الأحد، 7 أغسطس 2022

خطبة عن قصة قارون والفتنة بالمال

 الحمدلله العلي الحكيم ، القوي العظيم ، الذي خلق للبشر مافي الأرض جميعاً وهو السميع العليم ، والصلاة والسلام على النبي الكريم ، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أفضل الصلوات والتسليم أما بعد : 

فاتقوا الله -عباد الله - واتخذوا كل وسيلة تقربكم من الله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تُفلحون ) ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : المال نعمة من الله ، من استعمله في طاعة الله وأدى ماافترض الله عليه كان نعمة لذلك العبد وخير له ، وزاده الله من فضله ووسع عليه في رزقه ، وكما ورد في الحديث : " مانقص مالٌ من صدقة ، بل تزده بل تزده " ويؤتي سبحانه من ينفق الضعف في الدنيا ، وأضعافاً في الآخرة والله يضاعف لمن يشاء ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) والذي يتصدق بما هو فوق الزكاة الواجبة فهو مبشّرٌ بالمضاعفة الكثيرة والنعيم والخير كما قال الله تعالى :  ( من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثير والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ) . 

عباد الله : إن هذا المال فتنةٌ وامتحانٌ لكثير من خلق الله الذين لايؤدون حق الله فيه ، بل سخروا هذا المال في شهواتهم ولخدمة مصالحهم التي بعضها يهدم الدين والأخلاق في مجتمعنا ويُدّمر القيم والمبادئ لمجرد أن ذلك يوافق مافي نفوسهم من الشرّ والباطل ، وقد ضرب الله في كتابه المجيد مثالاً لمن كان المالَ له فتنة وجعله مثلاً للعالمين وهو قارون الذي كان من قوم موسى وقد ذكر أكثر أهل العلم كما أورد ذلك الطبري في تفسيره أن قارون كان ابن عم موسى لأبيه وأمه وهو قول ابن جريج وأنه بغى وتكبر ورزقه الله مالاً عظيماً كما قال الله تعالى : ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة أولي القوة ) أي يستثقل حمل مفاتيح الكنوز الجماعة من الرجال الأشداء الأقوياء أوصلهم بعض المفسرين إلى أربعين رجلاً كابن عباس والضحاك وغيرهم وقال بعض المفسرين أن تلك المفاتيح تُحمل على ستين بغلاً من كثرتها ، هذا شأن المفاتيح فما بالك بالكنوز نفسها والجواهر الثمينة التي أوتي  . 

لقد كان قارون جاحداً لنعمة الله تعالى ، مانعاً لحق الله في ذلك المال ، ولقد كان يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله مع ماجمع في قلبه من الكبر والغطرسة ، فتمادى به الحال وكفر بنعمة الله تعالى وأعرض عن الله وعن نبي الله موسى عليه السلام الذي أمره بالحق وباتباع صراط الله المستقيم ، ونصحه أهل الصلاح والخير من قومه بعدم الفرح وهو فرح الطغيان والأشر وأن يتخِذ هذا المال في العمل للدار الآخرة وأمروه بالإحسان وعدم طلب الفساد في الأرض فما كان منه إلا أن جحد فضلَ الله تعالى ونسب ذلك المال لعلمه وفضله فقال : ( إنما أوتيتُه على علمٍ عندي ) وهكذا كان كثيرٌ من الناس ممن أضل الله قلوبهم لاينسبون الفضل لله أولاً ثم لأنفسهم  حينما تُفتح عليهم الدنيا بل ينسبونه لجهدهم وعلمهم وسعيهم والله يُمهلهم ويحلُمُ عليهم ، وقد بين الله هذا في كتابه : أن أناساً من هذه الأمة سيصيبهم مثل ماأصاب قارون كما قال الله تعالى : ( فإذا مس الإنسان ضرٌ دعانا ثم إذا خوّلنا نعمة منّا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثر الناس لايعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون * فأصابهم سيئات ماكسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيُصيبهم سيئات ماكسبوا وما هم بمعجزين )  فلما أعرض قارون كان جرمُه ليس بعيداً عن جرم فرعون وهامان ولذا ضمّه الله معَهُما في معرض الآيات فقال جلّ وعلا : ( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين ) . 

عباد الله : خرج قارون ذات مرّة متباهياً متعالياً بزينته متكبراً ، فكان الناس وهم ينظرون إليه على فريقين فريقٌ يتمنى مثله ويريد أن يتباهى مثل ماكان يتباهى قارون أمام الناس ، وفريقٌ ممن أوتي العلم ينصح ويعظ أولئك الذين يتمنون  مثله ويقولون : ( ويلكم ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا يُلقّاها إلا الصابرون ) أي لايتعظ ولا يعتبر بهذه الدنيا ولا يزهد بها إلا من صبر وهجر زهرتها وأعرض عنها ، فهذه الدنيا ملعونة ، كما أخبر المصطفى عليه السلام زينتها غرور وصفوها كدر، وعيشها الحلو يعقُبُه المر ، فما كان من رب العزة والجلال إلا أن خسف به وبداره الأرض فصار عبرة وعظة للمعتبرين ، والشقي من وُعظ بنفسه والسعيد من وُعظ بغيره ، ومثل هذا الفعلِ يتكرر عبر الأزمنة من التعالي والغرور والإعجاب بالزينة والفخر والخيلاء الذي يصحب ذلك ، كل ذلك تكرر في أمم قبلنا وربما يتكرر في هذه الأمة ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجلٌ يمشي في حلّة تعجبه نفسه ، مرجّلٍ رأسه ، يختال في مشيته إذ خسف الله به في الأرض إلى يوم القيامة " ، وفي آخر الزمان يكثر الخسف كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام خسفٌ إنفرادي وجماعي ففي حديث عمران بن حُصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذف " فقال رجلٌ من المسلمين : يارسول الله ومتى ذلك ؟ قال : " إذا ظهرت القينات والمعازف وشُربت الخمور " أخرجه الترمذي 

ولذا كان الإسبال محرماً لأنه بابٌ للخيلاء والغرور والإختيال وهو كبيرة من كبائر الذنوب ، صاحبَه خُيلاء أم لم يُصاحبه والخيلاء مع الإسبال أشد إثماً وأعظمُ جُرماً ، فالحذر من كل مايُسخط الله ويغضبه من هذه الموبقات التي تُوبق العبد وتُهلكه وتورده جهنم وبئس القرار ، فاللهم اعصمنا من كبائر السيئات ، واحفظنا من المعاصي في الجلوات والخلوات يارب الأرض والسماوات ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية =============

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولاعدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات والتسليم أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى طاعة لله وقربة ، وحصنٌ من الشر وعصمة ، واعلموا أن النية في المال وتمني المال ليُستخدم في الطاعة والقربة إلى الله عز وجل  ينزِّلُ صاحبه منزلة الصدوق التاجر ذو الثراء المتصدق ، إن نوى العبد ذلك نيّة جازمة لا تصنّعَ فيها ولا كذب ، ففي حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أحدثكم حديثاً فاحفظوه ،إنما الدنيا لأربعة نفر : عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربّه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبدٌ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النيّة يقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان ، فهو بنيته فأجرهما سواء ، وعبدٌ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبِطُ في ماله بغير علم لايتقي فيه ربَّه ولا يصل فيه رحِمَه ولا يعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأخبث المنازل ، وعبدٌ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرُهما سواء " أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . 

وهذا الحديث جامع شامل لأحوال الناس مع المال والعلم وثوابهم بحسب نيّاتهم ، فمن نوى تسخير المال في الخير ووجوهه المتعددة  ولم يأبهُ يكن حريصاً على جمع المال ولم يُفتن بالدنيا ويتمنى ذلك المال من أجل البذل وفعل الخير بنية صادقة فأجره كمثل ذلك التاجر المتاجر مع الله  ، ولو لم يملك ذلك المال وذلك الثراء وكذلك العكس فمن نوى تسخير المال في وجوه الشر والفساد والباطل فهو ومن ينوي مثله بشر حال نسأل الله العفو والعافية . 

وهذا - ياعباد الله - يدلل على أهمية مراجعة القصد والنية في التعامل مع المال بالجملة ، ويحث على تصحيح النوايا والمقاصد ، ولذا كان السلف يحرصون تمام الحرص على تصحيح نيّاتهم وتعاهُدها لكي تستقيم لهم ، فكانوا بحق أسلم الأمة قلوباً وأعظمها نيّة ونفعا ، بل ويحثون على تعلم النيّة كما يُتعلّم العمل ، يقول سفيان الثوري رحمه الله وإيانا أجمعين : " كانوا - أي السلف - يتعلمون النيّة للعمل ، كما تتعلمون العمل " ويقول يحي بن أبي كثير : " تعلموا النيّة فإنها أبلغ من العمل " 

ومن النصوص النبوية التي تضبط تعامل المسلم  مع المال بشكل عام حديث سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه عبدالله بن عمر عن أبيه عمر رضي الله عن الجميع أنه كان يقول : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقرُ مني ، فقال : " خذه ، إذا أتاك من هذا المال شيء وأنت غير مُشرف ولا سائل فخذه ، فتمولّه ، فإن شئت كُلْه ، وإن شئت تصدّق به ، ومالا فلا تُتبعه نفسك " متفق عليه ، فكان عبدالله بن عمر لايسأل أحداً شيئاً ولا يردّ شيئاً أُعْطِيَه ، ومعنى مُشرف : أي متطلّع لذلك المال متلهفة نفسُك للحصول عليه  . 

والحديث دلّ على النهج النبوي الذي ينبغي أن يتخذه العبد في التعامل مع الأعطيات والهبات كافة من ولي الأمر ومن دونه من الناس ، وأما من يتخوّض في مال الله فيصرفه في غير مصارفه الشرعية أياً كانت فما لَه يوم الدين إلا عذابَ الجحيم بنص قول النبي الكريم : " إن أناساً يتخوّضون في مال الله يغير حق فلهم النار يوم القيامة " رواه البخاري .

فليحذر العبد من الخوض في المال العام فهو مُحاسب ومسؤول ولا يُنجي حينها لاجاه ولا نسب ولا منصبٌ ولا حسب .

اللهم سلمنا من الشرور والآثام ومن كل مايسخطك ياعفو ياسلام ، ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليماً : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) 

الاثنين، 18 يوليو 2022

خطبة عن الوصية وجوبها وآثارها ومنافعها

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : لكل بداية خاتمة ولكل حادثة وقتٌ وزمان ولكل حي فناء وزوال ولكل حياة نهاية وموت فهذه سنة الله في الحياة وفطرته ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم  . . ) ومادام الأمر كذلك فلا بد أن يكون الإنسان على حذر في هذه الحياة مما يكون له في مستقبل أمره في فترة مابعد الموت خاصّة والمؤمن كيّسٌ فطن ومن الحذر الذي هو من شيمة المؤمن الوصية ، فالوصية فيها حفظٌ لحقوق النفس ولحقوق الأهل والأولاد والناس الذين يرتبط معهم الموصي بحقوق واجبة وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماحق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " زاد مسلم : قال ابن عمر : " مامرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي " متفق عليه . 

عباد الله : كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة ثمّ قال بعض أهل العلم أن ذلك نُسخ ففي الآية التي سورة البقرة : ( كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين * فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبلونه إن الله سميع عليم ) حيث أن هذه الآية نُسخت بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقه فلا وصية لوارث " أخرجه أبوداود في سننه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، وقد اشتُرط في النسخ أن لايُمكن الجمع بين الدليلين ، فإن أمكن الجمع بين الدليلين فإنه لايُصار إلى النسخ ، ويمكن الجمع بين الدليلين دليل الكتاب والسنة في هذه المسألة ، وذلك أن الوصية تكون للوالدين الأباعد ( وهم الأجداد والجدات )اللائي لايرثون أو من حُجب بوصف ، وليس المقصود بذلك من كان من الورثة الذين يرثون سواء كان بفرض أو تعصيب ، وبهذا الجمع تجتمع الأدلة ويُعمل بالدليلين  .

عباد الله :  الوصية ياعباد الله خلاص من المشاكل وردٌ للحقوق وتخلّصٌ منها ، فكم ضاعت حقوقٌ بسبب التفريط في كتابتها وإثباتها ، والله امر بكتابة الديون حين قال في أطول آية في كتاب الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بنكم كاتب بالعدل . . ..) الآية ، وإنك لتعجب من أناس ٍ غارقين في الديون إلى هام رؤوسهم ولايوجد عنده سجلٌ أصلاً بالمديونيات التي عليه ، فهذا ماحاله إذا فاجئه الموت وما حاله بعد الموت ، مع علمه أن الدين لايغفره الله مهما كانت الأسباب حتى تُرد الحقوق إلى أصحابها ولو مات شهيداً وقُطعت أوصاله في سبيل الله ، وفي الحديث عند مسلم من رواية عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَّين " وفي رواية : " القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين " . 

إخوة الإسلام : لزوم الحد الشرعي وعدم التجاوز في الوصية أمرٌ واجب ، فالجور في الوصية والظلم أمرٌ خطير يورد الجحيم وفي الحديث في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "  إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضُرُهما الموت ، فيُضارّان في الوصية ، فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه وعنا أجمعين راوي الحديث : ( من بعد وصية يُوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليمٌ حكيم * تلك حدود الله . . ) الآية  ، وعند الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف في وصيته فيُختم له بشرّ عمله فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيُختم له بخير عمله فيدخل الجنة ، ثم قال : واقرؤا إن شئتم : ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يُدخله ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مهين )  . 

فالحذر من الجور في الوصية فالجور في الوصية يُفسد مابين الورثة ويورث الخصومة والتنازع والتدابر والتقاطع وهو كبيرة من كبائر الذنوب وسبب من أسباب عذاب القبر ودخول النار أجارنا الله وإياكم ، والعقوبة تشمل المُوصِي والمُوصى الذي ربما حرّف في الوصية وبدّل ولذا قال الله في هذا الشأن : ( فمن بدّله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميعٌ عليم ) ، والساكت عن الجور في الوصية بعد علمه من الورثة يناله مايناله من العقوبة ، ولذا يجب على من حضر الوصية أن ينصح المُوصي ويخوفه بالله قبل موت الموصي وأما بعد موته فيعظ الورثة أن لايمضوا هذه الوصية التي فيها جور وظلم وأن يُصلح بينهم وذاك قول الله تعالى : ( فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفورٌ رحيم ) والجنف هو الوصية بجورٍ جاهلاً بالحرمة والوعيد ، وأما الإثم : فالمقصود به أن يوصي وصية جورٍ عالماً بالوعيد متعمداً ، وهذا يدلّ على أن الورثة إذا أمضوا الوصية يطالهم الإثم لأن الله استثنى المُصلح فقط بينهم والذي لايرضى بالظلم والعدوان فهو الذي يسلم من الوعيد فينبغي أن يحذر العبد من كل مالٍ أو مكسبٍ لايحل له ليسلم من عذاب الله ووعيده في الدنيا والآخرة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي شرع فأحكم وبيّن وأعلم  وهو العلي الأكرم ، والصلاة والسلام على نبي الرحمة المعظّم ورسوله المكرّم وعلى الآل والصحب الذي تفضل الله عليهم وأنعم وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

عباد الله : الوصيّة منها ماهو واجب ومنها ماهو مستحب مندوب ومن الوصية ماهو محرّم وإثم فالواجب في الوصية أن يوصي بأداء ماعليه من حقوق ويذكر تلك الحقوق ويثبتها بالتفصيل ويبين أنه حين أوصى أنه في كامل عقله ولايلزم وصيته في حال صحته عندما تكون عليه حقوق ٌ واجبة، ومن الوصية ماهو مستحب كأن يوصي لنفسه بأن يُتصدق له على فقير أو يُبني مسجداً أو يدعم مشروعاً خيرياً أو يُفطّر صائم أو نحو ذلك بثلث ماله فأقل فهذا عملٌ صالح مسنون وهو مما يقدمه المرء في حياته ليجد ثوابه بعد مماته ، ومن الوصية ما هو محرم وإثم كأن يوصي بأكثر من الثلث بعد موته فلا يُعمل بهذه الوصية إلا بإجازة الورثة ، فإن أبوا فلا تمضي هذه الوصية إلا بالثلث من ماله فما دونه ، ومن الوصية المحرمة الوصية بحرمان وارث من الإرث حتى لو كان أبوه يكرهه أو كان الإبن عاقاً ، أو أن يوصي لشخص غير وارث أو وارث بأكثر من الثلث وكذلك الوصية للوارث لاتصح إلا إذا أجازوه الورثة لقوله صلى الله عليه وسلم : " لاوصية لوارث إلا أن يُجيز الورثة " رواه الدار قُطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه   

عباد الله : الإشهاد حين الوصية الشفوية أمرٌ واجب وكذلك حين الكتابة لقول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيُقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قُربى ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين * فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيُقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ومااعتدينا إنا إذا لمن الظالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن تُرد أيمانٌ بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لايهدي القوم الفاسقين ) وهذه الآية تدلل على أهمية الشهادة في الوصية وأنها تكون برجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترتتضى شهادته  ، علماً أن المرأة لاتُقبل شهادتها في الحدود خاصة وتُمضى شهادتها في الأموال ، بل إنه يُقبل في الحقوق والأموال شهادة الرجل مع يمين المدّعي وشهادة المرأتين مع يمين المدّعي على الصحيح وهو قول شيخ الإسلام وجمعٌ من أهل العلم وعلى رأسهم الشيخ ابن بازٍ وابن عثيمين رحمهم الله وإيانا اجمعين ، ومن أهمية الشهادة أن الله رخص في قبول شهادة من لم يكن على دين الإسلام إن احتيج له في حال الموت والإحتضار لقول الله تعالى : " اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت . . " الآية فيُحبس الشاهدان من بعد صلاة العصر - وهي الصلاة المذكورة في الآية - فيُقسمان بالله على أداء الشهادة على وجهها وعدم التزوير أو التغيير فيها ، فإن بدلا أو غيّرا في الشهادة فيقوم بدلُهما اثنان فيشهدان أنهما غيرّا وبدلا في الشهادة فتُسقط شهادتُهما ويؤخذ بشهادة من شهد بتكذيبهما من أولياء الميت وذلك كله ليتحقق أداء الشهادة على وجهها فلا يكذب الشهود من غير المسلمين ويهابوا أن تُرد أيمانهم فيأتوا بالشهادة على وجهها وإلا كان رد شهادتهم إن ثبت كذبهم وتغييرهم . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال الحق جل شأنه وعظُم سلطان وصدق بيانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . .  

الاثنين، 11 يوليو 2022

خطبة عن الزيارة للإخوان والأقارب

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الزيارات الأخوية بين الأقارب والإخوان والزملاء عملٌ صالح يكسب المرء به المعارف والخبرات ويؤجر عليه العبد إذا احتسب ذلك عند الله فهو خيرٌ من شخص متقوقعٍ ٍعلى نفسه وانطوائي على أهله وجماعته لايهتم بمن حوله من الناس إلا في إطار مصلحته ، ولو سألت أي مسلمٍ يدب على وجه الأرض ماردة فعلك وكيف سرورك عندما يناديك الآن منادٍ كم السماء " أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلا " فيقول لك مندهشاً أنا أريد ولا أظن أن أحداً يأبى ذلك ، فيقال له : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً "  أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . 

عباد الله : إن الزيارة الأخوية من عوامل جلب محبة الله تعالى ومن أحبّه الله وُضع له القبول في الأرض وأحبه كل أحد ففي الحديث الصحيح : " أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً ، فلما أتى عليه ، قال : " أين تُريد ؟ " قال : أخاً لي في هذه القرية ، قال : " هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها عليه ؟ " قال : لا ، غير أني أحببته في الله تعالى ، قال : " فإني رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته فيه " والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  . 

عبادالله : الناس مع الزيارات بشكلٍ عام على ثلاثة أقسام : 

- فقسمٌ يحتسب هذه الزيارات في الله في كل مرة يغدو ويذهب فيها إلى صاحبه أو أخيه المُزار طلباً للأجر والثواب وحرصاً على نيل الفضل والكرامة من الله وليس ضيفاً ثقيلاً حين الزياة فيطيل المُكث حتى ينفر منه المضيّفُ والحاضرون مع حرصه على حفظ لسانه من القيل والقال والغيبة والنميمة ولغو الكلام فهذا عند الله بأعلى المنازل وأفضل المقامات ، وهو أشد الناس اتباعاً للمصطفى عليه الصلاة والسلام فهذه المجالس التي يجلسها وهذه الزيارات التي يقوم بها نورٌ له وسرور في صحيفة أعماله . 

- وقسمٌ منهم دون الأول فتجد أنه يحتسب بعض تلك الزيارات دون أكثرها وبكونه مطبوعٌ على حب تلك اللقاءات والإجتماعات فتجد أنه اعتاد عليها ، فلا يتخلى عنها حتى في المواسم الفاضلة التي يعتاد الناس فيها على ارتياد المساجد والسعي للعمل الصالح فغالب زياراته من باب الأنس والفضول وحب الإجتماع فقط ، ويفوته أكثر الإحتساب فيها ، ومثل هذا تجد أنه لايسلم من الغيبة واللغو والكلام الباطل والمُزاح الشديد الذي يثير الصدور والحقد بين أصحاب تلك المجالس ، فهذا أفرط في هذه الزيارات وتجاوز الحد المسموح بها مما أوقعه في المحرم مهو مأزور غير مأجور فيما تجاوز به ، ومأجور فيما احتسبه منها ، والسبيل القويم في ذلك الإقلال من هذه الزيارات في حقه وسلوك سبيل الإعتدال فيها فلا إفراط ولا تفريط . 

- وقسمٌ لايعرف لمثل هذه الزيارات سبيلاً وزيارته فقط لاتباع مصالحه ، علاقته مع الناس علاقة دنيا ، لايجيب دعوة ولا يعرف حقاً لكبيرٍ مريض ربما يكون من أقاربه الذين تجب زيارتهم ، مع تحذر النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من قطع الرحم ، وكذلك أخبر أن من الناس من لايألف ولا يؤلف لاخير فيه ، ففي حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يألف ويُؤلف ولا خير فيمن لايألف ولا يؤلف " رواه الإمام أحمد والبيهقي والطبراني وغيرهم  . 

عباد الله : لاشك أن مثل هذه الزيارات تتآلف فيها القلوب وتصلح معها الأنفس وتتواد معها النفوس ، إن سلمت من المنغصات والإثم ، وربما تصالح بسببها متشاحنون وتآلف بها متنافرون ، فطوبى لمن استمثر مثل هذه المجالس وتلك الزيارات بما ينفعُه وينفعُ غيره من الناس ، وسعى في الإصلاح بين متعادين أو زاد في ألفةٍ بين الزائرين مع أن بعض تلك الزيارات هي من حق المسلم على المسلم  ، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حق المسلم على المسلم ست " قيل وما هنّ يارسول الله : " إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصحه له ، وإذا عطس فحمد الله فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه " رواه مسلم ، وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً قال :  " حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس " متفق عليه .

فاللهم وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات واعصمنا من الخطايا والسيئات يارب العالمين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى من تبعه إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أنه مما ينبغي معرفته أن حقوق المسلم التي وردت في الأحاديث السابقة منها ماهو واجب عيني يجب على المسلم بعينه ومنها ماهو واجب كفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ومنها ماهو مستحب ، ولمّا أورد الشوكاني في كتابه " نيل الأوطار " ذلك الحديث الذي فيه إثبات الحقوق الستة الآنفة الذكر قال : " والمراد بقوله : ( حق المسلم ) أنه لاينبغي تركه ويكون فعله إما واجباً أو مندوباً ندباً مؤكداً شبيهاً بالواجب الذي لاينبغي تركه ، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المُشترك في معنييه ، فإن الحق يُستعمل في معنى الواجب كذا ذكره ابن الأعرابي ، وكذا يُستعمل في معنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك ، وقال ابن بطال : " المراد بالحق هنا الحُرمة والصحبة " .

عباد الله : رد السلام واجب إذا كان السلام على واحد ، وإذا كان على جماعة كان فرضاً على الكفاية ، وأما عيادة المريض ففرض كفاية ، وكذلك واتباع وتشييع الجنازة كذلك على الكفاية ، وأما تشميت العاطس فالصحيح أنه واجب على الواحد الذي مامعه أحد ، وفرض كفاية على الجماعة إن شمّت واحد كفى عن الباقين ، وأما بذل النصيحة لمن استنصح أحداً من المسلمين فواجب ، وأما إجابة الدعوة فواجبة إذا دُعي الرجل بعينه ، وأما إذا كانت عامّة فلا يجب إجابتها وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " بئس الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين ، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله " أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، ومع أن طعام الوليمة كما ورد بنص آخر يُمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها وهي شرّ الطعام كما ورد عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يعذر الله ورسوله من يتخلّف عنها كل ذلك لجبر الخواطر وتـأليف القلوب وزرع المودة والمحبة بين الناس ومشاركة أفراحهم إيناساً لهم وكل مافيه جمعٌ للقلوب والتأليف بينها أمر به الشرع ، وكل مافيه فرقة ونزاع وتنافر بين القلوب في المجتمعات المسلمة نهى عنه الشرع ، فاللهم لك الحمد على تمام شرعك المحكم ، ونعمتك وفضائلك ياأعز ياأكرم . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . 

الجمعة، 8 يوليو 2022

خطبة ثانية لعيد الأضحى المبارك

الحمدلله الذي امتن على عباده بمواسم القُربات وأسبغ عليهم النعمة ووفهم للطاعات وبلغهم عشر ذي الحجة ورزقهم من الطيبات والصلاة والسلام على خير البريّات وأرفعهم في الدرجات وأعلاهم في المنازل والمقامات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل التحايا وأزكى الصلوات أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى ينالُ ربَّ العزة والجلال ، ويرفع له العمل الصالح بالليل والنهار مادامت الأزمنة والآجال ومالهم من دونه من وال ، فالتقوى ياعباد الله عليه مدار الأعمال وخير ماتقرب به المتقربون وتنسك به المتنسكون ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم وبشر المحسنين ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : إن أعظم مامن الله به على عباده هو الهداية لهذا الدين وسلوك سبيل المؤمنين ، في وقت ضل عن طريق الله المستقيم خلقٌ لايحصيهم إلا الله فمنهم من حرّم عليه الطيبات من البهائم التي تعارف الكثير من البشر على أن اقتناءَها وذبحَها أمر طبعي وعادة إنسانية فحرّموا عليهم البقر ومنهم من حرّم على نفسه الغنم ، ومنهم من حرّم بعض بهيمة الأنعام من الإبل لأصنامهم وأوثانهم التي ماأنزل الله بها من سلطان فجعلوا منها البَحيرة وهي الناقة التي تُقطع أذنها إذا أنجبت عدداً معيناً وجعلوا منها السائبة وهي الناقة التي تسيّب للأصنام إذا بلغت سناً معيّنة وجعلوا منها الوصيلة التي تصل إنجاب أثنى بأنثى وجعلوا منها الحام وهو فحل الإبل الذي ينتج من صلبه عدد معين فيتركونه ولا يذبحونه وغيره ممن ذُكر كل هذا كذباً وافتراءاً على الله فرد الله ضلالاتهم عليهم فقال : ( ماجعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الكذب وأكثرهم لايعقلون ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : تقديم القرابين سنّة عند جميع الأمم باختلاف دياناتهم ، بل هي سنّة لكل أمة سبقتنا من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ( ولكل أمّة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام . . ) ولكن هذه البهائم إما أن تكون حسرة وعذاب لمن ذبحها بغير حقها وذكر عليه اسم غير الله أو تكون بهجة وفرحاً ونعيماً لصاحبها حينما تأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وشعرها شاهدة لصاحبها وكذلك كون الدم يقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فهنا تعرف نعمة الله عليه بالتوفيق والهداية والعمل الصالح المرضي الذي ارتضاه رب العزة والجلال وأضلّ عن هذا النسك وعن صراط الله المستقيم عامة كثيرٌ من البشر ممن يخبط في هذه البهائم التي سخرها للبشر ولذا ينبغي على كل من يستخدم من العمالة أن يتأكد من ديانته فلا تصح ذبيحة المشرك بأي حال .
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
عباد الله : وفي شأن الأضاحي لابد أن نراعِ السلامة من العيوب فالسلامة من العيوب أمرٌ مطلوب ولا يُجزئ في الأضاحي أربع كما قال عليه الصلاة والسلام : " لاتجزئ في الأضاحي أربعة : العوراء البين عورها ، والعرجاء البين عَرَجها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لاتُنقي " أي الهزيلة التي ليس بها مخ في أركانها وقد أخرج الحديث أصحاب السنن الأربعة من حديث البراء بن عازب ولا يُضحى أيضاً بمكسورة القرن بالكليه أو التي ذهب أكثر قرنها ولا بالعمياء ولا المصابة بصعق أو حرق حتى يزل مابها من عاهة ولا يضحى بالعاجزة عن المشي ولايُضحى أيضا بمقطوعة الإلية ويكره التضحية بمخروقة الأذن ومقطوعة الأذن ، وبعض العلماء يحرّم ذلك وكلما كانت الأضحية أسلم من كل عيب كلما كان ذلك أحب إلى الله وأقبل للأضحية الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ويجب أن يسمي وأن يكبر عند الذبح ولو نسيها لحلت ذبيحته لامتعمدا والأفضل أن يذبح بيده ويطبق السنة ويقول " اللهم عني وعن أهل بيتي " ويجعل رجله على صفحة عنق الذبيحة ويسن أن يوجهها إلى القبلة ويمسح على ظهرها ويهدئ من روعها ويسن شفرته وسكينه ويجهز على الذبيحه رحمة بها قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتله وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته "
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
وأفضل أيام الذبح هذا اليوم الذي هو أفضل الأيام عند الله والذي يُسمّى بيوم الحج الأكبر ويوم النحر ثم اليوم الذي بعده - يوم القرّ - الذي به يقر الحجاج في منى لقوله عليه الصلاة والسلام " أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ " ووقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد ويمتد إلى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر أي يوم العيد وثلاثة ايام بعده
ويجب الصدقة على الفقير من الأضحية ولو بالشيء اليسير والأفضل الثلث فما فوق لقوله تعالى في سورة الحج : " . . . فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير " ولقوله أيضاً : " ... فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون "
وإن أكل ثلثاً وأهدى ثلثاً وتصدق بلثٍ فقد أحسن .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : استشعار هذه الشعيرة أمرٌ ينبغي الحرص عليه وأن يطيب العبد بهذه الذبيحة نفساً وأن يخرج من طور العادات التي مضى عليها السلف إلى طور العبادات ، فهذه عبادة ينبغي للعبد الفطن أن يحرص على التعبد لله بهذه الشعيرة ممتثلاً قول الله تعالى : " فصل لربك وانحر " كل ذلك تعبداً لاعادة مضى عليها الأولون وسار عليها السابقون من الآباء والأجداد عليهم رحمة رب العباد .
=================== الخطبة الثانية =================
الحمدلله ولي المتقين الذي وفق عباده لسلوك طريق المفلحين وأنعم عليهم بوافر النعم في كل وقتٍ وحين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :


عباد الله : الفرح والإبتسامة والسرور في أيام العيد وإظهار الأنس سنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام كيف لا وقد كان أحسن الناس خُلقاً ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفّه عن نفسه وعن أهله وأبناء بنته وغيرهم وروى ابن ماجة عن يعلى بن مرّة : " أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام دُعُوا له ، فإذا حسين - ابن فاطمة يلعب في السِّكة قال : فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم وبسط يديه فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبّله " وكان يمازح أصحابه ويأخذون بأشعار الجاهلية في المسجد ويبتسم ، بل كان الحبشة يلعبون في المسجد ولم يكن ينهرهم ويستر عائشة وهي تنظر إليهم ويقول لهم : " خذوا بني أرفدة ، حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة " ولهذا لاينبغي التثريب والزجر للأطفال في أيام العيد خاصة فرفهوا عنهم وعن أنفسكم بما لايجاوز حدود الشرع فلا إسراف ولا مضرّة
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : الكثير من المسلمين يُعاني خصومات وشحناء وبغضاء في قلبه على رجل من المسلمين أو عدة أشخاص وهذا الرجل أنهك قلبه وفكره بما لايعود عليه إلا بالمضرة في دينه وجسده واعلم أن أي خصومة أو خلاف تدوم في القلب أكثر من ثلاث ليال معرّض صاحبها للوعيد ففي الحديث : " لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار " أخرجه أبوداود عن أبي هريرة بإسناد صحيح فينبغي للعبد أن يُصلح قلبه ويجاهده فلا يستوي ذو القلب السليم مع القلب المشاحن أبداً لاعند الله ولا عند الخلق فليكن العبد كما قال الشاعر :
لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ * أرحت قلبي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته * لأدفع الشر عني بالتحيات
وأُظهر البشر للإنسان أبغضه * كما أن قد حشى قلبي محبات
الناس داءٌ دواء الناس قربِهم * وفي اعتزالهم ُ قطع المودات
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا

معاشر النساء : ماتقربت امرأة لربها بمثل العفة والحياء والقرار في البيوت وتربية الأبناء على الأخلاق النبيلة والأهداف السامية وهدم البيوت يبدأ بإفساد المرأة فإن تمكن العدو من إفسادها فقد تهدم البيت وخارت أركانه فكوني سداً منيعاً ولا تؤتى البيوت من قِبلك ، والحذر من دعاة الفتنة وزعماء تحرير المرأة التي بانت أكاذيبها وألاعيبها ولكن في المرأة الغربية عبرة فقد وصلت إلى منتهى الطريق فكانت سلعة رخيصة تباع بأبخس الأثمان لاقيمة لها ولا وزن في الدنيا مع النكال والعذاب الأليم في الآخرة ، فاللهم من أراد نساءنا وديننا وأهلنا بسوء فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له ياذا الجلال والإكرام .

الأربعاء، 15 يونيو 2022

خطبة عن فتح مكة وماجرى فيها من أحداث

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : لمّا تتأملُ السيرة النبوية تجد أنه مرّ على الأمة يومٌ عظيم كان فصلاً بين دولة الإسلام ودولة الشرك وأتباعها وهو يومٌ مشهود فتح الله به على جند الإسلام وأهله وأعزهم الله به بعد أن لم تكن هيمنتهم تامّة وسيطرتهم عامّة على بلاد الحجاز ، يومٌ من أيام النصر والتمكين لمن طُرد عن بلده وأوذي عليه الصلاة والسلام هو ومن كان معه من الصحابة رضوان الله عليهم ، وهو يومٌ مفصلي وفارق بين منازل أهل الإيمان من الرعيل الأول فمن أسلم قبله وأنفق قبله وجاهد قبله ليس مساوياً لمن أسلم بعده وأنفق بعده وقاتل بعده فهو يوم فتح مكة الأعظم ( لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ) وقعت أحداثه في السنة الثامنة من هجرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان . 
عباد الله : كان سبب فتح مكة هو نقض صلح وخيانة وغدر فقد كان من بنود صلح الحديبية أن من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فعل فدخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت بكر بن عبدمناة من كنانة في عقد قريش ، وكان لخزاعة بئرٌ ماء يُقال له " الوتير " قرب مكة ، فعدت بكرٌ على خزاعة ليلاً وهم بمائهم فقتلوا منهم ، وكانت قريش قد أعانتهم بالسلاح وقاتل معهم من قريش أناسٌ مستخفين بجنح الظلام ، فخرج من خزاعة عمرو بن سالم إلى المدينة فدخل المسجد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين ظهراني أصحابه فأعلمه بما صنعت بكر بن عبد مناة حليفة قريش وأنشد للنبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : 
ياربِّ إني ناشدٌ محمداً  * حلف أبينا وأبيه الأتلدا 
قد كنتموا وُلْداً وكنا والدا * ثُمّت أسلمنا ولم ننزع يدا 
فانصر هداك الله نصراً أعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا 
فيهم رسول الله قد تجرّدا * أبيض مثل البدر يسمو صُعُدا 
إن سيم خسفاً وجهه تربدا * في فيلقٍ كالبحر يجري مزبدا 
إن قريشاً أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكـــدا
وجعلوا لي في كَددَاءٍ رُصّدا * وزعموا أن لست أدعوا أحدا
وهم أذل وأقل عـــددا * هم بيّتونا بالوتير هُجّــــدا 
                 وقتلونا ركّعاً وسجّدا 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نُصرت ياعمرو بن سالم " وخرج بُديل بن ورقاء في نفرٍ من خزاعة فقدموا المدينة وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بمن أصيب منهم وبمظاهرة قريش لبني بكر ، وكان أبو سفيان قادماً في الطريق يريد أن يستمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هاله ماصنعت قريش هو وزمرة منهم  ، فقال صلى الله عليه وسلم : " كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ العَقد ويزيد في المدة بعثته قريش ، وقد رهِبوا للذي صنعوا " فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم يكلمه في المصالحة والإمهال فلم يردّ عليه ، فذهب إلى أبي بكر يريد من أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشفعَ في ذلك فأبى ، فذهب لعمر رضي الله عنه يستشفعه في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عمر : أنا أشفعُ لكم ؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به واستشفع بعلي رضي الله عنه فقال له علي : لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر مانستطيع أن نكلمه فيه " فرجع أبو سفيان لمكة خائباً خاسرا . 
ثم أمر النبيُ صلى الله عليه وسلم بالعُدّة للقتال والجَهاز له وقال : " اللهم خذ العيون والأخبار من قريش حتى نبْغتُها في بلادها " .
ثم إن حاطب بن أبي بلتعة وكان ممن حضر بدراً أرسل لقريش كتابا مع مولاة لبني عبدالمطلب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الوحيُ يخبره بذلك فأرسل إليها علياً رضي الله عنه فألفاها بروضة خاخ فطلب الكتاب وجاء به للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب ماحملك على ماصنعت فقال : يارسول الله يدٌ عند قريش أحمي بها قرابتي وأهلي فقال عمر رضي الله عنه لقد نافق دعني أضرب عنقه يارسول الله فأبى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " ومايدريك ياعمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ماشئتم فقد غفرت لكم" فذرفت عيناه وقال : " الله ورسوله أعلم" . 
خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش وعمّى الله الأخبار عن قريش ولكنهم على وجل ، وخرج العباس بأهله وعياله مسلماً مهاجراً حتى وافى النبيَ صلى الله عليه وسلم بالجحفة ثم ارتحل النبيُ صلى الله عليه وسلم حتى نزل  بمرّ الظهران ( يُقال له اليوم وادي فاطمة ) وكان حين العِشاء فأمر من معه أن يوقدوا نيراناً فأوقد عشرة آلاف نار وهي خدعة وتخويف ، وفي هذه الأثناء كان خارجاً أبو سفيان وبُديل بن ورقاء فراعهم هذه النيران ورغبوا أن يستأمنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أقبلوا ورآهم عمر همّ أن يوقع بأبي سُفيان ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وأجاره العباس وقال النبي للعباس : " إذهب به إلى رحلك فإذا اصبحت فائتني به " ففعل فلما كان من الغد أتاه به وعرض عليه الإسلام فتلكأ ، فقال العباس : ويحك ، أسلم قبل أن يضرب عُنقك ، قال : فشهد شهادة الحق فأسلم ، فقال العباس : إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئاً ، قال : " نعم ، من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن " فكان ذلك ثباتاً لأبي سفيان على دين الحق ، ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بجيشٍ عرمر حتى دخل مكة من أعلاها وأمر خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها ، وقال : " إن عرض لكم أحدٌ من قريش فاحصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا ، ووقع قتالٌ عند الخندمة وهو جبل  يقع شرق مكة حيث أنه تجمع سفهاء من قريش مع عكرمة بن أبي جهل وسُهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وتشابكوا مع جند المسلمين وفرّ أكثرهم ولم يُذكر أنه قُتل أحد ولكن تناوش وجراحات ، ودعا رسول الله الأنصار ، وقال لهم : " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم - ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى - احصدوهم حصداً حتى توافوني على الصفا " وبعث النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد على جنبات مكة ، ورُكزت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون ، ثم نهض عليه الصلاة والسلام والمهاجرون والأنصار بين يديه ومن خلفه وحوله حتى دخل المسجد الحرام فأقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت ولم يكن يومئذٍ محرما ، فاقتصر على الطواف ، وقام على أصنام حول الكعبة وفوقها مايقارب ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بقوس في يده ويقول : ( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ( جاء الحق ومايُبدئ الباطل وما يُعيد ) ثم أمر بباب الكعبة ففتح ، فدخل معه أسامة بن زيد وبلال فأمر بالباب فأغلق ورأى صورة ابراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال : " أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط " ثم أمر بالصور فمحيت ثم استقبل الجدار الذي يقابل الباب وصلى وكبر في نواحي الكعبة ثم أخذ بعضادتي باب الكعبة وقريش والناس تحته وقال : " لاإله إلا الله وحده لاشريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو مال أو دمٍ فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتل الخطأ شبه العمد ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها ، يامعشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظُّمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية : 
( ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ....) ثم قال : " يامعشر قريش ماترون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا : خيراً ، أخٌ كريم وابن أخ ٍكريم ، قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " فعفى عنهم عليه الصلاة والسلام بعد كل ماناله من أذيتهم فأي نفسٍ كريمة هذه ؟ ! ذلك مقام لايناله ولا يقوى عليه إلا نبي ٌ كريم ، فاللهم أحينا على سنته وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته وأدخلنا في شفاعته وأوردنا حوضه واسقنا منه شربة لانظمأ بعدها أبدا ، أقول ماتسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  . 
============== الخطبة الثانية ===============
الحمدلله الذي منّ على عباده بالخيرات أحمده وهو أهل الحمد ووافر التحايا والصلوات ونشكره على فضله وعاطاياه السابغات والصلاة والسلام على المبعوث بالهدى والبينات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أزكى الصلوات من رب البريات أما بعد : 
لما استقر الفتح بمكة أمّن النبي الناسَ كلّهم إلا من كان له عدوّا لدوداً لله ورسوله وكانوا حينها تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة وهم عبدالله بن أبي سرْح وعكرمة بن أبي جهل وعبدالعزى بن خطل والحارث بن نُفيل ومَقيس بن صُبابة وهبّار بن الأسود وقينتان لابن خطل وسارة مولاة لبني عبدالمطلب ، فأما ابن أبي السرح فهرب واستجار بعثمان فأمسك عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما عكرمة فاستأمنت له امرأته بعد أن هرب وعادت به فأسلم وحسُن إسلامه ، وأما ابن خطل ومَقيس والحارث وإحدى القينتين فقُتلوا ، وأما هبّار ففر ثم جاء فأسلم وحسُن إسلامه واستؤمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسارة ولإحدى القينتين فأسلمتا ، ولمّا كان من الغد من يوم الفتح قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً ثم حمد الله وأثنى عليه وقال : " أيها الناس ، إن الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فلا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك ، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار " 
ثم بعد ذلك بعث عتّاب بن أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم وحدودها وبعث صلى الله عليه وسلم سراياه إلى الأوثان التي حول مكة فكُسّرت كلها ومنها اللات والعزى ومناة ، ونادى مناديه عليه الصلاة والسلام بمكة : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره " . 
عباد الله : أعز الله دينه ونصر أولياءه بفتح مكة وفرح المسلمون بالنصر والتمكين ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُناصر قضايا المسلمين في كل مكان تنتهك فيه حُرمتهم ، ونحن اليوم نُطالب بنصر قضايا المسلمين في كل مكان في الشام واليمن والعراق والهند بأي نوعٍ من أنواع النصر ولو بكلمة ، فياأخي المبارك إذا كان المصطفى عليه الصلاة والسلام قال : " مامن مسلم يخذلُ مسلماً عند موطن تنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يُحب فيه نصرته  " أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في التاريخ الكبير فما حالنا وحالكم فإننا نخشى من عقوبات عامة تنالنا جميعاً فاللهم اصرف عنا سوء العاقبة والمصير واجبر - اللهم - ضعفنا والتقصير ياقوي ياقدير 

الجمعة، 3 يونيو 2022

خطبة عن صلح الحديبية ومافيها من أحداث

الحمدلله عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير أحمده على وافر نعمه وهو الحميد القدير ونسأله من واسع فضله الوفير وهو العلي الكبير والصلاة والسلام على أفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وهو بالرسالة جدير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والكرم الغزير وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المصير أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى يفتح البصائر ويحيي الضمائر ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : من الأحداث المهمة التي وقعت في شهر ذي القعدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان له أثر لصالح المسلمين هو ( صُلح الحديبية ) وهذا الصلح كان في السنة السادسة من الهجرة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد العمرة في شهر ذي القعدة وكان ثلاثٌ من عُمُراته التي اعتمر في هذا الشهر إلا العمرة التي كانت مع حجته ، حتى قال بعض أهل العلم أن العمرة في ذي القعدة أفضل من العمرة في رمضان ، وهو خلاف الصواب وذلك أن العمرة في رمضان ورد فيها نص والعمرة في ذي القعدة لم يرد فيها نص ، ثم إنه لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد العمرة من المدينة خرج معه حوالي ألفٌ وأربعمائة من الصحابة رضوان الله عليهم يريدون العمرة بلا قتال ولا حرب ، وكان هو وأصحابه مشتاقين لبيت الله الحرام وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ماخرج يريد البيت الحرام إلا استبشاراً برؤيا رآها في منامه أنهم يدخلون البيت الحرام بلا قتال آمنين منهم المحلّق ومنهم المقصر قد ذكرها الله في كتابه حيث يقول جل وعلا : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا ) وقد كانت مكة تئن تحت وطأة المشركين من كفار قريش وأحلافهم  . 

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه من البُدْن سبعون بدنة مقلدة وخرجت معه زوجته أم سلمة رضي الله عنها وأحرموا من ميقات ذي الحُليفة ولبَّوا ، وعندما كانوا بالطريق قريباً إلى مكة قرب عسفان  قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بكُراع الغميم فخذوا ذات اليمين  " فما شعر بهم خالد حتى رأى غُبرة الجيش فانطلق يركض نذيراً لكفار قريش ، ثم إنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ثنيّة المرار قرب الحديبية ، بركت ناقته عليه الصلاة والسلام ، فقال الناس : خلأ القصواء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ماخلأت القصواء وما ذلك لها بخُلق ، ولكن حبسها حابس الفيل " فانظروا إلى هذه البهائم التي تعظم حرم الله وتجد من البشر من يستبيح البيت الحرام بأتفه سبب فتلك البهائم خيرٌ منه ، ثم إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفس محمد بيده ، لايسألوني خطّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها " .. ثم زجر الناقة فوثبت فنزل بأقصى الحديبية على ( ثَمَد )  وهو حفر صغير يجتمع فيه ماء قليل فنزح الناس من الماء حتى قلّ فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأعطاهم سهماً من كنانته وأمرهم أن يرموه فيه فما زال ينبع بالماء حتى صدروا عنه وغادروه والحديبية مكانها في الشميسي غرب مكة بعضٌ منها في الحل وبعضٌ منها في الحرم ، ولمّا علمت قريش بنزوله فزعت فأرسل إليهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال له : " أخبرهم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمّاراً وادعهم إلى الإسلام وأمره أن يأتي رجالاً ونساءاً بمكة مؤمنين فيبشرهم بالفتح ، وأن الله عز وجل مظهرٌ دينه بمكة ، حتى لايُستخفى فيها بالإيمان " ولما ذهب عثمان رضي الله عنه وأشيع عنه أنه قُتل ، دعا النبي صلى الله عليه وسلم من خرج معه إلى البيعة فتبادروا إليه وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لايفروا ، ثم أخذ بإحدى يديه على الأخرى وقال : " هذه عن عثمان " ، ثم إنه لمّا تمت البيعة رجع عثمان رضي الله عنه . 

 عباد الله : قررت قريش أن لايدخل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه البيت عنوة وجهزوا حوالي ثمانية آلاف مقاتل يريدون أن يصدوا النبيَ صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت وتترسوا في عدد من المواقع حول مكة ، وجاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة يخبره أن قريش تنزي قتاله وصدّه عن البيت فقال : " إنا لم نجيئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين وإن قريش نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويُخلّوا بيني وبين الناس ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا - أي الإسلام - وإلا فقد جمّوا - أي استراحوا - ، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي - والسالفة صفحة العنق أي أنني أُقتل - أو لينفذنّ الله أمره " فقال بُديل سأبلغهم ماتقول فعرضه عليهم ، فقال عروة بن مسعود لصناديد قريش : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه ، فقالوا : ائته ، فأتاه فجعل يُكلّمه فقال له نحواً من قول بُديل ، ثم قال له : " أي محمد ، أرأيت لو استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح قومه قبلك ؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى أوشاباً من الناس - أي أخلاطاً من الناس - خليقاً أن يفروا ويدعوك  " ، فقال أبوبكر الصديق رضي الله عنه : " امصُص بَظر اللات ، أنحن نفر عنه وندعه " ، إلى أن جاء سُهيل بن عمرو فقال النبي صلى اله عليه وسلم : " قد سُهل لكم من أمركم " فقال : هات أكتب بيننا وبينك كتاباً فدعا الكاتب - وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : " اكتب ، بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل : أما الرحمن ، فما أدري ماهو ؟ ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب ، فقال المسلمون : والله لانكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " اكتب باسمك اللهم " ثم قال : " اكتب : هذا ماقاضى عليه محمد رسول الله " فقال سهيل :  والله لو نعلم أنك رسول الله ماصددناك عن البيت ، ولكن اكتب محمد بن عبدالله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني رسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبدالله " ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " على أن تُخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوّف به " فقال سهيل : والله لاتحدّث العرب أننا أُخذنا ضُغطَة ، ولكن ذاك من العام المقبل ، فقال سهيل :       " وعلى أن لايأتيك رجلٌ منّا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا " فقال المسلمون : " سبحان الله ! كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مُسلماً " . 

فبينا هم كذلك إذا جاء أبوجندل بن سهيل خارجاً من أسفل مكة يرسُف في قيوده حتى رمي بنفسه بين المسلمين فقال سُهيل : هذا أول ماأقاضيك عليه أن ترده إليّ ، فقال أبوجندل : كيف أُردّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً - وكان قد عُذّب في الله عذاباً شديدا - فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " والله ماشككت منذ أسلمت إلا يومئذٍ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت يارسول الله : ألست نبي الله ؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال :  بلى ، فقلت : فلم نُعطي الدنيّة في ديننا ؟ ونرجع ولمّا يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه ، قلت : أولست تحدثنا أنّا نأتي البيت ونطوّف به ، قال : " بلى ، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ - أي هذا العام - قلت : لا ، قال : " فإنك آتيه ومطوّفٌ به ، قال عمر رضي الله عنه : فأتيت أبا بكر فقلت له مثلما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليّ كما رد عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد : فاستمسك بعرزه حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، فعملت لذلك أعمالاً " أي صالحه ، رزقنا الله حسن الإنابة وصدق التوبة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم  . 

============== الخطبة الثانية =============

الحمدلله الذي بيده مقاليد السماوات والأرضين أحمده وهو القوي المتين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : 

عباد الله : وتتمّة لصلح الحديبية لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من كتابة المصالحة قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا " قال :  فوالله ماقام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات فأشارت إليه أم سلمة رضي الله عنها بأن يقوم فينحر بنفسه ولا يكلم أحداً فقام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، وفي رجوعه من مكة للمدينة أنزل الله سورة الفتح : ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وما تأخر ويتمَّ نعمته عليه ويهديك صراطاً مستقيماً ) . 

عباد الله : ذلك الشرط الجائر الذي اشترطه المشركون وهو : أن يردّ النبي صلى الله عليه وسلم من جاء من المسلمين إلى المشركين بموجب المعاهدة والشرط صارت عاقبته حُسنى ونصرٌ وفتح للمسلمين وذلك أن أبا بصير - وهو رجلٌ من قريش - أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم مسلماً هارباً من المشركين ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة فردّه النبي صلى الله عليه وسلم بموجب الشرط وأعطاه لرجلين أرسلت بهما قريش لطلبه فلما خرجا به وبلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير : " إني أرى سيفك هذا جيداً ، فقال المشرك : أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثمّ جربت ، فقال : أرني أنظر إليه ، فأمكنه منه فضرب به المشرك حتى برد ، وفرّ الآخر ، حتى بلغ المدينة فدخل المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد رأى هذا ذُعراً " فلما انتهى الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قُتل والله صاحبي ، وإني لمقتول " فجاء أبو بصير ، فقال : " يانبي الله قد أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم " فقال صلى الله عليه وسلم : " ويلُ أمّه مسعّر حرب ، لو كان معه أحد " . فلمّا سمع ذلك عرف أنه سيردّه إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ، وتفلّت من المشركين أبو جندل الذي سبق ذكره فلحق بأبي بصير ، فكان لايخرج من قريش رجلٌ أسلم إلا لحق بهم حتى اجتمعت لهم عصابة ، فكانوا لايسمعون بعِيرٍ لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقاتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن يرسل إليهم أنه من أتاه فهو آمن ، فسقط ذلك الشرط الجائر بطلب من العدو ، وحصل فيما بعد مقصَدٌ عظيم من الذات الإلهية وهو دخول مكة من دون حرب ولا سفك دماء وهذا الذي جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ينفذّ ويُمضي ماأُمر به من كتابة المعاهدة والصبر على مافيها حتى تنفذ حكمة الله ويتجلى في ذلك النصرُ والعاقبةُ الحسنة لأولياء الله وعباده ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرة القضاء بعد ذلك في العام السابع من الهجرة هو وألفين من أصحابه رضي الله عنهم وعنا أجمعين . . وصلوا وسلموا على صاحب الحوض والشفاعة وشفيعِنا يوم تقوم الساعة  .. اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم ياأرحم الراحمين .

الأربعاء، 1 يونيو 2022

خطبة عن غزوة تبوك

الحمدلله الذي أعز دينه وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أحمده حمداً لامنتهى له كما حمده الحامدون وأصلي وأسلم على من بعثه الله للناس كافة وقد كانوا في غيهم يعمهون ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه عدد ماصلى عليه المصلون وذكره الذاكرون وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم ِيبعثون . . أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لايظلمون ) ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يُسرا * ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يُكفّر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا ) . 
عباد الله : القراءة في السيرة تفتح بصر الإنسان وبصيرته على حياة من هو خيرٌ منه في القول والعمل والصدق والإخلاص والمجاهدة وإذا كانت السيرة سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام كان ذلك له أبلغ الأثر على النفس والقلب ، ولعلنا أن نورد في هذه الخطبة عن عن بعض سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ونتناول غزوة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وهي غزوة تبوك التي وقعت في السنة التاسعة من الهجرة في شهر رجب ، والتي وقعت في شدة الحرّ ونضج الثمار ، حتى قال في ذلك المنافقون : " لاتنفروا في الحرّ قل نار جهنم أشد حرّاً لو كانوا يفقهون " وقد يستغرب البعض أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يبتدئ بالقتال في الأشهر الحرم ورجب منها ؟ والجواب : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع بأن الروم تجمع له عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه وتريد غزو المدينة فأراد أن يدفع شرّهم عنه وعن أهلها ، وليس كما يقول بعضهم بجواز البداءة بالقتال بالأشهر الحرم ، والأمر ماض ٍعلى حرمة البداءة بالقتال في الأشهر الحُرُم ، وبذلك أجاب ربنا جل وعلا في قوله تعالى : ( يسألونك عن الشهر الحرم قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير وصدٌ عن سبيل الله . . . ) 
عباد الله : عند الحديث عن غزوة تبوك  ، نتحدث عن غزوة فيها ابتلاء للغني والفقير والمؤمن والمنافق والصديق والعدو ، يقول ابن اسحاق : " كانت في زمان عسرة من الناس وجدب من البلاد ، حين طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، وكان صلى الله عليه وسلم قلّما يخرج من غزوة إلا ورّى بغيرها ، إلا ماكان منها فإنه جلّها للناس ، لبعد الشُّقة - أي المكان - وشدّة الزمان " اهــ وحث النبي صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة فبذل أهل الغنى من زادهم وركابهم مابذلوا وحملوا ماحملوا من أناس لاركوب لهم ولا زاد وأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وألف دينار عيناً ،  وجاء سبعة نفر - يسميهم أهل السيرة البكاؤون - يريدون أن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم فقال كما أخبر الله ( لاأجد ماأحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لايجدوا ماينفقون ) وكان مما قيل في غزوة تبوك أنه من قلّة الظهر الذي يُركب أن كان ثمانية عشر رجلاً يتعاقبون على بعير واحد وتخلّف خمسة نفر من الصحابة رضوان الله عليهم وهم أبو ذر الغفاري وأبو خيثمة السالمي وكعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع فأما الأول والثاني فلحقوا النبي صلى الله عليه وأصحابه وتخلّف ثلاثة وخلّف علياً على أهله عليه الصلاة والسلام ومحمد بن مسلمة على المدينة فلمزه المنافقون علياً رضي الله عنه وقالوا له : " أن محمداً ماخلّفك إلا استثقالاً لك وتخففاً منك ، فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم يخبره الخبره فقال : " كذبوا ، ولكني خلفتك لما تركت من ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أولا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي " فرضي ورجع ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بجيشٍ من المسلمين قوامه ثلاثون ألف مقاتل ، وقيل : أربعون ألف مقاتل ولم يجتمع له مثل هذا العدد في غزوة غير تبوك ومرّ رسول الله في طريقه بالحجر - من ديار ثمود - فقال : " لاتدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لايصيبكم مثل ماأصابهم " ونهى عن الشرب من مائها ولا الوضوءُ منه ، وما كان من مائها فيوضع في علف الدواب . 
عباد الله : من الأحداث التي وقعت في غزوة تبوك ، والتي تُبين خطورة عصيان النبي صلى الله عليه وسلم وأثر ذلك وضرره على المناكف والعاصي ماأورد مسلم في صحيحه عن أبي حميد الساعدي قال : " انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ستهب اليوم ريحٌ شديدة فلا يقُم أحدٌ منكم ، فمن كان له بعير فليشد عقاله ، فهبت ريحٌ شديدة ، فقام رجلٌ فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء " أي أجا وسلمى 
يقول ابن اسحاق : " وأصبح الناس ولا ماء معهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا الله ، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس وحملوا حاجتهم من الماء " . 
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين كان قُرب تبوك : " إنكم سـاتون غداً إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئاً حتى آتي " فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشِّراك - أي شراك النعل - تبضّ بشيء من ماء ، قال فسأليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل مسستما من مائها شيئاً " قالا : نعم ، فسبّهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما ماشاء الله أن يقول ، قال ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء ، قال وغسّل فيه رسول الله يديه ووجهه ، ثمّ أعاده فيها فجرت العين بماءٍ منهمر ، فاستقى الناس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : " يوشك يامعاذ إن طالت بك حياة ، أن ترى ماههنا قد ملئ جناناً " . 
عباد الله : ملما نزل جيش النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك أقام بها حوالي عشرين ليلة يقصر الصلاة ويستعد للقاء الروم ، ولكن لمّا علمت الروم وحلفاؤهم برحف رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب وتفرقوا في الشام ، وجاء رجلٌ اسمه يُحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية ، وأتاه اهل جباء وأهل أذرُح فأعطوه الجزية وكتب لهم كتاباً على مناطقهم وصالحه أهل ميناء على ربع ثمارها ، ثم إن رسول الله صلى الله الله عليه  وسلم بعث خالد بن الوليد إلى الأكيدر الكندي ملك دومة الجندل وقال لخالد : " إنك ستجده يصيد البقر " فأتاه خالد والجيش من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أربعمائة وعشرين فارساً ، فلما كان منه بمنظر العين خرجت بقرة تحك بقرونها باب قصره في دومة الجندل فخرج لاصطيادها فتلقاه خالد في خيله فأخذه وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحقن النبي صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فأقرّ بإعطاء الجزية ، ثم إنه بعد ذلك أيقنت القبائل التي كانت تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على أسيادهم من الرومان قد مضى وقتُه فانقلبوا عليهم لصالح المسلمين وصار شمال الجزيرة العربية داخل حدود دولة الإسلام وكفى الله المؤمنين القتال وحقق المسلمون مكاسب سياسية من جراء ذلك ، فاللهم انصر دينك وأعز أوليائك واخذل أعداء دينك ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطية الثانية ============
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن المؤمن مهما كان له من النصر والتمكين إلا أنه يُبتلى في هذه الدار - دار التنغيص والإبتلاء - فمهما صفت لك الحياة فيعقُبُ ذلك الصفاء الكدر وتلك حال الدنيا منذ خلقت البشريّة ومشت على ظهر البريّة وعندما تنظر لأحداث هذه الغزوة تجد أن الصحابة رضوان الله عليهم لاقوا شدّة فيها وعناء وفي ذلك أنزل الله عز وجل قوله تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ماكاد يزيغ قلوب فريقٍ منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوفٌ رحيم ) وسميت بساعة العسرة لأن حصل عسرٌ في الزاد والماء والنفقة والظهر يقول مجاهد رحمه الله : " ساعة العسرة " غزوة تبوك ، أصابهم جهدٌ شديد حتى إن الرجلين ليشقان التمرة بينهما وأنهم ليمصون التمرة الواحدة ويشربون عليها الماء ، ويروي ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن ساعة العسرة فقال : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلا منزلاً أصابنا فيه عطشٌ حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه " 
وبسبب تلك الشدة كاد فريقٌ من جيش النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيغَ عن الغزو ويشك في دينه ويرتاب بعدما ناله تلك الشدة والعناء الذي لاقى . 
عباد الله : وقد لاقى النبي صلى الله عليه وسلم مع شدة العطش التي أصابته شدّة أخرى  حيث تآمر اثنا عشر رجلاً من المنافقين وقيل أربعة عشر رجلاً تآمروا على الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم وايقاعه من بغيره ومزاحمته عند العقبة ولكن الله عصم نبيه من شرّهم . 
قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وخرج الرجال والأطفال والنساء يتلقونه وكان إذا قد من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، فلما رآه المنافقون قدموا إليه يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار المكذوبة فقبل منهم ووكل سرائرهم إلى الله وبقي ثلاثة نفر من الصحابة وهم الثلاثة الذين خلفوا آثروا الصدق فحصل لهم من الإبتلاء مافيه كفارة لهم ورفعٌ لدرجاتهم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لايكلمهم أحدٌ من الصحابة حتى مضت خمسون ليلة وفي آخر عشر منها أمروا ان يعتزلوا نساءهم ونزلت التوبة عليم من الله حيث يقول جل وعلا : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ختى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لاملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم )  وفي هذه الغزوة من الدروس الشيءَ الكثير وفيها من العبر والمعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم مالايخفى وفيها من دروس الصبر على الشدة مايطول ذكره ، فنسأل الله أن يُبلغنا وإياكم درجة الصديقين والشهداء وأن يجعلنا من عباده الأتقياء ومن حزبه المقربين وأوليائه الصالحين ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه  . .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...