الخميس، 22 يونيو 2023

خطبة أخرى عن العشر وبعض أحكام الأضاحي ويوم عرفة

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه الذي امتنّ به على عباده وفتح به أعيناً عُمياً وآذاناً صمّا ًوقلوباً غُلفا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وعلينا معهم إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيرا أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلاله وكل ضلالة ٍفي النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : هانحن اليوم نعيش في خير أيام الدنيا على الإطلاق ، قد بلغك الله إياها بدون سؤال ، فالسباق لها السباق ، وعوّض مافات منها بالأعمال الصالحة المتلاحقة ، واجتناب الذنوب الموبقة ، واستغلال كل لحظة من لحظاتها فهي التجارة الرابحة وهذا وقت أوانها ، وقد انصرم من أيام العشر ما انصرم ولها ولياليها فضل ومزيّة عن غيرها من أيام وليالي السنة ، العمل في أيامها اعظم عند الله وأحب وأرفعُ درجة من غيرها من الأيام ، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام " أي : العشر قالوا يارسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ، قال : " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء " وقد أقسم الله بلياليها ولا يُقسم ربنا العظيم إلا بعظيم فقال : ( والفجر * وليالٍ عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر ) وكان السلف يحيون تلك الأيام بالذكر وتلاوة القرآن والطاعة والصيام والدعاء ولياليها بالقيام فيها والعبادة ، وهو موسم قصير وزمن تمضي أيامه وساعاته سريعة السير ، فابتغوا فيه رضا الله ، وعمل الصالحات والتشمير للطاعات قبل فوات الأوقات والساعات فيه ، وطوبى وهنيئاً لمن فيه سعى وابتدر الأوقات ، ويُخشى لمن ضيع ذلك الزمن الفاضل العظيم أن تحدقَ به الآلامُ والحسراتُ ، وما لزمن فات من إيابٍ بعد الفوات .

عباد الله : في هذه الأيام الناس يتسابقون لشراء الأضاحي والقرابين لله رب العالمين ولكن لابد من الفقه في دين الله وسؤال أهل العلم إن أشكل على العبد مايخص من أحكام الأضاحي ليتقرب لله على بصيرة وهدى ومن تلك الأحكام التي يجدر التنبيه لها ماورد في حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربعٌ لاتُجزئ في الأضاحي : العوراء البيّن عورها ، والمريضة البيّن مرضُها ، والعرجاء البين ظَلْعُها ، والكسيرة التي لاتُنقي " أخرجه النسائي وأبو داوود وابن ماجه ، ومعنى التي لاتُنقي : أي الهزيلة التي لامُخ فيها ، فيدخل في ذلك العمياء من البهائم من باب أولى وكذلك مقطوعة اليد والرجل وكذلك المُقعدة من البهائم ، وأما الكبش الذي قُطعت خصيتاه فيجوز وقد ضحّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين - أي مقطوعا الخصية - ذبحهما بيده وسمى وكبر ، ويجوز التضحية بمقطوعة الذيل لامقطوعة الإلية وكذلك البتراء التي لاذنب لها خِلقة ًعلى الراجح من الأقوال ، قال ابن قُدامة رحمه الله وإيانا في كتابه المُغني : " وتُجزئ البتراء وهي التي لاذنب لها خِلقة أو مقطوعاً . . إلى أن قال : لأن هذا نقصٌ لايُنقص اللحم ، ولا يُخل بالمقصود ولم يرد به نهي " وقال أيضاً : " ولا تُجزئ ماقُطع منه عضوٌ كالألية " وأما العضباء التي كُسر قرنها فالذي يُفتى به الآن إن كان الكسر أقل من النصف فلا حرج وإن كان نصف القرن فأكثر لم تصح ، وأما الجمّاء التي لم يُخلق لها قرنٌ أصلاً فتجزئ كما أورده ابن قدامة في المُغني ، وأما الجدعاء وهي : مقطوعة الأنف فلا تُجزئ وكذلك السكّاء وهي مقطوعة الأذنين وأما ماكان في أحد أذنيها قطعٌ فيكره أن يُضحى بها فالتي شُقت أذنها من الخلف أو من المُقدّم أو خُرقت أذنها فيصح التضحية بها مع الكراهة وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن " أخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه ، والمقصود به ذهاب العينين أو واحدة منها وكذلك مقطوعة الأذنين أو واحدة منها بالكلية ، وكل ماكان أكمل وأبعد عن العيوب هو أحب وأرضى عند الله .

عباد الله : ومما يجدر الإشارة إليه أنه لايُجزئ بيع الأضحية إن عيّنها صاحبها ولا أن يهبها أو يرهنها عند أحد لأنها دخلت صارت وقفاً لله تعالى وأوقفت قرباناً له جلّ جلاله فلا يحلّ التصرف فيها إلا أن يستبدلها بأفضل منها .
ثم إن أفضلَ الأضاحي على الراجح البدنة الكاملة من الإبل ثم البقرة بلا اشتراك ثم الشاة ثم سُبع بدنة ثم سُبع بقرة لما ثبت في صحيح البخاري وموطأ الإمام مالك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة ثمّ راح في الساعة الأولى فكأنمّا قرّب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشاً - وفي رواية كبشاً أقرن - ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " وهذا يدلل على فضل البدنة في تقريب الأضاحي ، فاللهم وفقنا لعمل الصالحات وترك المنكرات وفعل الخيرات يارب الأرض والسماوات ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل الذنوب والأوزار فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الجواد الغفار .

============ الخطبة الثانية ============

الحمد لله كما يُحب أن يُحمد والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد وعلى من تقرب لمولاه وتعبد أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن النحر والذبح لبهيمة الأنعام تقرباً لله هي عبادةٌ مقصودة في ذاتها ، حيث يقول الحق تبارك وتعالى لنبيه : " فصلّ لربك وانحر " ومن يُنيب غيره وهو قادرٌ مستطيع على الذبح بيده ، أو يذهب بهذه الذبائح إلى المسالخ فقد فوّت على نفسه هذه الفضيلة وهذا الخيرِ العظيم ، وما كان صلى الله عليه وسلم ينيب غيره بالذبح بل كان يذبح تلك القرابين بيده كما في الحديث السابق ، ومن لم يستطع فهو مأجور ولكن عليه استحضار النية أنه متى مازال هذا العائق فإنه لايفرّط بالقيام بهذه الفضيلة ، وليأخذ من يوكّل الحذر من أن يُنيب عنه مشركٌ فالمشرك كالبوذي والهندوسي لايصح ذبحه ، ولو ذُكر صاحب الذبيحة اسم الله عليها أو ذكر هذا المشرك اسم الله عليها ، وهذا يجعل العبد يحرص كل الحرص على انتقاء من يوكّل في الذبح ، ومن ترك التسمية عامداً على الذبيحة فإنها لاتحل ، وأما ذبح اليهودي والنصراني فتحل بشرط أن لايذكر عليها اسم المسيح أو أي عزير أو أي نبي من الأنياء ، فإن تبين ذكر اسم المسيح أو غيره عليها فلا تحل وبذلك أفتى أهل العلم .
عباد الله : سيحل علينا يومٌ عظيم بعد عدة أيام ، يومٌ صيامه يكفّر ذنوب سنتين ، يومٌ يباهي الله فيه بأهل الموقف ويدنو منهم ، إنه يوم عرفة الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال في الحديث الصحيح عند مسلم : " صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده " فلا تُفرّط فيه ياعبدَالله ، فصيامه غنيمة وأجرٌ عظيم وثواب لايستطيع العبد تداركَ مثله إلا بصيامه ، وفعل الطاعات فيه ، فاللهم بلّغنا مواسم الخيرات وتقبّل منّا واعف عنّا ولا تتوافانا إلا وأنت راض ٍعنّا ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة
  

الاثنين، 5 يونيو 2023

خطبة عن الرياضات المباحة والمحرمة

الحمدلله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان ومن عليه بالأنعام وأتمّ عليه المنّة والإحسان وكمّله بأحسن صورة وأحسن تقويمٍ في الأعضاء والأبدان والصلاة والسلام على المبعوث بالحكمة والقرآن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد :

فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : أنعم الله على ابن آدم بصحة البدن والرزق المدرار والخير العميم وهداه لما فيه صلاح القلب والعقل والجسد بالمعاني الروحية والمواد والقوى الطبيعية ولذا أمر الله بإعداد النفس وتقويتها لمجاهدة عدوها المتربص بها ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوّة . . )  وتقوية النفس والقلب مقدّمٌ على تقوية الجسد والأعضاء وفي الحديث الصحيح عند مسلم أن النبيَ صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لاينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " والأخذ بالأسباب المادية والتماسها مُعين على تقوية الجسد والشجاعة في قول الحق والثقة بالنفس وهو أبعد عن الأسقام والآلام وأبعد عن الشكوك والأوهام لأن الصحة الجسدية تعكس الصحة النفسية والفراغ والكسل يجلبان للعبد الإعتلال وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصحة والفراغ " ولذا كان هناك رياضات يحث عليها الشرع الحنيف فمنها : السباحة والرمي وتأديب الفرس ويشملُ كل مركب يُركب عليه لقتال الأعداء وهو من أعمال القربات إذا نواها العبد ولذا أخرج النسائي في سننه والطبراني والبزار من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهوٌ أو سهو إلا أربع خصال : " مشي الرجل بين الغرضين وتأديبُه فرَسه وملاعبته أهله وتعليمه السباحة " والمقصود بالمشي بين الغرضين أي في الرمي فيمشي لكي يمرّن نفسه على القوة وإصابة الهدف وأما تأديب الفرس فهو إعدادها للقتال في سبيل الله وأما ملاعبة الرجل زوجته فهو لإذهاب الملل وإدخال السرور ولغرض الجماع وطلب الولد وأما السباحة ففيها إنقاذٌ للنفس من الغرق وإنقاذٌ للغير ومن يُعلم أحداً فإنه يُثاب ويؤجر على ذلك أجراً عظيماً وربما أنقذ من علّمته شخصاً آخر فلك أجرين بذلك أجرٌ لما علّمته وتشاركه في أجر نجاة الغريق . 

عباد الله : اهتم النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بالخيل والفروسية كيف لا ؟! وهو القائل عليه الصلاة والسلام : " الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة  " وكان يُجري وأصحابُه الخيل وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : " أجرى النبي صلى الله عليه وسلّم ماضُمّر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وأجرى مالم يُضمّر من الثنية إلى مسجد بني زريق " قال ابن عمر : وكُنت فيمن أجرى . يقول سُفيان رحمه الله : " من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زُريق ميل " والخيل غير المضمّرة هي الخيل التي تُطعم حتى تسمن فلم تعتد العدو الطويل  فناسب لها قِصَر المسافة ، وأما الخيل المضمّرة فهي الخيل المدربة التي لايضر بها العدو الطويل فناسب لها طول المسافة فكان عدوها بين الحفياء وثنية الوداع وأما الخيل التي لم تُضمّر فلما كانت تجْهدُ كان عدوها وجريُها مابين ثنية الوداع ومسجد بني زُريق وهي مسافة ميل واحد تقريباً كما أسلفنا . 

عباد الله : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يُمارس رياضة المصارعة  لا لحظ من حظوظ الدنيا ولكن لدعوة الغير يقول ابن اسحاق : حدثني أبي إسحاق بن يسار قال : " كان رُكانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبدالمطلب بن عبدمناف أشد قريش ، فخلا يوماً رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة ( قبل الهجرة ) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يارُكانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه ؟ قال : إني لو أعلمُ أن الذي تقولَ حقاً لاتبعتك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرايت إن صرعتُك ، أتعلم أن ما أقولُ حق ؟ قال : نعم ، قال : فقم حتى أصارعَك ، قال فقام إليه رُكانة يُصارعه ، فلمّا بطش به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أضجعه ، وهو لايملك من نفسه شيئاً ، ثم قال : عُد يامحمد فعاد فصرعه ، فقال : يامحمد والله إن هذا للعجب ، أتصرعني ! 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب من ذلك إن شئت أن أُريكَه ، إن اتقيت الله واتبعت أمري ، قال : ماهو ؟ 

قال صلى الله عليه وسلم : ألا أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيَني ، قال : ادعُها ، فدعاها ، فاقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقال لها : ارجعي إلى مكانِك ، فرجعت إلى مكانها ، قال : فذهب ركانة إلى قومه فقال : " يابني عبدمناف ، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض ، فوالله ماعلمت أسحر منه قط " وأخبرهم بالذي راى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظروا كيف أن ذلك لم ينفعه في لحظتها ولم يُسلم ، فلما فُتحت مكة أسلم بعد ذلك ولا يستوي من أسلم قبل الفتح مع من أسلم بعده ، وصارع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابن ركانة يزيد وهو وأبوه لهم صحبة . 

يقول ابن عبّاس رضي الله عنهما : " جاء يزيد بن ركانة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة من الغنم ، فقال : يامحمد ، هل لك أن تُصارعَني ؟ قال صلى الله عليه وسلم : " وما تجعلُ لي إن صرعتك ؟ قال : مائة من الغنم ، فصارعه فصرعه - أي النبي صلى الله عليه وسلم - ثم قال هل لك في العَود ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : وما تجعلُ لي ؟ قال : مائة أخرى ، فصارعه فصرعه - صلى الله عليه وسلم  - وذكر الثالثة أنه صرعه - فقال : " ماوضع جنبي على الأرض أحدٌ قبلك وما كان أحدٌ أبغض إليّ منك وأنا أشهدُ أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله " فقام عنه صلى الله عليه وسلم وردّ عليه غنمه ، وفي رواية أن النبي َ صلى الله عليه وسلم قال له : " ماكنّا لنجمع عليك أن نصرَعُك ونُغرِمُك ، خذ غنمك " وما أراد النبي صلى الله عليه من مصارعته إلا الأخذ بيده لطريق التوحيد وإنقاذه من الشرك وما كان حينها ليتحقق إلا بهذه الطريقة وهذا السبيل ، فكان خيراً ليزيدٍ وحرر نفسه من قيد الشرك وأستنار بنور الله وبدعوة سيد المرسلين بعد أن كان في براثن المشركين ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . 

============== الخطبة الثانية ==============

الحمد لله المحمود بكل لسان المتفضل على عباده بالخير والإحسان والصلاة والسلام على المبعوث للإنس والجان نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه أفضل الصلوات والتسليم من الله الكريم المنان أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله -  واعلموا أن كل رياضة تُلهي عن ذكر الله فهي محرمة ليست لذاتها وإنما بسبب أثرها وإلا فإن الرياضة في الأصل ، الأصل فيها الحل ، مالم ينص الشرع على حرمتها كمن يضع ذات الأرواح غرضاً ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتفق عليه أنه مرّ على فتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه ، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم ، فلمّا رأوا ابن عمر تفرقوا ، فقال ابنُ عمر : من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً . 

وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه المتفق عليه أيضاً قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُصبَر البهائم " أي تُحبس للقتل وهذا دليل أن هذا الفعل كبيرة من كبائر الذنوب ففي حديث ابن عمر رضي الله عنه السابق ذكر أن من فعل ذلك ملعون - أجارنا الله وإياكم - 

عباد الله : انتشر في الآونة الأخيرة وخصوصاً بين النساء نوعٌ من انواع الرياضة وتسمى تمارين الطاقة أو اليوغا أو تدريبات للعلاج بالطاقة الحيوية وكلها في الواقع مآلها إلى الإعراض عن دين الله والتعلق بالماديات وعلاج الروح بالتأمل والسكون وإضاعة العمر فيما لاجدوى منه وأصل البعض منهاغ مستمدٌ من الديانة البوذية أو الهندوسية  وبعضها يؤدي في نهاية المطاف إلى التعلق بالشياطين وإلى الوقوع في السحر وهي تتدرج بالرجل أو المرأة حتى توقعه في مصيدة الدجل والشعوذة ، فالذين يروجون لمثل هذه الأشياء يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن ذكر الله وعن الصلاة ، وقد صُد كثير من هؤلاء المتعلقين بمثل هذه الرياضات الوثنية عن الصلاة وما فيها من راحة وأنس وانشراح فمثل هؤلاء كان الأجدر بهم أن يجدوا راحتهم في الصلاة وأكثر مايكون في وضعية السجود ، ولم يفهم الكثير من هؤلاء المتولّعين قولَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( أرحنا بها يابلال ) فمن لم يجد في الراحة والسكينة في صلاته فليُفتش عن السبب ، فما حُرم العبد ذلك إلا بذنبٍ أحدثه أو كان مُبتلى أو منشغلا عن خشوعه وطمأنينته في صلاته فاللهم أعنا على أنفسنا واجعل رضاكَ غايتُنا ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على خير البريّة وأزكى البشريّة محمد بن عبدالله فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 

الثلاثاء، 23 مايو 2023

خطبة عن العادات والتقاليد التي أقرها الإسلام أو منعها

 الحمدلله الذي خلق النفس البشريةَ وهداها لما فيه تقواها وأودع فيها من الطبائع مافيه قوام عيشها ومن كل خير أولاها والصلاة والسلام على المبعوث بالخيرات أتقى الخليقة وأزكاها بعثه ربُّه ليتمم مكارم الأخلاق فبينها وللعالمين أسداها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير أصحاب الرسل وأوفاها وعلى من تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً أما بعد :

فاتقوا الله  - عباد الله -   ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : إن لكل شعوب الأرض ثقافة وتقاليد وعادات بعضها يخالف العقل السليم والفطرة والدين وبعضها يوافق ذلك وهذه الثقافة والعادات والتقاليد متباينة في الجمال والقبح والفظاظة واللطف والقوة والضعف والمحبة والكراهية فمنها ماهو جميلٌ مقبول وقبيحٌ مردود ، ومنها مافيه فظاظة وغلظة ومنها مافيه لطفٌ ولين ومنها ماهو قوي ومنها ماهو ضعيف ومنها ماهو محبوب ومنها ماهو مكروه ودين الله يقرّ كثيراً من العادات والتقاليد وخصوصاً تلك العادات التي أجمع على حبها الشعوب كالكرم والشجاعة والمعاملة بالأخلاق الحميدة ، والميزان في ذلك شرع الله جلّ وعلا ، فما أحبه الله وأذن فيه كان خيرَ عادة وخيرَ موروث يورثه الأجداد للآباء والآباء للأولاد والأولاد للأحفاد وما كان يرفضه الشرع المطهر ولم يأذن به الله فهو شرُّ عادة وشر موروث وبئس مايُورّث للذرية والأحفاد ، وكلّما كانت الشعوب قريبة من شرع الله ونهجه كلما كانت عاداتها وتقاليدها وموروثاتها أسلم وأقبل للعقل والفِطَر السليمة ، ولذا رد الله تعويل كل كافر أو مشرك على الآباء ونقض ذلك كلّه وأن ذلك مما يستقبحه العقل ويستهجنه قال تعالى : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لايأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالاتعلمون ) وهذا ليس في شأن الشرك على عظيم خطره ولكنه في شأن كل فعل وقول وعادة قبيحة شنيعة متوارثة من الأجداد والآباء يتمسك بها الجُهال والضلال وهم يعلمون في قرارة أنفسهم وفي عقلهم الباطن قبحَها وشناعَتها ولكنّ دوافعَ الشر في النفس وتزيين الشيطان والهوى أضل الكثير من هؤلاء ( أفمن زيّن له سوء عمله فرءاه حسناً فإن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليمٌ بما يصنعون ) كما زُين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم ( وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شُركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم وما يفترون ) وكفعل المشركين بالإبل فجعلوا منها البَحيرة والسائبة والوصيلة والحام حتى أصبحت عندهم عادة فالبَحيرة : هي الناقة تقطع أذُنُها إذا أتت بعدة بطون والسائبة هي التي تُسيّب وتترك للأصنام والأوثان ولا يُحمل عليها والوصيلة هي الناقة التي تصل حملها بأنثى بعد أنثى فتترك إذا وصلت حملها للأوثان والأصنام وأما الحام فهو فحل الإبل إذا وُلد من صلبه عدد من الأبل تركوه للصنام ولم يحملوا عليه فجاء الإسلام ونقض ذلك كلّه . 

عباد الله : من العادات التي كانت عند أهل الجاهلية أنه إذا توفي زوج المرأة أحدّت عليه المرأة حولا كاملاً ولم تغتسل ولم تتنظف ولا تتطيب ولا تخرج حتى يمر عليها الحول ثم يؤتى لها بدابة تفتض بها - أي تتمسح بها - فلم تفتض بشيء إلا مات ثم ترمي ببعرة على رأس الحول كناية على قلة ماقدمت في حق زوجها ، فجاء الإسلام فحرّم هذه العادة وأبطلها وطرح من مدة الحداد في الجاهلية ثلثيها وأوجب عليها الحداد أربعة أشهر وعشرة أيام ولم يحرّم عليها التنظف والإغتسال وأجاز لها الخروج لحاجة ضرورية فقط وهذا من فضل الله . 

وكذلك كانت في الجاهلية عادة جائرة وهي حرمان المرأة من الميراث فجاء الإسلام فأوجب لها الإرث قد يصل إلى ثلثي المال في بعض الحالات وكل ذلك من عدل هذا الدين وإنصاف الشريعة ، وكانت المرأة في الجاهلية عند كثير من قبائل العرب إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها وكذلك يصنع اليهود ، وبعض العرب يخرجها من البيت فجاء الإسلام فأبطل هذه العادة والتي فيها امتهان للمرأة وأباح المؤاكلة والمشاربة لها وحرّم إخراجها من البيت بغير حق بل وأباح مجامعتها بما دون الفرج وحرّم جماعها في الفرج وهذا من عدالة ورحمة الشرع الحنيف المطهر . 

ومن أشنع العادات التي كانت في الجاهلية وأد البنات فقد كانوا يأدونها وهي حيّة خوف العار وما يُشبه هذا في الشعوب الأخرى التي تُقدم الفتاة الصغيرة قرباناً لأصنامهم وأوثانهم فجاء الإسلام وحرّم ذلك وأعظمه ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرّموا مارزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين ) . 

ومن عاداتهم الشنيعة زواج الرجل بامرأة أبيه إذا توفي عنها أبوه فجاء الإسلام فحرّم ذلك حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ( ولا تنكحوا مانكح أباؤكم من النساء إلا ماقد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا ) وكذلك كانوا يجمعون بين الأختين فجاء الإسلام وحرّم ذلك وذكر ذلك في آية المحرمات من النساء في سورة النساء ، وقد ساق ابن جرير بسنده إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن أنه قال : "  كان أهل الجاهلية يحرمون ماحرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين " .

وكان من عاداتهم حينما يتبنّى الرجل منهم طفلاً صغيراً من باب الإحسان أن ينسبه له ولا ينسبه لأبيه الذي أنجبه من صلبه ، فيُنسى أبوه الأصلي ويُنسب ذلك الطفل لمن تبنّاه وجاء الإسلام فأبطل هذه العادة وأنزل الله في ذلك قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسطُ عند الله فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين ومواليكم . . ) الآية 

بارك الله لي ولكم في الآيات والآثار وقربني وإياكم إليه ربنا الجواد الغفار ورزقنا الإستكثار من العمل الصالح  ليوم القرار أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية ===============

الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه ومن لهداه اقتفى أما بعد : 

عباد الله : إن من عادات أهل الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والفرق بين الفخر بالحسب والطعن في النسب أن الفخر بالحسب هو افتخار الإنسان بالمناقب من باب التعالي على الناس والكبر والخيلاء وتفضيلاً للنفس على الغير ، وأما الطعن بالنسب فهو انتقاص الناس بعرقهم أو قبيلتهم أو نفي نسبهم إلى آبائهم أو تعييرهم ببشرتهم أو مكانتهم الإجتماعية وغير ذلك ، ومنها الإستسقاء بالنجوم وهو نسبة المطر لها وهو شرك وظلم وكذلك النياحة على الميت وهذا في الغالب يكون بين النساء والنياحة هي رفع الصوت بالبكاء والصراخ على الميت وقد ذكر النبيُ صلى الله عليه وسلم أن أمته لايتركونهن ، ففي حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لايتركونهن : الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والإستسقاء بالنجوم والنياحة " أخرجه مسلم وقد جاء الإسلام بإبطال هذه العادات السيئة ففي حديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لينتهين أقوامٌ يفتخرون برجال - وفي رواية بآبائهم الذين ماتوا - إنما هم فحمُ جهنّم أو ليكوننَّ أهون على الله من الجُعلان التي تدفع النتن بأنفها " وقال أيضاً : " الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس " أي : احتقارهم وقال الله تعالى في الحديث القدسي : " أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر ، فأما من قال : مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب ، وأما من قال : مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب " . 

وقال صلى الله عليه وسلم في النياحة : " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران ودرعٌ من جرب " وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يوم البيعة " ألا ينُحن " والسربال هو لباس يشبه الثوب والدرع : فهو قميصٌ تلبسه المرأة . 

عباد الله : مايقع الناس في هذه العادات الممقوتة وما يُماثلُها أو يشابهُهَا إلا من جهل ماكان عليه أهل الجاهلية أو بسبب التقليد الأعمى أو قلة الديانة أو اتباع الهوى والإستهانة بمثل هذه الكبائر ، ولذا في الاثر عن عمر بن الخطاب رض الله عنه أنه قال : " لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لايعرف الجاهلية " ولذا وجب معرفة الشر لتوقيه الخير لفعله والمسابقة فيه . .  ثم صلوا على من نبي الهدى والرحمة فقد قال عز من قائل حكيما :  ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 


الخميس، 11 مايو 2023

خطبة عن البخل وأثره على المسلم

الحمدلله الذي خلق النفس وسواها وألهمها فجورها وتقواها ووعد بالفلاح من زكاها وبالخيبة والخسران من دسّاها ومن بالشهوات أغواها ، والصلاة والسلام على نبي البشريّة وأزكاها نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل صحب الرسل وأسماها وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم نلقاه أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله فإن تقوى الله داعٍ للفضائل ومجنّبٍ للرذائل ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور مُحدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : ربنا جل وعلا رؤوفٌ بعباده رحيم يزكيهم ويُطهرهم منّةً منه وفضلاً ورحمة بعباده وإحسانا كما أخبر في كتابه  (يريد الله ليبين لكم ويهديَكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليمٌ حكيم )  ومن وسائل تزكيته سبحانه أنه - ياعباد الله - أنه يحذّر ويُزكي من صفات لاتليق بالمسلم ويُرشد المؤمن بلسان رسوله أن يستعيذ بالله منها ومن تلك الصفات صفة البُخل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منها دُبر مل صلاة ، فقد أخرج البُخاري رحمه الله من حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوّذ دُبر الصلوات المكتوبة بهؤلاء الكلمات : " اللهم إني أعوذ بك من الجبُبن والبُخل وأعوذ بك من أن أردّ إلى أرذل العُمُر ، وأعوذ بك من فتنة الدُنيا وأعوذ بك من فتنة القبر " وفي حديث آخر يروية سعد رضي الله عنه قال : " كان رسول الله يُعلّمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلّم الكتابة : " اللهم إني أعوذ بك من البُخل وأعوذ بك من الجُبن وأعوذ بك من أن نُردّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدُنيا وعذاب القبر " أخرجه البُخاري أيضاً . 
عباد الله : البُخل صفة ذميمة تمنع الخير عن العبد وتُقصيه من الله والخلق ، والبُخل نوع أنانية في النفس وفتنة بالمال وحب للدُنيا على حساب الدين ، فالبخل - أجارنا الله وإياكم - يقتُل صاحبه إن غذاه في نفسه ويحرمه التمتع بما انعم الله عليه من النعم فهو محروم مع حرمانه لغيره ممن يعوله ممن يحتاجون إليه ، بل إن البخيل ينفر منه أصحابه ولذا قال بعض الحكماء : " البخيل ليس له خليل " ، وأشنع أمره أن يتمادى به البخل حتى يبخل بحق الله تعالى الواجب عليه من أداء الزكاة المفروضه للفقير والمسكين ومن يستحقها من أهل الزكاة الثمانية  فربما ناله سخط الله تعالى إن لم يتدراكه الله بتوبة قبل الموت فيكون داخلاً في قول الله تعالى : ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراًُ لهم بل هو شر لهم سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ) والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً للبخيل والمتصدق فقال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم فقال : " مثلُ المنفق والمتصدق كمثل رجُلين عليهما جُنّتان من حديد قد اضطُّرت أيديهما إلى ثُديِّهما وتراقيهما  فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تُغشّي أنامله - أي تغطيها - وتعفو أثره ، وجعل البخيل كلّما همّ بصدقة قَلَصَت ، وأخذت كلّ حلقة مكانها " يقول أبوهريرة رضي الله عنه : " فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول باصبعه في جيبه فلو رأيته يوسّعها ولا تَوَسّع - أجارنا الله وإياكم - 
قال صاحب مختصر منهاج القاصدين المقدسي رحمنا الله وإياه أجمعين : " اعلم أن الشح والبُخل درجات : فأرفع  درجات السخاء الإيثار ، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه ، وأشد درجات البُخل : أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه - أي المال - فكم من بخيل يُمسك المال ويُمرض فلا يتداوى ، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البُخل ، فكم بين من بخِل على نفسه مع الحاجة وبين من يؤثر على نفسه مع الحاجة - أي من الفرق - فالأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء ، وإذا أراد الله بأمة شراً أمّر عليهم شرارهم وبُخلائهم ، يقول محمد بن المنكدر - رحمه الله : " كان يُقال : إذا أراد الله بقومٍ شرّاً أمّر عليهم شرارهم ، وجعل أرزاقهم بأيدي بُخلائهم " أعاذنا الله وإياكم والمسلمين . 
 عباد الله : من يتأمل حال البخيل المُمسك يجد أنه حارس ماله للورثة بعده وعاملهم عليه بجمعه وحفظه  وصدق الشاعر حينما قال : 
إذا كُنت جمّاعاً لمالك ممسكاً * فأنت عليه خازنٌ وأمين 
تؤديه مذموماً إلى غير حامدٍ * فيأكُله عفواً وأنت دفين 
والشُح والبخل متقاربان ولكن الشح أشمل وأشد خطراً على دين العبد من البخل وإن كان الشح من ثماره البُخل  ولما سئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله عن الفرق بين الشح والبخل قال : " الشُح أشد ، فالشح معناه : البخل بالموجود والحرص على المفقود ، فالشحيح حريصٌ على الزيادة وبخيل بما عنده " انتهى كلامه فاللهم أعذنا من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء وأصلح لنا أنفسنا ياسميع الدُعاء ياواسع والفضل والعطاء ، أقول ماسمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============== الخطبة الثانية ==============
الحمد لله كما ينبغي أن يُحمد والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى عليه وعلى آله وصحبه ذوي النهج الأرشد وعلى من تبعه بإحسان ولربه تعبد ، أما بعد : 
عباد الله : إن من الديانة ومحبة الخير وكرم النفس للغير من المسلمين خاصّة الوقوف معهم في حال المصيبة ووقت نزول الشدّة وإذا كان المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ اشتكى كلّه ، فالمسلم بمقتضى ذلك متضامن مع أخيه المسلم في أي بلد وأي قطرٍ من الأقطار ، بالدعاء ومد يد العون له عند الحاجة ، وإن إخوانكم في السودان اليوم يُعانون من ويلات حرب شبّت بين أطراف بعضُها بغى على بعض ونتج عن ذلك الصراع منكوبين لا ومشردين ومرضى تشتتوا في البلاد بسبب الإجرام والفساد ، وقامت هذه الدولة ولله الحمد بإيواء اللاجئين منهم والمفارقين لأوطانهم  وتوفير مايحتاجونه كل ذلك يتم امتثالاً لتوجيهات الدين الحنيف كما قال صلى الله عليه وسلم : " عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني " وقوله عليه الصلاة والسلام : " المسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يُسلمه " ومعنى : " لايُسلمُه " لايتركه ولا يتخلّى عنه دون أن يُعينه ولايتركه مع من يؤذيه دون أن يحميه ، فيجب مد يد العون لهم والمساهمة في الحملة الشعبية لإغاثة الشعب السوداني وذلك عن طريق منصة ساهم التي خصصتها الدولة لمثل هذه الحملات وهي جسر تواصل وباب عون لإخواننا في كل مكان وتذكروا قولَ ربنا جل وعلا : ( قل إن ربي يبسط الرزق لم يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يُخلفه وهو خير الرازقين ) وقولَ المصطفى عليه الصلاة والسلام : " من يوم يُصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدُهما : اللهم أعطِ منفقاً خلَفا ، ويقول الآخر : اللهم أعطِ مُمسكاً تلفا " وتذكر عون الله لك مادمت في عون أخيك ونعمة الله عليك بالعافية والغنى وسلامتك من البؤس والعناء ، ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمر الله حيث قال جلا وعلا : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

الأحد، 30 أبريل 2023

خطبة عن الروح وماورد فيها ومآل الأرواح

الحمد لله الخالق القدير السميع البصير الذي خلق فسوى وقدر فهدى وإليه المصير والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً دائمين دائبين إلى ماشاء ربنا العلي الكبير أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون وسبق المفردون ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الروح ؟ وما أدراك ما الروح ؟ خلقٌ من خلق الله مُعجزٌ دال على عظيم القدرة وعزيز القوة وجبروت العظمة لله القوي القهار البديع الذي لاتُدركه الأبصار ولايخفى عليه مايكون في السماء ومايدب على الأرض في الليل والنهار .

إن الروح - ياعباد الله - من أمر الله ومن خلقه وبديع صعنه البارع المبهر الذي يأخذ بالألباب ,العقول ويدهش أولي الأحلام والنهى لايعرف كنهها إلا الله ولا حقيقة خلقها إلا هو ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) والروح وردت في القرآن بمعانٍ منها : روح الإنسان أي نفسه التي بين جنبيه وكذلك تأتي بمعنى الوحي حيث يقول جل وعلا : " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ماكنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه روحاً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " والروح الأمين هو جبريل عليه السلام الذي نزل بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ( نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربي مبين ) وسماه أيضاً روحُ القُدس وأيد عيسى به عليه الصلاة والسلام فقال جل وعلا : ( إذ قال الله ياعيسى ابنَ مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتُك بروح القُدُس تُكلم الناس في المهد وكهلا . . ) الآية والقُدُس والقداسة هي النزاهة والطُهر ، و
جبريل عليه السلام هو أعظم الملائكة خلقاً وأعظمهم مكانة ورفعة عند ربه وهو الموكل بالوحي ورسولُ الله لأنبيائه ورُسله عليهم الصلاة والسلام وصفه ربه بأنه ( شديد القُوى * ذو مرّة فاستوى ) والمقصود بالمِرّة أي الخلْقُ الحسن حيث أنه استوى في الأفق لنبيا بادياً خلقَه لنظره عليه الصلاة والسلام قد سدّ خَلْقَه مابين السماء والأرض ، ومن مكانته عند ربّه أن الله يضيفه لنفسه فقال في شأن مريم عليها السلام  : ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويّا ) فقام بالمَهمَّة وهي النفخ في جيب البتول عليها السلام فحملت به وذلك آية من آيات الله البارئ المصور القدير القادر الذي لايُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .وقد تُسمّى رحمةُ الله رَوحاً كما قال يعقوب عليه لبنيه : ( يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسفَ وأخيه ولا تيأسوا من رَوح الله إنّه لاييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون )   

عباد الله : من تأمل خلق عيسى عليه السلام ونفخَ روحه في بطن أمه يجد عجباً وقدرة قادرعظيم جعله الله وأمه آية للعالمين وحُجة على قدرة رب العالمين وعبرة للمتأملين ، وليس ذلك بأعجب من خلق آدم الذي خُلق بلا أب وأم ، وإن كلامَه عليه الصلاة والسلام في المهد حجةٌ على اليهود وعلى بني اسرائيل وإحيائه للموتى وخَلْقِه من الطين كهيئة الطير ونفخه ليكون طائراً وإبرائه الأكمه - وهو الذي ولد أعمى - والأبرص وإحيائه للموتى وكل ذلك بأمر الله وقدرته لاقدرة غيره من البشر مهما كانت وجاهتهم كل ذلك حجة على أهل الكتاب خاصّة في زمانهم وحجة على العالمين لمن جاء بعدهم ، وضربَ الله جل وعلا مثلَه في القرآن ( إن مَثل عيسى عند الله كمثل آدم خلَقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكوننّ من المُمترين ) فهذا الحق الماضي إلى يوم القيامة وهذا هو الطريق الأبلج الذي لامراء فيه ، وقد قطع الله حُجة المحاجين في عيسى السلام حيث يقول الحق تبارك وتعالى : ( فمن حاجّك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفُسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) والمقصود بالمباهلة : هي حلفُ فريقين بالله العظيم على أن مايدعيه ذلك الفريق هو الحق ، ففريقٌ على الحق وكذلك أنبياء الله ورسله وأوليائه وفريقٌ على الباطل وهو الخصم المعاند المُكابر ، والعادة أن الفريق الكاذب المُباهل لاتمضي سنة وهو حي ، فيفنى قبل نهاية الحول وذلك آيةٌ من آيات الله فلهذا يخاف أعداء الله من المُباهلة ويرون أنها ماحقة حتى للنسل ، وكذلك أمر الله نبيّه أن يباهل نصارى نجران عندما دعاهم النبيُ صلى الله عليه وسلم إلى الحق فأبوا وزعموا أنهم على الحق وكابروا فلم يدخلوا في دين الله ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه نساءَه وفاطمةَ والحسنَ والحسينَ فأشار إليهم شُرَحْبِيل بن وداعة الهمداني وكان من أسيادهم ومعه صاحبان له من أشرافهم وقال لهم : " إني والله أرى أمراً ثقيلاً ، إن كان هذا الرجل - أي النبي صلى الله عليه وسلم - مَلكاً متقويّاً فكنا أول العرب طعن في عينه ورد عليه أمره لايذهبُ لنا من صدره ولا من صُدور قومه حتى يُصيبونا بجائحة ، وإنّا أدنى العرب منهم جواراً ، وإن كان هذا الرجل نبياً مُرسلاً فلاعنّاه فلا يبقى على وجه الأرض منّا شعرة ولاظفرٌ إلا هلك " فقال له صاحباه : فما الرأي قد وضعتك الأمور على ذراع فهات رأيك ؟ فقال : " رأيي أن أحكّمه فإني أرى رجلاً لايحكم شططا أبداً " فقالا له : أنت وذاك ، فلقي شُرَحبيل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إني رأيت خيراً من ملاعنتك " فقال : " وماهو " فقال : " حُكمك اليوم إلى الليل وليلتُك إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز " وقوله ذلك إقرار منه عن قومه بالجزية المفروضة على أهل الكتاب كما هو في كتاب الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعل وراءك أحداً يثرّب عليك " فقال له شرَحبيل : " سل صاحبيّ " فسألَهما فقالا : " مايرِد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شُرحبيل ، فحكم النبي عليه الصلاة والسلام عليهم بالجزية ورضَوا بها ورجعوا إلى نجران بعدما كتب لهم كاتب النبي صلى الله عليه وسلم بالجزية بأمر منه على كل مال لديهم .

عباد الله : قد يطعن النصارى أو اليهود في دين الله ممن يتَتَبّع الشُبه فيقول إن عيسى روحٌ من الله ومن هنا أتت للتبعيض أي أن عيسى المسيح بعضٌ من الذات الإلهية كما قال الله تعالى في كتابه : ( إنما المسيح عيسى ابنُ مريم رسول الله وكلمتُه القاها إلى مريم وروحٌ منه . . ) وقولُهم ذلك باطل ينفيه النقل والعقل فالنقل كما ورد في كتاب الله مما سبق ذكره : ( إن مثلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) وأما العقل فإن الذات الإلهية الكاملة في العقل البشري لايُمكن أن يكون لها شبيه ولا نظير ولا ندٌ ولا ولد ولو كان كذلك للزم توارث الملك واختلافه ولزم من ذلك أن يلحقَ الذات الإلهية الموت ، وهذا مُحال لايقبله العقل ولا المنطق فالأرواح التي تتولد منها أرواح مثلُها تفنى مع مرّ الزمان كما هي الأرواح من البشر والجن والحيوان الذي جعلهم الله خلائف في الأرض تعالى الله ربنا عن ذلك وعن قول كل ظالم يقول على الله بغير علم ولذا وبّخ الله كل مشرك الذي يزعم أن الملائكة بنات الله أو يزعم أن لله ولد بقوله : ( قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني له مافي السماوات ومافي الأرض إن عندَكم من سلطان بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون ) فالخلاصة أن إضافة الروح لله في الآية هي إضافة تشريف لاتبعيض بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود .

============= الخطبة الثانية ==============

الحمدلله أهلُ الثناء والحمد بيده الخير والسعد ، لامانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع ولا ينفع ذا الجَدّ منه الجَد والصلاة والسلام على رسول الله الذي بُعث بالوعيد والوعد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضائل والمجد وعلى من تبعهم بإحسان ٍإلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من يتأمل آية الميثاق وهي قول الله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريَّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) يجد أن الأرواح مخلوقة قبل خلق الأجساد ، فكل بشر خُلقت روحه قبل جسده إلا آدم عليه السلام فقد خُلق جسده قبل روحه بنص قول الله تعالى حيث يقول : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكةُ كلُّهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ) . 
عباد الله : روى الإمام البُخاري رحمه الله في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الأرواح جنودٌ مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وذكر النووي في كتابه : " المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج " قال : " يقول أهل العلم : جموعٌ مختلفة - أي الأرواح - أو أنواعٌ مختلفة وأما تعارفُها فهو لأمر ٍجعلها الله عليها وتناسُبها في شِيمها ، وقيل لأنها خُلقت مجتمعة ثم فُرّقت في أجسادها ، فمن وافق بشيَمه ألِفه ، ومن باعدَه نافره وخالفه " وقال الخطابي وغيرُه : تآلفُها هو ماخلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ وكانت الأرواح قسمين متقابلين . 
 فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ماخُلقت عليه ، فيميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الأشرار وكذلك معشر الإخوة تآلفُها في الطباع وهذا مُلاحظ فالنفس تميل لمثل طباعها وفي مُسند أبي يعلى الموصلي عن عمرة بنتَ عبدِالرحمن رحمها الله قالت : " كانت امرأة مزّاحة بمكة ، فنزلت على امرأة مثلَها في المدينة فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت : " صدق حُبي " - تعني رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وما ذكر في الحديث عليه الصلاة والسلام  . 
 وكذلك تميل الأرواح لمن يُلاينها في الكلام وتكره الفضاضة وهذا  يُبين أثرَ الكلمة في النفس والأرواح ، ولذا من أطاب الكلام كان له غرف في الجنة يُرى ظاهرها من باطنها وباطنُها من ظاهرها كما ورد المصطفى عليه الصلاة والسلام جعلنا الله وإياكم منهم ثم صلوا وسلموا على النبي المصطفى والنبي المجتبى كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه حيث قال عزّ من قائلٍ عليما : ( إنّ الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما ) 

الخميس، 20 أبريل 2023

خطبة مختصرة ليوم الجمعة إذا وافق يوم عيد

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله  - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )
عباد الله : مجالس العيد مجالس أنسٍ يتجاذب بها المتجالسون من الأرحام وغيرهم أطراف الحديث فيسأل بعضهم بعضاً عن حالهم وأوضاعهم ويدعو بعضهم لبعض بصلاح الأحوال وبقبول العمل الصالح ويدار فيها بما لذ وطاب من طيب المأكولات والمشروبات وهي تذكر بمجلس أهل الجنّة واجتماعهم على سرر متقابلين ينزع منهم كل غل وضغينة فتلك هي الفرحة الحقيقة التي ينبغي على العبد أن يسعى لها ( إن المتقين في جنات وعيون * ادخلوها بسلامٍ آمنين * ونزعنا مافي صدورهم من غلّ إخواناً على سرر متقابلين * لايمسهم فيها تنصب وماهم منها بمخرجين ) وقال في سورة الصافات ( إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزقٌ معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنّات النعيم * على سرر متقابلين * يُطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذّة للشاربين ) . 
عباد الله : من الجدير بالذكر أن يراعي المتجالسين حدود الله وخصوصية الناس أثناء الحديث فمن أهم مايجب اجتنابه الغيبة والنميمة ، فهي فخٌ قلّ من يسلم منهما امرؤ مسلم والغيبة هي الأكثر وقوعاً وهي مسلكٌ عاقبته دينٌ يؤخذ من من أعمال العبد ، فكن أخي حريصاً غيوراً على عملك الصالح الذي تجمعه وتفرّقُه على من اغتبتهم وتناوشت أعراضهم بالسلب والثلب ، فالعاقل المؤمن الفطِن يحفظ عمله الصالح ويتقرب إلى الله بهجر المعاصي والمهاجر من هجر مانهى الله عنه كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام . 
ثم إنه ينبغي لمن يرتاد المجالس أن يراعي خصوصية الناس وحال المتحدث معه فلا يتدخل فيما لايعنيه أثناء الحديث ولا يفتش عن عورات الناس ولا يُلقي الكلام على عواهنه فيجرح غيره بكلامه وهو لايشعر ، فربما حملها السامع في قلبه ردحاً طويلاً من الزمن ، فالنفوس تختلف والقلوب تختلف فتجب مراعاة السامع ، وإن الصمت لخير من لغو الكلام فإنه ليس عضو أحق بطول سجن ٍمن اللسان وكما قال بعض الحكماء عن اللسان : " ربّ منطق صدّع جمْعا ، وسكوت شعب صدعا " والعاقل لايهذي بكل شيء وإن من تمام العقل قلة الكلام ، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " إذا تمّ العقل وكمُل نقص الكلام " أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
=============== الخطبة الثانية ================
الحمد وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده وبعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - وإنه مما ورد عند البيهقي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مِرار : " رحم الله امرأ تكلم فغنم أو سكت فسلم " ويرويه الحسن البصري مرسلا 
قال الماوردي عن هذا الحديث : يشير به إلى أن الكلام يعبّر عن مستودعات الضمائر ويُخبر عن مكنونات السرائر لايمكن استرجاع بوادره ولا يقدر على دفع شوارده ، فحُق على العاقل أن يحترز من زللــه بالإمساك عنه أو الإقلال منه ، قال علي رضي الله عنه : " اللسان معيارٌ أطاشه الجهل وأرجحه العقل " . 
عباد الله : مما يجدر التنبيه له أن بعض الناس لايوفق بين راحة بدنه في هذه الأيام والحرص على الصلاة وخصوصاً صلاتي الظهر والعصر وهو خطأ جسيم ينبغي للمسلم أن يحرص على حضور الصلاة مع الجماعة فإن إهمال البعض لها بحجة التعب والسهر ليس مبرّراً شرعيا لتضيع الصلوات والنبي أخبر كما في الحديث أن من فاتته صلاة العصر فقد حبط عملُه فليس ذلك بالأمر الهيّن حفظ الله علينا فرائضه أن تضيع وحدود أن تُضّع إنه جواد كريم . . 
ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير كما أمركم ربكم فقال عز شأنه : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) 

الأحد، 2 أبريل 2023

خطبة أخرى عن العشر الأواخر من رمضان وزكاة الفطر

الحمدلله الذي من على عباده بالفضائل والخيرات أحمده فهو أهل الثناء والمكرمات وأشكره على تتابع العطايا والهبات والصلاة والسلام على المبعوث للخلائق والبريّات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل السلام والتحيات من رب الأرض والسماوات أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فقد فاز المتقون وسبق المفردون ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : من منّ الله عليه بإدراك مواسم فاضلة وأوقات جليلة فمن الحرمان والخسران أن يتشاغل عن العمل الصالح فيها وبذل الخير وتقديم الصالحات طلباً لرضا رب البريات فالعشر الأواخر من رمضان التي نعيش اليوم بموسمها المبارك فرصة عظيمة لتدارك الأعمار قبل الفوات والخسار فمن أعظم الخذلان أن تنسلخ هذه العشر أو ينسلخ رمضان ولم يُغفر لك وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رغِم أنفُ رجلٍ ذُكرت عنده فم يصلّ عليّ ورغم أنفُ رجل دخل عليه رمضان ثمّ انسلخ قبل أن يُغفر له . . " أخرجه الترمذي .

 عباد الله : العشر الأواخر من رمضان تمتاز عن بقية الشهر بوجود ليلة من أعظم الليالي ألا وهي ليلة القدر حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تُلتمس في العشر الأواخر ففي حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان ، فاعتكف عاماً حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال : " من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، فقد أريت هذه الليلة ثم أُنسيتُها ، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر " فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش ، فوكف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين " وقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالايجتهد في غيرها من بقيّة الشهر وقد ( كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين - أي من رمضان - بصلاة وصوم ونوم فإذا كان العشر شمّر وشد المئزر ) كما روته عائشة رضي الله عنها ورواه أحمد رحمه الله في مسنده ، وفي الحديث المتفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم بن الحجاج أنه : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر " وأما شدّهُ للمئزر فهو كناية عن التفرغ للعبادة واعتزال النساء في هذه الأيام الفاضلة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضيلة الرباط وأن من اعتكف في المسجد فهو ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون أجره كأجر المرابط في سبيل الله ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أدلكم على مايمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ " قالوا : بلى يارسول الله ، قال : " إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط " فسمّاه رباطاً عليه الصلاة والسلام لفضله وثوابه . 

عباد الله : الناس في هذه الحياة إما أن يتقدم أو يتأخر ، فيتقدم بفعل الطاعة ويتأخر بفعل المعصية ويتقدم بصعود الدرجات في الجنان أو يتأخر بنزولٍ في دركات الجحيم أجارنا الله وإياكم ( لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخر ) وهذا الأمر يحفّز ابن آدم على المسابقة للخيرات وتنظيف الصحائف من الذنوب والسيئات صغيرها وكبيرها طمعاً في رضا ربه ومولاه ، وموسم رمضان موسم الإقلاع عن الذنوب وخصوصاً الكبائر منها ، فلا خلاص من عذاب الله يوم القيامة إلا بترك الكبيرة واجتنابها ( إن تجتنبوا كبائر ماتُنهون عنه نكفّر عنكم سيئاتكم ونُدخلكم مُدخلاً كريما ) وإن هنا شرطية فإذا تحقق الشرط حصل التكفير وإن لم يتحقق لم يحصل ، فينبغي أن يحرص العبدُ كل الحرص على اجتناب الكبائر التي توبق وتُهلك الإنسان ، وقد سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم الموبقات ( اجتنبوا السبع الموبقات . . ) فمن كان مصرّاً على كبيرة فليدَعْها مادام في زمن الإمهال وباب التوبة مفتوح ولن يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها ، والله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسُط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفرُ الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن ياتيكم العذاب ثمّ لاتُنصرون ) . . وكذلك الإصرار على الصغائر أمره عظيم وفي الحديث : " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن حتى يُهلكنه " فأكثروا من الإستغفار وطلب العفو فما عُبد اللهَ في هذه الأيام بأفضل منه ، تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر ماأقول فيها ؟ " قال : " قولي اللهم إنك عفو تُحب العفو فاعف عنّي " ..  فكونوا أكياساً فُطَناً - ياعباد الله - ولا تكونوا عاجزين فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية ==============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين . . أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الله افترض عليكم صدقة هي خيرٌ لكم من أنفَس الأموال وخيرٌ لكم من حُمُر النَّعم وهي زكاة الفطر أو صدقة الفطر وفي الحديث المتفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أنه قال : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو قال رمضان على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير . . " وكثيراً مايُطلق اسم الصدقة على الزكاة ، وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : " فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم " .. ولا تؤدى على الصحيح إلا للفقير والمسكين فقط دون أصحاب الزكاة الآخرين من الأصناف الثمانية التي ذكرهم الله في كتابه ، والأفضل أن تُؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة وهو وقت الفضيلة ، فمن فعل ذلك فقد أصاب السُنّة ، ويجوز أن تدفع للفقير أو المسكين قبل العيد بيوم أو يومين ، ولا يجوز دفع القيمة لصريح الحديث فقد حصرها في الطعام دون غيره وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء قديماً في المملكة ، حيث قالت : " ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقوداً ، لأن الأدلة الشرعيّة قد دلّت على وجوب إخراجها طعاماً ، ولا يجوز العدولُ عن الأدلة الشرعية لقول أحدٍ من الناس " ومقدارها حوالي ثلاثةُ كيلوّات من قوت البلد جبراً للكسر ، وهي تجب عليك أخي الصائم ومن تعول ويُتستحب إخراجُها عن الجنين في بطن أمّه . . فطيبوا بها نفساً وهي غُنية للفقير والمسكين عن السؤال في هذا اليوم . . أغنانا الله وإياكم وفقراء المسلمين من واسع فضله وعطائه إنه جوادٌ كريم . . ثم صلوا وسلموا على المصطفى البشير والسراج المنير فقد قال عز من قائلٍ وتقدس : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً ) 

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...