مع الله بتلاوته وتدبره فهي تجارة لاتكسد ولا تبور ، ويعمرون به القلوبَ والصدور ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرّاً وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم أجورهم ويزيدَهم من فضله إنه غفورٌ شكور ) .

عباد الله : امتاز القرآن عن غيره من الكتب السماوية أنه الكتاب الخاتم لما قبله من الكتب وهو مهيمنٌ على جميع الكتب السابقة فيه خبرُها ومواعظها وزيادة عليها ، يقول الله جلا جلاله مُخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام : ( وأنزلنا إليه الكتاب بالحق مُصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عمّا جاءك من الحق . . ) فهو الكتاب الأمثل بين الكتب السماوية يجمع بين السهولة والمعاني العميقة وتجدد المفاهيم والمعاني والأساليب البلاغية وفي حديث موقوف على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن المخرج من الفتن فقال : " أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستكون فتن ، قلت وما المخرج منها ؟ قال : " كتاب الله ، كتاب الله ، فيه نبأ ماقبلكم ، وخبر مابعدكم ، وحُكم مابينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي من تركه من جبّارٍ قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله ، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لاتزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلَق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبُه ، وهو الذي لن تنته الجن إذ سمعته أن قالوا ( إنا سمعنا قراءاناً عجباً ) من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمِل به أجر ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم " .

جعله الله بلغة تتدفق فصاحة وحكمة جذورها ممتدة وتفريعاتها واشتقاقاتها مستجدّة في كل حين لكي تحوي معاني القرآن ومراد الله تعالى ومقاصد الشرع المطهّر بعكس اللغات الأخرى التي ليس لديها المرادفاتِ اللغوية والثراء اللغوي والتعبيري عن الأشياء ، فمن أجل ذلك جعله الله حُكماً عربياً ولساناً عربياً حاكماً وناسخاً لما سواه من الكتب ( وكذلك أنزلناه حُكماً عربياً ولئن اتبعت أهوائهم بعد ماجاءك من العلم مالك من الله من وليٍّ ولا واق ) ( وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذكرا ) .

عباد الله : من صور شمولية القرآن وهيمنته على الكتب السابقة قول الله تعالى : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ) ( إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) ( أفغير الله أبتغي حكما وهوالذي أنزل إليكم الكتاب مُفصّلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّلٌ من ربك بالحق فلا تكوننّ من الممترين ) ومن سنّة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أُعطيت مكان التوراة السبع - أي الطوال - وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفُضّلت بالمفصل " أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير والطيالسي في مسنده .

والسبع الطوال تبدأ من البقرة إلى نهاية سورة التوبه على الصحيح وقد روي هذا القول عن عثمان بن عفان الخليفة الراشد ، والمئين كل سورة عدد آياتها مائة أو تزيد والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل وقد ذكر ذلك البيهقي رحمه الله وغيرُه من العلماء ويدل لذلك القول وهو أن السبع الطوال تنتهي بالتوبة حديث ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال لعثمان رضي الله عنه : " ماحملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فقرنتم بينهما ؟ ولم تكتبوا بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ، ماحملكم على ذلك ؟ قال عثمان رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان يُنزل عليه من السور ذوات العدد ، كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده ، فيقول ضعوا هذا في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا ، وينزل عليه الآيات فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا ، ويُنزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما أُنزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن فكانت قصتها شبيهاً بقصتها فقُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُبيّن لنا أنها منها فمن ثَمّ قرنتُ بينهما ، ولم أكتب بينهما سطرَ بسم الله الرحمن الرحيم " رواه الترمذي وأبوداود .
اللهم انفعنا وشفعنا بالقرآن العظيم وارفع به منازلنا وودرجاتنا في دار النعيم ياسميع ياعليم ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============= الخطبة الثانية =============

الحمد لله على فضله وإحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد ان لاإله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد ان محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً

كثيراً أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن فضل قراءة القرآن وتعلمه وتعليمه من أفضل الطرق وأكثرها خيرية ففي الحديث
الذي رواه عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خيرُكم من تعلّم القرآن وعلّمه " ومن فضل تلاوته وفضل بذل النفس في تعلّمه ، وإن كان ينال العبدَ مشقةً في ذلك ما روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ، ووالذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران »
وروى مسلم عن حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟» فقلنا: كلنا نحب ذلك، قال: « أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل »

وروى أبو داوود من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يُقال لصاحب القرآن : اقرأ وارتق ِورتّل كما كُنت ترتل في الدنيا فغن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها "

قال الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى درج الجنة " وفي فضل التقرب إلى الله بكلامه ماورد في الأثر عن خبّاب بن الأرت رضي الله عنه قال : " تقرّب إلى الله مااستطعت فإنّك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه " . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...