الجمعة، 17 ديسمبر 2021

خطبة عن أهل الكهف وفي مافي قصتهم من آيات

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
أيها المؤمنون : قص الله علينا جل وعلا في كتابه العظيم مافيه عبرةٌ لأولي الألباب والأفهام والعقل السليم ومافيه موعظة للقلوب الغافلة التي أشغلها أمور الحياة والعمل لهذه الدنيا
وأكثرُ القصَص في القرآن تتعلق بإثبات الواحدانية لله تعالى ، وينصبُّ أكثرها في هذا الهدف ومن هذه القصص قصة ( أصحاب الكهف ) التي كثيراً مايقرأها الناس ، ولكن لايستخرجون منها العبر والدروس ولا يغوصون في معانيها الخفيّة التي تحتاج لقلبٍ واعٍ ومتدبر يقرأ بقلبه لابعينيه وهكذا المؤمن ينبغي أن يكون وليست قصة أهل الكهف بأعجب آيات الله بل هناك لو تمعن الإنسان في حياته ومن حوله يجد أعجبَ من ذلك ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) أي ليست بأعجب آيات الله والرقيم قيل هو اسمٌ للوادي الذي فيه الكهف وقيل هو اسم للوح مرقم دونت فيه أسماؤهم وهو الأقرب .

عباد الله : أهل الكهف فتية اختاروا طريق الهداية والإيمان كما قال الله عنهم : ( آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) رفضوا طريقة آبائهم الشركية وأخذوا عهداً على أنفسهم أن لايشركوا بالله جل وعلا وربط الله قلوبهم بالإيمان والتعلق به وهو الرحيم الرحمن واستعظموا هذا الشرك واستهجنوه ، وفي ذلك يقول الله عنهم ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوَا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطانٍ بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فقاموا رحمهم الله باعتزال قومهم ودخلوا كهفاً فناموا فيه نومة ضرب الله فيها على سمعهم الذي هو باب الإنتباه مدة طويلة حيث قال الله جل وعلا : ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا . . . )
ثم بعثهم الله من نومهم بعد ذلك ومكثوا في كهفهم تسعٌ وثلاثمائة سنة وأثناء نومهم يقلبهم رب العزة والجلال ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد والوصيد هو فناء الكهف قرب بابه والعجب في نومهم أن الله ضرب عليهم هذه الرقدة الطويلة وأعينهم مفتوحة وهذا من آيات الله .
يقول في ذلك جل وعلا : ( وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) لئلا تأكل أجسادهم الأرض ثم قال الله سبحانه لنبيه : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمُلئت منهم رعبا ) وسبب هذا الرعب بسبب الهيبة التي ألبسهم الله إياها وقيل بسبب طول شعورهم وأظفارهم وعِظم أجرامهم ووحشة مكانهم .
عباد الله : ساق ابن جرير في تفسيره بسنده عن ابن عباسٍ في عدّة أهل الكهف أنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبُهم وأخبر الله عن عدّة أهل الكهف أنه مايعلمهم إلا قليل وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول : " أنا من القليل ، كانوا سبعة " وقال في سند آخر : " عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم وأنا ممن استثنى الله " والآية تؤيد هذا القول بكونهم سبعة فإن الله استثنى قوله : ( ويقولون سبعةٌ وثامنهم كلبهم . .) من الرجم بالغيب وهذا واضحٌ لمن تأمله والمقصود الإعتبار والتأمل وليس العدد فكونهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة لايُقدّم ولا يؤخر، ولكن ماذا كان أثر تلك السورة وهذه الآيات على النفس وقد أورد ابن جرير في تفسيره عن قتادة السدوسي رحمه الله أنه قال : " كنّا نُحدث أنهم كانوا - أي أهل الكهف - من بني الركنا - وذكروا أن الركنا ملوك الروم - رزقهم الله الإسلام فتفرّدوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على أصمختهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم وجاءت أمّةٌ مسلمة بعدهم وكان ملكهم - أي بعد ذلك - مسلماً " وبهذا الأثر تتجلى لنا الحكمة في رعاية الله لهؤلاء الفتية الذين فروا بدينهم من القهر والظلم ومن الوثنية التي عاشها أقوامهم فحفظهم الله جل وعلا وأذهب الله الظالمين وأنشأ قوماً آخرين ، ولذا لما استيقضوا لم يشعروا بنومهم الطويل فقال قائل منهم : " كم لبثتم ؟ " فظن بعضهم أنهم لم يلبثوا إلا مدة يسيرة فقالوا : ( لبثنا يوماً أو بعض يوم ) فقالوا : ( ربكم أعلم بما لبثتم ) فأرسلوا رجلاً منهم يأتي لهم بطعام طيب من كسبٍ مباح بنقود فضية كانت معهم وليكن متلطفاً ولا يُشعر الناس بمكانهم فلما ذهب إلى تلك المدينة وقيل اسمها " أفسوس " كما ورد عند ابن جرير فلما رأى البائع النقود قال من أين لك هذه النقود ؟ هذه على عهد الملك الجبار دقيانوس فكُشف أمرهم وانتشر خبرهم في المدينة وفي ذلك يقول الله جل وعلا : ( وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حقٌ وأن الساعة لاريب فيها ) فأبان الله قدرته لمن يمتري ويشك في البعث وإحياء الموتى في ذلك الزمان وقصّ الله علينا خبرهم من أجل الذكرى والموعظة وتلك من أعاجيب القصص التي تتجلى فيها قدرة الله على كل شيء فأين المعتبرون والمتفكرون وأهل الألباب من كلام رب الأرباب الذي فيه دلالة الحيران وزيادة للعبد في التُقوى والإيمان
بارك الله ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الإيمان والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله الذي أبان لعباده سبل الهدى وحذّرهم من سبل الغواية والردى والصلاة والسلام على النبي المصطفى المجتبى وعلى آله وصحبه الذين أرغم الله بهم العدا وعلى من تبعهم بإحسانٍ وبهم اقتدى أما بعد :
اتخاذ القبور مساجد – ياعباد الله - أمرٌ حذّر الله منه ورسوله ومقت سبحانه من يفعل ذلك ولا يأتي ذلك إلا بتتبع آثار الصالحين ولذا لما هلك أهل الكهف اتخذ أصحاب القوة والنفوذ عليهم مسجداً ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ) والنبي صلى الله عليه وسلم حذّر من الغلو في الدين وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم وممن حذّر من ذلك الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعن المَعرُور بن سُويد الأسدي قال : " وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلمّا انصرف إلى المدينة وانصرفت معه صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها : " ألم ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " و " لإيلاف قريش " ثمّ رأى أناساً يذهبون مذهباً - أي طريقاً - فقال : أين يذهب هؤلاء ؟ قالوا : يأتون مسجداً هاهنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنما أُهلك من كان قبلكم بأشباه هذه ! يتّبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائسَ وبِيعاً ، ومن أدركته الصلاة في شيءٍ من هذه المساجد التي صلّى فيها رسول الله فليصل فيها ولايتعَمَّدْنَها " أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه والطحاوي في مشكل الآثار وهذا أثر صحح اسناده ابن تيمية في مجموع الفتاوى .
عباد الله : هناك فئة ممن يرى استباحة هذا الفعل - أي جواز اتخاذ القبور مساجد – يثيرون هذه الشبهة لدى العامّة من الناس ويستدلون بوجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي وهذا ضلال منهم وسوء فهم ، ومن المعلوم أن قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجرة عائشة رضي الله عنها ، ولم يكُ في المسجد أصلاً ولم يبنَ عليه المسجد ، فلما كانت التوسعة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من سبعين عاماً في عهد الوليد بن عبدالملك أمر واليه على المدينة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في عام ثمانيةٍ وثمانين من الهجرة أمره أن يهدم المسجد ويضيفُ إليه حُجَرُ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فجمع عمر بن عبدالعزيز وجوه الناس والفقهاء فشقّ عليهم ذلك وقالوا : تركها على ذلك أدعى للعبرة ، وشق على بعض التابعين ومنهم سعيد بن المسيّب ذلك الأمر فكتب عمر بن عبدالعزيز بذلك للوليد فأمره أمراً صارماً بتنفيذ ماأمر فكان لابد لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله من الطاعة خوفاً من الفتنة ودرءاً لفرقة المسلمين ، مع أن قولَ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح واضحٌ جليٌّ في هذا الشأن : " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2021

خطبة عن حرمة السرقة والإحتيال الإلكتروني

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : شرع الله وأوجب على ابن آدم حفظ الضروريات الخمس الكبرى والتي هي حفظ الدين والعقل والمال والعرض والنفس وهذه الضروريات لاتقوم الحياة إلا بها ، وبها صلاح الدنيا والآخرة للفرد والمجتمع وأدلتها حفظها متواترة ومفرّقة في الوحيين ( الكتاب والسنة ) ومن هذه الضروريات حفظ المال التي جعله الله للعبد قِواماً لعيشه ونفسه وأهله ، فأمر جل وعلا بحفظه حيث قال : ( واحفظوا أموالكم . . ) ونهى ولي الأمر أن يؤتي السفيه ماله من ولد أو خادم ذكراً كان او أنثى حيث قال جل وعلا : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفا ) والسفيه من الشباب من الأبناء هو الذي لايُحسن التصرف في المال فتجد أنه حالة من الإسراف والتبذير في شراء بضاعة لاقيمة لها أو يشتري أو يستخدم هذا المال في شراء بضاعة محرمة أياً كانت . 

عباد الله : المال عصب الحياة ويتحصل عليه العبد نتيجة كدح وجهد ومشقة فعندما يذهب أو يُنهب ، ويُسلب يعيش العبد حالة من الفقر والفاقه وخصوصاً في حالات السرقة التي تستحوذ على كامل المال ، وربما يكون ضمن المتسولين الذين يتكففون الناس بسبب حاجتهم وعدم استغنائهم فحفظ المال به تقوم مصالح العباد ويستغني به العبد عن الناس ،  ومن ابتلي بهبٍ أو سلب فليسترجع وليصبر ويأخذ بالأسباب من إبلاغ مسؤول ورجل أمن وإن احتاج غلى الناس فليتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدّ فاقته ، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له بفرجٍ عاجل أو آجل " رواه أبوداود والترمذي وقال : حديث حسن . 

عباد الله : حقوق العباد مبنية على المشاحّة وحقوق الله مبنية على المسامحة والتخلص من حقوق العباد واجبٌ وسببٌ للنجاة من عذاب الله تعالى وسلب حقوق الناس وأموالهم موجبٌ لدخول الجحيم وهذا مقطوعٌ به في الشرع ولافكاك للعبد من حق الناس إلا بتأديتها إليهم ولا مناص ولا خلاص إلا بذلك مهما كانت منزلة العبد عند الناس وقد روى النسائي عن محمد بن جحش رضي الله عنه قال : " كُنّا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء فقال : سبحان الله ! ماذا نُزّل من التشديد ؟ فسكتنا وفزعنا ، فلمّا كان من الغد ، سألته يارسول الله : ماهذا التشديد الذي نُزّل ؟ فقال : " والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله ثم أُحيي ثمّ قُتل ثم أحيي ثم قُتل ثم أحيي وعليه دين مادخل الجنّة حتى يُقضى عنه دينَه "  والحديث حسن . 

وعن جابرٍ بن عبدالله رضي الله عنه قال : " مات رجلٌ فغسّلناه وكفنّاه وحنظناه ووضعناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث توضع الجنائز عند مقام جبريل ، ثم آذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ، فجاء معنا فتخطّى خُطى ثمّ قال : " لعلّ على صاحبكم دين ؟ " قالوا : نعم ، ديناران ، فتخلف وقال : " صلّوا على صاحبكم " وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على المؤمنين فيها رحمة عظيمة لهم ، قال : " صلوا على صاحبكم " فقال له رجلٌ منّا يُقال له أبا قتادة : " يارسول الله هما عليّ " فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الميّت ثمّ لقيه عليه الصلاة والسلام من الغد فقال : " ماصنعت الديناران ؟ " فقال أبو قتادة : يارسول الله إنما مات أمس ، ثم لقيه من الغد فقال : " مافعل الديناران ؟ " قال : قد قضيتهما يارسول الله ، قال : " الآن حين بردت عليه جلده " أخرجه الحاكم والسياق له والبيهقي والطيالسي وأحمد بإسنادٍ حسن  . 

عباد الله : مال المؤمن له حُرمة لايحل منه شيءٌ إلا بطيب نفسٍ منه  حيث يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث : " لايحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه " والحديث صحيح الإمام أحمد والبيهقي والدار قُطني وغيرهم وفي حديث أبي أمامة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه سلم قال : " من اقتطع حق امرئٍ مسلم بغير حق فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة " فقال له رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله ؟ قال : " وإن قضيباً من أراك " رواه مسلم وفي حديث له شواهد يصححه جمعٌ من أهل العلم من حديث أبي حُميد الساعدي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لايحل لامرئٍ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسٍ منه " . رواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما فلذا ينبغي للعبد أن يحتاط ويحذر أشدّ الحذر من حقوق العباد ومن أبتلي في ذلك فلينوِ الأداء وإيصال الحقوق لأهلها والله مُطلعٌ على قلبه ونيته ومقصوده فليحذر أن يُبيّت نية السوء وليكن عازماً على أداء الحقوق لأهلها وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه ومن أخذها يُريد إتلافها أتلفه الله " رواه البخاري . 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المأثم والمغرم ففي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : " اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم " فقال له قائل : ما أكثر ماتستعيذ من المغرم ؟ فقال : " إن الرجل إذا غرِم حدّث فكذب ووعد فأخلف " رواه البخاري ومسلم 

فاللهم إنا نعوذ بك من شرّ حقوق العباد ومن سبيل الفساد والإفساد أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من الناس من لايبالي بحقوق العباد ولا باختلاس أموالهم ويصنع من أجل ذلك الحِيَل والمكر ويستدرج طائفة ممن سلمت قلوبهم وصاروا يظنون بمن يتعامل معهم خيراً ومن ثَمّ يوقعونهم في عملية احتيال ومكرٍ فاجرة سواءٌ كان ذلك التعامل عن طريق هاتفٍ أو رسالة أو برنامج أو نحو ذلك فيجب أن يكون العبد على حذر من التعامل مع تلك الإتصالات المُوهمة والتي غالباً ماتكون من خارج هذه البلاد فهناك فئات من المفسدين من خارج هذه البلاد قد عجزت عنهم حكوماتُهم ويرون أن بلاد الحرمين والبلدان الخليجية أنهم واسعوا الثراء ولا يعلمون أن هناك منهم من هو في أمسّ الحاجة لقليلٍ من المال الذي يعول به أسرته  . 

عباد الله  : الإحتيال والجريمة والسرقات الإلكترونية هي آفة في هذا العصر لم تسلم - ياعباد الله - دول عدة في جميع اقطار العالم من هذه الآفة ، فعلى المسلم أن يحذر من المحتالين الماكرين الذين يوقعون العباد في فخ ومن ثم ينهبون أموالهم وليحذر عامة المسلمين من المغررين الذين يطلبون بياناتهم الشخصية وأرقام حساباتهم وكلماتهم السريّة والتي كثيراً ماتحذر المصارف من إعطائها لأي أحد من الناس وهذه البلاد وأهلها مستهدفون بالهجمات الإلكترونية التي تصل لملايين الهجمات في بعض المواقع . 

عباد الله : تطبيق الحدود قطعٌ للجريمة والجناية في بلاد المسلمين وغيرهم ولو أن العالم أجمع  على تطبيق  حد السرقة لن تَر سارقاً في هذا العالم وذلك أن تطبيق الحدود فيه ردعٌ للسارقين والمحتالين وهو خيرٌ للناس وحفاظٌ على أموالهم من عبث العابثين واستدراج المحتالين كما قال صلى الله عليه وسلم :  ( حدٌ يقامُ في الأرض خيرٌ للناس من أن يُمطروا أربعين صباحاً ) رواه النسائي وابن ماجه في سنَنَيهما والإمام أحمد في مسنده . 

علماً أن تطبيق هذا الحد يحتاج لتوفر شروط وانتفاء موانع ولا تُقطع يد سارق إلا بعد توفر هذه الشروط  وإذا حصلت شُبهة فيُدفع الحد ولا يُطبّق لقوله صلى الله عليه وسلم : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " وليس كل سارقٍ تُقطع يده وهذه شريعة الله الحكيم في تدبيره وهو أعرف جل وعلا بمصلحة عباده وله في ذلك الحكمة الباهرة والحجة البالغة . . وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه 

الخميس، 2 ديسمبر 2021

خطبة عن الولاء والبراء من أعداء الإسلام

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من عقيدة الفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة ومن الأصول الثابتة في شرع الله التي ينبغي للإنسان أن يتعاهدها ويرسخها في نفسه ( عقيدة الولاء والبراء في دين الله ) وتعني الولاء لكل مسلم والبراء من كل مشرك وكافر أياً كانت عقيدته يهودي أو نصراني أو بوذي أو هندوسي أو غيرهم وبتعريفٍ آخر الولاء لأولياء الله وأنصاره والبراءة من أعداء الله كلهم ولو كانوا من أولي القربى وفي ذلك يقول الله تعالى : ( لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح ٍمنه ويُدخلهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) فعدّهم الله من حزبه وضمن لهم الفلاح إن أدوا ماافترض الله عليهم ، والله جلّ وعلا نهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وجعل من يتولاهم بالمحبة والموالاة ومن يكون في صفهم منهم - أي من اليهود والنصارى - ولو كان ينطق بالشهادتين ويعدُّ نفسه من المسلمين ( ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم إن الله لايهدي القوم الظالمين ) وأخبر جلّ وعلا عن المنافقين من هذه الأمة هم أكثر من يوالي هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وأنهم يسرعون إلى موالاتهم يخافون من أن يغلب أعداء الله على المسلمين فيكونون في أمان باعتقادهم وزعمهم وهذا انتكاسٌ وبليّة بُليت بها هذه الأمة من فجر الإسلام إلى يومنا هذا حيث يقول الله عنهم ( فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تُصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ 
من عنده فيصبحوا على ماأسرّوا في أنفسهم نادمين ) والمؤمن يستنكر هذا الفعل ويستهجنه كما أراد الله ويعدّ ذلك من محبطات الأعمال وأن ذلك خسارة الدنيا والآخرة وفي يقول الله جل جلاله : ( ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) وهو في ذلك يشيرون للمنافقين الذي كانوا يقسمون بالله العظيم بأنهم لكم أولياء وأنهم معكم في سلمكم وحربكم حبطت اليوم أعمالهم فاصبحوا خاسرين . 
عباد الله : من اتخذ دين الله هزواً من اليهود والنصارى وغيرهم هو أحق من غيره بالمعاداة والكره فالكافر المستهزئ ليس كغيره من الكفار المسالمين كما أن الكافر المحارب ليس كغيره من الكفار غير المحاربين وذلك أن المستهزئ من هؤلاء يصد عن سبيل الله ويتلقف كلامه كل من رقّ دينه وذهب عهده وضل عن سبيل الله ممن كان قبل ذلك من المسلمين ، فلذا صرّح الله بالنهي عن موالاة المستهزئين من هؤلاء الكفرة فقال سبحانه : ( ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعِبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعبا ذلك بأنهم قومٌ لايعقلون ) فموالاة مثل هؤلاء ممن يستهزئ بشعائر الدين الظاهرة كالصلاة وغيرها له عواقبه الوخيمة على الدين أولاً وعلى مصير العبد بعد الموت  . 
عباد الله : في أول الإسلام بعدما فرض الله الهجرة على المسلمين فمن المسلمين من فرّ بدينه إلى الحبشة وبقي أناسٌ من المسلمين لم يُهاجروا منهم العباس بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك طلحة بن أبي طلحة الذي كان معه مفتاح الكعبة فقد آثروا المكث مع أولادهم وأهليهم حينما استعطفوهم للبقاء وكان العباس أبقى نفسه لسقاية الحاج وأما طلحة فما هاجر لأن معه مفتاح الكعبة - كما زعم - ثم إن الله  أضله الله فيما بعد فقُتل كافراً يوم أحد كما ذكرت المصادر التاريخية  وإن الله أنزل فيهم وفيمن نهج سبيلهم ( ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره إن الله لايهدي القوم الفاسقين ) فانظر إلى وعيد الله وتفسيق من يفعل ذلك نسأل الله العافية . 
عباد الله : الولاء والبراء عقيدةٌ وفرضٌ متحتم على كل مسلم وهو من أصول هذا الدين وثوابته فلا ينبغي للمسلم أن يوالي إلا من أمر الله بولائه ومحبته ونصرته ولا ينبغي أن يُعادي إلا من أمر الله بمعاداته وهجره وكراهيته ولا تُنال ولاية الله ولا محبته إلا بذلك وهي أوثق عرى الإيمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله " أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ، وبالولاء والبراء يستكمل العبد الإيمان ففي حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أحبّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " رواه أبوداود  . . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم . 
=========== الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للخلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واتقوا واعلموا أن الموالاة والمعاداة في الله منها ماهو كلي كالبراءة من الكفار والمشركين وغيرهم ومنها ماهو محدود نسبي كموالاة الفساق من المسلمين والبراءة من أفعالهم وكره مافيهم من الفسق والمجون  ولذا يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى : " وإذا اجتمع في الرجل الواحد - أي من المسلمين - : خيرٌ وشر وفجور وطاعة ، ومعصيةٌ وسنّة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر مافيه من الخير واستُحق من المعاداة والعقاب بحسب مافيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تُقطع يدهُ لسرقته ويُعطى من بيت المال مايكفيه لحاجته ، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم " . 
ولذا لمّا سبّ رجلٌ من الصحابة رجل ٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب الخمر ويُقال له عبدالله فلعنه وقال عنه : " ماأكثر مايؤتى به " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لاتلعنه فإنه يُحب الله ورسوله " والحديث رواه البخاري . 
عباد الله : ثم إنه يجب على العبد أن لايكون محبته وولائه وكرهه ومعاداته بحسب هواه ونفسه فمن أحبته نفسه أحبه ومن كرهته نفسه كرهه وهذا بُلي به كثير من الناس وقد نبّه لذلك العلماء فيجب أن يلزم العبد ماأُمر به وينتهي عما نُهي عنه وإلا كان متبعاً لرغباته وشهوته وفي ذلك يقول الله تعالى : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله إن الله لايهدي القوم الظالمين ) .    
وينبغي للعبد أن يتعاهد قلبه في الحب والكره ويفتش عن خلجات نفسه ومداخل الشعور عنده لمن تكون محبته ولماذا يُحب فلاناً من الناس هل هو من أجل الله أم لمطمعٍ ٍمن مطامع الدنيا ومصلحة يرغب فيها فإن كان كذلك فهي وبالٌ على صاحبها ولاتجدي لصاحبها شيئاً ولا تنفعه في أخراه وعلى النقيض من ذلك فإنه كلما كملت محبة العبد لأخيه في الله دون غيره من حظوظ الدنيا فتلك منزلةٌ يغبطُ صاحبَها الأنبياءُ والشهداء ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه  أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء " رواه الترمذي ،  وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لاظل إلا ظلي " رواه مسلم 
وقال في محبة الصاحب والصديق أنه قال صلى الله عليه وسلم في حديث مرسل : " ماتحابّ اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله عز وجل أشدهما حبّاً لصاحبه "  ويصحح هذا الحديث جمعٌ من أهل العلم . 

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021

خطبة عن نعمة النبات والزرع والتحذير من العبث بالمنتزهات

الحمدلله الذي أنعم على عباده بنعمة الأمن والإيمان ، وكرّم ابنَ آدم في البر والبحر على سائر المخلوقات والحيوان ، وحفظهم من شياطين الإنس والجآن ، نحمده وهو اللطيف المنان ، ونصلي ونسلم على نبي الهدى على مرّ الأزمان وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين بإحسان أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الغطاء النباتي للأرض كافة والزروع والنخيل والمزارع والضيعات والبساتين كل ذلك من نعم الله على عباده التي تحتاج للتأمل والشكر والثناء على المنعم سبحانه بما هو أهله وكثيراً سبحانه يذكر هذه النعم فيسوقها مساق الإمتنان على العباد كما قال تعالى : ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منه حبّاً فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنّاتٍ من نخيلٍ وأعنابٍ وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) وكما قال سبحانه : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين ) ومرّة يسوق ذلك مساق الإشادة بالمنعم والحث على التأمل فيما يخلق ويوجد حيث قال : ( وهو الذي أنزل من السماء ماءاً فأخرجنا به نبات كل شيءٍ فأخرجنا منه خضِراً نخرج منه حبّاً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجناتٍ من أعنابٍ والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآياتٍ لقومٍ يؤمنون ) وقال جلّ وعلا : (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كلّ شيءٍ موزون ) .

والله جل وعلا أمر بعمارة الأرض ديناً ودنيا ومن عمارة الدنيا عمارتها بالحرث والزرع لتأمين العيش وفعل الخير ولذا في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد والبزار في مسنده من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لاتقوم حتى يغرسها فليغرسها " ولفظ أحمد : " إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسيلة فليغرسها " .

وكذلك كان فعل الصحابة رضوان الله عليهم يعملون لأنفسهم ولغيرهم يبتغون بذلك وجه الله ويأخذون نصيبهم من الدنيا فعن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : " سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لأَبِي : " مايمنعك أن تغرس أرضك " فقال له أَبِي : أنا شيخٌ كبير أموت غداً ، فقال له عمر : " أعزم عليك لتغرسنّها " يقول عمارة : " فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي " .

وأما ما اشتهر بين الناس وهو مقولة : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً " فليس هو بحديث مرفوع ٍإلى النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه بعض المحدثين ونسبه بعض العلماء إلى الوضع ، وينوب عنه قول ابن عمر رضي الله عنه حينما قال : " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك " .
والحرث من النعم التي زُينت للناس كما قال تعالى : ( زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) وجعل الله ماعلى الأرض من النبات والزرع والنخيل والجنان زينة لها وابتلاءاً للعباد كما قال سبحانه : ( إنا جعلنا ماعلى الأرض زينة لها لنبلوهم ايهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ماعليها صعيداً جُرزا ) أي أرضاً لانبات فيها مستوية حتى الجبال يسوّها جلا وعلا بالأرض كما أخبر الله تعالى حينما قال : ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعاً صفصفاً * لاترى فيها عِوجاً ولا أمتا ) أي لااعوجاج فيها ولا بروزٌ أو نتوء وكل ذلك يكون يوم الدين ووجه ابتلاء الله بتلك الزينة وتلك الخضرة والنبات هو امتحان العباد هل يستعملها في الطاعة ويجعلها عوناً له على طاعة ربه ومولاه ويتجنب استعمالها في الحرام أو استعمال مايخرج منها مما حرّم الله استعماله مما يضر بالعقل والجسد ، وقد أخرج ابن جرير وابن ابي حاتم والحاكم في التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( لِنبلوهم أيهم أحسن عملا ) فقلت : مامعنى ذلك يارسول الله قال : " ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله " .

وتأمل معي قول الله تعالى حينما قال : ( وهو الذي أنشأ جنّاتٍ معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه . . ) الآية وقال في آية أخرى : ( والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه . . ) الآية فهناك فرق بين الإشتباه والتشابه فالإشتباه هو اللبس وعدم التمييز والخلط بين شيئين مختلفين نسبياً ، وأما التشابه فمعروف وهو تقارب بين صنفين أو شيئين في كثير من الوجوه والمقصود من ذلك وجه إعجازي في القرآن وهو التقارب بين شجرة الرمان والزيتون فلمّا أراد أن يلفت النظر للشكل والمرأى قال : " مشتبهاً " أي على الناظرين فالكثير من الناس لايميز بين أوراقٍ كلٍ من الشجرتين ولما أراد أن يلفت النظر للطعم قال : " غير متشابه " أي في الطعم وكل ذلك لبيان قدرته سبحانه على الإيجاد والتمييز في الأمور الدقيقة التي لايستطيع التفريق بينها أحد وما ذكرنا ضربٌ منها لطيف وهناك ماهو ألطف وأصغر بكثير من ذلك فلذا قرن بين التشابه والإشتباه وهما اشتقاقين في اللغة مختلفين ، ولما أراد أن يُبين نعمته وفضله أفرد اللفظ باشتقاق واحد وهو التشابه حيث قال جلّ وعلا في الآية الأخرى عن الزيتون والرمان ( متشابهاً وغير متشابه ) أي في المنظر والطعم .

ومن وجوه مظاهر نعمته وقدرته قوله سبحانه عن الأرض والنخيل : 
( وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجنّاتٌ من أعناب وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان يسقى بماءٍ واحد ونفضل بعضها على بعضٍ في الأُكل إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون ) وذلك أنك تجد أن من الأراضي ماهو عذيٌّ صالحٌ للزراعة ومنها ماهو سبِخَةٌ لاينبت فيها شيء وهما متجاورتان بجنب بعضهما البعض وتجد من النخيل النخلة والنخلتان والثلاث تجتمع في أصلٍ واحد وهو الصنوان المذكور في كتاب الله من أفراخ النخيل ومثيلاتها الملتصقة بها ومنها ماهو منفردٌ بذاته وكل ذلك يسقيه ماءٌ واحد وبين أنواع ثمار النخيل فروقٌ في الطعم واللون والفائدة الغذائية مايختص به ، فسبحان من خلق فسوى وقدّر فهدى أقول ماتسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

========== الخطبة الثانية ==========

الحمد لله الكريم الأعلى الذي أعطى عباده من الخير وأولى وأخرج المرعى فجعله غثاءاً أحوى والصلاة والسلام على الرسول المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى وعلى من اتبع سبيله واقتفى أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - واستعينوا بنعمة الله على عبادة الله واعلموا أنكم إلى الله صائرون وإليه تحشرون وعن نعمته مسؤولون وبأعمالكم مجزيون . 
عباد الله : ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لاتتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا " وهذا الحديث حديث حسنه الترمذي من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وقد يُشكل على البعض فيُظن أنه لايحل للرجل أن يتخذ مزرعة أو حائطاً أو ضيعة! فكيف الجمع بينه وبين حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : " مامن مسلم ٍ يغرس غرساً إلا كان ماأُكل منه له صدقة وما سُرق منه صدقة ، ولا يرزؤه أحد - أي ينقصه - إلا كان له صدقة " فيُقال من خاف على نفسه أن يُفتن ويترك الإنفاق منه أو يمنع حق المسكين منه فلا يحل له أن يتخذ مزرعة أو بستاناً وكذلك لو خاف على نفسه أن يرغب في الدنيا ويترك العمل للآخرة فلا ينبغي له أن يتخذ هذه المزارع والضيعات لأنها تُشغله عن الآخرة والسعي لها والعافية لايعدلها شيء .

عباد الله : هناك فئة من بني جلدتنا تنزعهم أنفسهم للفساد والإفساد لم تسلم الأشجار ولا المراعي من شرورهم قد اتخذوا الإفساد وقطع الشجر بلا حاجة ولا ضرورة اتخذوا ذلك مهنة ومتعة ، فكان لهم نصيب من قول الله تعالى : ( وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لايُحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) نسأل الله العافية .
وقد ورد التحذير من هذا الصنيع ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاطع السدر يُصبون في النار على رؤوسهم صبّا ً " والحديث أخرجه البيهقي وحسنّه بعض أهل العلم .
- ومن صور الإفساد والإتلاف تقذير الأماكن التي يرتادها الناس وكذلك المنتزهات البرية والحدائق والمرافق العامة بإلقاء المخلفات فيها وإفسادها على مرتاديها ولا شك أن هذا خطأ وجهل وسوء تصرف وطرق التخلص من النفايات والمخالفات كثيرة وغالباً ولله الحمد توفر الأمانات والبلديات حاوياتٍ يُلقي فيها تلك المخلفات ولو لم يكن ذلك فما المانع من أن يحتفظ بتلك المخلفات حتى يجد حاوية يُلقيها فيها فكونوا - ياعباد الله - أعوان خير على ذلك وكفوا من كان تحت ولايتكم عن تلك العادة السيئة فديننا دين نظافة وجمال وتعاون وكمال أصلح الله الراعي والرعية ودفع الله عن المسلمين كل سوءٍ وبلية .. ثم صلوا وسلموا على محمد بن عبدالله فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الاثنين، 15 نوفمبر 2021

خطبة عن المسح على الخفين

الحمدلله الذي يسّر على عباده سبل الطاعات وحثهم على المسابقة للخيرات وبيّن لهم مايجب عليهم من الفرائض والواجبات والصلاة على صفيّه ورسوله الذي كرّمه بالوحي والنبوءات وفضله على عباده بالكرامات والمعجزات وعلى آله وصحبه أهل الفضل والقربات وعلى من تبعه بإحسانٍ إلى يوم البعث بعد الممات وسلم تسليماً كثيراً أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن دين الله قائمٌ على اليسر والإستطاعة ولله الحمد والفضل والمنّة وإن تيسير الله على عباده في العبادات خاصّة الصلاة أمرٌ مشهود ومتحقق في تشريعه وأحكامه جلّ وعلا وذلك أن الإنسان يتقلّبُ بين الصحة والمرض والعسر واليسر وينتقل من الشباب إلى الشيخوخة والعجز ومن تيسيره أيضاً في العبادات تخفيف الصلاة على المسافر وكذلك من تيسيره المسح على الخفين والله جل وعلا كما أخبر في كتابه لم يجعل في الدين من حرج أي مشقة وكُلفة حيث قال ( ماجعل عليكم في الدين من حرج ملّة ابيكم ابراهيم هو سمّاكم المسلين من قبل  . . ) ولمّا كان المسلم يتقلب بين الحرّ والبرد كان المسح على الخفين من تيسير الله ومن محاسن هذا الدين وقد ثبت في السنة أحاديث كثيرة في مسح النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين ، ويقول الإمام أحمد وهو إمام أهل السنة ومن أئمة الحديث وله أكبر كتاب مسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالرواية المتصلة حيث يقول رحمه الله : " ليس في نفسي من المسح على الخفين شيءٌ ، فيه أربعون حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم " . 
يقول ابن المنذر ورُوّينا عن الحسن البصري قال : " حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين " . 
ومن الأحاديث في ذلك حديث المغيرة بن شُعبة رضي الله عنه قال : " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقضى حاجته ثمّ توضأ ومسح على خفّيه ، قلت : يارسول الله ، أنسيت ؟ قال : " بل أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي " رواه الإمام أحمد وأبوداود ، وجرير البجلي توضأ ومسح على خفيه فقيل له : تفعل هكذا ؟ قال : "  نعم ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثمّ توضأ ومسح على خفيه " . 
بل من يسر هذا الدين أنه يجوز المسح على العمامة للرجل إذا كان يشق نزعها بحيث أنه تكون ملفوفة على الرأس ومحنّكة ( أي تدور على الحنك ) والمرأة يجوز لها أن تمسح على خمارها كما أفتى بذلك أهل العلم إذا كان يشقّ عليها نزعه وذلك لحديث بلال رضي الله أنه قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الموقين والخمار " والخمار هنا المقصود العمامة وليس خمار المرأة وذلك أن كل مايخمّر به الرأس يُسمّى خمار وقد قُصرت تسميته في الغالب على خمار المرأة ، والموق الوارد في الحديث هو خف قصير يغطي الكعبين ولا يغطي الساق 
ومع تلك الأحاديث المتواترة الصحيحة يأتي أناس ممن ينتسبون لهذا الدين من الخوارج وبعض الطوائف من المبتدعة وأهل الأهواء فلا يرون جواز المسح على الخفين أصلاً وكذلك الرافضة واليهود فلا يرون المسح على الخفين وهم لكما نقل ذلك الشعبي ، وهم لايُعتدّ بخلافهم ، وهو من تعسير الله عليهم في الحياة مع ماينالهم من النكال والعقوبة بعد الممات نسأل الله العافية والسلامة ومسألة المسح على الخفين ممن أجمع على جوازها الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك ممن أتى بعدهم من الفقهاء كما نقل ذلك ابن المنذر الإجماع على ذلك في كتابه " الإجماع "  . 

عباد الله : ومما ينبغي التذكير فيه في مسألة المسح على الخفين أن مدة المسح للمسافر يوم وليلة وللمقيم ثلاثة أيام بلياليها كما وردت به السنة ويكون بداية المسح من أول مسحة بعد حدث فإذا توضأ بعد حدث مسح على خفيه وليس من أول وضوء ولا أول صلاة بعد حدث وأما المدة التي تكون بعد لبسك للجوارب والخفاف وقبل الحدث فلا تعتدّ بها ولو طالت لأن المسح لم يبدأ بعد وهذا هو الصحيح ومن يعتقد أنه يجب عليه خلع الشراب أو الخفاف والجوارب والوضوء بعد خمس فروض وصلوات فقد أخطأ ، فالمسح يبدأ من وقت المسح بعد الحدث وليس من لبس الشراب والجوارب . 
بل إنه لو انتهت مدة المسح وأنت على طهارة فإنك تُصلي مادام أنه لم ينتقض وضوءُك ولو صليت أكثر من وقت وهذا هو ترجيح الكثير من العلماء المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن عثيمين وغيرهم . 
ولابد للمسح من عدة شروط يجب تحققها فمنها أن يكون الخف أو الجورب ساتراً للقدمين ولو كانا شفافين على الصحيح مع أن هذه المسألة وهي المسح على الجورب الشفاف هي من المسائل التي تردّد فيها الكثير من أهل العلم فأفتى مرة بالحرمة ثم أفتى بالجواز ومن يتأمل المسألة لايجد فيها دليلاً ظاهراً بعدم الجواز وذلك أن الجورب ولو كان شفّافاً يسمّى جورباً ، ومن الشروط أن يكونا طاهرين ويلبسهما على طهارة ويكون المسح في أثناء مدة المسح ويجب عليه خلعهما بعدها إذا انتقض وضوءه  . 
عباد الله : من المسائل التي يجدر التنبيه لها المسح على الشُرّاب المثقوب فالمسح عليه جائز مالم يكن الثقب والشق كبيراً ويعود ذلك لعرف الناس يقول الشيخُ ابنُ بازٍ رحمه الله : " فالصواب أنه إن شاء الله لايؤثر الثُقب اليسير لأنه هذا قد يُبتلى به الناس ولا سيما الفقراء ، أما إذا كان شقّاً واسعاً فينبغي له أن لايمسح " أي عليه  . 
وكذلك من المسائل أيضاً أن بعض الناس قد يُصاب بكسر فيجبّر موضع الكسر فالواجب عليه أن يمسح عليها فإن لم يستطع المسح فليتوضأ وضوءاً كاملاً وليتيمم لذلك العضو المكسور ، ومن اكتفى بالتيمم فقط فقد أخطأ ، ومن ترك المسح وهو يقدر عليه فقد أخطأ ، ويأثم بذلك وكذلك من أصابته جنابة وابتُلي بعضو مكسور فيجب عليه أن يغتسل ويمسح أو يتيمم بحسب الإستطاعة لذلك العضو وقد قد سئُل ابن عُثيمين عن رجلٍ كانت عليه جنابة وكانت على يده جبيرة فاكتفى بالتيمم هل يأثم بذلك ؟ فأجاب : بنعم عليه إثمٌ في ذلك لأن الواجب على من بيده جبيرة أن يغسل البدن إلا محل الجبيرة لقول الله تعالى : " فاتقوا الله مااستطعتم " . أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

======= الخطبة الثانية  =======
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم واتبع سبيلهم إلى يوم الدين أما بعد : 
عباد الله : ومن المسائل التي يجدر الإشارة لها في باب المسح على الخفين من لبس جورباً وأراد أن يلبس آخر لحاجته للدفء فالمسألة هذه فيها تفصيل : 
- فإن لبس الجورب الثاني قبل المسح على الأول فإن المسح والخلع للجورب يتعلق بالثاني ولا حرج أن ينزع الجورب الثاني قبل بدء المسح عليه . 
- وإن لبس الجورب الثاني بعد بدء المسح على الأول فالمسح يتعلق بالثاني والخلع يتعلق بالأول أي يجوز في هذه الحالة أن يمسح على الثاني ولكن مدة خلع الجورب تتعلق بالأول فيبدأ بحساب المدة من مسح الأول لأن الحكم في المدة تعلّق به . 
وشبيهة هذه المسألة لو لبس شخصٌ جوربين أو شُرّابين ومسح عليهما ثم أراد أن يخفف عنه بخلع الفوقاني منهما وكان قد مسح عليه فإنه لايمسح على الجورب الباقي على القدم حتى يخلعه ويتوضأ لأن الفوقاني تعلّق به حكم المسح وقد خلعه وإذا خلعه بطل المسح فلينتبه لهذا . 
ومن المسائل كذلك المسح على الجزمة العسكرية التي يسمونها البسطار وهو مما يشق خلعه فالحكم فيه أنه يجوز المسح عليه كما أفتى مشائخنا حفظهم الله ولكن بشرط أنه لايخلعهما وقت الصلاة وإلا بطل مسحه وإذا أراد أن يخلعهما لكثرة الدخول للمسجد فليمسح على الجورب والشرّاب التي يلبسها ومن ثم يمسح على البسطار فيما بعد ، مالم تنته مدة المسح وهي متعلقة بالشراب لا بالبسطار فيكون البسطار حكمه حكم الجوارب الفوقانية التي ذكرناها آنفاً  . 
ومن المسائل - ياعباد الله -  التي ينبغي التنبيه لها لو أنه مسح وهو مقيم ثم سافر بعد المسح فيمسح مسح مسافر فتتحول المدة من يوم وليلة إلى ثلاثة أيام بلياليها وكذلك لو أنه كان مسافراً ومسح مسح مسافر ثم بدا له أن يرجع فإذا وصل تحوّل إلى مسح مقيم وهو يوم وليلة .
وهناك مسألة يُخطئ فيها بعض الناس فيظن أنه ينتقض وضوءه وهو في الحقيقة لم ينتقض وهو أن الرجل إذا مسح على جوربيه ثم بدا له أن ينزعهما وهو لم ينتقض وضوءه بعد فهنا يبطل المسح ولكن الطهارة لاتبطل لأنه كان على طهارة فيصلي بتلك الطهارة حتى ينتقض وضوءه ولكن لايُعيد الجوارب مرة أخرى ليمسح عليهما إلا بوضوء وهذا هو اختيار جمع من المحققين منهم شيخ الإسلام وابن عثيمين وغيرهم . 
اللهم فقهنا وفقه الأمة في الدين وارزقنا الصبر والعلم واليقين ياكريم يامعين  . 

السبت، 6 نوفمبر 2021

خطبة عن عقوق الوالدين

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن مما أكدته الشرائع على مر التاريخ وهو من أعظم الوصايا بل هو في صدر الوصايا بعد حق الله تعالى وهو في المنزلة الثانية بعد مايجب لله تعالى من الحق المأمور به وهو حكم الله تعالى الذي لايتبدل على مرّ الزمان وكثيراً مايحث الله عليه في كتابه العزيز ألا وهو حق الوالدين ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا . . ) وهذا الحق العظيم للوالدين من الوصايا العشر التي ذُكرت في التوراة والإنجيل وذكر الله شيئاً من تلك الوصايا فقال في شأن بني اسرائيل : ( وإذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل لاتعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً . .  ) وقال جل وعلا : ( قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا . . ) وقال سبحانه : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا . . ) ويقول الله على لسان عيسى عليه السلام : ( وبرّا بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقياً ) أي أمرني ببرّ والدتي وكذلك قال في شأن يحي عليه السلام : ( وبرّاً بوالديه ولم يكن جبّارا عصيا ) وكان ابراهيم الخليل أبو الأنبياء يلاطف أباه الكافر بلطيفٍ وليّنٍ من القول مع أنه كافر كفراً بيّناً فيقول : ( ياأبت لاتعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * ياأبت إني أخاف أن يمسّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان وليّا ) بل كان فوق ذلك يستغفر له حيث يقول : ( واغفر لأبي إنه كان من الضالّين )  حتى تبيّن له أنه عدوّ لله كما قال تعالى : ( وماكان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلمّا تبيّن له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواهٌ حليم ) ووصّى الله الإنسان بوالديه إحسانا كما أخبر الله في كتابه . 
عباد الله : بر الوالدين فريضة من فرائض الإسلام وحقّ واجب وهو من أحب الأعمال إلى الله ففي حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى ؟ قال : " الصلاة لوقتها " قال : قلت : ثمّ أي ؟ قال : " برّ الوالدين " قلت : ثمّ أي ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " متفق عليه . 
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة لأنها أهم الأعمال ومن صلُحت علاقته بربّه صلُحت علاقته بوالديه وأما من لم تصلُح صلاته فمن باب أولى أن لاتصلُح علاقته بوالديه .
عباد الله : عقوق الوالدين من أكبر الكبائر وأشنع الذنوب وأقبح الأفعال يأتي بعد الإشراك بالله ففي حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس وقال : " ألا وقول الزور وشهادة الزور ، فما زال يكرّرها حتى قلنا ليته سكت ( أي شفقة عليه ) وهذا الحديث متفق على صحته ، والعاقّ لوالديه لاينظر الله إليه والجنّة عليه حرامٌ وهو ملعونٌ ومطرودٌ من الرحمة وممن حقّ عليه القول ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لاينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة : العاقّ لوالديه ، والمرأة المترجّلة ، والديّوث ، وثلاثة لايدخلون الجنّة : العاقّ لوالديه ، والمدمن على الخمر ، والمنّان بما أعطى " وعند الطبراني في المعجم الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : " ملعونٌ من عقّ والديه " . 
عباد الله : من عقّ والديه لن يفرح بالنجاة من عذاب الله مهما عمل من عملٍ صالح ولن يرحْ رائحةَ الجنة ولو أتى بأركان الإسلام الخمسة مالم يتب ويرجع عن هذا الجرم العظيم ، ففي الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله شهدتُ أن لاإله إلا الله وأنّك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب إصبعيه - مالم يعقَّ والديه " والعقوق ياعباد الله دينٌ موفّى وشرٌ مورّث من فعله ووقع فيه أقتص منه في الدنيا لامحالة مادام العبد على ظهر الحياة ، وعواقب ذلك استمرار الشرّ في النسل والذريّة وعلاج ذلك الإستعانة بالله والإحسان إلى الوالدين والليونة معهما فلا سبيل ولا نجاة إلا بالبرّ ولا طريق للسعادة غيرُه  فاخفض لوالديك جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمها كما ربياني صغيرا فإنهما باب التوفيق والخير ومسألة البر والعقوق يتساوى فيها الكافر والمؤمن وهذا من عدل الله مع عباده فتجد من الكفار من هو برٌّ بأبيه وأمّه ومن ثمّ ينهجُ ولده أو بنته مانهج بوالديه والعكس بالعكس من عقّ وأساء مع والديه فُعل به كما فعل فسبحان الرب المقسط العدل الذي كان على شيءٍ رقيباً وعليه حسيبا ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  

================= الخطبة الثانية ==================

الحمدلله الذي أمر بالبر والإحسان وحذّر من الفسوق والعصيان ورغّبهم لجنة الحيوان والصلاة والسلام على نبي الثقلين من الإنس والجانّ وعلى من تبعه بإحسان على مرّ الزمان أما بعد : 

فاتقوا الله - ياعباد الله -  واعلموا أن هناك أفعالٌ مقيتة هي من العقوق والإساءة للوالدين يفعلها بعض الناس جهلاً واستخفافاً بوالديه وقلة حياءٍ منهُ تجاههما ومن ذلك رفع الصوت على الوالدين أو نهرهما وزجرهما وهذا أسوأ من الذي قبله وإذا كان الله جل وعلا نهى عن الأوفّ وهو التضجر من الأوامر أو إبداء التضجر فمن باب أولى مايكون من الأفعال التي هي أشنع من التضجر كرفع الصوت نحوه كما أسلفنا ، والله أمر أن يُقال لهما قولاً كريما كما قال تعالى :    ( فلا تقل لهما أوف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا ) . . 
عباد الله : ومن تلك الأفعال التعليق الساخر الذي يفعله بعض الناس أو يصوّره على والديه أو أحدهما وهذا يُعدّ قلة عقل ٍوحياء وجهلٌ واستخفاف بالوالدين ، ومن تلك الأفعال إطالة النظر بالأجهزة بحضرة الوالدين وهي عادةٌ ذميمة ابتلي بها الكثير من فئة الشباب واعلم أن ذلك تهميشٌ للوالد أو الوالدة ولو كانا لاينهيانك أو أن يأمرانك وتأمر أحدَ إخوتك من دون ضرورة ، واعلم أن من يهاب والده أو والدته أن يُكلّماه فهو شخصٌ عاقٌ قد ارتكب جُرماً عظيماً ومن كثُرت عليه أوامر والديه فهذا دليل محبة من الوالدين ورضا من الله جلّ وعلا والوالدان لايأمران إلا من يُطيع من الأبناء والبنات بلا تنكيدٍ أو تنغيص ٍفي الطاعة لهما ورضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد في الحديث الصحيح . 
أخي الشاب : لايلزم أن تكون مستعدّاً لطاعة والديك حينما يأمرانك فلو كان البرّ الحقيقي بذلك لكان كل الناس بارّين بوالديهم ولكن كثيراً ماتأتي الأوامر من الوالدين وأنت حينها غير مستعدّ لطاعتهما فهنا الإمتحان من الله لك بالطاعة أو العصيان فإياك أن تتخلّف عن الطاعة حينها واعلم أن لكل أمرٍ متعسّر حلّ ومخرج ، وطاعة الوالدين حال الكِبَر أشدّ إلزاماً وأكثر فرضيّة من وقتٍ سابقٍ لأنهم أحوج حينها من أي وقتٍ مضى فاطلب العون من الله واحذر من التقصير معهما وقدّم مايطلبانه على هوى نفسك وولدك فحقهما عظيم ماداما على قيد الحياة خاصّة . 
عباد الله : لاينتهي أمر البرّ والإحسان للوالدين بموتهما وبرّهما مدودة حباله حتى بعد الموت لمن أراد أن يستكمل الخيرات ويحوز عالي الدرجات ويرى أثر ذلك في ذريّـته من بعده فقد أخرج أبوداود وابن ماجة في سننِهما من حديث مالك الساعدي رضي الله عنه قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ من بني سلمة فقال : يارسول الله : هل بقي من برّ أبوي شيءٌ أبرّهما به بعد موتهما ؟ قال : " نعم ، الصلاة عليهما والإستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لاتُوصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما " فمن كان عنده قصورٌ في ذلك فليبادر وليتدراك مافات قبل الموت والفوات فاللهم أعنّا لتدراك الأعمار وحسن المعشر والجوار ياجواد ياغفار ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . . 

الأربعاء، 3 نوفمبر 2021

خطبة استسقاء عامة

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله عباد الله فبالتقوى تُنال العطايا وتستدفع البلايا ( ولو أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )  . 

عباد الله : لايُنال ماعند الله من الغيث ولا يستجلب إلا بالإستغفار من الذنوب والكفّ عن فعل الكبائر والسيئات يقول نبي الله هودٌ لقومه : ( وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوّة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ) ويحكي الله قول نوحٍ لقومه : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّاتٍ ويجعل لكم أنهارا ) فالتوبة والإستغفار خير ماترصد لوقت القحط والجدب وخرج عمر بن الخطاب ذات مرّة يستسقي فما زاد على الإستغفار ولمّا قيل له في ذلك قال : " لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يُستنزل لها المطر " وهذا أثر عن الشعبي رواه سعيد بن منصور في سننه  . 

عباد الله : الإستسقاء سنّة قائمة من قديم الزمان وكانت الأمم تستسقي بطرق بعضها باطلٌ ومنكر ، وبعضها حق وسنة شرعها الله وقد استسقى موسى لقومه فسقى الله قومه من عيون نبعت من ظاهر الأرض حيث يقول جل وعلا : ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ٍمشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )  وعند بعض الأمم في أفريقيا وآسيا يجتمعون ويحدثون أهازيج ورقصات يسمونها ( رقصات المطر ) في اعتقاد أولئك أنها سبب لنزول الغيث ، وهذا جهل وخرافة وضلال مبين فالقحط والجدب سببه ذنوب العباد قطعاً كما هو صريح قول الله تعالى : ( وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفواعن كثير ) وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ثوبان أن رسول الله قال : " إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه ولا يرد القَدَر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البرّ " . 

عباد الله : يقول أبي هريرة رضي الله عنه : " إن الحباري - وهي نوعٌ من الطيور - لتموت في وكرها من ظلم الظالم " ويقول الحبر التابعي مجاهد بن جبر رحمه الله وإيانا أجمعين : " إن البهائم تلعن عُصاة بني آدم إذا اشتدّت السَنَة - أي القحط - وأمسك المطر وتقول : هذا بشؤم معصية بني آدم " ويقول عكرمة تلميذ ابن عباس رضي الله عنه : " دواب الأرض وهوامها حتى الخنافسُ والعقارب يقولون : " منعنا القطر بذنوب بني آدم " .

عباد الله : منع الزكاة ونقص المكيال والميزان ذنبٌ عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب لانجاة للعبد ولا غيث ينزل من السماء إلا بالتوبة من ذلك والإقلاع عن هذه الطامّة والكبيرة التي ضررها ليس قاصراً على العاصي وإنما يمتدّ ضررها إلى الغير  وفي حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يامعشر المهاجرين ، خمسٌ إذا ابتُليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهنّ : 

لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطّ حتّى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا .

ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدّة المؤنة وجور السُلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولا البهائم لم يُمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدّوا من غيرهم فأخذوا بعض مافي أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيّروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " 

عباد الله : من نعمة الله على ابن آدم أنه يُعجّل له العقوبة في الدُنيا ولا يمتّعه في هذه الحياة متاع المنافقين والكفار ثمّ يأخذهم فلا يُفلتهم في عذاب دائم لاينقطع ولا يزول ولا عنهم يحول ، ومن مُتّع في هذه الحياة الدنيا وهو مقيمٌ على معصية الله فإن هذا استدراجٌ من الله للعبد ، ففي حديث عُقبة بن عامرٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا رأيت الله يُعطي العبد مايُحبّ وهو مُقيمٌ على معاصيه فإنما ذلك له منه استدراج ، ثم نزع هذه الآية : ( فلمّا نسوا ماذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كلّ شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذاهم مبلسون * فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمدلله رب العالمين ) رواه الطبراني وصححه الألباني . 

عباد الله : يُستحسن في صلاة الإستسقاء إخراج الضعفاء للصلاة والدعاء وأمرهم بذلك ممن يستطيع منهم وهو أقرب للإجابة وأجدر لقبول الدعاء وتعجيل الرزق والغيث ففي حديث أبي الدرداء عويمر بن زيد وقيل عويمر بن عامر رضي الله عنه أنه قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أبغوني الضعفاء - أي اطلبوا لي الضعفاء - فإنما تُنصرون وتُرزقون بضعفاءكم ) أخرجه أبوداوود بسننه وصححه جمعٌ من أهل العلم  ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

================ الخطبة الثانية ================

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد : 

عباد الله : اتقوا الله تعالى فالله قريبٌ ممن يتقيه وابذلوا من أموالكم وأحسنوا إلى العباد فإن رحمة الله قريبٌ من المحسنين ولا ييأسن أحدكم من الرحمة فاليأس من رحمة الله وروحه من صفات أهل الضلال والكفر حيث قال سبحانه على لسان يعقوب : ( ولاتيأسوا من روح الله إنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) وذكر سبحانه لكي يرغّب العباد في الإنابة والرجوع إليه ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثمّ لاتنصرون ) 

فاللهم ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين ) اللهم اغفر لنا ماقدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلمنا وما أنت أعلم به منّا أنت المُقدّم وأنت المؤخر لاإله إلا أنت اللهم إنك ترى مكاننا وتسمع كلامنا وتعلم سّرنا وعلانيتنا ، لايخفى عليك شيء من أمرنا نحن البؤساء الفقراء ، المستغيثون المستجيرون الوجلون المشفقون المقرون المعترفون بذنوبهم  ، اللهم فلاتجعلنا بدعائك أشقياء ، واجعلنا من عبادك الأتقياء ، وكن بنا رؤوفاً رحيما ياخير المسؤولين وياخير المعطين يار ب العالمين 

اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا 

اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت 

اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق ، اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا . . 

" اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً طَبَــقاً مجللاً عاجلاً غير رائث نافعاً غير ضار عامّاً سحا دائماً  " يارب العالمين 

عباد الله : اقتدوا بنبيكم واقلبوا أرديتكم فقد كان عليه الصلاة والسلام يقلب ردائه استكانة لله وتضرعاً لعل الله أن يبدل الحال ويُغيث العباد والبلاد إنه كريمٌ جواد  . 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...