الأربعاء، 7 سبتمبر 2022

خطبة عن الطلاق وآثاره

 الحمدلله الذي بقدرته خلق الزوجين الذكر والأنثى ، من نطفة إذا تُمنى ، وله المثل الأعلى ، والحمدلله الذي بيده الآخرة والأولى ، وأنعم على عباده وأولى ،  والصلاة والسلام على المبعوث بالحق والهدى ، إلى جميع الخلق ولم يتركهم سُدى وعلى آ له وصحبه ومن لزم صراط ربه واهتدى ، أما بعد : 
فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون بها والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) . 

عباد الله : كلٌ منا يسعى لحياة مستقرّة وبيت ٍأُسري خالٍ من المنغصات والمشاكل الزوجية وإن أكبر خطرٍ يهدد البيوت ويقض أركانها هو الطلاق الذي بدأت آثار انتشاره تبدو واضحة في مجتمعنا والعالم الإسلامي إلا من رحم الله ، ولا شك أن الزوجة الصالحة - ياعباد الله - هي خير مايدّخر العبد ويحوز في دنياه ، وذلك أن الزوجة بشكل عام  هي في الواقع قاعدة للبيت وإذا كانت صالحة فهي صلاح لدينك ودنياك وصلاحٌ لولدك الذي تبني عليه آمالك وتؤمل فيه ، ولذا ورد في الحديث عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه أُنزلت في الذهب والفضة - أي قوله تعالى : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم ) لو علمنا أي المال خيرٌ فنتخذَه ، فقال - أي صلى الله عليه وسلم : " أفضله لسان ذاكر وقلبٌ شاكر وزوجة مؤمنة تُعينه على إيمانه " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ، وفي رواية في مسند الإمام أحمد : " وزوجة صالحة تُعينه على أمر الآخرة " . 

عباد الله : إن أعظم سبل الشيطان وسبب ضياع الأبناء والبنين هو اللجوء إلى الطلاق ، فيفرّق الإنسان شمله بسبب لحظة غضب يندم عليها ابن آدم أشدّ الندم ، وتضيع بسبب ذلك الموقف أسرتُه ، فليتق اللهَ العبدُ المؤمن ويتعامل مع الغضب وذلك الموقف بالحكمة والبصيرة والعقل ، وليصبر ولا يضع مستقبل نفسه وأبناءه وأسرته رهن موقف واحد وليعالج الأمور بالتي هي أحسن ، وإن من أشد مايفرح به الشيطان وشياطين الإنس والجن وقوع الطلاق وتشتت الأسر ، فإن هذا يُرضي شهواتهم بسبب ذواتهم الشريرة وسرائرهم الخبيثة وفي الحديث : " إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثمّ يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ، فيقول : فعلتُ كذا وكذا ، فيقول : ماصنعتَ شيئاً ، قال ثم يجيئ أحدهم فيقول : ماتركتُه حتى فرّقت بينه وبين امرأته ، قال : فيدنيه منه ، ويقول : " نعم أنت " قال الأعمش أُراه قال : " فيلتزمُه " رواه مسلم . 

عباد الله : إن الله لم يشرع الطلاق لتفرقة البيوت وحاشاه جلّ وعلا ، ولكن الله شرعه لتُحلّ مشكلة ، وليس لتُفرق أسرة ، ولتُفرّج كربة ، وليس ليفرح عدو ، ولتؤدى حقوق ، وليس لتضيعَ أسرة  ، وبعض الناس - هداهم الله وعافاهم - يستخدمون هذا الطلاق أسوأ استخدام فالأصل في البيوت أنها قائمة شامخة بأهلها موطدة الأركان وثابتة البنيان ، ولذا كان الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله ، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " ولذا كان الطلاق تجري عليه الأحكام التكليفية الخمسة : فيباح عند الحاجة الشديدة ، ويُكره عند عدمها ، ويجب عند عدم رجوع الزوج لزوجته وإهماله لحقها ، فإن الله رصد لمن يترك معاشرة زوجته أربعة أشهر ، فإن رجع الزوج لزوجته وإلا وجب الطلاق إن طلبت الزوجة ذلك ، ويحرم الطلاق في حال الحيض ، وفي حال طُهر المرأة إذا جامعها فيه ، ويستحب أو يُندب إذا فرّطت المرأة في حقوق الله الواجبة كالصلاة أو تكون - لاقدر الله - غير عفيفة أو نحو ذلك .

إن البيت المستقر ياعباد الله من النعيم في هذه الدنيا وكان من دعاء السلف " اللهم إني أسألك عيشة هنيّة وميتة سويّة ومرداً غير مخزٍ ولا فاضح  " فالبيت المطمئن والأسرة المستقرة من أفضل النعيم ، ومن رزقه الله ذلك فليكثر من حمد الله تعالى وشكره ، فإن من البيوت من تئن ، إما من تشتت سببه طلاق ، وإما من ضياع أفراد سببه انفصال بين الزوجين وافتراق ،  وإما من انحراف سببه قلة مسؤولية ونقص ديانة وعدم متابعة للأبناء والبنات بعد حدوث الطلاق  فاللهم أصلح أحوال المسلمين ، وأصلح ذات بينهم واجمع شمل أسرٍ افترقت وبيوتٍ تصدّعت ياذا الجلال والإكرام ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي لكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم  .

=========== الخطبة الثانية ============

الحمدلله له الحمد كلُّه وله الشكر كلُّه وإليه يُرجعُ الأمر كله دقُّه وجلًّه وأولهُ وآخرُه وعلانيتهُ وسرُّه ، والصلاة والسلام على المبعوث للناس رحمة ، فأحيا به الله الملّة وأزاح الظُلمة وكشف الله به الغُمّة عن الأمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم واتبع كتاب ربه والسُنّة أما بعد : 

عباد الله : فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أن هناك أسبابٌ كثيرة يجب على المسلم  أن يحذر منها من أجل أن يبقى بيت الزوجية مستقراً ولايداهمه الطلاق ، ولعلنا أن نأتي على بعض تلك الأسباب فمنها : عدم التوافق بين الزوجين من أيام الزواج الأولى وسبب ذلك تزويج المرأة وهي كارهة أو عدم أخذ رأيها في ذلك ، وفي الحديث : " لاتُنكح الأيّم حتى تُستأمر ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن " قالوا : يارسول الله ، وكيف إذنها ، قال : " أن تسكت " متفق عليه .

ومن تلك الأسباب التقصير من الزوج أو الزوجة في حق الآخر فيُحدث هذا الأمر الكراهية من أحدهما للآخر وينبغي في هذه الحال حل الأمور بالصبر والتأني والنصح والتوجيه ، فإن البغضاء والكراهية إذا حلت في بيت أفسدته وفي الحديث : " لايفرُك مؤمنٌ مؤمنة إن كرهَ منها خُلقاً رضي منها آخر " رواه مسلم 

ومن تلك الأسباب عدم الإتفاق على الشروط أو عدم إثباتها في العقد ، ومنها نقمة الزوجة على الزوج عند الزواج بأخرى ، وهذا يُعالج بالحكمة وليس ببت الأمر بالطلاق حتى وإن طال الهجر من الزوجة الأولى ، فإياك أن تفرّق أسرتك بسبب غيرتها وتنافسِ ضرّتها ، ومنها أن يتراكم الخلاف فلا يُحلّ في وقته فيؤدي إلى حدوث نُفرة لاتتدارك فيما بعد ، ومنها اختلاف المستوى الإجتماعي ومستوى الدخل ، وإرهاق الزوج مالياً ، ومنها تعويد النفس على بعض الألفاظ التي تهدم الأسرة وتُحدث الطلاق كعبارة ( عليّ الطلاق أن تفعل كذا . . ) ونحوها من الألفاظ ، فكيف لعاقل أن يجعل مُستقبل أسرته وأولاده مُعلّقاً على أمر حدث أو لم يحدث ، وكيف لعاقل أن يهدم مابناه في عشرين سنة بكلمة أو عبارة طائشة يذهب ضحيتها أسرة لا ذنب لها ، فليتق الله المسلم وليحذر أشد الحذر من هذا الفعل المشين وليستبدل هذه العبارات السيئة التي اعتاد إطلاقها بعبارات أخرى لايدخل فيها الطلاق ،  فالطلاق أصبح اليوم كالشبح الذي يهدد البيوت ، والخاسر فيها والضحية هو أنت أولاً وأسرتك ثانياً بمن فيها الزوجة والأبناء . 

معشر الأزواج إن التعامل مع المرأة يحتاج لحكمة وتأنٍ وبعدٍ عن أسباب التشاحن والخلافات فإن المرأة لم تُخلق مُكمّلة الخلقة ففيها نقص ٌ فطري في خلقتها وقد أوصى بها النبيُ صلى الله عليه وسلم فقال : " استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خُلقن من ضِلَع ، وإن أعوج شيء في الضِلَع أعلاه ، فإن ذهبت تُقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء " رواه البُخاري .

وهذه الوصية النبوية ميزان عام في العلاقات الزوجية لتهنأ البيوت باستقرار وطمأنينة ، فاللهم أصلحنا وأصلح لنا أهالينا وذرارينا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين لاضالين ولا مُضلين . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير 

السبت، 27 أغسطس 2022

خطبة ثانية عن بداية العام الدراسي

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : إن من أهم مايسعى إليه العبد في حياته أن يكسَب علماً ينير دربه وبصيرته ، فكلٌ منّا سائرٌ إلى ربه لامحالة
( ياأيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فمُلاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يُحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً * ويصلى سعيرا ) فهذه هي الحقيقة المؤكدة التي يجب أن يعمل على ضوءها المسلم وأن ينتقي من العلم ماينفعه ويبتعد عن مايضره ، وذلك أن العلم الذي يكسبُه العبد إما أن يكون علماً ينفع العبد في عبادته ومعاملاته ويقربه من إلهه ومولاه فهذا يجب أن يلزمُه العبد ، ويسعى كل السعي لتحصيله ، ولو بذل في سبيلا ذلك المال ، وإما أن يكون ذلك العلم لافائدة منه بل هو مضيعة للوقت فهذا يجب أن يبتعد عنه المسلم كل البعد حسب استطاعته ، وإما أن يكون ذلك العلم في مرحلة وسط أو يكون سبيلاً لتعلم العلم النافع وتبليغه فهذه لاحرج للعبد في تعلمه مالم يفض تعلمه إلى محرّم كمن يتعلمّ علم الفلك بما فيه الأبراج والنجوم وربطها بالحوادث الأرضية وأما من يتعلمها لمعرفة الوقت ودخول الفصول فلا حرج .

عباد الله : هانحن في بداية عام دراسي جديد طويلٍ نسبياً ، يحتاج لوقفة منا جميعاً ، سواءٌ كنا مربين أم معلمين أم أولياء أمور أم مسؤولين كلٌ حسب مايستطيع ، نريد أن نبني جيلا رائداً في تعلمه وتعليمه وفي إتقانه وسلوكه....
 نحن اليوم - ياعباد الله - بحاجة لنشغل الأبناء بما ينفعهم ، فهناك ملهيات وصوارف كثيرة تُفسد القلب والنشء وتزرع الشهوات والكسل والخمول، فياعبدالله إلى متى تنشغل عن أولادك وبنيك وبناتك ولا تراهم إلا عند حضور طعام أو آخر الليل أو عند الصباح، ذهبت أيام وضيعتها في لهو وغفلة ولعِب فمتى تلتفت إلتفاتة راعٍ ومسؤول وناصح فتؤدي 
ما أوجب الله عليك من نصح أبنائك ورعايتهم، أم تريد أن تكون ممن قال الله فيه ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذابٍ مُقيم ) 

عباد الله : إن مجتمعنا بحاجة إلى تعليم العلم الشرعي أكثر من غيره بعد أن قُلّصت عدد حصصه ودروسه فالفئة العمرية التي من سن السابعة إلى سن الخامسة عشر من العمر يحتاجون منا لزيادة جهدٍ وعمل ورصد ساعات منك أخي الأب وبتوجيه منك للأم لتعلم أبناءك وبناتك أمور الدين وثوابت الشريعة التي يجب عليك أن تهتم بها وتعلّمَها ، فما أضرُ على الناشئ من الجهل وما أضر على الناشئ من الإهمال من نفسه أو من والديه والذي يجره للشرور والفتن فإن العلم حصنٌ مكين وسورٌ حصين من أسباب الردى والهلاك . . فيا أخي الطالب وياأخي صاحب المسؤولية أياً كان دورك ماذا ننتظر من هذا التواكل الذي نعانيه فالتواكل في كل حال مذموم والله أمر بالتوكل وكره التواكل فالتوكل ممدوح والتواكل في كل حال مذموم ، وما ضيع العبد كثيراً من فرص النجاح إلا بسبب العجز والتواكل على الغير ، فمارس عملية التعليم بنفسك مع أفراد الأسرة فإن ذلك خيرٌ لك وأكثر ثواباً واعظم أجراً ولا تيأس أو تتواكل على غيرك بلا سبب ولا مبرر ، فأنت تهيئ أبناءك وبناتك لتنتفع بهم في حياتك وبعد مماتك وليس أحدٌ مشفق عليهم كإشفاقك وحريصٌ عليهم كحرصك فلا تضيّعهم ، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته .

وإذا كُنت موعوداً بجنة عرضُها السماوات والأرض على حُسن تربيتك وتعليمك لأبناءك وبناتك وتعمل لآخرتك فتذكر هذه النعمة واحمد الله عليها ، فغيرك ممن كان على الكفر ينشء ولده وبنته على الكفر ويسوق الله له بعض برّ أبناءه به حسب برّه بأبيه وأمّه ثم يُرمى بعد موته بالهاوية ويصلى ناراً حامية ، وكأنه ماظفر ببر ابن ولا بنت ولا عاش في الدنيا منعّماً وهذا شؤم الكفر والشرك على صاحبه ، فابشر ياعبدالله بكل خير يامن غرست غرساً طيباً في أفراد أسرتك كافّة فسيوفيك ربك الجزاء الأحسن ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون ) جعلنا الله وإياكم منهم وأعاننا على حسن التربية والتعليم والتأديب بالتي هي أحسن ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم .

============ الخطبة الثانية ==============

الحمدلله الذي فضل أهل العلم على غيرهم من الخلق ، وأنار سبيل المؤمنين بالقول المبين والحق ، وهو الحق المبين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وإماماً للمتقين نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أفضل الصلوات والتسليم من رب العالمين أما بعد :

فاتقوا الله - عباد الله - 
عباد الله : لما كان الخير المتعدي خيرٌ من الخير اللازم كان الذي يُعلّم خيرٌ من الذي لايُعلّم ولا ينشر العلم ، وكان الذي ينفع الناس خيرٌ من الذي لاينفعهم ، وكان العلماء وطلاب العلم الشرعي خاصّة خيرٌ من غيرهم لأنهم أعلم والغالب بهم أنهم يبذلون العلم وينشرون الوعي في هذه الأمة ، فهذا هو النهج الذي ينبغي أن يسلكه أفراد الأمة كافّة فوالله مايُصلح هذه الأمة إلا بما صلُح به أولها ، وما صلُح وفاز الرعيل الأول من هذه الأمة إلا بحيازتهم قصب السبق في العلم ونشره وحفظهم وإتقانهم وإمامتهم في الخير ونيّتهم التي تحدوهم لمزيد من البذل والعطاء ورفع الجهل عن هذه الأمة وفي حديث مال إلى تحسينه جمعٌ من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدنيا ملعونة ، ملعون مافيها إلا ماكان لله عز وجل " وفي الحديث الآخر الذي حسّنه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون مافيها إلا ذكرُ الله تعالى وما والاه وعالماً ومتعلّماً " فكيف يشتغل العبد بشيء لامنفعة فيه ولهو لاطائل من ورائه عن عمل الآخرة ورصد الأجور والثواب له يوم الدين ، ويقول الحافظ ابن رجب رحمنا الله وإياه تعليقاً على هذا الحديث : " فالدنيا وكل مافيها : ملعونة ، أي مُبعدة عن الله لأنها تُشغل عنه ، إلا العلم النافع الدال على الله وعلى معرفته ، وطلب قُربه ورضاه ، وذكر الله وما والاه مما يُقرّب من الله ، فهذا هو المقصود من الدنيا ، فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويُطيعوه ، ولازم ذلك دوام ذكره ، كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه : " تقوى الله حقّ تقواه أن يُذكر فلا يُنسى " وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره ، وكذلك الحج والطواف ، وأفضل أهل العبادات أكثرهم ذكراً لله فيها ، فهذا كلّه ليس من الدنيا المذمومة ، وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها ، كما قال تعالى : " وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون " ا.هـ كلامه . 
فاقطع على نفسك عهداً أن تخصص ساعتين أو ساعة من وقتك تُعلّمَ فيه أفراد أسرتك ولا تفرّط في ذلك بقدر استطاعتك ، فالجهل بدأ يرتع في مجتمعنا ، ومن تُعلمهم اليوم فسيسودون غداً ، وإن سادوا على جهل فلا خير في أمة ساد فيها جُهّالها وتصدّر سفهاءها وشِرارها 
لايصلح الناس فوضى لاسُراة لهم  * ولا سُراة إذا جهالهم سادوا 
تُلفى الأمور بأهل الرشد قد صلُحت * فإن تولّوا فبالأشرار تنقادُ 
اللهم أصلح على أيدينا وارفع عنا الجهل وعن أولادِنا وأهلِينا وعن المسلمين كافّة ياسميع الدعاء ياواسع العطاء ، ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . 


الخميس، 18 أغسطس 2022

خطبة عن أهل الذمة والمعاهدين

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .
عباد الله : لما فُتحت كثير من البلدان في عصر النبوّة وفي القرون الأولى المفضّلة كان الناس يختلطون ببعضهم البعض فكان من تلك البلدان من دخل في دين الإسلام اختياراً وكان منهم من دخل في دين الإسلام نفاقاً وكُرهاً هرباً من الجزية وكان منهم من لم يدخل في دين الإسلام ورضي بالجزية من يهود ونصارى ومجوس ولما ظهرت الحدود في البلدان وأُقرّت كان من الضروري فهم أحكام أهل الذمة وهم : كل مُعاهد كانت بين ولي أمر المسلمين وبين ولي أمرهم أو من ينوب عنه ذمة وعهد على أن لايمسهم أحد بأذى في بلادنا ولا يمس منّا أحدٌ في بلادهم أو كان مستأمناً أمّنه ولي الأمر وسمح له بدخول بلاد المسلمين وأن له وللمعاهد ما للمسلمين من عصمة الدم والمال والعرض وعليه ماعليهم فلو جنى أُخذ بجنايته أياً كانت جنايته ويُقاد بحسبها ، والشرع المطهر من الوحيين الكتاب والسنة أمر بالوفاء بالعهود حيث قال جلّ وعلا : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها . .) ( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ) وفي الحديث الآخر عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : " أخبرني أبو سفيان أن هرقل - ملك الروم - قال له : " سألتك ماذا يأمركم ؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة " قال : " وهذه صفة نبي " أخرجه الإمام أحمد في مسنده . 
عباد الله : حذّر الله ورسوله من استباحة دماء المعاهدين والمستأمنين ففي حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل مُعاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً " أخرجه البخاري وما حرّم الله ذلك إلا لأنه يفضي إلى مفاسد كثيرة من ظهور الفوضى واستباحة الدماء وجرّ الشرور والحروب بين دول إسلامية ودول أخرى بسبب نقض العهد الذي أبرمه ولي الأمر مع أي دولة فهذا المُعتدي حكمه حكم الخوارج الذين لايقرون بعهد ولا بيعة ولا ذمة ولذا في الحديث الصحيح حديث قيس بن عبّاد رحمه الله تعالى أنه قال : " انطلقت أنا والأشتر إلى علي رضي الله عنه فقلنا : هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده للناس ، قال : " لا ، إلا مافي كتابي هذا " فأخرج كتاباً من قراب سيفه ، فإذا فيه : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، وهم يدٌ على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ألا لايُقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده ، من أحدث حدثاً فعلى نفسه ، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " أخرجه أبوداود . 
والشاهد في هذا النص : " يسعى بذمتهم أدناهم " فلو أن صغيراً أو كبيراً أو امرأة أمّن رجلاً أو من دونه من الناس من الكفار فلا يجوز لأحد أن يمسه أو يتعرضه بسوء وهذا من عدل الإسلام وكماله وأخذ ورفعه لمقام الجميع من المسلمين . 
عباد الله : إن من يخون ويغدر أو يعتدي على حرمات الله تعالى فإنه أبعد الناس عن التقوى ولا يصلح أن يُولى أو يتولى أمراً من أمور المسلمين فإن من خان الله في هذه المحارم سيخون في حقوق العباد ويستولي على ماليس له من مال عام أو خاص وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : ماخطبنا النبي صلى الله عليه وسلم إلا قال : 
" لا إيمان لمن لاأمانة له ولا دين لمن لاعهد له " وهو في مسند أحمد وفي صحيح ابن حبان . 
فانظر كيف جعل أداء الأمانة مرتبطاً بوجود الإيمان ونفى الدين عن من لايفي بالعهود والمواثيق ، فلنتق الله تعالى ونستمسك بهاتين الخصلتين التي هما رأسٌ في إيمان العبد ودينه ومن أخلّ بهما فقد أساء لدين لنفسه أولاً وللمجتمع الذي يعيش فيه ثانياً ولدين الإسلام ثالثاً فكم شُوّهت صورة الإسلام واتُهم بالعنف والإرهاب بسبب انتهاكات من قِبل أفرادٍ ممن ينتسبون لهذه الأمة ، مع أن أحق من يوصف بالعنف والإرهاب والإجرام عامّة هم أعداء هذا الدين من اليهود ومردة النصارى وغيرهم ممن ينقضون العهود والمواثيق ويستبيحون دماء الأبرياء من الأطفال والنساء والمدنيين العزّل فحسبنا الله ونعم الوكيل وهو حسب كل مؤمن وكافيه ، أعز الله دينه ونصر أولياءه والمسلمين كافّة إنه قوي عزيز ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي رحيمٌ ودود . 
============== الخطبة الثانية =============== 

الحمدلله هدى من طلب الرشد والهدى ، وأزاغ عن صراطه من ضلّ وأعرض واعتدى ، والصلاة والسلام على النبي الكريم الذي جاهد العدا وأنار سبيل من اقتدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والفداء ومن على طريقهم اهتدى أما بعد : 
يقول ربنا جلا وعلا في محكم التنزيل : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين ) فالله أمر في هذه الآية بالدخول في " السِّلم "  كافّة ، والسِّلم الذي هو الإسلام أصوله وفروعه كما فسره المفسرون ، أمر الله بالدخول فيه وبحرمة الإنتقاء من الإسلام مايوافق الهوى فيُعمل به ومالا يعمل به ، وقد يظن البعض أن ذلك المقصود هو النداء بالمسالمة في الحرب ، وهذا خلاف المشهور بين المفسرين وحرّم الله أيضاً اتباع خطوات الشيطان ، فاتباع خطوات الشيطان يُضل العبد عن الصراط المستقيم ويُسقطه في الكبائر والموبقات ومن خطوات الشيطان صحبة رفقاء السوء الذين يتجرؤون على حرمات الله ، ومن خطوات الشيطان تأويل النصوص الشرعية على الهوى ومشتهيات النفس بغير علم ولاهدى ، ومن خطوات الشيطان اتهام المُخالف ووصفه بأقبح الأوصاف من غير دليل ولابينة وغير ذلك . 
عباد الله : لن يكون العبد من خير عباد الله حتى يكون قدوة في أموره كلّها متصفاً بكريم الشمائل والأخلاق داعياً إلى الله بأخلاقه وبكل وسيلة ممكنة مشروعة فيستثمر وجود المعاهد والمستأمن في بلدنا من عمّال وسائحين فيدعوهم لدين الله ويُبين لهم محاسن هذا الدين ولا يستحي أو يخجل من هذا الأمر ففرص الدعوة وهداية الناس لدين الله القويم مازالت سانحة ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النَّعم التي كانت أنفس أموال العرب في ذلك الزمان فنسأل الله أن العلي القدير أن نكون دعاة هدى ومشكاة هداية ومشعلاً دالاً لصراط الله المستقيم وأن نكون هداةً مهتدين مهديين هادين لخير سبيل ببصيرة ويقين لاضالين ولا مضلين ياذا الجلال والإكرام . . 

الأحد، 7 أغسطس 2022

خطبة عن قصة قارون والفتنة بالمال

 الحمدلله العلي الحكيم ، القوي العظيم ، الذي خلق للبشر مافي الأرض جميعاً وهو السميع العليم ، والصلاة والسلام على النبي الكريم ، نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أفضل الصلوات والتسليم أما بعد : 

فاتقوا الله -عباد الله - واتخذوا كل وسيلة تقربكم من الله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تُفلحون ) ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) واعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار . 

عباد الله : المال نعمة من الله ، من استعمله في طاعة الله وأدى ماافترض الله عليه كان نعمة لذلك العبد وخير له ، وزاده الله من فضله ووسع عليه في رزقه ، وكما ورد في الحديث : " مانقص مالٌ من صدقة ، بل تزده بل تزده " ويؤتي سبحانه من ينفق الضعف في الدنيا ، وأضعافاً في الآخرة والله يضاعف لمن يشاء ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ) والذي يتصدق بما هو فوق الزكاة الواجبة فهو مبشّرٌ بالمضاعفة الكثيرة والنعيم والخير كما قال الله تعالى :  ( من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثير والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ) . 

عباد الله : إن هذا المال فتنةٌ وامتحانٌ لكثير من خلق الله الذين لايؤدون حق الله فيه ، بل سخروا هذا المال في شهواتهم ولخدمة مصالحهم التي بعضها يهدم الدين والأخلاق في مجتمعنا ويُدّمر القيم والمبادئ لمجرد أن ذلك يوافق مافي نفوسهم من الشرّ والباطل ، وقد ضرب الله في كتابه المجيد مثالاً لمن كان المالَ له فتنة وجعله مثلاً للعالمين وهو قارون الذي كان من قوم موسى وقد ذكر أكثر أهل العلم كما أورد ذلك الطبري في تفسيره أن قارون كان ابن عم موسى لأبيه وأمه وهو قول ابن جريج وأنه بغى وتكبر ورزقه الله مالاً عظيماً كما قال الله تعالى : ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعُصبة أولي القوة ) أي يستثقل حمل مفاتيح الكنوز الجماعة من الرجال الأشداء الأقوياء أوصلهم بعض المفسرين إلى أربعين رجلاً كابن عباس والضحاك وغيرهم وقال بعض المفسرين أن تلك المفاتيح تُحمل على ستين بغلاً من كثرتها ، هذا شأن المفاتيح فما بالك بالكنوز نفسها والجواهر الثمينة التي أوتي  . 

لقد كان قارون جاحداً لنعمة الله تعالى ، مانعاً لحق الله في ذلك المال ، ولقد كان يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله مع ماجمع في قلبه من الكبر والغطرسة ، فتمادى به الحال وكفر بنعمة الله تعالى وأعرض عن الله وعن نبي الله موسى عليه السلام الذي أمره بالحق وباتباع صراط الله المستقيم ، ونصحه أهل الصلاح والخير من قومه بعدم الفرح وهو فرح الطغيان والأشر وأن يتخِذ هذا المال في العمل للدار الآخرة وأمروه بالإحسان وعدم طلب الفساد في الأرض فما كان منه إلا أن جحد فضلَ الله تعالى ونسب ذلك المال لعلمه وفضله فقال : ( إنما أوتيتُه على علمٍ عندي ) وهكذا كان كثيرٌ من الناس ممن أضل الله قلوبهم لاينسبون الفضل لله أولاً ثم لأنفسهم  حينما تُفتح عليهم الدنيا بل ينسبونه لجهدهم وعلمهم وسعيهم والله يُمهلهم ويحلُمُ عليهم ، وقد بين الله هذا في كتابه : أن أناساً من هذه الأمة سيصيبهم مثل ماأصاب قارون كما قال الله تعالى : ( فإذا مس الإنسان ضرٌ دعانا ثم إذا خوّلنا نعمة منّا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثر الناس لايعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون * فأصابهم سيئات ماكسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيُصيبهم سيئات ماكسبوا وما هم بمعجزين )  فلما أعرض قارون كان جرمُه ليس بعيداً عن جرم فرعون وهامان ولذا ضمّه الله معَهُما في معرض الآيات فقال جلّ وعلا : ( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين ) . 

عباد الله : خرج قارون ذات مرّة متباهياً متعالياً بزينته متكبراً ، فكان الناس وهم ينظرون إليه على فريقين فريقٌ يتمنى مثله ويريد أن يتباهى مثل ماكان يتباهى قارون أمام الناس ، وفريقٌ ممن أوتي العلم ينصح ويعظ أولئك الذين يتمنون  مثله ويقولون : ( ويلكم ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا يُلقّاها إلا الصابرون ) أي لايتعظ ولا يعتبر بهذه الدنيا ولا يزهد بها إلا من صبر وهجر زهرتها وأعرض عنها ، فهذه الدنيا ملعونة ، كما أخبر المصطفى عليه السلام زينتها غرور وصفوها كدر، وعيشها الحلو يعقُبُه المر ، فما كان من رب العزة والجلال إلا أن خسف به وبداره الأرض فصار عبرة وعظة للمعتبرين ، والشقي من وُعظ بنفسه والسعيد من وُعظ بغيره ، ومثل هذا الفعلِ يتكرر عبر الأزمنة من التعالي والغرور والإعجاب بالزينة والفخر والخيلاء الذي يصحب ذلك ، كل ذلك تكرر في أمم قبلنا وربما يتكرر في هذه الأمة ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجلٌ يمشي في حلّة تعجبه نفسه ، مرجّلٍ رأسه ، يختال في مشيته إذ خسف الله به في الأرض إلى يوم القيامة " ، وفي آخر الزمان يكثر الخسف كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام خسفٌ إنفرادي وجماعي ففي حديث عمران بن حُصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذف " فقال رجلٌ من المسلمين : يارسول الله ومتى ذلك ؟ قال : " إذا ظهرت القينات والمعازف وشُربت الخمور " أخرجه الترمذي 

ولذا كان الإسبال محرماً لأنه بابٌ للخيلاء والغرور والإختيال وهو كبيرة من كبائر الذنوب ، صاحبَه خُيلاء أم لم يُصاحبه والخيلاء مع الإسبال أشد إثماً وأعظمُ جُرماً ، فالحذر من كل مايُسخط الله ويغضبه من هذه الموبقات التي تُوبق العبد وتُهلكه وتورده جهنم وبئس القرار ، فاللهم اعصمنا من كبائر السيئات ، واحفظنا من المعاصي في الجلوات والخلوات يارب الأرض والسماوات ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============= الخطبة الثانية =============

الحمدلله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولاعدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات والتسليم أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى طاعة لله وقربة ، وحصنٌ من الشر وعصمة ، واعلموا أن النية في المال وتمني المال ليُستخدم في الطاعة والقربة إلى الله عز وجل  ينزِّلُ صاحبه منزلة الصدوق التاجر ذو الثراء المتصدق ، إن نوى العبد ذلك نيّة جازمة لا تصنّعَ فيها ولا كذب ، ففي حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أحدثكم حديثاً فاحفظوه ،إنما الدنيا لأربعة نفر : عبدٌ رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربّه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبدٌ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النيّة يقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان ، فهو بنيته فأجرهما سواء ، وعبدٌ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبِطُ في ماله بغير علم لايتقي فيه ربَّه ولا يصل فيه رحِمَه ولا يعلم لله فيه حقاً ، فهذا بأخبث المنازل ، وعبدٌ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرُهما سواء " أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح . 

وهذا الحديث جامع شامل لأحوال الناس مع المال والعلم وثوابهم بحسب نيّاتهم ، فمن نوى تسخير المال في الخير ووجوهه المتعددة  ولم يأبهُ يكن حريصاً على جمع المال ولم يُفتن بالدنيا ويتمنى ذلك المال من أجل البذل وفعل الخير بنية صادقة فأجره كمثل ذلك التاجر المتاجر مع الله  ، ولو لم يملك ذلك المال وذلك الثراء وكذلك العكس فمن نوى تسخير المال في وجوه الشر والفساد والباطل فهو ومن ينوي مثله بشر حال نسأل الله العفو والعافية . 

وهذا - ياعباد الله - يدلل على أهمية مراجعة القصد والنية في التعامل مع المال بالجملة ، ويحث على تصحيح النوايا والمقاصد ، ولذا كان السلف يحرصون تمام الحرص على تصحيح نيّاتهم وتعاهُدها لكي تستقيم لهم ، فكانوا بحق أسلم الأمة قلوباً وأعظمها نيّة ونفعا ، بل ويحثون على تعلم النيّة كما يُتعلّم العمل ، يقول سفيان الثوري رحمه الله وإيانا أجمعين : " كانوا - أي السلف - يتعلمون النيّة للعمل ، كما تتعلمون العمل " ويقول يحي بن أبي كثير : " تعلموا النيّة فإنها أبلغ من العمل " 

ومن النصوص النبوية التي تضبط تعامل المسلم  مع المال بشكل عام حديث سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه عبدالله بن عمر عن أبيه عمر رضي الله عن الجميع أنه كان يقول : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقرُ مني ، فقال : " خذه ، إذا أتاك من هذا المال شيء وأنت غير مُشرف ولا سائل فخذه ، فتمولّه ، فإن شئت كُلْه ، وإن شئت تصدّق به ، ومالا فلا تُتبعه نفسك " متفق عليه ، فكان عبدالله بن عمر لايسأل أحداً شيئاً ولا يردّ شيئاً أُعْطِيَه ، ومعنى مُشرف : أي متطلّع لذلك المال متلهفة نفسُك للحصول عليه  . 

والحديث دلّ على النهج النبوي الذي ينبغي أن يتخذه العبد في التعامل مع الأعطيات والهبات كافة من ولي الأمر ومن دونه من الناس ، وأما من يتخوّض في مال الله فيصرفه في غير مصارفه الشرعية أياً كانت فما لَه يوم الدين إلا عذابَ الجحيم بنص قول النبي الكريم : " إن أناساً يتخوّضون في مال الله يغير حق فلهم النار يوم القيامة " رواه البخاري .

فليحذر العبد من الخوض في المال العام فهو مُحاسب ومسؤول ولا يُنجي حينها لاجاه ولا نسب ولا منصبٌ ولا حسب .

اللهم سلمنا من الشرور والآثام ومن كل مايسخطك ياعفو ياسلام ، ياذا الجلال والإكرام . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل عليماً : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ) 

الاثنين، 18 يوليو 2022

خطبة عن الوصية وجوبها وآثارها ومنافعها

  إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : لكل بداية خاتمة ولكل حادثة وقتٌ وزمان ولكل حي فناء وزوال ولكل حياة نهاية وموت فهذه سنة الله في الحياة وفطرته ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ( ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم  . . ) ومادام الأمر كذلك فلا بد أن يكون الإنسان على حذر في هذه الحياة مما يكون له في مستقبل أمره في فترة مابعد الموت خاصّة والمؤمن كيّسٌ فطن ومن الحذر الذي هو من شيمة المؤمن الوصية ، فالوصية فيها حفظٌ لحقوق النفس ولحقوق الأهل والأولاد والناس الذين يرتبط معهم الموصي بحقوق واجبة وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ماحق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " زاد مسلم : قال ابن عمر : " مامرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي " متفق عليه . 

عباد الله : كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبة ثمّ قال بعض أهل العلم أن ذلك نُسخ ففي الآية التي سورة البقرة : ( كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين * فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبلونه إن الله سميع عليم ) حيث أن هذه الآية نُسخت بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقه فلا وصية لوارث " أخرجه أبوداود في سننه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، وقد اشتُرط في النسخ أن لايُمكن الجمع بين الدليلين ، فإن أمكن الجمع بين الدليلين فإنه لايُصار إلى النسخ ، ويمكن الجمع بين الدليلين دليل الكتاب والسنة في هذه المسألة ، وذلك أن الوصية تكون للوالدين الأباعد ( وهم الأجداد والجدات )اللائي لايرثون أو من حُجب بوصف ، وليس المقصود بذلك من كان من الورثة الذين يرثون سواء كان بفرض أو تعصيب ، وبهذا الجمع تجتمع الأدلة ويُعمل بالدليلين  .

عباد الله :  الوصية ياعباد الله خلاص من المشاكل وردٌ للحقوق وتخلّصٌ منها ، فكم ضاعت حقوقٌ بسبب التفريط في كتابتها وإثباتها ، والله امر بكتابة الديون حين قال في أطول آية في كتاب الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بنكم كاتب بالعدل . . ..) الآية ، وإنك لتعجب من أناس ٍ غارقين في الديون إلى هام رؤوسهم ولايوجد عنده سجلٌ أصلاً بالمديونيات التي عليه ، فهذا ماحاله إذا فاجئه الموت وما حاله بعد الموت ، مع علمه أن الدين لايغفره الله مهما كانت الأسباب حتى تُرد الحقوق إلى أصحابها ولو مات شهيداً وقُطعت أوصاله في سبيل الله ، وفي الحديث عند مسلم من رواية عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَّين " وفي رواية : " القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدين " . 

إخوة الإسلام : لزوم الحد الشرعي وعدم التجاوز في الوصية أمرٌ واجب ، فالجور في الوصية والظلم أمرٌ خطير يورد الجحيم وفي الحديث في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "  إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ، ثم يحضُرُهما الموت ، فيُضارّان في الوصية ، فتجب لهما النار " ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه وعنا أجمعين راوي الحديث : ( من بعد وصية يُوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليمٌ حكيم * تلك حدود الله . . ) الآية  ، وعند الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف في وصيته فيُختم له بشرّ عمله فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيُختم له بخير عمله فيدخل الجنة ، ثم قال : واقرؤا إن شئتم : ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يُدخله ناراً خالداً فيها وله عذابٌ مهين )  . 

فالحذر من الجور في الوصية فالجور في الوصية يُفسد مابين الورثة ويورث الخصومة والتنازع والتدابر والتقاطع وهو كبيرة من كبائر الذنوب وسبب من أسباب عذاب القبر ودخول النار أجارنا الله وإياكم ، والعقوبة تشمل المُوصِي والمُوصى الذي ربما حرّف في الوصية وبدّل ولذا قال الله في هذا الشأن : ( فمن بدّله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميعٌ عليم ) ، والساكت عن الجور في الوصية بعد علمه من الورثة يناله مايناله من العقوبة ، ولذا يجب على من حضر الوصية أن ينصح المُوصي ويخوفه بالله قبل موت الموصي وأما بعد موته فيعظ الورثة أن لايمضوا هذه الوصية التي فيها جور وظلم وأن يُصلح بينهم وذاك قول الله تعالى : ( فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفورٌ رحيم ) والجنف هو الوصية بجورٍ جاهلاً بالحرمة والوعيد ، وأما الإثم : فالمقصود به أن يوصي وصية جورٍ عالماً بالوعيد متعمداً ، وهذا يدلّ على أن الورثة إذا أمضوا الوصية يطالهم الإثم لأن الله استثنى المُصلح فقط بينهم والذي لايرضى بالظلم والعدوان فهو الذي يسلم من الوعيد فينبغي أن يحذر العبد من كل مالٍ أو مكسبٍ لايحل له ليسلم من عذاب الله ووعيده في الدنيا والآخرة ، أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

=========== الخطبة الثانية ===========

الحمدلله الذي شرع فأحكم وبيّن وأعلم  وهو العلي الأكرم ، والصلاة والسلام على نبي الرحمة المعظّم ورسوله المكرّم وعلى الآل والصحب الذي تفضل الله عليهم وأنعم وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد : 

عباد الله : الوصيّة منها ماهو واجب ومنها ماهو مستحب مندوب ومن الوصية ماهو محرّم وإثم فالواجب في الوصية أن يوصي بأداء ماعليه من حقوق ويذكر تلك الحقوق ويثبتها بالتفصيل ويبين أنه حين أوصى أنه في كامل عقله ولايلزم وصيته في حال صحته عندما تكون عليه حقوق ٌ واجبة، ومن الوصية ماهو مستحب كأن يوصي لنفسه بأن يُتصدق له على فقير أو يُبني مسجداً أو يدعم مشروعاً خيرياً أو يُفطّر صائم أو نحو ذلك بثلث ماله فأقل فهذا عملٌ صالح مسنون وهو مما يقدمه المرء في حياته ليجد ثوابه بعد مماته ، ومن الوصية ما هو محرم وإثم كأن يوصي بأكثر من الثلث بعد موته فلا يُعمل بهذه الوصية إلا بإجازة الورثة ، فإن أبوا فلا تمضي هذه الوصية إلا بالثلث من ماله فما دونه ، ومن الوصية المحرمة الوصية بحرمان وارث من الإرث حتى لو كان أبوه يكرهه أو كان الإبن عاقاً ، أو أن يوصي لشخص غير وارث أو وارث بأكثر من الثلث وكذلك الوصية للوارث لاتصح إلا إذا أجازوه الورثة لقوله صلى الله عليه وسلم : " لاوصية لوارث إلا أن يُجيز الورثة " رواه الدار قُطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه   

عباد الله : الإشهاد حين الوصية الشفوية أمرٌ واجب وكذلك حين الكتابة لقول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيُقسمان بالله إن ارتبتم لانشتري به ثمناً ولو كان ذا قُربى ولانكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين * فإن عُثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيُقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ومااعتدينا إنا إذا لمن الظالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن تُرد أيمانٌ بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لايهدي القوم الفاسقين ) وهذه الآية تدلل على أهمية الشهادة في الوصية وأنها تكون برجلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترتتضى شهادته  ، علماً أن المرأة لاتُقبل شهادتها في الحدود خاصة وتُمضى شهادتها في الأموال ، بل إنه يُقبل في الحقوق والأموال شهادة الرجل مع يمين المدّعي وشهادة المرأتين مع يمين المدّعي على الصحيح وهو قول شيخ الإسلام وجمعٌ من أهل العلم وعلى رأسهم الشيخ ابن بازٍ وابن عثيمين رحمهم الله وإيانا اجمعين ، ومن أهمية الشهادة أن الله رخص في قبول شهادة من لم يكن على دين الإسلام إن احتيج له في حال الموت والإحتضار لقول الله تعالى : " اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت . . " الآية فيُحبس الشاهدان من بعد صلاة العصر - وهي الصلاة المذكورة في الآية - فيُقسمان بالله على أداء الشهادة على وجهها وعدم التزوير أو التغيير فيها ، فإن بدلا أو غيّرا في الشهادة فيقوم بدلُهما اثنان فيشهدان أنهما غيرّا وبدلا في الشهادة فتُسقط شهادتُهما ويؤخذ بشهادة من شهد بتكذيبهما من أولياء الميت وذلك كله ليتحقق أداء الشهادة على وجهها فلا يكذب الشهود من غير المسلمين ويهابوا أن تُرد أيمانهم فيأتوا بالشهادة على وجهها وإلا كان رد شهادتهم إن ثبت كذبهم وتغييرهم . . ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال الحق جل شأنه وعظُم سلطان وصدق بيانه : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) . .  

الاثنين، 11 يوليو 2022

خطبة عن الزيارة للإخوان والأقارب

 إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وفتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد :فاتقوا الله - عباد الله - ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون )( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ثم اعلموا أن خير الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وشرّ الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذّ شذّ في النار .

عباد الله : الزيارات الأخوية بين الأقارب والإخوان والزملاء عملٌ صالح يكسب المرء به المعارف والخبرات ويؤجر عليه العبد إذا احتسب ذلك عند الله فهو خيرٌ من شخص متقوقعٍ ٍعلى نفسه وانطوائي على أهله وجماعته لايهتم بمن حوله من الناس إلا في إطار مصلحته ، ولو سألت أي مسلمٍ يدب على وجه الأرض ماردة فعلك وكيف سرورك عندما يناديك الآن منادٍ كم السماء " أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلا " فيقول لك مندهشاً أنا أريد ولا أظن أن أحداً يأبى ذلك ، فيقال له : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه منادٍ أن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنة منزلاً "  أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . 

عباد الله : إن الزيارة الأخوية من عوامل جلب محبة الله تعالى ومن أحبّه الله وُضع له القبول في الأرض وأحبه كل أحد ففي الحديث الصحيح : " أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله على مدرجته ملكاً ، فلما أتى عليه ، قال : " أين تُريد ؟ " قال : أخاً لي في هذه القرية ، قال : " هل لك عليه من نعمةٍ تربُّها عليه ؟ " قال : لا ، غير أني أحببته في الله تعالى ، قال : " فإني رسول الله إليك بأن الله أحبك كما أحببته فيه " والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  . 

عبادالله : الناس مع الزيارات بشكلٍ عام على ثلاثة أقسام : 

- فقسمٌ يحتسب هذه الزيارات في الله في كل مرة يغدو ويذهب فيها إلى صاحبه أو أخيه المُزار طلباً للأجر والثواب وحرصاً على نيل الفضل والكرامة من الله وليس ضيفاً ثقيلاً حين الزياة فيطيل المُكث حتى ينفر منه المضيّفُ والحاضرون مع حرصه على حفظ لسانه من القيل والقال والغيبة والنميمة ولغو الكلام فهذا عند الله بأعلى المنازل وأفضل المقامات ، وهو أشد الناس اتباعاً للمصطفى عليه الصلاة والسلام فهذه المجالس التي يجلسها وهذه الزيارات التي يقوم بها نورٌ له وسرور في صحيفة أعماله . 

- وقسمٌ منهم دون الأول فتجد أنه يحتسب بعض تلك الزيارات دون أكثرها وبكونه مطبوعٌ على حب تلك اللقاءات والإجتماعات فتجد أنه اعتاد عليها ، فلا يتخلى عنها حتى في المواسم الفاضلة التي يعتاد الناس فيها على ارتياد المساجد والسعي للعمل الصالح فغالب زياراته من باب الأنس والفضول وحب الإجتماع فقط ، ويفوته أكثر الإحتساب فيها ، ومثل هذا تجد أنه لايسلم من الغيبة واللغو والكلام الباطل والمُزاح الشديد الذي يثير الصدور والحقد بين أصحاب تلك المجالس ، فهذا أفرط في هذه الزيارات وتجاوز الحد المسموح بها مما أوقعه في المحرم مهو مأزور غير مأجور فيما تجاوز به ، ومأجور فيما احتسبه منها ، والسبيل القويم في ذلك الإقلال من هذه الزيارات في حقه وسلوك سبيل الإعتدال فيها فلا إفراط ولا تفريط . 

- وقسمٌ لايعرف لمثل هذه الزيارات سبيلاً وزيارته فقط لاتباع مصالحه ، علاقته مع الناس علاقة دنيا ، لايجيب دعوة ولا يعرف حقاً لكبيرٍ مريض ربما يكون من أقاربه الذين تجب زيارتهم ، مع تحذر النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من قطع الرحم ، وكذلك أخبر أن من الناس من لايألف ولا يؤلف لاخير فيه ، ففي حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يألف ويُؤلف ولا خير فيمن لايألف ولا يؤلف " رواه الإمام أحمد والبيهقي والطبراني وغيرهم  . 

عباد الله : لاشك أن مثل هذه الزيارات تتآلف فيها القلوب وتصلح معها الأنفس وتتواد معها النفوس ، إن سلمت من المنغصات والإثم ، وربما تصالح بسببها متشاحنون وتآلف بها متنافرون ، فطوبى لمن استمثر مثل هذه المجالس وتلك الزيارات بما ينفعُه وينفعُ غيره من الناس ، وسعى في الإصلاح بين متعادين أو زاد في ألفةٍ بين الزائرين مع أن بعض تلك الزيارات هي من حق المسلم على المسلم  ، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حق المسلم على المسلم ست " قيل وما هنّ يارسول الله : " إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصحه له ، وإذا عطس فحمد الله فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه " رواه مسلم ، وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً قال :  " حق المسلم على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، وإجابة الدعوة ، وتشميت العاطس " متفق عليه .

فاللهم وفقنا لفعل الخيرات وترك المنكرات واعصمنا من الخطايا والسيئات يارب العالمين أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم . 

============ الخطبة الثانية =============

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين وعلى من تبعه إلى يوم الدين أما بعد : 

فاتقوا الله - عباد الله - واعلموا أنه مما ينبغي معرفته أن حقوق المسلم التي وردت في الأحاديث السابقة منها ماهو واجب عيني يجب على المسلم بعينه ومنها ماهو واجب كفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ومنها ماهو مستحب ، ولمّا أورد الشوكاني في كتابه " نيل الأوطار " ذلك الحديث الذي فيه إثبات الحقوق الستة الآنفة الذكر قال : " والمراد بقوله : ( حق المسلم ) أنه لاينبغي تركه ويكون فعله إما واجباً أو مندوباً ندباً مؤكداً شبيهاً بالواجب الذي لاينبغي تركه ، ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المُشترك في معنييه ، فإن الحق يُستعمل في معنى الواجب كذا ذكره ابن الأعرابي ، وكذا يُستعمل في معنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك ، وقال ابن بطال : " المراد بالحق هنا الحُرمة والصحبة " .

عباد الله : رد السلام واجب إذا كان السلام على واحد ، وإذا كان على جماعة كان فرضاً على الكفاية ، وأما عيادة المريض ففرض كفاية ، وكذلك واتباع وتشييع الجنازة كذلك على الكفاية ، وأما تشميت العاطس فالصحيح أنه واجب على الواحد الذي مامعه أحد ، وفرض كفاية على الجماعة إن شمّت واحد كفى عن الباقين ، وأما بذل النصيحة لمن استنصح أحداً من المسلمين فواجب ، وأما إجابة الدعوة فواجبة إذا دُعي الرجل بعينه ، وأما إذا كانت عامّة فلا يجب إجابتها وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " بئس الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين ، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله " أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، ومع أن طعام الوليمة كما ورد بنص آخر يُمنعها من يأتيها ويُدعى إليها من يأباها وهي شرّ الطعام كما ورد عن المصطفى عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يعذر الله ورسوله من يتخلّف عنها كل ذلك لجبر الخواطر وتـأليف القلوب وزرع المودة والمحبة بين الناس ومشاركة أفراحهم إيناساً لهم وكل مافيه جمعٌ للقلوب والتأليف بينها أمر به الشرع ، وكل مافيه فرقة ونزاع وتنافر بين القلوب في المجتمعات المسلمة نهى عنه الشرع ، فاللهم لك الحمد على تمام شرعك المحكم ، ونعمتك وفضائلك ياأعز ياأكرم . . ثم صلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه . . . 

الجمعة، 8 يوليو 2022

خطبة ثانية لعيد الأضحى المبارك

الحمدلله الذي امتن على عباده بمواسم القُربات وأسبغ عليهم النعمة ووفهم للطاعات وبلغهم عشر ذي الحجة ورزقهم من الطيبات والصلاة والسلام على خير البريّات وأرفعهم في الدرجات وأعلاهم في المنازل والمقامات نبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل التحايا وأزكى الصلوات أما بعد :
فاتقوا الله - عباد الله - فالتقوى ينالُ ربَّ العزة والجلال ، ويرفع له العمل الصالح بالليل والنهار مادامت الأزمنة والآجال ومالهم من دونه من وال ، فالتقوى ياعباد الله عليه مدار الأعمال وخير ماتقرب به المتقربون وتنسك به المتنسكون ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم وبشر المحسنين ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : إن أعظم مامن الله به على عباده هو الهداية لهذا الدين وسلوك سبيل المؤمنين ، في وقت ضل عن طريق الله المستقيم خلقٌ لايحصيهم إلا الله فمنهم من حرّم عليه الطيبات من البهائم التي تعارف الكثير من البشر على أن اقتناءَها وذبحَها أمر طبعي وعادة إنسانية فحرّموا عليهم البقر ومنهم من حرّم على نفسه الغنم ، ومنهم من حرّم بعض بهيمة الأنعام من الإبل لأصنامهم وأوثانهم التي ماأنزل الله بها من سلطان فجعلوا منها البَحيرة وهي الناقة التي تُقطع أذنها إذا أنجبت عدداً معيناً وجعلوا منها السائبة وهي الناقة التي تسيّب للأصنام إذا بلغت سناً معيّنة وجعلوا منها الوصيلة التي تصل إنجاب أثنى بأنثى وجعلوا منها الحام وهو فحل الإبل الذي ينتج من صلبه عدد معين فيتركونه ولا يذبحونه وغيره ممن ذُكر كل هذا كذباً وافتراءاً على الله فرد الله ضلالاتهم عليهم فقال : ( ماجعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الكذب وأكثرهم لايعقلون ) .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : تقديم القرابين سنّة عند جميع الأمم باختلاف دياناتهم ، بل هي سنّة لكل أمة سبقتنا من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم ( ولكل أمّة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على مارزقهم من بهيمة الأنعام . . ) ولكن هذه البهائم إما أن تكون حسرة وعذاب لمن ذبحها بغير حقها وذكر عليه اسم غير الله أو تكون بهجة وفرحاً ونعيماً لصاحبها حينما تأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وشعرها شاهدة لصاحبها وكذلك كون الدم يقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فهنا تعرف نعمة الله عليه بالتوفيق والهداية والعمل الصالح المرضي الذي ارتضاه رب العزة والجلال وأضلّ عن هذا النسك وعن صراط الله المستقيم عامة كثيرٌ من البشر ممن يخبط في هذه البهائم التي سخرها للبشر ولذا ينبغي على كل من يستخدم من العمالة أن يتأكد من ديانته فلا تصح ذبيحة المشرك بأي حال .
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
عباد الله : وفي شأن الأضاحي لابد أن نراعِ السلامة من العيوب فالسلامة من العيوب أمرٌ مطلوب ولا يُجزئ في الأضاحي أربع كما قال عليه الصلاة والسلام : " لاتجزئ في الأضاحي أربعة : العوراء البين عورها ، والعرجاء البين عَرَجها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لاتُنقي " أي الهزيلة التي ليس بها مخ في أركانها وقد أخرج الحديث أصحاب السنن الأربعة من حديث البراء بن عازب ولا يُضحى أيضاً بمكسورة القرن بالكليه أو التي ذهب أكثر قرنها ولا بالعمياء ولا المصابة بصعق أو حرق حتى يزل مابها من عاهة ولا يضحى بالعاجزة عن المشي ولايُضحى أيضا بمقطوعة الإلية ويكره التضحية بمخروقة الأذن ومقطوعة الأذن ، وبعض العلماء يحرّم ذلك وكلما كانت الأضحية أسلم من كل عيب كلما كان ذلك أحب إلى الله وأقبل للأضحية الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ويجب أن يسمي وأن يكبر عند الذبح ولو نسيها لحلت ذبيحته لامتعمدا والأفضل أن يذبح بيده ويطبق السنة ويقول " اللهم عني وعن أهل بيتي " ويجعل رجله على صفحة عنق الذبيحة ويسن أن يوجهها إلى القبلة ويمسح على ظهرها ويهدئ من روعها ويسن شفرته وسكينه ويجهز على الذبيحه رحمة بها قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتله وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليُرح ذبيحته "
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
وأفضل أيام الذبح هذا اليوم الذي هو أفضل الأيام عند الله والذي يُسمّى بيوم الحج الأكبر ويوم النحر ثم اليوم الذي بعده - يوم القرّ - الذي به يقر الحجاج في منى لقوله عليه الصلاة والسلام " أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ " ووقت الذبح يبدأ من بعد صلاة العيد ويمتد إلى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر أي يوم العيد وثلاثة ايام بعده
ويجب الصدقة على الفقير من الأضحية ولو بالشيء اليسير والأفضل الثلث فما فوق لقوله تعالى في سورة الحج : " . . . فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير " ولقوله أيضاً : " ... فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون "
وإن أكل ثلثاً وأهدى ثلثاً وتصدق بلثٍ فقد أحسن .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : استشعار هذه الشعيرة أمرٌ ينبغي الحرص عليه وأن يطيب العبد بهذه الذبيحة نفساً وأن يخرج من طور العادات التي مضى عليها السلف إلى طور العبادات ، فهذه عبادة ينبغي للعبد الفطن أن يحرص على التعبد لله بهذه الشعيرة ممتثلاً قول الله تعالى : " فصل لربك وانحر " كل ذلك تعبداً لاعادة مضى عليها الأولون وسار عليها السابقون من الآباء والأجداد عليهم رحمة رب العباد .
=================== الخطبة الثانية =================
الحمدلله ولي المتقين الذي وفق عباده لسلوك طريق المفلحين وأنعم عليهم بوافر النعم في كل وقتٍ وحين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :


عباد الله : الفرح والإبتسامة والسرور في أيام العيد وإظهار الأنس سنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام كيف لا وقد كان أحسن الناس خُلقاً ، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفّه عن نفسه وعن أهله وأبناء بنته وغيرهم وروى ابن ماجة عن يعلى بن مرّة : " أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام دُعُوا له ، فإذا حسين - ابن فاطمة يلعب في السِّكة قال : فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم وبسط يديه فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فأس رأسه فقبّله " وكان يمازح أصحابه ويأخذون بأشعار الجاهلية في المسجد ويبتسم ، بل كان الحبشة يلعبون في المسجد ولم يكن ينهرهم ويستر عائشة وهي تنظر إليهم ويقول لهم : " خذوا بني أرفدة ، حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة " ولهذا لاينبغي التثريب والزجر للأطفال في أيام العيد خاصة فرفهوا عنهم وعن أنفسكم بما لايجاوز حدود الشرع فلا إسراف ولا مضرّة
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لاإله إلا الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
عباد الله : الكثير من المسلمين يُعاني خصومات وشحناء وبغضاء في قلبه على رجل من المسلمين أو عدة أشخاص وهذا الرجل أنهك قلبه وفكره بما لايعود عليه إلا بالمضرة في دينه وجسده واعلم أن أي خصومة أو خلاف تدوم في القلب أكثر من ثلاث ليال معرّض صاحبها للوعيد ففي الحديث : " لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار " أخرجه أبوداود عن أبي هريرة بإسناد صحيح فينبغي للعبد أن يُصلح قلبه ويجاهده فلا يستوي ذو القلب السليم مع القلب المشاحن أبداً لاعند الله ولا عند الخلق فليكن العبد كما قال الشاعر :
لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ * أرحت قلبي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته * لأدفع الشر عني بالتحيات
وأُظهر البشر للإنسان أبغضه * كما أن قد حشى قلبي محبات
الناس داءٌ دواء الناس قربِهم * وفي اعتزالهم ُ قطع المودات
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا

معاشر النساء : ماتقربت امرأة لربها بمثل العفة والحياء والقرار في البيوت وتربية الأبناء على الأخلاق النبيلة والأهداف السامية وهدم البيوت يبدأ بإفساد المرأة فإن تمكن العدو من إفسادها فقد تهدم البيت وخارت أركانه فكوني سداً منيعاً ولا تؤتى البيوت من قِبلك ، والحذر من دعاة الفتنة وزعماء تحرير المرأة التي بانت أكاذيبها وألاعيبها ولكن في المرأة الغربية عبرة فقد وصلت إلى منتهى الطريق فكانت سلعة رخيصة تباع بأبخس الأثمان لاقيمة لها ولا وزن في الدنيا مع النكال والعذاب الأليم في الآخرة ، فاللهم من أراد نساءنا وديننا وأهلنا بسوء فأشغله بنفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً له ياذا الجلال والإكرام .

خطبة عن حسن الخاتمة وأسبابها

  الحمدلله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، خلق الخلق ليعبدوه ووعدهم بالعاقبة الحميدة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام ع...