الأربعاء، 21 أبريل 2021

خطبة عن أحكام الصيام ومايتعلق به

الحمدلله الذي شرع لنبيه سنن الهدى وبين لنا سبل الردى ولم يخلق الخلق سُدى والصلاة والسلام على خير من اهتدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن على نهجه اقتفى وسار على سبيله واهتدى وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد :  

فاتقوا - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) واعلموا - رحمكم الله - أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : التعبد لله على بصيرة نهج المرسلين وعباد الله المفلحين ولا تستقيم عبادة ولا صوم المسلم إلا إذا كان تعبده على نهجٍ صحيح واعتقادٍ صواب ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ( وما أمروا إلا ليعبدوا مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) ولابد للعبد أن يتعلم  أحكام دينه فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات ويسألَ أهل العلم حينما يُشكل عليه شيء من أحكام الدين لكي لايتعبد لله على جهل وما بُعث الأنبياء إلا ليبينوا للناس أحكام التنزيل والشريعة  يقول ربُنا تبارك وتعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون )  . 

عباد الله : من الأحكام التي تتعلق بالصوم أن من بقي عليه صيام من رمضان الفائت ولم يقضه تهاوناً وكسلاً فيلزمه التوبة إلى الله من هذا الفعل الآثم وعليه القضاء والكفارة عن عدد الأيام التي أخرها فيطعم عن كل يوم أخره مسكين ويطعمه نصف صاع من البر أوغيره 

وأما من لديه عذر فإن عليه التوبة والقضاء وليس عليه كفارة كما أفتى به الشيخ عبدالعزيز بن باز رحم الله الجميع ، وأما استعمال الكحل وكذلك استعمال قطرات العين والأنف والسواك كل ذلك لايفطر به الصائم ولكن لابد من الحذر من السواك الذي به نكهات فإنه لايحل استعماله للصائم وأما بخاخ الربو فيحل للصائم لأن المادة فيه لاتصل إلى المعدة وكذلك غاز الأكسجين وأما استعمال المنظار للمرضى فهذا لايفطر به الصائم إلا إذا استعمله مع مادة دهنية تدخل إلى المعدة فهنا يفطر الصائم بسبب دخول هذه المادة للمعدة وأما بالنسبة . 

وأما الحُقن فتختلف فمنها مغذٍ ومنها غير مغذي فغير المغذي منها كحقن الأنسولين والحقن العضلية والحقن الشرجية والمهبلية بالنسبة للمرأة وكذلك التحاميل ضد الحرارة والإبر المسكنة لها فكلها لاتفطر وكذلك اللصقات العلاجية  والأدهنة كمرطب الشفتين والمراهم وما يشابهها فهي لاتفطر وكذلك الإبر المخدرة كإبر تخدير الأسنان وقلع الضرس والرعاف ونحوها وكذلك الأقراص التي تحت اللسان لعلاج الأزمات القلبية والذبحة الصدرية وأما الإحتلام الذي يخرج معه المني فإنه لايُفطر 

وأما الإبر المغذية فهي تفطر كالتي تحتوي على المواد السكرية  وكذلك لصقات النيكوتين فهي تفطر لإحتوائها على مادة تغذي الدم وتعوضه عن النيكوتين الموجود في الدخان فينبغي تجنبها إلى مابعد الإفطار وليس على المرأة في البيت من حرج إذا تذوقت الطعام بشرط أن لاتبتلعه وأن يكون ذلك للحاجة . 

والقاعدة في ذلك : " أن ماكان أكلاً وشرباً أو كان في معنى الأكل والشرب من الإبر والحُقن وغيرها فهو مفطّر وما كان سوى ذلك فلا " وكل ماكان من القطرات التي تنفذ للحلق فيجب عدم ابتلاعها وإلا أفطر بها الصائم فلا بد من استخراج الطعوم التي تكون في الحلق من تلك القطرات سواء استعملها المريض عن طريق الأنف أو الأذن .  

ومن المفطرات - ياعباد الله - القيء العمد لامن ذرعه القيء - أي خرج رغماً عنه لقوله صلى الله عليه وسلم : " من ذرعه القيء - أي غلبه - فلا قضاء عليه ، ومن استقاء عمداً فليقض ِ " أخرجه الترمذي في سننه . . ومن المفطرات أيضاً الحجامة لقوله صلى الله عليه وسلم لمّا رأى رجلاً يحتجم في نهار رمضان قال : " أفطر الحاجم والمحجوم " وليُعلم أن الحاجم إذا حجم بآلات الحجامة الحديثة فإنه لايُفطر لأن علّة فطر الحاجم هي امتصاص الدم وقد كان في الماضي وأما هذه الأيام فإنه غير متحقق وأما المحجوم فإنه يُفطر ، ومن تلك المفطّرات الإستمناء وهو استعمال العادة السرية في نهار رمضان عمداً وصاحبها آثمٌ أشد الإثم وعليه التوبة والإستغفار وقضاء ذلك اليوم وليس عليه كفّارة كالجماع الذي هو أشدّ المفطرات وكفارته عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يتسطع فإطعام ستين مسكيناً وهي تشبه كفارة الظهار  حفظ الله لنا ولكم سائر العبادات مما يُنقصها أو يشوبها وأكمل لنا ولكم الأجر والمثوبة وجنبنا الآثام والعقوبة إنه ولي ذلك والقادر عليه أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه من كل الآثام والأوزار يغفر لكم إنه هو العزيز الغفار . 

============== الخطبة الثانية ================

الحمدلله الكريم المتعال ذو الإنعام والإفضال والعزة والجلال والصلاة والسلام على النبي المصطفى والأصحاب والآل ومن تبعهم بإحسان ٍ إلى يوم المآل أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن من طرأ عليه السفر في نهار رمضان ونوى الإفطار فلا يحلّ له أن يتناول شيئاً من المفطرات حتى يخرج من البلد الذي نوى السفر منه ويخرج خارج العمران ولا يظن أنه بمجرد نيّة السفر يكون مسافراً ومن فعل شيئاً من المفطرات فعليه التوبة والإستغفار وإن كان المفطّر له مما يستوجب الكفارة فتلزمه كمن وقع على أهله قبل أن يغادر البلد وذلك ماأفتى به كبار أهل العلم كاللحيدان والعثيمين وغيرهم ، وهذه المسألة تغيب على كثير من الناس فليحذر المسلم من ذلك  .

ومن أكل أو شرب ظناً منه أن الشمس غربت فلا قضاء عليه على الصحيح لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت  : " أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس " 

والمرأة التي حاضت ثم طهرت في أثناء نهار رمضان فعليها أن تقضي ذلك اليوم وتمسك في بقيتة أو كان العكس بأن نوت الصوم ثم حاضت قبل مغيب الشمس ولو بدقائق فعليها ماأسلفنا أن تمسك وتقضي كما هو قول جماهير أهل العلم ومنهم كبار العلماء في عصرنا وهو القول الراجح  . 

وللتنبيه ياعباد الله : أهل الفساد في بعض وسائل الإعلام تنشط في بث منكرات شنيعة ومسلسلات هابطة تصّدر لقيم الفساد ، بل تطوّر مكرها في الدعوة للفاحشة والرذيلة علانية وكان من بعضهم التصريح بالإستهزاء بالدين وأهله والله جلا وعلا يقول : ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم . . ) ومن يشاهدهم له نصيب من الإثم لاريب ولا شك ولو قاطعت الجماهير أمثال هؤلاء ماروجوا لفجورهم وخبثهم ولكن وجدوا لهم من يداهنهم ويأخذ الأمر بتمييع وسخرية فحسبنا الله ونعم الوكيل . . فانجُ بنفسك من السقوط في أوحالهم ودنسهم لاكثر الله من أمثالهم في مجتمعنا وهيأ لولاة أمورنا من يضرب بيد من حديد على يد هؤلاء المستهترين ويكفّ عن المسلمين سفاهاتِهم وشرورِهم والله عزيز ذو انتقام . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الخميس، 15 أبريل 2021

خطبة عن الزكاة وإخراج الصدقة

 الحمدلله رب ذي الجود المتين الحق المبين يرزق من يشاء وهو خير الرزاقين يُعطي السائلين ويخلِف على عباده المنفقين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين الذي أرسى دعائم الدين ووعظ وبين لعباد الله المؤمنين عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :                                                                       

فاتقوا الله عباد الله فالتقوى جُنّة من النيران وسبيل لرضا الرحمن ومجنبٌ لسبل الشيطان ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .                                 

عباد الله : الزكاة ركن الإسلام الثالث وهي زكاة للأموال كما أن الصلاة زكاة للأنفس والأبدان والزكاة أخت الصلاة وقرينتها التي لاتنفك عنها ودائماً ربُنا يقرن بين الزكاة مع الصلاة في خطابه المعظم : " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين " وقوله سبحانه : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة " وهي شريعةٌ قديمة مثل الصلاة والعباد لاتصلح أمورهم بدون الزكاة وبها يواسي بعضهم بعضاً ويعطف بعضهم على بعض وهي حق الله في المال لابد من إخراجه ، ويقول الحق تبارك وتعالى مادحاً عباده المؤمنين : ( والذين في أموالهم حقٌ معلوم للسائل والمحروم ) وقد توعد الله بمن يترك دفع الزكاة أو يتهاون فيها بأشد العقوبات في القبر ويوم العرصات حين جمع العالمين على أرض المحشر ومن نصوص الوعيد في ذلك : ماروى النسائي والترمذي وابن ماجه في سننهم وأحمد في مسنده من حديث عبدالله بن مسعود رض الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن أحدٍ لايؤدي زكاة ماله إلا مُثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع - وهو الثعبان الضخم - حتى يُطوّق به عنقه " ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون مابخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير "  وكذلك ماأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن صاحب ذهب ولا فضة لايؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلّما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ، قيل يارسول الله فالإبل ؟ : " ولا صاحب إبلٍ لايؤدي منها حقها - ومن حقها حلبُها يوم وردها - إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاعٍ قرقر - وهي الأرض المستوية التي لاشجر فيها - أوفر ماكانت لايفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفوهها ، كلما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " وذكر مثل ذلك في صاحب البقر والغنم الذي لايؤدي زكاتها فاللهم رُحماك ولطفك يارب العالمين . 

عباد الله : من ملك نصاباً وحال عليه الحول وكان مُلكه تاماً على ماله بحيث أنه لايكون دين فتلزمه الزكاة ويجب أن يبادر لإخراجها ويحذر من التسويف فإن التسويف من جنود إبليس ، وينبغي على كل مسلم أن يجعل له وقتاً محدداً لإخراج الزكاة لأن الزكاة حولية وتختلف عن الصلاة التي هي وقتية يومية وقد اعتنى بعض العلماء ببيان نصاب الزكاة في كل عام من رمضان لأن الكثير من عباد الله يحرصون على أدائها في رمضان يطلبون مضاعفة الثواب في ذلك وفي هذا العام نظراً لارتفاع سعر الفضة فإن من ملك ألفاً وثمانمائة وعشرون ريالاً من المال النقدي كان فيه الزكاة  ونصاب الزكاة في الفضة نفسها إذا بلغت خمسمائة وخسمة وتسعون جراماً ففيها الزكاة وهو ربع العشر وكذلك الورق النقدي ، واستخدمت الفضة معياراً للزكاة في الورق النقدي لأن حسابها هو الأحض والأنفع للفقراء ، وماكان الناس قديماً يعرفون بالتعاملات المالية إلا بالذهب والفضة وبالنسبة لزكاة الذهب فلا تجب إلا من كان عنده خمسة وثمانون غراماً فصاعداً فيخرج ربع العشر منها . 

عباد الله : تُضم الأنصبة من المال الورقي والذهب والفضة إلى بعضها في تكميل النصاب وهذا قول جماهير العلماء وهو قرار هيئة كبار العلماء وعليه فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء وكذلك تُضم مع العروض المعدّة للتجارة ، وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي مانصه : " وجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أوفضة أو كانت تكمّل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدّة للتجارة . 

اللهم وفقنا لفعل الطاعات وجنبنا المنكرات وانتهاك الحرمات يارب الأرض والسماوات بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفرالله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=============== الخطبة الثانية =============== 

الحمدلله إله العالمين وولي المتقين وإله والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

عباد الله : هناك مسائل في الزكاة تخفى على كثير من الناس فلعلنا نورد بعضها بعجالة فمنها : 

- من كانت له أرضٌ اشتراها بنية التجارة فإن فيها الزكاة إذا حال عليها الحول فينظر في قيمتها إذا حال عليها الحول ويخرج زكاتها ولا عبرة بقيمتها حين شراءها ، وليعلم أن السعر المعتبر هو ماكان حال إخراج الزكاة ، وأما المتردد بين البيع والشراء فلا عبرة بذلك إلا إذا كانت لديه نية جازمة للتجارة والبيع .                                                                                            - وكذلك من كان له أسهم في أراضي تعرض للبيع فإن فيها الزكاة فينظر إلى قيمة سهمه حال مضي الحول ويخرج الزكاة بحسب قيمة نصيبه .   

 - ومن لديه عقارٌ يؤجره كعمارة أو منزل أو سيارة ونحو ذلك فإن هذه العقارات ليس فيها زكاة بل في أجرتها فيحسب أرباح الأجرة ويؤدي زكاتها .  - ومن يُشرف على مال يتيم أو مجنون فإن مالهما تجب فيه الزكاة وهو قول جماهير العلماء ويجب على ولي أمرهما أن يتجر بماله لكي لايقل ماله ولكي يبارك الله فيه وقد ورد عند الدارقطني مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال  : " من ولي مال يتيم فليتّجر به ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " وهل يحل لمن يشرف على مال اليتيم أن يأخذ من ماله ؟          

فيٌقال نعم بشرطين : أن يكون قد أنفق على اليتيم من ماله هو ( أي الولي ) ويأخذ استرداداً للنفقة وكذلك إذا كان فقيراً محتاجاً إلى المال ولكن يأخذ بقدر كفايته بلا زيادة ولا يحل له أن يتوسع في النفقة على نفسه من مال اليتيم مطلقاً           عباد الله : البحث الآن عن الفقير يحتاج لعناية إلى حدّ ما ودفع الزكاة الآن أصبح سهلاً ميسراً ولله الحمد عبر المواقع الإلكترونية مع منصات وفرتها الدولة كمنصة إحسان وفُرجت ومنصة جود الإسكان وكذلك الجمعيات الخيرية التي وفرت ولله الحمد أرقام حسابات في متناول الكثير من الناس فاللهم وفقنا لعمل صالح يرضيك عنا واختم بالصالحات أعمالنا واجعلنا ممن  دعاك فأجبته واستهداك فهديته ومن كل شرّ وفتنة حفظته وآويته ياذا الجلال والإكرام  . 

الخميس، 8 أبريل 2021

خطبة عن استقبال رمضان والإجتهاد فيه

الحمدلله الذي من على عباده بمواسم الخيرات وحثهم على الإجتهاد فيه لنيل الدرجات ووفق من يشاء لنيل المكرمات ، وأشهد أن لاإله إلا الله رب الأرض والسماوات وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالنور والبينات إلى كل البريّات عليه وعلى آله وصحبه أزكى التسليم والصلوات أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ٍواحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )
عباد الله : من نعمة الله على العباد منته عليهم بإدراك مواسم فاضلة تُضاعف فيها الأعمال والأجور ويُزلفهم الله بأعمالهم قربى إليه ودرجاتٍ رفيعة لديه ويغفر لهم ويعتقهم في تلك الأزمنة من النار وهانحن ياعباد الله نستقبل شهر رمضان الذي فضله الله على سائر الشهور بنزول القرآن وفضله الله بمضاعفة الحسنات ومغفرة الذنوب والسيئات على مافيه من هداية الناس لما ينفعهم ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّةٌ من أيام أُخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون )  . 
شهرٌ يبدأ فيه الخير من أول ليلة والخير في كل ليلة فقد روى الترمذي بسند صحيح عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:ٍ (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، ويَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ )
عباد الله : الصيام له منافع عظيمة للأجساد ومنافع للأرواح فمن منافع الجسد أنه يبعد الإنسان عن الأسقام والآفات ويُعالج الكثير من الأمراض ويريح المعدة ويعالج أمراض الدم وغيرها وفي المقابل منافعه للروح أنه يربّي المسلم على الصبر والإحتساب ويكسر حدة الشهوة ويذكّر بحال الفقير والمسكين ويُرضي الرب سبحانه ، ويحوز المسلم من وراءه أعظم الأجور وينال المغفرة والشفاعة وفي الحديث : " عليك بالصوم فإنه لاعدل له " وفي رواية : " فإنه لامثل له ".
وروى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) .
وروى البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
وروى أحمد في مسنده، بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: 
{ الصيام والقرآن يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَا } .
عباد الله : شهر رمضان فرصة عظيمة لتصحيح المسار والتوبة والإستغفار من الآثام والأوزار فيا أسيرَ المعاصي، يا سجينَ الشهوات ، هذا شهرٌ يُفَكّ فيه العاني، ويعتَق فيه الجاني، ويتجَاوَز فيه عن العاصي، فبادِر الفرصَة قبل حلول الآجال ، وانقطاع الأعمال ، وانتهز فُرص الفراغ قبل وقت الأشغال ، ولا تكن ممّن أبى، وخرج رمضان ولم ينَل فيه الغفرانَ والمُنى والرضا ، صعد رسول الله المنبَر فقال: ((آمينَ آمينَ آمين))، فقيل: يا رسول الله، إنّك صعدت المنبر فقلت: آمين آمين آمين!! فقال : ((إنّ جبريل عليه السلام أتاني فقال: مَن أدرك شهرَ رمضانَ فلم يُغفَر له فدخَل النار فأبعَده الله قل: آمين، قلت: آمين)) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان .
عباد الله : تنظيم الأوقات مع حلول الشهر الكريم أمرٌ مطلوب وواجب لمن يقصرّ في الصلاة أو ينام عنها ، ويأثم من يتعمّد النوم عن الصلاة ، وفتوى أهل العلم أن من تعمّد النوم عن الصلاة حتى خرج وقتُها كصلاة الظهر مثلاً فإنه يكفر بذلك فهو كمن يضبط المنبه على وقت العمل والدوام ولا يضبطه على وقت الصلاة فالأمر في ذلك خطير وليس بالهيّن فلا تغتر - ياعبدالله - بإمهال الله لك ، واتق الله بحفاظك على الصلاة المفروضة مع جماعة المسلمين في المسجد وتأمل كيف يستقيم صيامُ عبدٍ قصّر في الصلاة أو تركها حتى خرج وقتُها ، واعلم أنك إن جاهدت نفسك في هذا السبيل حتى تستقيمُ لك فأنت من خير الناس وإلا كنت من شرّهم  ومن عالج السهر لديه ورتّب وقتَه وسأل الله العون والتوفيق حقّق ونال الخير وأدّى الفرائض كما أُمر وسابق للخير وبلغ المراد وما يُنال المراد إلا بالحرص والإجتهاد . 
فاللهم وفقنا لاغتنام الأزمنة الفاضلة يامن لايرد سائلَه وبارك اللهم لنا في الكتاب والسنة وانفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .
============ الخطبة الثانية =============
الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أهل الفضل والتقوى وعلى من تبعهم بإحسانٍ  صلاة وسلاماً دائبين ملء الأرض والسماوات العلى أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - 
عباد الله : من أقصر الطرق لمرضاة الله وخير مايتعبد اللهُ به في الشهر الفضيل - سلامة الصدور وصلاح السرائر ، وهذا الشهرُ الفضيل فرصة لتطهير القلوب من شتى الخطايا القلبية والمكنونات الخفية فإن بعض الخطايا التي يجنيها الرجل بقلبه كالكبر والحسد ونحوها هي كبائر من الذنوب لها عظيم الأثر على دين العبد وأعماله ، فالخلاص منها خلاص من كبائر مهلكة تُذهب الحسنات والأجور للعبد وتقضي عليها ،وسلامة للمرء من عذاب الله في مستقبل أمره .

أخي المبارك : لاتدع لنفسك فراغاً في هذا الشهر الفضيل فهو موسمٌ يفوت ورمضان وقتٌ محددٌ وموقوت ، فمن أدركه الملل في وسطه أو أوله أو آخره فعليه بما يجمع عليه قلبه ويُعظم رغبته سواءٌ كان ذكراً أم تلاوة قرآن أم عبادة فالنفس تمَلّ في بعض الأحيان ، ولكن ليلتزم العبد قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " إن للقلوب إقبالاً وإدباراً ، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل وإن أدبرت فألزموها الفرائض . 
وإن مما يُستقبل به الشهر الفضيل الدعاء بالعون والتوفيق والقبول ، فالداعي مقرّب والدعاء مجرّب ولاتغفل عن الحوقلة ففيها حمل الأثقال وإنجار الأعمال فالزمها إذا كللت وأكثرمنها ومن الإستغفار إذا مللت . 
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مرسل أنه كان إذا استهل هلال شهر رمضان أقبل على الناس بوجهه ثم قال : " اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والعافية المجلّله ودفع الأسقام والعون على الصيام والصلاة وتلاوة القرآن ، اللهم سلّمنا لرمضان وسلمه لنا وتسلّمه منا حتى يخرج رمضان وقد غفرت لنا ورحمتنا وعفوت عنا  " وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف فهو من باب الدعاء وفضائل الأعمال  وهو مما أباح أهل العلم أن يُعمل به وقد ورد عن بعض السلف أنه كان يقول إذا دخل الشهر : " اللهم سلمني لرمضان وسلّم رمضان لي وتلّمه مني متقبلاً " . . وإن لم يحفظ العبد مثل هذه الأدعية فليدعو بما ورد في رؤية الهلال وهو حديث حسّنه الترمذي وبعض أهل العلم من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال : " اللهم أهِلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله " وأما رواية : " هلال رشدٍ وخير " ففيها ضعف ، اللهم إنا نسألك أن تُبلغنا الشهر الفضيل وتعيينا على صيامه وقيامه وتجعله عصمة لنا من الذنوب والمعاصي ياذا الجلال والإكرام  . 

الخميس، 25 مارس 2021

خطبة عن أذكار الصباح والمساء والنوم

الحمدلله عدد ماحمده الحامدون وأثنى عليه المادحون فاز برضوانه الذاكرون وسبق له المفردون والصلاة والسلام على نبينا محمد عدد ماصلى عليه الله والملائكة المقربون والخلائقُ أجمعون عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعون أما بعد :
فاتقوا الله -عباد الله - فالتقوى جنّة من الآثام وقربة للكريم العلام ( ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقْه فأولئك هم الفائزون ) .
- عباد الله : حياة القلوب بذكر الله علام الغيوب وصلاح العباد بحياة قلوبهم وزكاة نفوسهم وطهارة أفئدتهم والعبد متى أحس بثُقلٍ حين الذكر فليفتش عن دواخله وما خالط قلبه من أمراض الشهوات أو الشُبُهات ، والله أعلم عباده وأخبرهم في محكم التنزيل أن ذكر الله لابد أن تطمئن له النفس وينشرح به الصدر ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) فإذا مااطمأنت النفس ولم يحصل الإنشراح فهي مُشغلات عرضت أو كوامن شر بقيت أو همومٌ استولت على القلوب ومنعته لذة العبادة والذكر فطوبى لمن أشغل القلب بذكر الله وشغله هم الآخرة عن هم الدنيا .
- عباد الله : الكثير من الناس يفرّط في أذكار الصباح والمساء ولايحرص عليها ويفوته الحد الأدنى منها مع الأسف مع أن ذلك لايُكلّفه إلا دقائق معدودة ومع ذلك تجد أنه غافلٌ أشدّ الغفلة في عادة له مستمرة فمتى مثلُ هؤلاء يفيقون ؟ ولدينهم وآخرتهم يعملون ؟ . أذكار الصباح والمساء عصمة لابن آدم من الشرور والشياطين ، ولو نظرتم إلى من حولكم ممن فقد نعمة العافية بسبب عدم تحصين نفسه فابتلاه ربُّه إما بعين أو مسّ أو سحرٍ أو مرض ، فتجد أنه من النادمين على تفريطه بقراءة ورده من الأذكار في الصباح والمساء ، فماذا ينتظر ابن آدم أن يبتليه الله لكي يُفيق من سباته وينتبه من غفلته . عباد الله : آياتٌ محصنة بقدرة الله من شرّ كل دابة ومن شر الجن ومردته منها الآيتين من آخر سورة البقرة يقول عنها المصطفى : " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " والحديث متفق عليه ، وكذلك وكذلك سورة الإخلاص والمعوذتين ( قل أعوذ برب الفلق ) و ( قل أعوذ برب الناس ) فهي تكفي من كل شيء كما ورد في السنة وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن خُبيب رضي الله عنه وكذلك استحسن أهل العلم أن يقرأ آية الكرسي لأنها تُقرأ بعد كل صلاة ، وبعد صلاة الفجر والمغرب آكد فقد روى النسائي والطبراني في معجمه الكبير والأوسط وابن السُّني في عمل اليوم والليلة من حديث أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ آية الكرسي في دُبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) . يقول ابن بازٍ رحمه الله والسامعين عن هذا الحديث ( جاء له طرق وبعضها لابأس به ) ثم قال بعد ذلك : ( يُستحب أن تُقرأ - أي آية الكرسي - بعد كل صلاة من الصلوات الخمس ، لأن بعض الطرق -أي لهذا الحديث - صحيحٌ جيد لابأس به ) . وأما من أذكار السنة فهي كثيرة ولعلنا أن نورد شيئاً منها فمنها :
- " اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لاإله إلا أنت أعوذ بك من شرّ نفسي وشرّ الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجرّه إلى مسلم " وهذا الدعاء يقي من شرور النفس والعدوان على الآخرين إن داوم العبد عليه .
- ومنها : " اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور " ويقول في المساء " اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير " وانظروا لانتقاء الألفاظ في الشرع فلما كان بعث بعد النوم وهو يشبه البعث بعد الموت في الآخرة قال " النشور " ولما كان الناس يصيرون إلى مساكنهم وأهليهم في آخر النهار في الدنيا وإلى ربهم في الآخرة قال:" المصير  "  
- ومنها : " اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استُر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بك اللهم أن أُغتال من تحتي " ومعنى أغتال من تحتي إما أن يكون بخسف أو باغتيال الجن والشياطين وهذا الدعاء من أجمع الأدعية .
- ومنها : باسم الله الذي لايضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ويقول ذلك ثلاث مرّات كما ثبت في السنة
- ومنها : اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك بأنك أنت الله لاإله إلا أنت وحدك لاشريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فمن قالها أربع مرات في كل صبح وفي كل مساء أعتقه الله من النار وغفر الله له .
فاللهم اجعلنا لك ذاكرين لك شاكرين لك رهابين لك مطواعين إليه أواهين منيبين يارب العالمين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من الخطايا والأوزار فاستغفروه يغفر لكم إنه هو العزيز الغفار .

========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله الذي سبح الخلائق بحمده ، وربّى العالمين بفضله ونعمته ، وحذّر الغافلين من وعيده ونقمته ووعد أهل التقوى بنعيمه وجنته والصلاة والسلام على خير العباد الذي قضى بعدل الله وحكمته عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه وسنّته أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - وتأملوا في أمر الله لنبيه حيث قال الحق تبارك وتعالى :    ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ) وهذا يدلل على أن الذكر أول النهار وآخره أفضل من غيره من الأوقات لتخصيص الله لهما في الآية وكذلك التسبيح فهو مخصوص وفضيل قبل طلوع الشمس وقبل غروبها كما قال الله تعالى : ( وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب . . . ) وقال في آية أخرى : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . . ) ولما كانت الشياطين تسجد للشمس حين لحظة الطلوع وحين لحظة الغروب ناسب تنزيه الله في هذا المقام عن فعلهم الشركي الدنيء وفي الآية أنه يذكر الله في نفسه بتحريك لسانه لاكما يعتقد بعضهم بالقلب فقط فهذا مُخالفٌ لهدي السلف الصالح وأما الصمت فهو منهي عنه في العبادات وهو من عمل الجاهلية كما في الحديث المرفوع الذي رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لايُتم بعد احتلام ولا صُمات يومٍ إلى الليل " أخرجه أبو داود في سننه وكذلك وروى البخاري رحمه الله أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على امرأة من أَحمَس يُقال لها زينب فرآها لاتكلّم ، فقال : مالها لاتكلّم ؟ قالوا : حجت مُصمتة ، قال لها تكلمي فإن هذا لايحلّ هذا من عمل الجاهلية فتكلّمت " وهذا يدلل على أن الصمت لايُتعبّد الله به وأنه لابد من التلفظ في العبادات. 
عباد الله : إن من الناس من يفرّط في أذكار النوم بسبب إنشغاله بمطالعة جواله قبيل النوم ومن ثم ي أهمه النوم فيفوّت أجوراً عظيمة كان بالإمكان حوزها والإنشغال بالجوالات قبيل النوم خطوة من خطوات الشيطان تمكن بها من تخدير كثير من عباد الله وتفويت هذه القربات عليهم فهل من يقظة وحذر قبل ذهاب الأعمار وانقضاء الآجال فاللهم تداركنا برحمتك واعف عنا بعفوك ياكريم ياحليم  
. . هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الخميس، 18 مارس 2021

خطبة عن شهر شعبان وما ورد فيه

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً فبلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله -عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكلُ محدذة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من الأزمنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعنيها ويهتم بها ويكثر فيها من الصيام شهر شعبان وقد سُمي بذلك لأن الناس تتشعب بالأودية فيه وينتشرون ، وهو شهرٌ يغفل عنه الناس وهو شهرٌ يسبق رمضان كان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه كله وقد يترك منه يوم أو يومين فقد روى الإمام أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : " مارأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام شهرين متتابعين إلا أنه كان يصلُ شعبان برمضان " وفي حديث عائشة الذي أخرجه مسلم أنها قالت : " ولم أره صائماً من شهر قطّ أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كلّه كان يصوم شعبان إلا قليلاً " والمختار الذي عليه أهل العلم أنه النبي لم يكن يستكمل الشهر صياماً بل يخرم منه يوم أو يومين لئلا يشبهه برمضان ويشهد لهذا ماورد من أثر ابن عباس رضي الله عنهما والذي أخرجه البخاري ومسلم أنه قال : " ماصام النبي صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً قطّ غير رمضان " وأما ماورد في الرد على حديث أم سلمة الآنف الذكر فقد ورد أنه يجوز في كلام العرب أن يُقال فلان صام الشهر إذا صام أكثر الشهر ولذا ورد عن ابن المبارك كما نقل الترمذي أنه قال : " جائزٌ في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كلَّه " ومن الحكم في صيامه أنه شهرٌ ترفع فيه الأعمال فكان عليه الصلاة والسلام يحب أن يُرفع عمله وهو صائم وأورد ابن رجب في كتابه ( لطائف المعارف ) أنه قال : " صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكُلفة ، بل قد تمرّن على الصيام واعتاده ووجد بشهر شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته ، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط " وقال أيضاً : " لمّا كان شعبان كالمقدمة لرمضان شُرع فيه مايُشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن " ا.هــ
وقد كان السلف يجتهدون فيه بقراءة القرآن حتى كانوا يسمونه بـ( شهر القراء) بل كان منهم من يُغلق حانوته ودُكانه ويتفرغ فيه للقراءة ومما روي من أقوال السلف فيه مقالة أبو بكر البلخي رحمه الله فكان يقول : " شهر رجب شهر الزرع وشهر شعبان  للسقي وشهر رمضان شهر الحصاد " وقال أيضاً : " مثلُ شهر رجب مثل الريح ومثلُ شهر شعبان مثل الغيم ، ومثل شهر رمضان مثلُ المطر " .
وتعددت عبارات العلماء فيها فقال بعضهم : " السنة مثل الشجرة وشهر رجب أيام توريقها وشعبان أيام تفريعها ورمضان أيام قطفها " وقال بعضهم : " شهر رجب شهر التوبة وشهر شعبان شهر المحبة ورمضان شهر القربة " . 
والمقصود أن على العباد أن يتقوا الله في هذه المواسم التي تمر عليهم وأن لايفوتوا فيها السباق إلى الخيرات ونيل الكرامات والسباق لرفيع الدرجات فمن فوّت تلك المواسم فمتى يلتفت إلى آخرته وقد أشغلته دنياه ومتى يصلح نفسه وقد أشغله شيطانه وهواه . 
عباد الله : ولنعلم أن ليلة النصف من شعبان لم يرد بها حديث صحيح فلا تُخص بدعاء ولا قيام ليل وكل ماورد فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة وهذا الذي عليه كبار أهل العلم وهم أهل الفهم والبصيرة في الدين فاللهم اهدنا لسبيلك القويم واهدنا صراطك المستقيم واجعلنا من أهل دار النعيم ياقريب يا مجيب أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

========== الخطبة الثانية ==========

الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ثم أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - وتقربوا إليه بكل عملٍ صالح يرضيه وكل متقرب إليه يُعليه ومن سبق إليه يُدنيه : ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون ) . 
عباد الله : لقد أصبح الناس مع شهر رجب وشعبان ورمضان على ثلاثة أنواع : 
- فمنهم من يجتهد في رجب أو بعضه ويقلّ اجتهاده في رمضان وهم الرجبية وبعض الفرق الصوفية التي زاغت عن جادة الصواب ومنهم من يجتهد في رمضان ولا يعرف الله في بقية الشهور وهم كثير من عوام المسلمين ومنهم من يجتهد في شعبان بالصوم وقراءة القرآن وفي رمضان يزيدُ اجتهاده وجلَدُه ويهجر الكسل والراحة وذلك من أنار الله بصيرته ووفقه لاغتنام الأوقات قبل الممات فتجده يتقلب بين صيام وذكر ودعاء وقراءة قرآن وإكثار من النوافل وإطعام للطعام مع عمل المعروف والإحسان إلى كل محتاج وله عمل سرّ خفي وخبيئة عند الله لايعلمها الناس يرجوا ماعند الله من الثواب والأجر فلله درّه وليعلم أن الله لايضيع أجر المحسنين ( ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) وفي محكم التنزيل ( من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) . 
واحرصوا معشر الإخوة على الدعاء بأن يبلغكم الله شهر رمضان وأن يتقبل منكم صيامه وقيامه فكم من أناس تخطفتهم يد المنية قبل أن يبلغوا الشهر الفضيل وكم من أناس أتاه رمضان وهو عليل لايستطيع الصيام والصوم خيرٌ له إن استطاع   ( وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون ) ثم صلوا وسلموا على نبينا محمد فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . 

الخميس، 11 مارس 2021

خطبة عن تقديم العقل على النص وآثار ذلك .

الحمدلله الذي خلق الإنسان فعدله ، وبالعقل جمّله ، وكرمه على سائر المخلوقات وفضلّه والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أرسله للعالمين  فأزاح عن القلوب عِلَله وأزاح الضلالاتِ عن عقول الجهلة وأبان الدين وسبُله  ، عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أزكى صلاة وسلام وأكمله أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )  . 
عباد الله : في خضم الإنفتاح الذي نعيشه هذا اليوم والذي يدعو إلى ترسيخ الثوابت وحفظ الدين والحذر من الوقوع في الفتن التي تعصف بالمجتمعات كافّة ورحاها تطرح الناس مابين قتيلٍ وجريح ومخدوش وسليم ، تظهر فتنة تقديم العقل على النصوص الشرعية بين طوائف من المنتسبين للعلم وبين شرائح من المثقفين والمفكرين يدّعون سلوك سبيل التنوير - حسب مازعموا - ويسيرون بمكر من الله بهم إلى الهاوية . 
قد عجز الشيطان أن يخرجهم من الدين بالكليّة فدخل عليهم من باب العقل والمنطق ومن باب الفكرة والتأمل وما علم هؤلاء أن كل دواخل العقل ومخارجه قد أحاط الله به علما وكان به شيءٍ محيطاً وهو القوي المتين سبحانه ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ماتسوس به نفسُه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) . 
عباد الله : العقل نعمةٌ عظيمة ينبغي أن تُسخر في مرضاة الله تعالى وفي طاعته وأن يكون العقل يأمر صاحبه بالخير ويرشده له وإلا كان وبالاً على صاحبه ولذا تجد كثيراً من المشركين عندما يؤمرون بالتوحيد وإخلاص الدين لله أو اتباع ماأنزل الله يحتجون بعقولهم على أن كل رجل يتبع أبيه في دينه حتى لو كان على خطأ أو كان لايعقل ( وإذا قيل لهم اتبعوا ماأنزل الله قالوا بل نتبع ماألفينا عليه آبائنا أولوا كان آباؤهم لايعقلون شيئاً ولا يهتدون ) ولذا كان مصيرهم كما قال الله في شأن قومٍ لايعقلون بقلوبهم - والعقل والقلب مرتبطان ببعضهما - قال فيهم : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوبٌ لايعقلون بها ولهم أعينٌ لايُبصرون بها ولهم آذانٌ لايسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون ) . 
عباد الله : تقديم العقل على النقل خطيئة كبرى يقع بها كثيرٌ من المنتسبين للإسلام بحجج واهية ، علماً أنه من القواعد المقررة في دين الله  أنه ( لا اجتهاد مع النص ) وكذلك القاعدة المقررة عند أهل العلم حين التعارض لو وُجد وهي تنص على ( تقديم النقل  على العقل  ) والله جل وعلا أعلم وأحكم وله الحجة البالغة سبحانه على عباده ( وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له ومالهم من دونه من وال ) فلذا يجب أن نحذر من سلوك سبيل من يؤله العقل أو يُقدمه على مسلّمات شرعية فضلاً عن ثوابت أساسية في دين الله لاتقبل النقاش ولا الجدل ، وهكذا إذا استُعمل العقل في غير ماشرع الله أو في غير ماأباحه الله فإنه يحط بصاحبه في أدنى المنازل ويورده المهالك والشرور ويصليه عذاب الجحيم . 
عباد الله : العقل يقصُر عن فهم ماحجب الله علمه عن العباد وهي أشياءٌ كثيرة ولذا من العقل والعلم والفطنة أن يُرد علم ذلك إلى الله ولا يضرب ويخرص بالظنون ويرجم بالغيب ، ولذا لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح أتى الرد من الله سبحانه بأن العقل قاصر عن كننها وأمر برد أمرها إليه فقال تقدست ذاته وكملت صفاته : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ) . 
عباد الله : زاغ بتقديم العقل على النقل فرقٌ كثيرة من المعتزلة والمرجئة وكثير من الملل والنحل لعدة أسباب منها : قلة العلم والفقه وانتشار الجهل وتصدر الجهال وتسفيه العلماء والعدول عن تأمل النصوص الشرعية وعدم معرفة منهج المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التعامل مع النص والإستهانة بالنصوص أو التعلق بالشبهة من غير دليل صريح أو الجهل بمراد الله ومراد رسوله من هذه النصوص ، مع الإعراض عن تأمل النصوص وفهمها فهماً تاماً ، أو التلقي من مصادر لاتمت للإسلام بصلة من شياطين الإنس والجن وكأن الله يخاطبهم بهذه الآية : ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) ولذا كان الجدال بغير علم بابٌ للضلال ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم  قال : ( ماضلّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) ثم قرأ : ( ماضربوه لك إلا جدلا )  . 
فاللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا وأقوالنا وأفعالنا ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله يهدي من يشاء برحمته ويُضل من يشاء بحكمته وحذّر العباد من عذابه ونقمته والصلاة والسلام على المبعوث بدين الله وشرعته وعلى آله وصحبه وأهل ملته ومن تبعهم بإحسان ٍإلى يوم الدين أما بعد : 
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الوحي معصوم لايتطرق إليه الخطأ مهما كانت الظنون فيه ومهما تطاول بعض العقلانيين عليه وأن متبعيه هم المهتدون المهديون السائرون على النهج القويم ومن شكّ في عدم عصمته فقد كذّب الله ورسوله وأسقط الشرائع وجحد دعوة الأنبياء حيث أن الله يقول :( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . . . ) وكذلك قول الله تعالى : ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتابٌ عزيز لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد ) وكذلك قول الله تعالى : ( ولو أنهم فعلوا مايوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا * وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيما * ولهديناهم صراطاً مستقيما ) فدين الله عزيٌز غالب ولو قل بسلوك دربه السالكون أو تخاذل عنه المفتونون أو قذف بالشبهات فيه الضالون من أهل الكتاب وغيرهم وليُعلم أنهم لايضلون إلا أنفسهم ولايزيدون إلا حيرة على حيرتهم وزيغاً على انحرافهم والبصير العاقل يحذر ويُحذر من كيد الأعداء وشرَهم ( ودت طائفة من أهل الكتاب لو يُضلونكم وما يُضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ) وقال سبحانه في بعض أولئك ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يُضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلّمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) . 
عباد الله : مازال أعداء الدين من اليهود والنصارى والرافضة وغيرهم  يقذفون بالشبهة تلو الشبهة وبالفرية والكذب زوراً وبهتاناً وهناك مع الأسف سمّاعون لهم من بني جلدتنا ، ممن احتوى قلبه الأمراض المعنوية من سائر الشهوات واستحوذ الران على قلبه فبدأ دينه يخفّ وعقله يزيغ عن الجادة والصواب ، قد زيّن الشيطان له سوء عمله وبريق قوله فمثلُ هؤلاء تُقام عليهم الحجة ويُبين لهم سبيل المحجة البيضاء التي لايزيغ عنها إلا هالك ، ومتى قامت عليه الحجة فلاتذهب نفسك عليهم حسرات إن لم يهتدوا فالله يحتاجه كل أحد وليس يحتاج لأحد ودين الله عزيزٌ بأهله والعصمة بحبل الله أمرٌ مطلوب وقد فاز من لربه يؤوب فاللهم اجمع على دينك القلوب ويسر لعبادك كلََ مرغوب وخلصنا من المعاصي والذنوب ياذا الجلال والإكرام . 

الخميس، 4 مارس 2021

خطبة عن أهوال يوم القيامة

الحمدلله الذي إليه المصير وإليه المآب ، الكريم التواب الغفور الوهاب الذي ذلت لعظمته الرقاب ولانت لقدرته الشدائد الصلاب ، والصلاة والسلام على النبي والأصحاب ومن تبعهم بإحسان وعلى كل من لربه أناب ثمّ أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم توُفى كل نفسٍ ماكسبت وهم لايُظلمون ) واعلموا أن ذلك اليوم الذي يرجع فيه الناس إلى ربهم يومٌ عظيم ، يوم الفاقة والسكرة يقول فيه ربنا جلا وعلا : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعةٍ عمّا أرضعت وتضعُ كل ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) ومن شدّته يريد الإنسان أن يفتدي منه ومن عذابه بابنه وقرابته . وقد صوّر الله ذلك الموقف حيث قال سبحانه في سورة المعارج : ( يودّ المجرم لو يفتدي يومئذٍ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعاً ثمّ يُنجيه ) .
عباد الله : قد صّور الله مايجري في الكون إذا كانت النفخة الثانية وهي نفخة البعث فقال جلا في أوائل سورة التكوير : ( إذا الشمس كوّرت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سُيّرت * وإذا العشار عُطّلت * وإذا الوحوش حُشرت * وإذا البحار سُجّرت * وإذا النفوس زوّجت * وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنبٍ قُتلت * وإذا الصُحف نشرت * وإذا السماء كُشطت * وإذا الجحيم سُعرت * وإذا الجنّة أزلفت * علمت نفسٌ ماأحضرت ) . . فالشمس في ذلك الموقف يذهب ضؤها ومصيرها إلى النار لأنها عُبدت من دون الله ( وذلك مصداقاً لقول الله تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) والنجوم تتساقط وتنتثر والجبال تزال عن مكان وتُسيّر على رسوّها وصلابتها ، والعشار وهي النوق الحوامل المُعشّرة ( وهي من أنفس أموال العرب ) تهجر وتترك ، وسائر الوحوش تُجمع للفصل بينها - مع أنها بهائم مُعجِمة - ومن ثمّ تكون تراباً والبحار توقد وتلتهب ناراً ، ويُضم المؤمنون مع بعضهم البعض والكفار وسائر ملل الكفر مع بعضهم وذلك مع تزويج النفوس الوارد في الآية ، والبنت الصغيرة تُسأل ويُحاسب حساباً شديداً من وأدها وهي صغيرة ، والسماء تنشق وتزال وتنفطر كما ورد في سورة الإنفطار والجحيم تُسعر والجنة تُقرّب وتدنو من المؤمنين ففي ذلك الموقف يتذكر الإنسان ويعلم ماذا كان عليه وماهو عمله وما مصيره ( يوم تجدُ كل نفسٍ ماعملت من خيرٍ مُحضرا وما عملت من سوءٍ تودّ لو أن بينه وبيها أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوفٌ بالعباد ) ، واختصت سورة التكوير والإنفطار والإنشقاق بتصوير أهوال يوم القيامة أكثر من غيرها من سور القرآن ، ولذا أخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيُ عينٍ فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت ) .
عباد الله : النار وماأدراك ما النار ؟ عذاب الله المُحتّم على العباد إلا من رحم الله والورود عليها أمر لن يسلم منه أحد ، حتى الأنبياءِ وأتباعهم ولكن الله ينجّي المؤمنين ويلقي فيها من حقّ عليه القول ، فيمرّ عليها العباد بحسب أعمالهم ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضيّا * ثمّ ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا ) وفي وصف النار يقول الله تعالى : ( إذا رأتهم من مكانٍ بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيرا ) وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه قال : " يؤتى بجهنم يومئذٍ - أي يوم القيامة لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها ) بعيدة القعر خبيثة الطعام طعامهم من الزقوم -وهي شجرة تنبت في الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين والضريع وهو نبات كريه الطعم ذو شوك وشرابهم عليه الحميم الذي بلغ في الحرارة منتهاها ( وسقوا ماءاً حميماً فقطّع أمعاءهم ) نعوذ بالله من مصير أهل النار وبؤسهم وشقاءهم .
عباد الله : أخرج الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ سمع وجبةً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أتدرون ماهذا ؟ قال قلنا : الله ورسوله أعلم ، قال : " هذا حجرٌ رُمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها " . . وإن سألتم عن أهل النار فقد ورد في السنة أنه يعظّم فيها جسد الكافر وضرسه فقط يكون بمثل جبل أحد وليس ذلك تعظيماً لشأنه ولكن لكي يُزاد في عذابه وفي حديثٍ أخرجه ابن ماجه وصححه بعض أهل العلم من حديث أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يُرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع " وفي حديث آخر : " إن أهل النار ليبكون حتى لو أُجريت السفن في دموعهم لجرت وإنهم ليبكون الدم " فاللهم عافنا والطف بنا وارض عنّا وتجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا ياذا الجلال والإكرام أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله ذو البأس الشديد الفعّال لما يريد والصلاة والسلام على خير العبيد نبينا محمد وعلى آله وصحبه وعنّا معهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المزيدأما بعد : 
 فاتقوا الله عباد الله فالتقوى عباد الله يعصم العبد من وعيد الله إذ لاعاصم من أمره إلا هو ( قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً ) . عباد الله : يمرّ الناس يوم القيامة بمراحل فيعيشونها مرحلة مرحلة وحالة حالة وهي التي أقسم الله في القرآن بتحقق وقوعها لامحالة فكل نفسٍ تمرّ بها ولا ريب ( فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبنّ طبقاً عن طبق * ) أي حالاً بعد حال ، فيبعث الناس من قبورهم ويأتون إلى أرض المحشر ويقومون قياماً طويلاً في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، يطول على الكافر ويشق عليه ويقصُر على المؤمن حتى يكون كمثل الوقت الذي بين صلاة الظهر والعصر ، وتدنوا منهم الشمس قدر ميل فيعرقون ، وعرقُهم على قدر أعمالهم ومن ثم يكون الورود على حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيرد عنه كل منافق وكافر ويشرب منه المؤمنون شربة لايظمؤن بعده أبداً ، ومن ثمّ يؤذن بالشفاعة وهي الشفاعة الأولى التي يشفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم لكي يأتي الله للفصل والقضاء بين العباد ، ثم يكون عرض الأعمال ثم يكون الحساب وبعد ذلك تتطاير الصحف فآخذٌ كتابه بيمينه وآخذٌ كتابه بشماله ثم يكون الميزان فتوزن الأعمال ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون ) ثم يضرب الله الصراط على متن جهنم ويكونون في الظلمة دون الجسر فيمرون على الصراط على قدر أعمالهم فمنهم كالبرق ومنهم كالريح العاصفة ومنهم كالجواد السريع ومنهم من يمشي مشياً ومنهم من يحبو حبواً ومنهم من تخدشه النار ومنهم من تخطفه الكلاليب فيُلقى في جهنم والنبي صلى الله عليه وسلم يكون على طرف الصراط يدعوا الله : " اللهم سلّم سلّم " فالكفار والمنافقون لاينجون ، ولا يبقى إلا المؤمنون ومن ثم يبقى الإستفتاح لدار النعيم فيفتتحها النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم يدخلها المهاجرون الأول ومن ثم الأنصار وبقية الناس والفقراء يدخلون الجنة بنصف يوم من أيام الله أي بنحو خمسمائة عام من أعوامنا كما ورد بذلك السنة ، فلا تفرح بالمال فطوبى للمنفق والباذل وياخسارة الشحيح والبخيل ، فاللهم آمنا يوم يخاف الناس وأسعدنا يوم يحزن الناس وأعذنا يوم القيامة من الشقاء والإفلاس ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام . .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...