الجمعة، 4 مارس 2022

خطبة عن دعوة النصارى والكنيسة الشرقية والغربية

الحمدلله الذي هدانا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ، أحمده وهو الهادي إليه سبيلا ، ونصلي ونسلم على من بعثه للخلق كافة بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسار على نهجه إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . . ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلّم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالةٍ في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 
عباد الله : النصارى أمة من أمم البشر لها عدد وعدّة تختلط كثيراً بالشعوب ولها هيمنة واستعمار لكثير من دول العالم ودين النصارى دينٌ محرّف إلا من كان منهم على دين حواريي عيسى عليه السلام وأخذوا بتعاليم المسيح ولم يبلُغهم الإسلام ، والنصارى عامّة اليوم على ضلال في العقيدة وتخبّطٍ في شأن المسيح عليه السلام ، ولمّا نسي أوائلهم ماذكروا به وتعاليم الإنجيل قبل التحريف أغرى الله بعضهم ببعض فهم في خلاف وقتال وحروب إلى يوم القيامة وفي ذلك يقول الله جلّ وعلا : ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظّاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) فقامت بسببهم حروبٌ عالمية حصدت معها الملايين من البشر وأهلكوا الحرث والنسل وانتشرت أمراض بسبب تلك الحروب وسلّط الله على بعضهم أمراضاً أفنت كثير منهم كما حصل بسبب الإنفلونزا الأسبانية التي أفنت أكثر من خمسين مليون إنسان وكان بدايتها في ربيع الثاني من العام 1336 هجري وقد يرسل الله مثل هذه الأمراض الفتّاكة لتفض عزيمة المتحاربين وتوقف الشرور في هذا العالم  . 
عباد الله : الخلاف بين النصارى في الديانة أمرٌ ينبغي أن يهتم به المسلمون وذلك من أجل دعوتهم إلى دين الله الحق ومعرفة الواقع ، والمسلم بطبعه اجتماعي ودين الإسلام ليس ديناً منغلقاً يحرّم الحوار والمناظرة في الدين ، لأن الحوار والمناظرة سبيل من سُبل الدعوة وجانب من دعوة الجمهور لمعرفة الدين الحق الذي يرتضيه الله لعباده ، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاور خصومه ويُناظرهم تفنيداً لحججهم وقد ناظر نصارى نجران ، فقال الواحدي : " قال المفسرون : قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة رجلاً من أشرافهم ، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم ، فالعاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لايصدرون إلا عن رأيه واسمه عبدالمسيح والسيد إمامهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبوحارثة بن علقمة أسقفهم وحِبرهم وإمامهم وصاحبُ مدارسهم ، وكان شرُف فيهم ودرس كُتبهم حتى حسُن علمه في دينهم ، وكانت ملوك الروم قد شرّفوه وموّلوه ، وبنوا له الكنائس لعلمه واجتهاده ، فقدموا على رسول الله ودخلوا مسجده حين صلّى العصر عليهم ثياب الحَبِرات  
( ثياب يمانية ) ، جِبابٌ وأردية في جمال رجال الحارث بن كعب ، يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : " مارأينا وفداً مثلهم "  وقد حانت صلاتُهم ، فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوهم " ، فصلّوا إلى المشرق ، فكلّم السيدُ والعاقب رسولَ الله صلى الله ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسلما " ، فقالا : " قد أسلمنا قبلك " قال : " كذبتُما ، منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً ، وعبادتُكما الصليب ، وأكلُكما الخنزير " ، قالا : إن لم يكن عيسى لله ولداً فمن أبوه ؟ وخاصموه في عيسى ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " ألستم تعلمون أنه لايكون ولدٌ إلا ويشبه اباه ؟ قالوا : بلى ، قال : " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمُّه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثمّ غُذّي كما يُغذّى الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويُحدث ؟ قالوا : بلى ! قال : " فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ " فسكتوا ، ثم أنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها  ، وهذه القصة نقلها كثير من العلماء في كتبهم بلا نكير كابن تيمية في " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " وابن حجر في كتابه " العُجاب في بيان الأسباب " . 
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لن يؤمنوا وأيس من إسلامهم دعاهم إلى المباهلة وهي أن يجتمع القوم من أهل الحق والباطل فيُقروا بإحلال لعنة الله على الظالم من أحد الفريقين ولا تكون إلا بعد إقامة الحجة ، والذي ينبغي ذكره أنه بعد المباهلة لايمضي العام إلا وقد ذهب الكاذب الأفاك من أهل الباطل هو ومن كان من نسله في المباهلة ، ولذا يحذر أهل الباطل من المباهلة ويرعبون منها وأصلها هي قول الله تعالى : ( فمن حاجّك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونسائنا ونساءكم وأـنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) . 
ولذا لمّا احتار نصارى نجران في الإيمان أو ملاعنة النبي صلى الله عليه وسلم وحكّموا شُرحبيل بن وادعة الهمداني فذكر أنهم من أدنى العرب أرضاً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن أهل واديهم يصدرون عن رأيه ثم قال لهم : " وإن كان هذا الرجل نبيّاً مُرسلاً فلاعنّاه فلايبقى على وجه الأرض منّا شعرة ولا ظفر إلا هلك " وهي آخر مرحلة في الدعوة لمن اختار دينه ورضي بالجزية ، وكان ذلك من نصارى نجران فرَضَوا بالجزية وجنحوا إلى ترك المباهلة ، فكتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً يبيّن فيه مايجب عليهم من الجزية ذكرته كتب التاريخ والسنة . 
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال لايهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنّا سيئها لايصرف عنّا سيئها إلا أنت ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=============== الخطبة الثانية ===============

الحمدلله يهدي من يشاء ويختار الواحد القهار العزيز الغفار والصلاة والسلام على صفوة الأخيار نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ أزكى الصلواتِ ماتعاقب الليل والنهار أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الخلاف بين النصارى أنفسهم قائمٌ وقديم ، ولذا ورد في القرآن أن النصارى أنفسهم انشقوا فيما بينهم وفي ذلك يقول الله تعالى : " وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض . . " وكان أول ماانشقوا في القرن الخامس الهجري والذي يوافق القرن الحادي عشر الميلادي فانشقوا إلى كنيستين شرقية وغربية كبداية واتضح الإنشقاق في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي ، فالشرقيون أرثوذوكس ومركزها قديما ً كان في القسطنطينية وهي اسطنبول الآن في تركيا وكذلك كانت في مصر في الإسكندرية وتمثلها روسيا كقوة ، وكنيسة غربية كاثوليكيّة وتمثلها روما قديماً ويتبعها غالب أوروبا وفي القرن السادس عشر الميلادي ظهر راهبٌ ألماني يُطالب اسمه مارتن لوثر ودعا لمذهب ثالث يريد إصلاح خطأ الكنيسة ، وقد أغاظه صكوك الغفران التي توزعها الكنيسة فكان لايرى الذهاب إلى الكنيسة لتغفر له ذنوبه ويكره أن تكون الكنيسةُ وسيطاً بين العبد والإله وكان يدعو لطلب المغفرة من الإله مباشرة وهذا المذهب هو أخفها بين النصارى وهم البرتاستيون اليوم ( ومعناها : المحتجون ) وكثُر أتباعه وذلك بسبب سيطرة الكنيسة وهيمنتها وظلمها وصاروا ينافسون الفرقتين الأوليين . 
والفرق بينهم باختصار أن الأرثوذكس يعتقدون أن المسيح والله جل وعلا كالشيء الواحد وأما الكاثوليك فعندهم أن الله والمسيح بينهما فرق إلى حدٍ ما ، وهما أي الأرثوذكس والكاثوليك مجمعان على أن من يفسر الإنجيل هم القساوسة والأساقفة منهم دون بقيّة الناس وأما البروتستانت فهم لايرون هذا وينكرونه ويقولون بأن كل شخص بإمكانه أن يفسّر الإنجيل إذا درسه وعرفه وليس تفسير الإنجيل حصرٌ على القساوسة والزواج عندهم يحرّمه الكاثوليك والأرثوذكس بعكس البروتستانت . 
عباد الله : وبالنسبة للناحية الشرعية فالأرثوذكس أكثر كفراً وشركاً ثم يأتي بعدهم الكاثوليك وأقلّهم البروتستانت والكفر ملّة واحدة ولا نجاة لنصراني ولا يهودي إلا باتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مادام أنه سمع به وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( والذي نفسي بيده لايسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولو يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار ) أخرجه مسلم في صحيحه . 
عباد الله : هذا السرد الذي ذكرتُ لكم لكي نفهم الخلاف العقائدي والأحداث الراهنة التي تجري اليوم بين النصارى أنفسهم ، فالناس غالباً في الحروب يُقاتلون عن عقيدة وتعصب حتى لو كانوا كفّاراً وهذا يدفع الله به عن الأمة الإسلامية شرّاً عظيماً ، فسُنّة دفع الله عن العباد جارية ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضلٍ عن العالمين )  فاللهم اضرب الظالمين بالظالمين وسلّم أهل الإسلام في كل مكان من شرّ الكفرة والملحدين وأهل الزيغ والضلال ياقوي ياعزيز . . 

الاثنين، 28 فبراير 2022

خطبة عن خطر الفتوى وأثرها وضوابطها

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )
( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : القول على الله بغير علم سبيلٌ من سبُل الجحيم وأثره على الفرد والمجتمع والمفتي والمستفتي عظيم والله جلّ وعلا ذكر من خلقه من المشركين ومن سار على طريقتهم أنهم يجادلون ويضلون بأهوائهم بغير علم فقال جلا وعلا : ( وإن كثيراً ليُضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) وقال سبحانه : ( ومن الناس من يُجادل في الله بغير علم ويتبع كلّ شيطانٍ مريد ) وقال أيضاً : ( ومن الناس من يُجادل في الله بغير علم ولاهدىً ولا كتاب منير ) والجدال في أصله مذمومٌ ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " ماضلّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " ثم قرأ : ( ماضربوه لك إلا جدلا ) أي - عيسى عليه السلام - وفي هذا الحديث يدل على أن الذي يتوغل في الجدل ويُعرض عن النصوص أو يأوّل النصوص أن عنده ضلال قطعاً بنص الحديث ، وكان أهل الجدل من المتكلمين الذين ظهر أوائلهم في أواخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم فظهرت المبتدعة والمتكلمين في القدر وأنكر بعضهم الصفات وتناول القرآن والسنة جدلاً ومناظرة فمنهم من تأوّل النصوص بما لايصح تأويلها به ومنهم من أنكرها ، وكان أول من تكلّم بالقدر معبد الجهني وغيلان الدمشقي وظهر بعده الجعد بن درهم الذي يقول بخلق القرآن ونفي الصفات ثم تتابع أناسٌ بعدهم كلٌ يأتي برأي يُخالف منهج السلف ويُناكف به أهل الحق ويشاقق به الله ورسوله والمؤمنون وكما قال صلى الله عليه وسلم : " ثلاثٌ مهلكات : شحٌ مُطاع وهوى متّبع وإعجاب المرء بنفسه " رواه الطبراني والبزّار بسندٍ جيّد .
وفي حديث أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى " رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعاجم الثلاثة ورُوي عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : " إن أخوف ماأتخوّف عليكم اثنتان : طول الأمل واتباع الهوى ، فأما طول الأمل فيُنسي الآخرة وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق " .
عباد الله : ومن القول على الله بغير علمٍ واتباع للهوى الفتوى بجهلٍ متعمداً ومستهيناً بهذا العمل ، ولا يحلّ لامرئ أن يُفتي إلا من توافرت فيه شروط الفتوى وكان عالماً بالمسألة التي أفتى بها بدليلها أو تعليلها الفقهي السليم من المناقضة والذي أقرّه أهل العلم ومن شروط الفتوى والإجتهاد مايلي :
* ان يكون عالماً بكتاب الله وبمعانيه وخصوصاً أدلة الأحكام ومايتعلق بها من المسائل الشرعية وماتبني عليه من الأدلة التي تحوي الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيّد وما يكتنف تلك المسائل .
* ومنها أن يكون عالماً بالسنة بشكل عام وما يتعلق بها من روايات مرتبطة وأدلة صحيحة وضعيفة ، وما تقدّم من الأدلة وما تأخر فإن ذلك مما يُبنى عليه الحكم الشرعي علماً أن أدلة السنة واسعة وفيها من التفصيل ماليس في كتاب الله ، وقد ظهر قومٌ يستهينون بالسنة ولا يهتمون بأدلتها أو يقصونها ويكفيهم زجراً قول النبي الله عليه وسلم : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجلٌ شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه " أخرجه أبوداود في سننه .
* ومنها أيضاً أن يكون عالماً باللغة العربية ولسان العرب وذلك لتمييز الحكم الشرعي وإخراج مايُخرجه الخطاب الإلهي أو النبوي وإدخال مايُدخله الخطاب وهذا مهمٌ في استنباط الأحكام .
* وأن يكون عالماً بالإجماع وبمواطن الخلاف والمذاهب والآراء الفقهية لتوضيحها وبيانها وبيان ماينصره الدليل منها لكي يُفتي بها ويُبلّغه لطالب الحق والصواب .
* العلم بمقاصد الشريعة والقواعد الفقهية وأصول الفقه لكي يرد المسائل الجزئية للقواعد الكليّة ويتضح للمستفتي مراد الله وحكمه ويكون المُفتي على قاعدة بيّنة واضحة فلا يموج به الرأي حين ورود المسائل الفقهية ، ويضطرب في الجواب ويُجانب الحق والصواب حين الإستفتاء .
* ومن الشروط أيضاً العلم بأحوال الناس وعُرفهم وهذا ينبني عليه الحكم الشرعي في المسائل التي لادليل عليها صريحٌ واضح والعادة محكّمة كما هي القاعدة المعروفة مالم تكن متعارضة مع شرع الله الحكيم .
عباد الله : شرع الله صالح لكل زمان ومكان وهذه حقيقةٌ مسلّمة لاينكرها إلا من جهل أو تعامى عن الحق ولكن الكثير من المتعالمين أو طلاب العالم يجهلون مايُسمّى بفقه النوازل والتعامل مع المستجدات الحديثة ، فيضطرب ويجهل ماينبغي أن يتكلم به أو يبلّغه للناس حين وقوع النازلة التي ينبغي أن يردّ علمها والإفتاء فيها لذوي الإختصاص من العلماء الذين حرّروا الفقه ودرسوه وتعمّقوا في قواعده وأصوله وكليّاته وجزئياته ، والذين هم أهل الصنعة والديانة فلا ينبغي أن يجتهد رأيه في ذلك وليس مؤهلاً حتى لو كان طالب علم لأنه يعلمُ القليل ويجهل الكثير فيزلّ مزلّة تهوي به في دركات الجحيم ، وكان في منأى لو أنه ردّ العلم لأهله .
عباد الله : هُناك مسائل فقهية قد يُثيرها أعداء الإسلام تهكماً بالإسلام وأهله ، ويطبّل لها أناس من بني جلدتنا ممن يندس في صفوف هذه الأمة ، فإياك أخي المُبارك أن تكون معول هدم بنشر تلك الأباطيل التي لها جواب في كتاب الله أو سنة رسوله أو الحجج العقلية ولكن يجهلها الكثير من الناس لجهلهم ولضعف إيمانهم ومجالستهم ومحاورتهم أولئك الأراذل من الخلق ، والله حذّر من هذا الصنيع حيث قال جل وعلا : ( وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنكم إذاً مثلُهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ) .
فمن لم يحاورهم بالحجة ويُقارعهم بالحق مع تمكنه من العلم الشرعي المؤصل إن كان ذلك ينفعهم ويطلبون في ذلك الحق وإلا فالواجب عليه أن يتجنبهم ويحذَر ويُحذّر منهم وهذا مادلت عليه الآية وأرشدت إليه وإن لم يفعل فهو مثلُهم فويلٌ له إن لم يتداركه الله بتوبة ورحمة نسأل الله لنا ولكم العافيه والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة وأن يثبتنا على دينه ويقمع أهل الزيع والفساد والعناد إنه جوادٌ كريم ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============== الخطبة الثانية ===============
الحمدلله الذي يهدي من يشاء بنعمته ورحمته ويُضل من يشاء بعدله وحكمته والصلاة والسلام على المبعوث للعباد بفضل الله ومنّته نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وأهل ملّته صلاة وسلاماً نرجو بها نرجو بها الدخول في شفاعته أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن للفتوى أثراً على الدين والنفس والفرد والمجتمع وأمن البلاد بشكلٍ عام ، وكل ذلك سببه عدة أمور منها :  
- عدم الرجوع للأئمة الراسخين في العلم وذلك أن من الناس من عنده علمٌ شرعي ومن الممكن أن يُفتيك ويعرف بعض المسائل ولكن ليس من الراسخين في العلم ، فالرسوخ في العلم منزلة أعلى قلّ من ينالها - ياعباد الله - وذلك أنه في زمن الفتنة يُقدم بعض المنتسبين إلى العلم وأهله تنازلات قد تصل إلى التنازل عن مسلّمات في الشريعة وذلك كما يقولون بسبب ضغط الواقع واسترضاء الرأي العام ، فيعزّ عليهم هذا الأمر فيزلّون في هذا الشأن وتكون فتواهم دخيلة ليست متجرّدة لله ورسوله وهنا يأتي دور الراسخين في العلم ويعضُّون على الحق ولو كرههم كل مخلوق ، ومن ثمّ يظهر بعد ذلك للناس فضلهم وعلو منزلتهم بسبب هذه المِحن والإبتلاءات التي مرّوا بها ، ولهذا أهل العلم يقولون كلمتهم المشهورة : " إذا أقبلت الفتنة عرفها العلماء فإذا أدبرت عرفها الدهماء " والدهماء عوام الناس  . 
- وترك المشورة في الأمور المُعضلة سبب من أسباب الإنزلاق في الشرور والمشورة بإمكان كل شخصٍ عاقل لبيب أن يُقدمها ، فليست مثلُ الفتوى التي تختص بعلماء مُختصين . 
- وكذلك الحماس والتسرّع لدى بعض الشباب الذي يجرّه لتجاوز حدود الله عاقبته الندامة وخسارة الدنيا والآخرة وطاقة الشباب معشر الآباء والمصلحين لابد من استثمارها في عمل الخير وصناعة المجد لهذه الأمة فالشباب هم أس نهضتها الذي تقوم به ، فلذا وجب على كل مربٍّ ومسؤول أن يُرشد ويدل كل من تحت يده التوجيه الأمثل فهم أمانة ونعمة ، ولا يجعل هذا الشاب تتلقفه أيدٍ آثمة تورده مالا يُحمد عقباه ويطال الجميع بلواه . 
وختاماً - ياعباد الله - ينبغي أن يحذر العبد من انتقاء الفتوى حين خلاف أهل العلم ، فبعض الناس يتخذ ذلك ذريعة لأن يتخير من أقوالهم مايناسب حاله وهواه ولا يحرص على اتباع من يتبع الدليل منهم ولو أن كل شخصٍ عمل هذا العمل في كل أحواله لاجتمع فيه الشرّ كله ، وذلك أن لكل عالم مهما بلغت منزلته لابد أن يخرج له قولٌ مرجوح في مسألة من فروع المسائل مع أنه على خير ويُصيب في أكثر المسائل - وأبى الله إلا أن يكون الكمال له جلّ وعلا - فيأتي هذا الذي ينتقي من الأقوال مايوافق هواه فيختار هذا القول ويعمل به وينشره ويدعو إليه فيضل ويُضل ، ولذا أجمع العلم على هذه المقولة : " من تتبع الرُخص تزندق " ونقل الإجماع ابن عبدالبر وابن حزم رحمهما الله ، فنسأل الله أن يهدينا سواء السبيل ويقينا شرّ أنفسنا والشيطان في سائر الأحوال فهو المستعان وإليه المآل . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد قال جلّ في علاه : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 

الثلاثاء، 15 فبراير 2022

خطبة عن عوائق الطرق والآبار المكشوفة وخطرها وآثارها

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من كمال هذا الدين وعدله أن أمر شارعه وهو ربنا جل وعلا بحفظ الأنفس من التلف والإتلاف وكذلك الأموال وجعل حفظ النفوس والأموال من الضروريات الخمس التي أتت بحفظها الشرائع والله جل وعلا بين أن النفوس معصومة وحرّم الله سفك دمها أو التسبب بموتها وإلحاق الضرر بها بأي صورة كانت وتجريم وتعزير من يفعل ذلك ، وليس حفظ النفس واجبٌ على ولي الأمر فقط بل هو واجبٌ وفرضٌ على المجتمع المسلم كلّه ولذا ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : " قُتل غلامٌ غيلة وذلك في اليمن - فقال عمر : لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به " وهذا الحديث من إخراج البخاري ، ومن حفظ النفوس - ياعباد الله - إزالة كل عائق يكون بطريق أو مكان يأوي إليه الناس وذلك إبعاداً للضرر عن المسلمين كافة والمصطفى صلى الله عليه وسلم بين أن من شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق ومن إماطة الأذى عن الطريق الإبلاغ للمسؤول المعني بذلك عن كل مايؤذي المسلمين سواءاً كانت شجرة أو حُفرة أو أي نوعٍ من المؤذيات في الطريق إذا كان لايستطيع إزالته بنفسه .
عباد الله : كثُرت في وقتنا هذا الدحول والصدوع والآبار المكشوفة في الأراضي البرية التي تؤذي أو تهلك المتنزهين وذلك لجهلهم بالمكان الذي يرتادونه ، وأكثر مايتعرض لذلك إما الأطفال وإما أصحاب الدراجات النارية ويأتي بدرجة أقل سائقوا السيارات وترك الإبلاغ عن مثل هذه الدحول أو الآبار المكشوفة يُعرض النفوس للهلاك أو الضرر فلذا ينبغي التعاون على البر والتقوى في هذا المجال وقد خصصت له الجهات المسؤولة الرقم 939 لتسهيل عملية الإبلاغ والحل لمثل هذه المخاطر التي تهدد حياة المتنزهين ومرتادي البراري والأودية والشعاب .
عباد الله : ومما يُعيق الطريق ويؤذي المارّة البهائم السائبة التي تُترك بلا رعاية ولا حفظ وهذا يأثم صاحبها إثماً عظيماً إذا فرّط في حفظها وذلك حينما يتسبب بحوادث مُهلكة لقواد المركبات بسبب إهماله هذه البهائم وهو مسؤولٌ عن تفريطه بحفظ هذه البهائم من الإضرار بالمارّة .
عباد الله : في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العجماء جُبار والبئر جُبار والمعدن جُبار وفي الركاز الخُمُس " ومعنى جُبار أي هدر لاضمان فيه وهو نص عام مقيّد بما سيذكر ، وهذا الحديث يتناول البهائم السائبة والآبار المكشوفة ويقول النووي رحمنا الله وإياه : " العجماء جُبار فمحمولٌ إذا ماأتلفت شيء بالنهار أو بالليل بغير تفريط مالكها " وقال الحافظ العراقي : قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور : " إنما يجب الضمان على أصحاب البهائم إذا كان ذلك نهاراً ، فأما إذا كان بالليل فإن عليهم حفظُها ، فإذا انفلتت بتقصير منهم وجب عليهم ضمان ماأتلفته ، واستدلوا على ذلك بما رواه أبوداود والنسائي وابن ماجه من رواية الزهري عن حرام بن محيِّصة الأنصاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه ، فكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، وأن على أهل المواشي ماأصابت ماشيتهم بالليل " وهذا الحديث معشر الإخوة يقيّد حديث " العجماء جُبار " فليس معنى الحديث أن ما أتلفت البهيمة غير مضمون في كل حال وإنما من فرّط فيها بالليل فيضمن .
وأما قوله : " والبئر جُبار " أي هدر أي لاضمان على صاحبها إذا كانت في أرضه وسقط فيها إنسان ، وقد بوّب البخاري : " بابٌ من حفر بئراً في أرضه لم يضمن " ويقول النووي أيضاً في قوله : " البئر جُبار " : أنه يحفرها في ملكه أو في موات - أي أرضٍ موات - فيقع فيها إنسانٌ أو غيره ويتلف فلا ضمان ، وكذا لو استأجره لحفرها فوقعت عليه فمات فلا ضمان .
وأما قوله : " والمعدن جُبار " أي أنه لو استأجر للعمل في المعادن والحديد فهلك بسبب ذلك إفلا شيء على من استأجره إذا لك يكن فرّط في ذلك ويؤيد ذلك روايةٌ أوردها الإمام مسلم في صحيحه : " والمعدِن جرحُها جُبار " ويقول ابن حجر صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري : " ويلتحق بالبئر والمعدِن كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات - أي أنه لايضمن - ردّ الله عنا وعنكم الشرور والمخاطر ووفقنا لكل عمل يرضى به عنّا
أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم

=============== الخطبة الثانية ===============
الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولاعدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - " واتقوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفسٍ ماكسبت وهم لايظلمون "
عباد الله : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق أن في الركاز الخُمُس والركاز هو أموال مدفونة من عصر الجاهلية وعليها علامة تدل على ذلك وسمّي ركازاً لأنه مركوز وثابت مستقر في الأرض التي وُجد بها .
ويجب إخراج الخمُس لبيت مال المسلمين والباقي لواجده ، ولا يدخل في الركاز المعادن الموجودة في باطن الأرض كالذهب والفضة والنحاس وغيرها ، ولا يدخل في الركاز ماعليه علامة للمسلمين أو لدولة إسلامية بائدة فإن هذا يسميه الفُقهاء لُقَطة يملكها صاحبُها إذا تقادم عهدها وإن كانت حديثة فيجب تعريفُها والبحث عن أصحابها عاماً كاملاً فإن لم يجدْ صاحبَها ملكَها من وجدها على أن يردها لصاحبها إن وجده فيما بعد ، وقد جاء في الموسوعة الفقهيّة : " أن لا خلاف بين الفُقهاء في أنّ دفين أهل الإسلام لُقطة ، وقال ابن قُدامة في المغني : " وإن كان على بعضه - أي الركاز أو اللقطة - علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفر فكذلك - أي لُقطة - لأن الظاهر أنه صار إلى مسلم ولم يُعلم زواله عن مِلكِ المسلمين ، فأشبه مالو كان على جميعه علامة المسلمين " وذكر في الموسوعة أيضاً أن قول ابن قدامة هذا هو قول بقيّة الفقهاء وليس الحنابلة وحدهم ، ومن اشترى أرضاً ووجد فيها ركازاً من دفن الجاهلية فالصحيح أنه لمن اشترى الأرض أو وُهبت له وهو مذهب الإمام احمد في رواية وبعض المالكية لأن الرّكاز لايُملك بمُلك الأرض وإنما يُملك بالظهور عليه " .
ومن وجد ركازاً في بلد غير إسلامي فإن الخُمُس يوزعه على الفقراء والمحتاجين ولا يعطيه لحكومة الدولة الكافرة كما ذكر ابن باز رحمه الله ، وهذا النصيب من الزكاة ( أي الخُمس ) هوخاصٌ بالركاز وكذلك الغنائم في الحروب ونصيب الزكاة المشتهر في الأموال هو ربع العشر كما تعلمون إلا ماكان في الخارج من الأرض فما سُقي منه بمؤونة وكُلفة نصف العشر وما سُقي بلا مؤونة ولا كُلفة العشرُ منه ، فاللهم أعنا على طاعتك ومرضاتك في كل أحوالنا وأعنا على أمور ديننا ودنيانا إنك أنت المستعان وعليك التكلان . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عزّ من قائل عليما : ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 

الأربعاء، 2 فبراير 2022

خطبة عن فضل الصحابة رضوان الله عليهم

 الحمدلله الذي أرسل رسوله بالهدى والبينات والفُرقان إلى الثقلين الإنس والجان ، أحمده سبحانه وهو العزيز المنّان وأصلي وأُسلم على النبي المختار صلاة وسلاماً دائمين دائبين على مرّ الزمان وعلى صحبه وحزبه أهل الفضل والعرفان الذين ساروا على نهجه حتى فارقوا الأهل والخلاّن ، وبذلوا في حياتهم المُهَج والأبدان وجاهدوا في الله مع نبيه أهل الكفر والعصيان حتى علت راية التوحيد على سائر الأوطان والبلدان وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين بإحسان أزكى الصلاة والتحايا من رب البرايا  أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : على مرّ العصور كان لكل نبي أصحابٌ يأخذون عنه شرع الله ويطبقون وصاياه ويستنون بسنته ويهتدون بهديه فكان لموسى عليه السلام أصحابٌ ولعيسى حواريون مقرّبون ولمحمد صلى الله عليه وسلم أصحابٌ أجلاّء وهم خير أصحاب الأنبياء على الإطلاق ، وقد جرى على جميع صحب الرسل الإبتلاء فجرى أصحاب موسى أنه أمرهم ذات مرّة أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي أرض فلسطين اليوم فأبوا بحجّة أن فيها قوماً جبّارين وكان يحكمها  رجال من الحيثانيين والكنعانيين  والفزريين كما ورد في المراجع وقال رجلان منهم وهم يوشع بن نون وكلاب بن يافنا ( ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون * وعلى الله فتاوكلوا إن كنتم مؤمنين ) فأبوا أن يدخلوها وقالوا كلمتهم لموسى ( إنا لن ندخلها أبداً مادموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) وحرّم الله دخولها عليهم أربعين سنة كما ورد في كتاب الله ، ومات موسى عليه السلام على حدود أرض فلسطين عليه السلام ومات جلّ أصحابه في أرض التيه في سيناء إلا هذان الرجلان منهم فدخلوها منتصرين فيما بعد وقد قيل أن يوشع بن نون وهو نبي من أنباء بني اسرائيل  سأل الله أن تُحبس له الشمس لكي يدخل الأرض المقدسة فاتحاً منتصراً بمن معه فأجيب لذلك وقد ورد في السنة أن الشمس لم تُحبس لنبي إلا له ، ولايوجد نبي يشبه نبياً قط في جهاده ودعوته كما يُشبه موسى نبيَّنا محمداً صلى الله عليه وسلم فيشبهه في الجهاد لأعداء الدين عامّة وفي جهاد قومه خاصّة ويُشبهه بكثرة الأتباع وأنزلت التوراة كتاب في أحكامٌ وتشريع وكذلك القرآن أعمّ وأشمل وأما عيسى فلم يجاهد حتى رُفع عليه الصلاة والسلام وسيرجع يجاهد أعداء الدين في آخر الزمان . 

عباد الله : وجرى على أصحابه الإبتلاء وابتلوا في إيمانهم لمّا رأى عيسى عليه الصلاة والسلام كفر بني إسرائيل حيث ييقول جلّ وعلا : ( فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنّا مسلمون )  ولما رُفع عيسى عليه السلام وألقي شبهه على بعض أصحابه فأمسك به اليهود وقتلوه وصلبوه ثم عدوا على أصحابه فيما بعد فعذبوهم وأورد ذلك ابن الجوزي رحمنا الله وإياه في كتبه : " المنتظم في تاريخ الملوك والأمم " ونسبه لابن إسحاق وهو محمد بن اسحاق المدني الذي توفي في منصف القرن الثاني الهجري  .

وأما أصحاب نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهم من أشدّ الناس بلاءاً وذلك لمحبة الله لهم ولسابقتهم لهذا الدين ولقوة إيمانهم وصبرهم وكما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل ؟ أي الناس أشد بلاءاً قال : " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، فيُبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقّة ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ماعليه خطيئة " أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه . 

فهاهو أبوبكر رضي الله عنه يضرب حتى يسيل الدم على وجهه وضُرب عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وأوذي من أجل ترك الإسلام والرجوع إلى الشرك فأبى وهاهو عمار يعذبه المشركون هو وأبوه وأمه رضي الله عنهم أجمعين فلا يصده ذلك عن دين الله وكان يسميه النبي صلى الله عليه وسلم بالطيّب المُطيّب وهاهو بلال رضي الله عنه  يُعذّب في بطحاء مكة ويفرش جسده في الظهيرة ويُلقى على صدره صخرة عظيمة فيأبى أن يرجع عن الإسلام ويقول أحدٌ أحد رضي الله عنه وكذلك وخباب بن الأرتّ وسلمان الفارسي وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم والذين منهم لم يتعرض للتعذيب في السِّلم تعرّض للتعذيب في الحروب ، كما جرى لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة مؤتة فقد قُطعت يمينه وشماله ولم يتوانى بحمل الراية حتى سقط شهيداً وكذلك قُتل فيها زيد بن حارثة وكذلك عبدالله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين هكذا كانوا في المعارك سواء مع النبي صلى الله عليه وسلم في معاركه مع المشركين أو حين يبعثهم سرايا وغُزاة فكانوا يُبلون بلاءاً حسناً ويُقدمون ويبذلون الغالي والنفيس من أجل نصرة هذا الدين ورفع كلمة الله في كل بلد ووطن يطؤونه . 

عباد الله : فضل الصحابة على هذه الأمة عظيم وأجل من أن يُحصر وحفظهم للسنة وبذلهم للعلم وتعليمهم للناس وجهادهم بكل مايملكون من قولٍ أو عمل يفوق الوصف والتعبير ، ولذا كانوا أئمة في الدين ومشكاة هدى ومشاعل نورٍ وهداية بداية بالخلفاء الراشدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتمسك الناس بسنتهم بعد سنّته عليه الصلاة والسلام فقال : " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ " ومروراً بسائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وقد روى الترمذي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله عليه وسلم : " اقتدوا بالّذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمّار وتمسكوا بعهد عبدالله بن مسعود " وفي رواية : " وماحدثكم ابن مسعودٍ فصدقوه " وأما قوله وتمسكوا بعهد ابن مسعود أي بما يوصيكم به وينصحكم بفعله رضي الله عنهم وعنّا أجمعين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي بيده الفضل والإحسان أحمده وهو اللطيف المنّان وأصلي وأسلم على المبعوث بالكتاب المنزّل والتبيان وعلى آله وصحبه أولي المكارم والعرفان ومن تبعهم إلى يوم الدين بإحسان أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن الله جلّ وعلا امتدح صحابة نبيه وقد ذكر لهم مثلاً مشرّفاً  في التوراة والإنجيل فامتدحهم في الكتب المنزلة رضوان الله عليهم أجمعين وبين أن من كره أعيانهم فهو كافرٌ كما قال الله تعالى في كتابه : ( محمدٌ رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سُجداً يبغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كرزع ٍ أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما ) ولذا قال الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله وإيانا أجمعين : " من أصبح في قلبه غيظ على أحدٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية . 

عباد الله : معرفة حق الصحابة والترضي عنهم والدعاء لهم نهجٌ أمر الله به عباده في كتابه حيث قال جل وعلا : ( والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوفٌ رحيم ) فهم قومٌ رضي الله عنهم كما قال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم )  ومن أشد ماوري في فضل الصحابة رضوان الله عليهم ماأخرجه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في كتابه ( فضائل الصحابة ) عن عبدالله بن مُغفّل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله الله في أصحابي ، لاتتخذوهم غرضاً بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل ، ومن آذى لله يوشك أن يأخذه " وكذلك حديثٌ أخرجه الطبراني ورواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سبّ أصحابي فعليه لعنه الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين " وهذا الحديث يصححه بعض أهل العلم وقد ورد بألفاظ كثيرة . 

عباد الله : الإطلاع في سيرة الصحابة ومن تبعهم من أخيار هذه الأمة يزيد في الإيمان والصبر ويجعل العبد يحذو حذوهم ويجاهد نفسه كجهادهم لأنفسهم ويسلّي العبد فيما يصيبه من بلوى ومشقة في هذه الحياة ليصعد في درجات الإيمان عند الله بصبره وعزيمته فكم من موقف لصحابي أو تابعي من السلف كان له تأثير كبير على من أتى بعدهم من الخلف وكل ذلك لايُنال إلا بالإخلاص والصدق مع الله في أحوال العبد كلّها جعلني وإياكم من عباده الصادقين المخلصين ومن حزبه المفلحين وأولياءه المتقين ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاو والسلام عليه . .


الجمعة، 28 يناير 2022

خطبة عن الدعاء والوضوء وخطر الإعتداء فيهما

الحمدلله الذي أوجد عباده من عدم وفضلهم على سائر الأمم وربّاهم بسائر النعم والصلاة والسلام على المبعوث للعباد بجوامع الكلم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والإحسان والكرم وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى سبب ٌ لكل خير ، وصارفٌ لكل بليّة وشر ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : الدعاء من أجلّ القربات وهو مخ العبادة وفي الحديث : " من لم يسأل الله يغضب عليه " وأمر الله بالدعاء وعدّ ترك الدعاء استكباراً عن عبادة الله فقال جلّ وعلا : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) ووصف نفسه بالقرب وبأنه يُجيب دعاء من دعاه فقال سبحانه : ( وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) وهو من أكرم العبادات على الله ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس شيٌ أكرم على الله من الدعاء " أخرجه الترمذي وحسّنه الألباني ، والدعاء يجب أن يكون وٍفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بوجه عام وذلك أنه يجب أن يجتنب في الدعاء عدة أمور وأشدّها الإعتداء في الدعاء ومن صوره :

* أن يُفصّل بدعاءه ولذا ورد في السنة أن عبدالله بن مُغفّل رضي الله عنه سمع ابنه يقول : " اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتُها ، فقال أي بُنيّ : سل الله الجنة وتعوذ بالله من النار ، فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيكون في هذه الأمة قومٌ يعتدون في الطَّهور والدعاء " أخرجه أبوداود في سُننه وهو حديثٌ صحيح .
* وكذلك أن يدعو بإثم أو قطيعة رحم فمثلُ هذا يأثم ولا يؤجر ولا يُستجاب له . 
ومن الأمور التي ينبغي أن يتجنبها : الدعاء برفع اليدين بعد الإنتهاء من الفريضة فإن ذلك بدعة إن داوم عليه وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن رفع الأيدي في الدعاء بعد الفريضة فقال : " لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه بعد الفريضة بل السنة أنه يذكر الله ويدعو لكن من دون رفع يدين بعد الفرائض الخمس أما بعد النافلة فلا أعلم بعد التتبع الكثير لاأعلم أنه رفع يديه بعد النافلة عليه الصلاة والسلام ولكن عموم الأحاديث الدالّة على أن رفع اليدين من أسباب الإجابة يقتضي أنه لامانع من رفعها بعض الأحيان لايكون دائماً ، كما يرفعها إذا عنت له حاجة يرفع يديه ويدعو ولو من دون صلاة " انتهى كلامه ، فالمقصود من ذلك أنه يتجنب رفعها بعد الفريضة مباشرة لأن ذلك يُعدّ من البدعة وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الإبتداع في الدين فقال : " من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو ردّ " .
ومن الأشياء التي ينبغي أن يتجنبها عند الدعاء قوله : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت فتعليق الدعاء على مشيئة الله مكروه وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليُعظّم الرغبة فإن الله لايتعاظمه شيءٌ أعطاه " . 
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " طهورٌ إن شاء الله " للمريض الذي زاره من الأعراب ، فهذا كما قال الشيخ عبدالرحمن البرّاك : " أن هذا الأسلوب أسلوب خبر والخبر في مثل هذا يحسُن تعليقه على المشيئة ، مثال ذلك أن تقول : فلان رحمه الله أو اللهم ارحمه ، فلا يصحّ أن تُقيّد ذلك بالمشيئة ، بخلاف ما إذا قُلت فلانٌ مرحوم ، أو فلانٌ في الجنة ، فإنه لابد من التقييد بالمشيئة لأن الأول دُعاء والثاني خبر ، ولا يملك الإنسان الإخبار عن الغيب ، فإن أخبر عن ما يرجوه وجب تقييد ذلك بالمشيئة  " .
ويكره للإنسان أن يدعو بدعوة ليس فيها حمد الله تعالى ولا الصلاة على نبيه فَضَالة بن عبيد رضي الله عنه قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته فلم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم :  " عجٍل هذا ثمّ دعاه فقال له أو لغيره إذا صلّى أحدُكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثمّ ليصلّ على النبي صلى الله عليه وسلم ثمّ ليدعو بعدُ بما شاء " أخرجه وأبو داود والترمذي في سننِهما وقال الترمذي : حديثٌ حسن صحيح . 
وينبغي أن يدعو لنفسه بالخير ولا ينبغي أن يدعو على نفسه بتعجيل العقوبة له في الدنيا وفي صحيح مسلم أن رسولَ صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :  " هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه " قال : نعم ، كنت أقول اللهم ماكنت به معاقبي في الآخرة فعجله لي في الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله لاتُطيقه أو لاتستطيعُه ، أفلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار " قال الراوي : فدعا الله له فشفاه . 
وينبغي للعبد أن يتأدب مع الله جلّ وعلا في الدعاء فينتقي الألفاظَ الكريمة والعباراتَ المستقيمة ويبتعد عن الألفاظ القبيحة والأوصاف المستكرهه والأسماء المَهينة ، فاللهم وفقنا لأحسن الأقوال والأعمال وجنبنا سبل الزيغ والضلال ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 
============= الخطبة الثانية ==============  
الحمدلله الذي هدى لطاعته ومرضاته ومنّ على عباده بجميل هباته وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمد الذي أرسله إلى خلقه وبريّاته وأنزل عليه آياتِه صلى الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ ملءَ أراضيه وسماواته أما بعد : 
فاتقوا الله -عباد الله - واعلموا أن الله ذكر صورة من صور الإعتداء في العبادات في الحديث السابق ( حديث عبدالله بن مغفّل رضي الله عنه ) وهي الإعتداء في الطَّهور ، والطَّهور - بفتح الطاء - هو اسمٌ لما يُتطهر به وأما الطُهور - بضم الطاء - هو اسمٌ للفعل ومثله الوَضوء والوُضوء والسَّحور والسُحور ، وصور الإعتداء في الطّهور كثيرة منها : 
* أن يزيد على الثلاث وهذه الزيادة على الثلاث ورد في التحذير منها نصٌّ نبوي ففي الحديث الذي أخرجه النسائي وأبوداود وأحمد رحمهم الله من حديث عمرو بن شٌُعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنه قال : " جاء أعرابي يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء ، فأراه الوُضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال : 
( هكذا الوُضوء ، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدّى وظلم ) . 
ثمّ إن الزيادة على ثلاث عمداً لايجوز كما أخبر بذلك أهل العلم ، وأما شكّاً فهو باب من أبواب الوسوسة فيجب على العبد الحذر منه وأن لايستجّره الشيطان فيُصاب مع مطاوعة هذا الشك بالوسواس القهري الذي استفحل خطره مؤخراً وهو عقوبة - نسأل الله العافية - لمن تعدّى الحد الشرعي في الوَضوء ، والأمر تمادى ببعضهم حتى خرج وقت الصلاة بسبب سيطرة الوسواس عليه ومطاوعة النفس والشيطان مع أنه يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد حذّر من شيطان الماء وهو حديث فيه ضعف ولكن ذُكر في حديث مرسل للحسن البصري : " إن للوضوء شيطاناً يُقال له : الولهان ، فاحذروه ، وروى البيهقي في السسن الكبرى عن سفيان الثوري عن يونس بن عُبيد رحمه الله أنه قال : " كان يُقال إن للماء وُسواساً فاتقوا وسواس الماء " . 
وأيضاً يقع من يزيد على الثلاث بالإسراف في الماء إسرافاً لاحدّ له ولذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بسعد بن مُعاذ رضي الله عنه فقال له : "ماهذا السَّرَف ياسعد ؟ قال : أفي الوضوء سرَفٌ يارسول الله قال : " نعم ، ولو كنت على نهرٍ جار ٍ" . 
* ومن صور الإعتداء في الطهور القصور عن الحد الواجب وهو الغسل مرة واحدة ولكن لايُسبغه ولا يأتي به على الوجه المطلوب ومن النصوص النبوية المشتهرة في هذا الشأن : " ويلٌ للأعقاب من النار " فالوُضوء عبادة وشرطٌ لقبول الصلاة فالإخلال به سبب لردّ الصلاة وعدم قبولها . 
ويدخل في الإعتداء أيضاً مخالفة طريقة النبي صلى الله عليه وسلّم عمداً وتأويل النصوص كما يفعل الرافضة الذين يمسحون أرجلهم ولا يغسلونها لأن الله قال كما يزعمون : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين . . ) وهذا جهلٌ باللغة العربية وبدين الله والأرجل معطوفة على الوجوه والأيدي ولو كانت معطوفة الممسوح وهو الرؤوس لقال : " وأرجُلِكم " بكسر اللام لابفتحها وهذا واضحٌ لمن تأمله . . فنسأل الله الفقه في الدين وحسن عبادته حتى اليقين ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

السبت، 8 يناير 2022

خطبة عن السفر والإبتعاث والتفاخر في ذلك

الحمد لله الذي وفق عباده لسلوك السبل السوية وهداهم لدروب الخير المرضيّة وأزاغ من حق عليه القول من البريّة والصلاة والسلام على المبعوث للبشرية نبينا محمدٍ عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ أزكى سلامٍ وأوفر تحيّة أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : كثيراً مايأمرالله جل وعلا في كتابه بالسير في الأرض للتدبر والذكرى ومعرفة عاقبة الذين كفروا ومن ذلك يقول جل وعلا : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) وقال سبحانه : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ) وقال للتأمل وإحياء القلوب ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وقال جل ذكره : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيءٍ قدير ) . . والله جل ذكر السياحة والسير في كتابه في عدة مواضع ومن ذكره للسياحة قوله في صفات المؤمنين : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشّر المؤمنين ) وقال لأمهات المؤمنين في صفات النساء ( عسى ربُّه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائحاتٍ ثيّباتٍ وأبكارا ) والسياحة في كتاب الله ليس كما يظن البعض بأنها السفر للمتعة وسبر الديار وإنما هو الصيام وقد ساق ابن جرير بتفسيره أسانيد كثيرة تؤيد هذا القول وأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( السائحون هم الصائمون) وسُمّي السائح صائماً لأنه يترك اللذات كالمسافر الذي يخرج من بلده حيث كان السفر في ذلك الوقت أكثر مشقة وجهداً ونصباً من وقتنا الحاضر وقد ورد مثل هذا القول عن سفيان بن عيينة وذُكر عن ابن قتيبة أنه قال : "السائحون: الصائمون، وأصل السائح الذاهب في الأرض.. والسائح في الأرض ممتنع من الشهوات فشبه الصائم به لإمساكه في صومه عن المطعم والمشرب والنكاح ".
والسياحة ياعباد الله في بلاد الكفار مما حرّمه العلماء إلا للضرورة القصوى وخصوا من ذلك من يسافر للدعوة أو للعلاج أو للعلم الضروري التي تحتاجه الأمة وأما السفر للسياحة والإستطلاع فقد حرّمه أهل العلم وحتى السفر للتجارة وقد وردت فتوى لابن باز سئل فيها أسئلةً متعددة ومن ذلك سائلٌ يسأل فيقول : " نلاحظُ تناقضاً كبيراً بين المسلمين في القول والعمل فالمسلمون الذين يشهدون أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويعتادون المساجد ويؤدون الفرائض نجد من بعضهم سلوكاً يختلفُ عن سلوك اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعندما يسافر أحدٌ من الناس إلى أوروبا التي أصبحت بلا دين بعد أن تركت تعاليم الكنيسة يعود المسافر ويقول : لقد رأيت أخلاقاً أفضل من أخلاق المسلمين فبماذا توجّهون أمثال هؤلاء وفقكم الله ؟ "
فأجاب رحمنا الله وإياه بقوله : " لايجوز السفر إلى بلاد أهل الشرك لأن السفر إليهم من أسباب الضلالة ومن أسباب الرجوع عن الدين ، ومن أسباب سماع شُبَههم وضلالاتهم وكيدهم للإسلام ، فربما ضل بأسبابهم ، وما يلقون عليهم من الشُبَه ، فلا يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلاد أهل الشرك ولا الإقامة بينهم ، لما في هذا من الخطر العظيم ، ولما يُلقونه من الشُبه ، ولما يراه من الفساد العظيم هناك من الشركيات والزنا واللواط وسائر المعاصي الكثيرة ، فرُبّما تأثر بها وزاغ قلبه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( أنا بريءٌ من كل مسلم يُقيم بين المشركين ، لاتراءى ناراهما ) وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من جامع المشرك - أي اجتمع معه - أو سكن معه فهو مثله ) فيجب على المسلم أن يحذر السفر إلى بلاد أهل الشرك والإقامة بينهم ، لا للتجارة ولا غيرها ، فيجب الحذر ولا سيّما في هذه الأوقات التي كثُر فيها الشرك والفساد وانتشر فيها الكفر والإلحاد ، فينبغي الحذر ، اللهم إلا أن يكون ذا علمٍ وذا بصيرةٍ يدعو إلى الله ويُعلّمُ الناس الخير ويرشدهم إلى الحق فهذا معذور ، لأنه يدعو إلى الله ويُظهر دينه فهو نافعٌ هناك وقد يهدي الله على يديه جمّاً غفيراً ، أما الجاهل والذي ليس عنده بصيرة في دينه ، فهذا يجب عليه الحذر وأن لا يسافر ، أما كونه يغترُّ بأخلاقهم وأعمالهم فهذا من جملة الفساد الذي يُخشى منه ، فقد يغترّ بهم من جهة ماعندهم من صناعات أو اختراعات أو أشياء أخرى تغرّ هذا المسكين الجاهل الذي لايعرفُ الإسلام ولا احكام الإسلام وإنما يعرفُ بعض المسلمين وبعض المسلمين عندهم أخلاقٌ سيئة . . عندهم كذبٌ ، عندهم ربا ، عندهم زنا ، عندهم شُرب مسكر ، ليس كل مسلمٍ متحفظاً تاركاً لما حرّم الله عليه ، فقد يغترّ هذا المسكين الذي سافر إلى بلاد الشرك ويرى عند أولئك شيئاً من أخلاقهم الدنيوية المعيشيّة فيغتر بها ، فيجب الحذر من السفر إليهم والإقامة بينهم ويجب على المسلم أن يعتصم بدينه ويتمسّك بدينه ويُكثر من قراءة القرآن وتدبّر القرآن حتى يعرف دين الله وهكذا يتبصر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه الذين هم خير الخلق بعد الأنبياء حتى يعرف أعمالهم الطيّبة وسيرتهم الحميدة وجهادهم الصادق ، فيعلم أنهم هم أهل الخير وهم القدوة وهم السادة وهم الذين ينبغي التأسي بهم والسير على مناهجهم ، وإذا خالفهم من من بعدهم من المسلمين في بعض الأخلاق فاللوم على من خالفهم وتنكّب طريقهم ، فعليك - ياعبدالله - أن تسلك الطريق المعروف الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم وسلكه أصحابه في الأخلاق والأعمال والسيرة ، ولا تغترّ بمن حاد عن طريقهم من المسلمين أو غيرهم نسأل الله السلامة " انتهى كلامه رحمه الله .
معشر الشباب وأولياء الأمور : ثقافة السفر والسياحة التي أصبحت مع الأسف رائجة عند كثير من البيوت التي تُصرف فيها أموال طائلة تجاوزت حدّ الإسراف بلا مبرّر سوى المتعة لاشك أن ذلك وبالٌ على أهله وذلك ان الإنسان يُسأل سؤال محاسبة عن تلك الأموال التي ضيّع كما أخبر بذلك المصطفى عليه السلام كما في الحديث الصحيح : " لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عُمُره فيما أفناه ؟ وعن علمه فيمَ فعل ؟ وعن ماله من أين اكتسبه ؟ وفيما أنفقه ؟ وعن جسمه فيما أبلاه ؟ " .
فسؤال الله للعبد ومحاسبته ليس بالأمر الهيّن وذلك أن من نوقش الحساب عُذّب ففي حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نوقش الحساب عُذّب ) فقالت : " أوليس يقول الله تعالي : ( فسوب يُحاسب حساباً يسيراً ) فقال صلى الله عليه وسلم : " إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك " فنسأل الله العافية لنا ولكم أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم أنه هو الغفور الرحيم .

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أتقى خلق أجمعين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :
التفاخر والمباهاة - ياعباد الله - مرضٌ استشرى في مجتمعنا وبلغ حدّ السُخف والحمق وسطحيّة العقول والطيش وكل ذلك بسبب تصدير مشاهير في مواقع التواصل الإجتماعي ركبوا موجة الشهرة وتصدير الذات على قصورها وجذب متابعين ليس همهم إلا ماتمليه أهوائهم وأنفسهم ويتبعون الملذات والشهوات ويتفاخرون بالمآكل والمشارب وبالسفر للبلد الفلاني والبلد الفلاني وبعضهم كاذبٌ فيما يقول ، وبلغ ببعضهم من يصوّر نفسه مع كأس أو وعاء أو مكان لكي يُري من يتابعه من باب التفاخر والعُجب ولا يهمه انكسار قلب فقير أو صاحب عاهة مرضيّة أو يتيم أو نحو ذلك ، فهذا لاعبٌ كرة يتباهي ويتفاخر أمام متابعيه ، وهذا شابٌ ذا طيش وخفة عقل يتباهى بسخافاته أمام زملائه بل حُكي أن بعض المعلمين والمعلمات يُوردون مثل هذه الأشياء لا لهدف تربوي ولكن لتفاخر شخصي مع الأسف وهذا شرٌ وبلاء وفتنة فلا بد من الترّوي وإحكام العقل في هذا الموضوع ، والتفاخر بهذه الأمور يجرّ لعواقب وخيمة ومساوئ وسلبيات يطول ذكرها وربما فقد تلك النعمة بسبب عين حاسد قلبت عليه حياته رأساً على عقب أوحُرقة ضمير من فقير لايجد مايأكل من الخبر اليابس فضلاً عن طعام يُشبعه فلنتق الله ، وتجد أيضاً مع الأسف من ابتُلي بهذا التفاخر والتباهي لو دُعي للإنفاق في وجوه الخير لأبى أن يشارك بأدنى مبلغ مالي ، مع أنه يعلم أن من حوله من الديار كالشام واليمن وغيرها تتلوى بطون صبيانهم ونسائهم من الجوع وليتذكّر قول الله تعالى : ( ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم ) وإن بداية هلاك العباد يكون بفسق المترفين وبَطَر المسرفين وعدوان الظالمين ، وفي ذلك يقول الله تعالى : ( وإذا أردنا أن نُهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) ويقول سبحانه : ( وكم أهلكنا من قرية بطِرَت معيشتها فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا وكنّا نحن الوارثين ) فادرأ ياعبد الله عنك عذاب الله بفعل مايرضيه وتجنّب مايسخطه ويغضبه ، فمن أسخط ربّه فأي سماء تُظلّه وأي أرضٍ تؤويه . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 

الخميس، 6 يناير 2022

خطبة عن فقد العلماء الربانيين والأخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن فقد الأمة للعلماء الربانيين رزية تصاب به الأمة بين الفينة والأخرى بداية بوفاة إمام الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وهذه من سنة الله تعالى في العباد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها :  ( إنك ميتٌ وإنهم ميتون  * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) وإن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عبرة وعظة وهي علامة من علامات الساعة وعند البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " اعدد ستاً بين يدي الساعة : موتي ثم فتح بيت المقدس ثم مُوْتَان يأخذ فيكم كقُعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً ثم فتنة لايبقى بيتٌ من العرب إلا دخلته ثم هُدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغِدرون فيأتونكم فيأتونكم في ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً " . 
عباد الله : من العبر والدروس في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة حقيقة هذه الحياة وأنها دار عبور وليست دار مستقر وسرور ومن تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " مالي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثمّ راح وتركها " وجد أن هذه الدنيا دار غرور تخدع من يتعلّق بها ولو كان فيها خيراً مالعنها الله كما أخبر بذلك المصطفى وما يلعنه جل وعلا فهو حقيرٌ ذليل عنده لايُساوي عنده شيئاً  .   
عباد الله : بموت النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء الربانيين تُعرّض الأمة للفتن وهم أمنة للأمة من الفتن في الدين والإنحراف والزيغ والضلالة لأنهم كالنجوم يستضاء بهم في حالك الظلمات وعند الجهل في الأحكام الشرعية ولذا ورد في الحديث عند مسلم من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ماتوعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي مايوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي مايوعدون " لأنهم دُعاة هدى وأصبر الناس على الناس ووصف الإمام أحمد العلماء الربانيين وأهل الخير والدعاة عموماً بقوله : "  يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يُحيون بكتاب الله الموتى ويبصّرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه وكم من ضالّ تائه قد هدوه "  . 
ومن خيريّتهم وجود الأثر على الناس في حياتهم وبعد مماتهم قد كتب الله لهم القبول في الأرض والقبول لايُكتب لكل أحد بل للصفوة الصافية من الأمة وللنخبة من الأتقياء الربانيين الذين أخذوا على عاتقهم هم الدعوة ونشر العلم وتبليغ رسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم في أصقاع المعمورة ، فكانوا في رباطٍ حين يلهوا الناس وكانوا في هدى يوم يضل الناس ، قد سلمت قلوبهم في الغالب من الغلّ والضغينة على عباد الله يرجون الهداية لسائر البشر وتحترق أفئدتهم حينما يرون الناس على ضلالة وجهل ولهم عند الله المنازل العالية والدرجات الرفيعة 
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلّاءُ 
وقدرُ كل امرئ ماكان يُحسنه * والجاهلون لأهل العلم أعداء 
ففز بعلمٍ تعش حيّاً به ابداً  * فالناس موتى وأهل العلمِ أحياءُ 
ولذا كان فقد العلماء ياعباد الله أمراً عزيزاً وقويّاً على أنفس أمة محمدٍ وخصوصاً من لديه علمٌ وبصيرة بمآلات الأمور ويعدون موتهم ثلمٌ بالديانة ونقصٌ لديانة الناس كافّة لافتقادهم إلى من يرشدهم ويدلهم ويفتيهم في سائر أمورهم يجلو عنهم الحيرة ويزيد فيهم البصيرة فكان حاله عند فقده كما قال الشاعر : 
وما كان قيسٌ هلْكُه هلْكُ واحدٍ * ولكنه بنيان قومٍ تهدّما . 
ولا يرث هذه العلم إلا الأخيار من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يبصرون الناس بدينهم ويحذّرون من أهل البدع والضلال ودروب الشر كما قال صلى الله عليه وسلم : "  يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " وهذا الحديث صححه الإمام أحمد . 
وعكس ذلك الأئمة المضلون الذين يفتون بغير علمٍ أو يتصدرون بمكرٍ وحيلة وتصدّرهم قيادة أو سلطة أو يشرون ذمم الناس بمال أو يفتون بحلّ لحرمة أو حرمة لحلّ مقابل متاعٍ من الدنيا قليل كما يفعل بعض أهل الكتاب : ( إن الذين يكتمون ماأنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك مايأكلون في بطونهم إلا النار ولايكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ) . 
فهؤلاء الأئمة المضلين يجب الحذر منهم أشدّ الحذر وذلك أن بعضهم يتحين الفرصة لكي يدس السم في العسل بسبب زيغ قلبه وضلاله ولا يُميز هؤلاء ويُجلّي أمرهم للناس إلا الراسخين في العلم ، ولذا الله جل وعلا سمّى العلماء أولي أمر في بعض المواضع لأنهم يتولون تعليم الناس ويَحلون بسبوغ علمهم المعضلات قال سبحانه : ( وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) . 

=========== الخطبة الثانية ============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى التسليم  أما بعد : 
عباد الله : احترام أئمة الإسلام وعلمائهم هي عقيدة الفرقة الناجية وذلك أنه لو لم يُعظّم هؤلاء العلماء لما عُظّم كتاب الله ولما عُظمت سنة النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء يحملانها في صدورهم ليس وتقديرهم يكون لما يحملونه من علمٍ وبصيرة وقدر الإنسان بما يحمل من علمٍ وتقوى ولذا ورد في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس منّا من لم يُجلّ كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقّه " رواه الإمام أحمد والحاكم وحسّنه ، وكيف لايوقرون ويُجلَّون وهم ورثة الأنبياء  ، وكان الإمام أحمد رحمه الله كثير الدعاء للشافعي رحمه الله فسأله ابنه عبدالله : ياأبت أي شيء كان الشافعي فإني أسمعك تُكثر الدعاء له ؟ فأجاب رحمه الله : " يابني كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس ، فانظر هل لذين من خلف أو منهما عِوض ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : " موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه " لأن العالم يهدم ماتبنيه الشياطين وما تعمله بوعظه وتعليمه وإرشاده أما العابد فنفعه لنفسه عليه مقصور وله أجر وأما العالِم فيُضاعف له الأجور . 
ورُوي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : " أتدرون كيف ينقص الإسلام ؟ يكون في القبيلة عالمان فيموت أحدهما فيذهب نصف العلم ويموت الآخر فيذهب علمهم كلّه " . 
وفي الطبقات لابن سعد : عن زيد بن وهب - رحمه الله - قال : " أتينا عبدالله بن مسعود فذكر عمر فبكى حتى ابتلّ الحصى من دموعه وقال : إن عمر كان حصناً حصيناً يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه فلمّا مات أُثلم الحصن فإذا الناس يخرجون عن الإسلام ولا يدخلون فيه "  وكان يقول رضي الله عنه : " موت العالِم ثلمة في الإسلام لايسدها شيء مااختلف الليل والنهار " وفي مجمع الزوائد للهيثمي  : يقول سعيد بن المسيب شهدت جنازة زيد بن ثابت - وكان أفرض أمة محمد صلى الله عليه وسلم - فلمّأ دُفن في قبره ، قال ابن عباس : " ياهؤلاء من سرّه أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم ، وايم الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثير " أخرجه الطبراني . 
عباد الله : إن موت العلماء كابن باز وابن عُثيمين والألباني واللحيدان الذي توفي مؤخراً وغيرهم من العلماء الأفذاذ نجهل منهم الكثير ولا نعلمهم لهي رزيّة وبليّة نحتسبها عند الله ونرجو من الله لمشائخنا الرحمة والرضوان وأن يُعوّض هذه الأمة خيراً ولا يعرّضنا للفتن جميعاً لافي بلادنا ولا في بلاد المسلمين كافّة وأن يحمي سبحانه حوزة الدين ومن فقد عالماً أو صالحاً من هذه الأمة فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أصيب أحدُكم بمصيبة فليتذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب " والحديث رواه الدارمي في سننه والطبراني وهو حديث مرسل صححه الألباني . 
ثم صلوا وسلموا على خير البرية وأزكى البشرية نبينا محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائلٍ عليما ( إن الله وملائكته يُصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . . 


خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...